*غياب الوسائط وضمور دورها هو الذي يفتح الباب أمام المتلاعبين بالعقول ككادوريم وغيره
طغت بعض الأرقام التي تضمنها سبر الآراء الأخير لمؤسسة "سيغما للاستشارات وسبر الآراء" على الجدل العمومي.غاب التوقف عند جوانب لقاء التركيز، بشكل شبه كلي، لقاء التركيز على بروز اسم " كادوريم " كشخصية يمكن أن تنافس بجدية على دخول قصر الجمهورية بقرطاج وأن ترأس الجمهورية التونسية. لا شك أن جرف النقاش نحو " خفايا" عملية سبر الآراء والتوقف عند " قدرات " أصبحت " استثنائية " يتمتع بها حسن الزرقْوني قد أبقى الأمر في مستوى ما نميل إليه منذ عقود من رفض مرضي لمواجهة الواقع وتعويض ذلك بالبحث عن " مشاجب" نعلق عليها أمراضنا ومشاكلنا. ما أملكه من معرفة ، أقر أنها محدودة، بتقنيات سبر الآراء يجعلني لا أنخرط في حملة التشكيك في سلامة عملية سبر الآراء الأخيرة ولا في تمكن حسن الزرقْوني من تقنيات عمله واحترامه لشروطها من الناحية العلمية ومن مهارته المهنية التي تجعله قادرا على أن يلعب دورا، وبأدوات علمية، في صناعة الرأي العام وهذا أحد أدوار عمليات سبر الآراء التي تكشف عن كيفية تعاطي " الجموع" مع مسألة معينة في سياق زمني ومجتمعي معين ولكيفية ادراكها و تمثلها ثم المساهمة في تحويل هذا الادراك إلى " حقيقة" تؤثر في المستقيل. هناك ما يشبه المسلّمة التي اكدّها عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu حين اعتبر أنه لا وجود لرأي عام في مقال هام يحمل نفس العنوان " لا وجود لرأي عام" . وما يحسب لعملية سبر الآراء الأخيرة أنها أعادت التذكير بحقيقة يعلمها المتابعون للشأن العام وتتمثل في وجود جهاز اتصالي يعمل منذ فترة لفرض كادوريم كفاعل هام ومحدد في الحقل السياسي. ولكن حالة " الإنكار العامة والمعممة" التي نعيشها تجعلنا لا نتجه نحو المشكلة و جذورها بل نغرق في الجزئيات ونتوه في صحراء التفاسير التامرية التي "تريح" الجميع لأنها تنزع عنهم المسؤولية وتعفيهم من واجب الفعل لإصلاح الأوضاع. يمكن اعتبار كادوريم نقلة نحو الأسوإ في جحافل الشخصيات التي تداولت على المشهد السياسي التونسي منذ جانفي 2011 والتي وظفت نفس الأساليب التي يوظفها واستطاعت أن تخط لنفسها موقعا في المشهد السياسي. يبدو كادوريم التجسيد الأمثل لشخصيات يحيط الغموض بجوانب عديدة من حياتها ومصادر ثرواتها والقوى التي تقف وراءها. وتكفي الإشارة هنا إلى أن طغيان اسم الشهرة على اسم الحالة المدنية يمثل في حد ذاته دليلا على أننا أمام شخصية لا نمطية ولا علاقة لها واقعيا مع الحقل السياسي.
ولا شك أن اقتحام شخصيات " مشهدية" للحقل السياسي يمثل نتيجة " طبيعية" للانزياحات التدريجية التي لحقت الحياة السياسية وأدت إلى الانتقال من مرحلة" الزعماء والقادة" إلى مرحلة "محترف السياسة" و منها إلى المرحلة الحالية و التي يعتبر فيها رجل السياسة " صنيعة اتصالية" .هناك عدة أمثلة تؤكد ما أشرنا إليه سواء في المجتمعات الأوروبية التي تمتلك إلى حد كبير القدرة على إنتاج وإعادة إنتاج نخبها السياسية أو في المجتمعات التي عاشت " ثورات مستوردة" كالتي عشناها ويكفي التذكير هنا بالرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي الذي كان ممثلا محترفا قبل أن يلعب اليوم دورا في تحولات خطيرة لهدم ما بقي من التوازن العالمي.هؤلاء الوافدون على الحياة السياسية والذين غالبا ما يتصرفون بنفس الكيفية يراهنون على "صبينة" الكائن البشري ومخاطبة الحاجات الأساسية لديه وعلى ايهامه بأنهم قادرون على تلبية حاجياته بشكل فوري ويستغلون أيضا حالة الإحباط التي تصيب المواطنين نتيجة تردي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. إنهم يستغلون خاصة أنهم يتعاملون مع ما يمكن اعتباره إنسانا بلا حماية في ظل عجز المؤسسات الوسيطة كالمدرسة والأحزاب السياسية والجمعيات المدنية عن تأطير المواطنين وتثقيفهم سياسيا. غياب الوسائط وضمور دورها هو الذي يفتح الباب أمام المتلاعبين بالعقول ككادوريم وغيره. وهذا يعني أن قطع الطريق أمامه وأمام أمثاله، الذين يمثلون خطرا داهما على مختلف مناحي الحياة يفرض تفعيل دور المؤسسات الوسيطة والانتقال من سطوة الاتصال الأجوف والعشوائي إلى اعلام سمعي ومرئي متطور. ليست الديمقراطية مجرد أداة للوصول إلى السلطة أو الصراع حولها بل هي بالأساس ثقافة وقيم .
بقلم:هشام الحاجي
*غياب الوسائط وضمور دورها هو الذي يفتح الباب أمام المتلاعبين بالعقول ككادوريم وغيره
طغت بعض الأرقام التي تضمنها سبر الآراء الأخير لمؤسسة "سيغما للاستشارات وسبر الآراء" على الجدل العمومي.غاب التوقف عند جوانب لقاء التركيز، بشكل شبه كلي، لقاء التركيز على بروز اسم " كادوريم " كشخصية يمكن أن تنافس بجدية على دخول قصر الجمهورية بقرطاج وأن ترأس الجمهورية التونسية. لا شك أن جرف النقاش نحو " خفايا" عملية سبر الآراء والتوقف عند " قدرات " أصبحت " استثنائية " يتمتع بها حسن الزرقْوني قد أبقى الأمر في مستوى ما نميل إليه منذ عقود من رفض مرضي لمواجهة الواقع وتعويض ذلك بالبحث عن " مشاجب" نعلق عليها أمراضنا ومشاكلنا. ما أملكه من معرفة ، أقر أنها محدودة، بتقنيات سبر الآراء يجعلني لا أنخرط في حملة التشكيك في سلامة عملية سبر الآراء الأخيرة ولا في تمكن حسن الزرقْوني من تقنيات عمله واحترامه لشروطها من الناحية العلمية ومن مهارته المهنية التي تجعله قادرا على أن يلعب دورا، وبأدوات علمية، في صناعة الرأي العام وهذا أحد أدوار عمليات سبر الآراء التي تكشف عن كيفية تعاطي " الجموع" مع مسألة معينة في سياق زمني ومجتمعي معين ولكيفية ادراكها و تمثلها ثم المساهمة في تحويل هذا الادراك إلى " حقيقة" تؤثر في المستقيل. هناك ما يشبه المسلّمة التي اكدّها عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu حين اعتبر أنه لا وجود لرأي عام في مقال هام يحمل نفس العنوان " لا وجود لرأي عام" . وما يحسب لعملية سبر الآراء الأخيرة أنها أعادت التذكير بحقيقة يعلمها المتابعون للشأن العام وتتمثل في وجود جهاز اتصالي يعمل منذ فترة لفرض كادوريم كفاعل هام ومحدد في الحقل السياسي. ولكن حالة " الإنكار العامة والمعممة" التي نعيشها تجعلنا لا نتجه نحو المشكلة و جذورها بل نغرق في الجزئيات ونتوه في صحراء التفاسير التامرية التي "تريح" الجميع لأنها تنزع عنهم المسؤولية وتعفيهم من واجب الفعل لإصلاح الأوضاع. يمكن اعتبار كادوريم نقلة نحو الأسوإ في جحافل الشخصيات التي تداولت على المشهد السياسي التونسي منذ جانفي 2011 والتي وظفت نفس الأساليب التي يوظفها واستطاعت أن تخط لنفسها موقعا في المشهد السياسي. يبدو كادوريم التجسيد الأمثل لشخصيات يحيط الغموض بجوانب عديدة من حياتها ومصادر ثرواتها والقوى التي تقف وراءها. وتكفي الإشارة هنا إلى أن طغيان اسم الشهرة على اسم الحالة المدنية يمثل في حد ذاته دليلا على أننا أمام شخصية لا نمطية ولا علاقة لها واقعيا مع الحقل السياسي.
ولا شك أن اقتحام شخصيات " مشهدية" للحقل السياسي يمثل نتيجة " طبيعية" للانزياحات التدريجية التي لحقت الحياة السياسية وأدت إلى الانتقال من مرحلة" الزعماء والقادة" إلى مرحلة "محترف السياسة" و منها إلى المرحلة الحالية و التي يعتبر فيها رجل السياسة " صنيعة اتصالية" .هناك عدة أمثلة تؤكد ما أشرنا إليه سواء في المجتمعات الأوروبية التي تمتلك إلى حد كبير القدرة على إنتاج وإعادة إنتاج نخبها السياسية أو في المجتمعات التي عاشت " ثورات مستوردة" كالتي عشناها ويكفي التذكير هنا بالرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي الذي كان ممثلا محترفا قبل أن يلعب اليوم دورا في تحولات خطيرة لهدم ما بقي من التوازن العالمي.هؤلاء الوافدون على الحياة السياسية والذين غالبا ما يتصرفون بنفس الكيفية يراهنون على "صبينة" الكائن البشري ومخاطبة الحاجات الأساسية لديه وعلى ايهامه بأنهم قادرون على تلبية حاجياته بشكل فوري ويستغلون أيضا حالة الإحباط التي تصيب المواطنين نتيجة تردي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. إنهم يستغلون خاصة أنهم يتعاملون مع ما يمكن اعتباره إنسانا بلا حماية في ظل عجز المؤسسات الوسيطة كالمدرسة والأحزاب السياسية والجمعيات المدنية عن تأطير المواطنين وتثقيفهم سياسيا. غياب الوسائط وضمور دورها هو الذي يفتح الباب أمام المتلاعبين بالعقول ككادوريم وغيره. وهذا يعني أن قطع الطريق أمامه وأمام أمثاله، الذين يمثلون خطرا داهما على مختلف مناحي الحياة يفرض تفعيل دور المؤسسات الوسيطة والانتقال من سطوة الاتصال الأجوف والعشوائي إلى اعلام سمعي ومرئي متطور. ليست الديمقراطية مجرد أداة للوصول إلى السلطة أو الصراع حولها بل هي بالأساس ثقافة وقيم .