مع تفاقم حالة "الفلس" التي تعيشها اليوم تقريبا جل الطبقات الاجتماعية بسبب الغلاء الفاحش في الأسعار الذي ساهم بقدر كبير في تهاوي المقدرة الشرائية للمواطن يصح التساؤل بإلحاح: هل بات التونسي اليوم في حاجة الى أكثر من وظيفة حتى يستطيع تامين قوته اليومي؟
يبدو وفقا للشهادات التي استقتها "الصباح" من عدد من المواطنين أن كثيرين اليوم باتوا يلجأون إلى وظائف موازية علها تساعد ولو نسبيا على مجاراة "تسونامي" الأسعار الذي يواصل منذ سنوات نسقه التصاعدي دون رقيب أو حسيب ودون حتى سعي جدي من قبل المصالح والهياكل الرسمية المختصة الى كبح جماحه.. ليؤكد في هذا الخصوص كثيرون أنهم وجدودا على سبيل المثال في الدروس الخصوصية لتلاميذ السنة الأولى والثانية ابتدائي ملاذا لهم، فالمصاريف التي يجنيها البعض من التلاميذ تساعدهم على مجابهة مصاريف التنقل..
أما النسوة ممن يعملن في الوظيفة العمومية فقد وجدن في الدورات التكوينية لصنع الحلويات فرصة لتوفير مدخول مالي إضافي..، وعديدة هي المهام الأخرى التي يمارسها اليوم كثيرون على غرار العمل بنصف دوام في مراكز النداء أو في بعض المراكز الصحية..
تفاعلا مع هذا الطرح يعتبر كثير من المتابعين للشأن العام أن التونسي قد سئم ومل تواصل غلاء الأسعار وارتفاع نسبة التضخم كل سنة كما سئم الوعود الزائفة بإيجاد حلول لهذه المعضلة من ذلك كبح جماح هذه الأسعار بما يحقق انتعاشة ولو نسبية لمقدرته الشرائية. وبالتالي وأمام يقينه بأن الهياكل الرسمية أضحت عاجزة عن مقاومة هذه الآفة بات يبحث عن حلول فردية وآليات موازية يستطيع من خلالها تامين قوته اليومي وجميع مستلزماته.
في هذا الإطار تختلف الآراء وتتباين: فهنالك من يعتبر أن التونسي اليوم مطالب بالبحث عن وظائف أخرى موازية في ظل وجود مؤشرات مفزعة من ذلك تهاوي الطبقة الوسطى التي كانت في السابق تمثل 60 بالمائة من تركيبة المجتمع لتتراوح اليوم بين 20 أو 30 بالمائة وانحدارها نحو الفقر، هذا بالتوازي مع ما تكشفه بعض التقارير من ذلك عدم قدرة سلم الأجور في تونس على مجابهة نسق غلاء المعيشة. وبالتالي وبما أن أزمة غلاء الأسعار متواصلة منذ سنة2011 فانه يحق للمواطن التونسي اليوم البحث عن سبل وآليات أخرى "ينعش" بها جيبه.
لكن في المقابل يرى شق آخر أن الدولة هي المسؤولة رقم واحد عن إيجاد حلول تستطيع بمقتضاها السيطرة على غلاء الأسعار وعلى الضرب بيد من حديد على "مافيا" المتلاعبين بالأسعار معتبرين أن اللجوء إلى وظيفة أخرى سيكرس أكثر لتراجع قيمة العمل سواء في الوظيفة العمومية أو غيرها من المنشآت الأخرى كما سيكرس أكثر لتنامي ظاهرة الفردانية.. وبالتالي وبما أن فرصة العثور عن دخل مواز ليس أمرا متاحا للجميع فان الدولة ولا احد سواها مطالب بإحداث التوازن المطلوب.
من جهة أخرى ولان فئة هامة من التونسيين أصبحت اليوم تعمل في أكثر من وظيفة حتى تقدر على سد حاجياتها بما يجعل المسالة ترتقي الى مستوى الظاهرة جدير بالذكر أن الباحث والمختص في علم الاجتماع ممدوح عز الدين قد اعتبر في تصريح لـ "الصباح" أننا نعيش اليوم في إطار ما يٌسمى بالمجتمع الاستهلاكي أي أن الإنسان لا تتحدد وظيفته من خلال العمل أو ما يكسبه من علم ومعرفة أو من خلال طبقته العائلية وإنما مدى قدرته على الاستهلاك والتسويق لصورته.
وفسر عز الدين في هذا الخصوص أن معيار الاستهلاك لدى الفرد اليوم لا تحدده حاجياته وإنما الصورة التي يريد الترويج لها مشيرا الى مسالة التضخم هي مسالة واقعية لكن طبيعة التحولات التي عاشتها تونس منذ الثمانينات تؤشر الى دخول تونس مرحلة الاقتصاد الليبرالي أو الاقتصاد المعولم الذي يقوم على الليبرالية المتوحشة بما يجعل الاستهلاك المكثف ليس لتلبية الحاجيات وإنما لتلبية الرغبات.
وأضاف المختص في علم الاجتماع من جانب آخر أن نمط الإنتاج المكثف الذي تقوم عليه العولمة يجعل حجم الانتظارات كبير الذي يقابله شح في الموارد وبالتالي فان الانسياق على سبيل المثال وراء الموضة يخلف بالضرورة رغبة في تنمية الموارد وفي تحقيق الانتظارات، مشيرا إلى أن الواقع الذي نعيشه عقب 10 سنوات قد ساهم في الترفيع من حجم الانتظارات.
وإزاء جملة من المؤشرات على غرار ارتفاع نسبة التضخم وارتفاع الأسعار كما نسب الفقر والبطالة وتهاوي الطبقة الوسطى التي كانت لها توازنات ثابتة قد تراجعت بسبب التضخم، جميعها عوامل اضطرت المواطن ودفعت به للبحث عن حلول أخرى على غرار الانسياق وراء مدارس ومؤسسات التكوين من اجل توفير وخلق مردودية مالية كبيرة. ليخلص محدثنا الى القول انه أمام الشعور بالحرمان وانسداد الأفق أمامه الذي يقابله سقف كبير من الطموحات والانتظارات يحاول المواطن البحث عن طريق له متبنيا بذلك حلولا فردية ليكون مسار النجاح فرديا وليس جماعيا يقوم على اقتناص فرص النجاح.
منال حرزي
تونس-الصباح
مع تفاقم حالة "الفلس" التي تعيشها اليوم تقريبا جل الطبقات الاجتماعية بسبب الغلاء الفاحش في الأسعار الذي ساهم بقدر كبير في تهاوي المقدرة الشرائية للمواطن يصح التساؤل بإلحاح: هل بات التونسي اليوم في حاجة الى أكثر من وظيفة حتى يستطيع تامين قوته اليومي؟
يبدو وفقا للشهادات التي استقتها "الصباح" من عدد من المواطنين أن كثيرين اليوم باتوا يلجأون إلى وظائف موازية علها تساعد ولو نسبيا على مجاراة "تسونامي" الأسعار الذي يواصل منذ سنوات نسقه التصاعدي دون رقيب أو حسيب ودون حتى سعي جدي من قبل المصالح والهياكل الرسمية المختصة الى كبح جماحه.. ليؤكد في هذا الخصوص كثيرون أنهم وجدودا على سبيل المثال في الدروس الخصوصية لتلاميذ السنة الأولى والثانية ابتدائي ملاذا لهم، فالمصاريف التي يجنيها البعض من التلاميذ تساعدهم على مجابهة مصاريف التنقل..
أما النسوة ممن يعملن في الوظيفة العمومية فقد وجدن في الدورات التكوينية لصنع الحلويات فرصة لتوفير مدخول مالي إضافي..، وعديدة هي المهام الأخرى التي يمارسها اليوم كثيرون على غرار العمل بنصف دوام في مراكز النداء أو في بعض المراكز الصحية..
تفاعلا مع هذا الطرح يعتبر كثير من المتابعين للشأن العام أن التونسي قد سئم ومل تواصل غلاء الأسعار وارتفاع نسبة التضخم كل سنة كما سئم الوعود الزائفة بإيجاد حلول لهذه المعضلة من ذلك كبح جماح هذه الأسعار بما يحقق انتعاشة ولو نسبية لمقدرته الشرائية. وبالتالي وأمام يقينه بأن الهياكل الرسمية أضحت عاجزة عن مقاومة هذه الآفة بات يبحث عن حلول فردية وآليات موازية يستطيع من خلالها تامين قوته اليومي وجميع مستلزماته.
في هذا الإطار تختلف الآراء وتتباين: فهنالك من يعتبر أن التونسي اليوم مطالب بالبحث عن وظائف أخرى موازية في ظل وجود مؤشرات مفزعة من ذلك تهاوي الطبقة الوسطى التي كانت في السابق تمثل 60 بالمائة من تركيبة المجتمع لتتراوح اليوم بين 20 أو 30 بالمائة وانحدارها نحو الفقر، هذا بالتوازي مع ما تكشفه بعض التقارير من ذلك عدم قدرة سلم الأجور في تونس على مجابهة نسق غلاء المعيشة. وبالتالي وبما أن أزمة غلاء الأسعار متواصلة منذ سنة2011 فانه يحق للمواطن التونسي اليوم البحث عن سبل وآليات أخرى "ينعش" بها جيبه.
لكن في المقابل يرى شق آخر أن الدولة هي المسؤولة رقم واحد عن إيجاد حلول تستطيع بمقتضاها السيطرة على غلاء الأسعار وعلى الضرب بيد من حديد على "مافيا" المتلاعبين بالأسعار معتبرين أن اللجوء إلى وظيفة أخرى سيكرس أكثر لتراجع قيمة العمل سواء في الوظيفة العمومية أو غيرها من المنشآت الأخرى كما سيكرس أكثر لتنامي ظاهرة الفردانية.. وبالتالي وبما أن فرصة العثور عن دخل مواز ليس أمرا متاحا للجميع فان الدولة ولا احد سواها مطالب بإحداث التوازن المطلوب.
من جهة أخرى ولان فئة هامة من التونسيين أصبحت اليوم تعمل في أكثر من وظيفة حتى تقدر على سد حاجياتها بما يجعل المسالة ترتقي الى مستوى الظاهرة جدير بالذكر أن الباحث والمختص في علم الاجتماع ممدوح عز الدين قد اعتبر في تصريح لـ "الصباح" أننا نعيش اليوم في إطار ما يٌسمى بالمجتمع الاستهلاكي أي أن الإنسان لا تتحدد وظيفته من خلال العمل أو ما يكسبه من علم ومعرفة أو من خلال طبقته العائلية وإنما مدى قدرته على الاستهلاك والتسويق لصورته.
وفسر عز الدين في هذا الخصوص أن معيار الاستهلاك لدى الفرد اليوم لا تحدده حاجياته وإنما الصورة التي يريد الترويج لها مشيرا الى مسالة التضخم هي مسالة واقعية لكن طبيعة التحولات التي عاشتها تونس منذ الثمانينات تؤشر الى دخول تونس مرحلة الاقتصاد الليبرالي أو الاقتصاد المعولم الذي يقوم على الليبرالية المتوحشة بما يجعل الاستهلاك المكثف ليس لتلبية الحاجيات وإنما لتلبية الرغبات.
وأضاف المختص في علم الاجتماع من جانب آخر أن نمط الإنتاج المكثف الذي تقوم عليه العولمة يجعل حجم الانتظارات كبير الذي يقابله شح في الموارد وبالتالي فان الانسياق على سبيل المثال وراء الموضة يخلف بالضرورة رغبة في تنمية الموارد وفي تحقيق الانتظارات، مشيرا إلى أن الواقع الذي نعيشه عقب 10 سنوات قد ساهم في الترفيع من حجم الانتظارات.
وإزاء جملة من المؤشرات على غرار ارتفاع نسبة التضخم وارتفاع الأسعار كما نسب الفقر والبطالة وتهاوي الطبقة الوسطى التي كانت لها توازنات ثابتة قد تراجعت بسبب التضخم، جميعها عوامل اضطرت المواطن ودفعت به للبحث عن حلول أخرى على غرار الانسياق وراء مدارس ومؤسسات التكوين من اجل توفير وخلق مردودية مالية كبيرة. ليخلص محدثنا الى القول انه أمام الشعور بالحرمان وانسداد الأفق أمامه الذي يقابله سقف كبير من الطموحات والانتظارات يحاول المواطن البحث عن طريق له متبنيا بذلك حلولا فردية ليكون مسار النجاح فرديا وليس جماعيا يقوم على اقتناص فرص النجاح.