إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

نتائج الانتخابات أفرزت توازنات سياسية جديدة .. هل يحق للبرلمان الجديد التدخل في اختيار رئيس الحكومة وأعضائها؟

تونس- الصباح

إن كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة قد مثلت المرحلة الأخيرة من خارطة طريق وضعها قبل أكثر من سنة رئيس الجمهورية قيس سعيد، قطعت مع منظومة ما قبل 25 جويلية 2021، وأسّست لنظام سياسي جديد يقوم أساسا على نظام رئاسي معزز يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة مقابل برلمان بصلاحيات محدودة.. إلا أن المتأمل في الوضع المؤسساتي الحالي وخاصة إثر استكمال الانتخابات البرلمانية بدورتيها يلاحظ أن الشهد السياسي الراهن ما يزال بعيدا عن تحقيق هدف الاستقرار السياسي، إذ أن إشكاليات ذات أبعاد دستورية وسياسية جديدة بصدد التشكل والبروز، وقد تتضح ملامحها أكثر بعد إرساء البرلمان الجديد..

تعالت في الفترة الأخيرة أصوات بعض السياسيين وقادة الأحزاب خاصة ممن شاركوا في الانتخابات التشريعية، وأكدوا فوزهم بمقاعد بالبرلمان الجديد، في انتظار إعلان النتائج النهائية، مطالبة بحقها في أن يكون لها موقف ونصيب في تشكيل حكومة سياسية جديدة تحظى بدعم من الأغلبية البرلمانية، وتعكس التوازنات السياسية داخل المجلس التشريعي الجديد..

وعلى عكس تطلعات بعض الأحزاب والتيارات السياسية الداعمة لمسار 25 جويلية، على غرار حركة الشعب، حركة 14 جانفي، ومبادرة "لينتصر الشعب"، وغيرهم.. يبدو أن رئيس الجمهورية ماضٍ في القيام تحويرات وزارية على الحكومة الحالية دون أن يعير أي اهتمام لنتائج الانتخابات أو للتوازنات السياسية الجديدة المنبثقة منها.. مع العلم أنه تولى في ظرف أسابيع قليلة إقالة أربعة وزراء وتعيين جدد في الفلاحة، والتربية، والتجارة، والخارجية..

والسؤال المطروح: من يحق له تشكيل الحكومة الجديدة في المشهد المؤسساتي الحالي، هل يحق لرئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته في تعيين الحكومة ورئيسها وفقا للأمر 117 المتعلق بتدابير استثنائية، أو وفقا لدستور 17 أوت 2022؟، أم أن عليه التشاور مع مؤسسة البرلمان الجديد في هذا الغرض، مع مراعاة  ما أفرزته الانتخابات من توازنات سياسية وبرلمانية جديدة.. أم عليه انتظار استكمال المؤسسات الدستورية وفقا للدستور الجديد بما فيها المحكمة الدستورية ومجلس القضاء، وتنظيم انتخابات رئاسية جديدة؟؟

بين دستور 2014 ودستور 2022..

المفارقة أن البرلمان الجديد تم انتخابه وفق نظام سياسي جديد جاء به دستور 17 أوت 2022، لا يمنحه حق تشكيل الحكومة أو اختيار رئيس الحكومة واقتراحه لفائدة الحزب السياسي الأول أو الائتلاف البرلماني المتحالف، على غرار ما كان يتم العمل به وفق قواعد وأحكام دستور جانفي 2014، في حين أن رئيس الجمهورية نفسه، منتخب وفق قواعد وأحكام دستور جانفي 2014، وأدى اليمين الدستورية وفقا لنفس الدستور، ولم يقم الى حد اللحظة بأداء اليمين الدستورية وفقا للفصل 92 من الدستور الجديد.. فهل نحن إذن أمام فراغ دستوري جديد؟ أم أن الأمر مرتبط بحالة وضع الاستثناء التي لم تنته بعد؟

في الواقع، هناك إشكاليات جديدة تطرح نفسها، ذات علاقة بمؤسستي البرلمان ورئاسة الجمهورية، وهي عدم استكمال تأسيس وانتخاب المؤسسات الدستورية المنبثقة عن دستور أوت 2022 على غرار مجلس الأقاليم والجهات، والمحكمة الدستورية، ومجلس القضاء، وهيئة الانتخابات في صيغتها الجديدة؟

وبناء عليه، وفقا لدستور 2014، تنتهي المدة النيابية للرئيس سعيد في أكتوبر 2024.. فهل عليه انتظار السنة المقبلة للمشاركة في انتخابات رئاسية في موعدها يتم تنظيمها وفقا لقواعد وصلاحيات النظام السياسي الجديد الذي جاء به دستور 2022، أم أنه يجب تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها حتى تستجيب المؤسسات الدستورية المنتخبة الجديدة (رئيس جمهورية، برلمان، مجلس أقاليم وجهات، محكمة دستورية) لقواعد وأحكام دستور 2022.؟

تنازع سياسي وقانوني في الأفق

يبدو أن المرحلة المقبلة، قد تشهد تنازعا سياسيا وقانونيا في علاقة بوضع الحكومة الحالية ومشروعيتها، والسبب في عدم وضوح الفترة الانتقالية أو في عدم وجود أحكام انتقالية تمنع حصول فراغات دستورية كالتي نعيشها اليوم.

علما أن خبراء في القانون الدستوري، فضلا عن المعارضة السياسية، يؤكدون أن الفصول الواردة بالأمر عدد 117 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية التي مكنته من تعيين الحكومة الحالية أصبحت منتهية المفعول بموجب الأحكام الانتقالية الواردة بدستور 17 أوت 2022 وان ذلك ينزع الشرعية عن كل قرارات تعيين وإعفاء الوزراء.

فضلا عن ذلك، فإن جل قادة الأحزاب الداعمة لمسار 25 جويلية، والذين يسعون بكل الطرق لكسب رهان السيطرة على المشهد البرلماني الجديد، يتفقون في أن خروج تونس من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية يكون عبر "تشكيل حكومة جديدة"، والأهم من ذلك كله أن تيارات سياسية وازنة بالبرلمان الجديد تعتقد أن لها "المشروعية السياسية" في أن يكون لها رأي ومشورة في تشكيل حكومة جديدة تعكس موازين القوى السياسية والحزبية التي فازت في الانتخابات..

وتدرك تلك الأحزاب والتيارات أن صلاحية المجلس النيابي الجديد وفق دستور أوت 2022 محدودة جدا، إذ لا يمكنه على سبيل المثال عزل الرئيس ولا مساءلته، ولا التدخل في تشكيل الحكومة وأعضائها أو اقتراح رئيس حكومة جديد..

في حين يتمتع رئيس الجمهورية وفق نفس الدستور بالأولوية في اقتراح مشاريع القوانين، كما لا يشترط الدستور أن تنال الحكومة التي يُعينها الرئيس ثقة البرلمان. كما يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحية تعيين الحكومة وإقالتها وضبط السياسة العامة للدولة وتحديد توجهاتها، ويُبلغ البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بها فقط..

من الناحية الدستورية وفي علاقته بالسلطة التنفيذية، فإن صلاحيات البرلمان الجديد استنادا إلى دستور 17 أوت 2022 لا يمكن أن تسمح له بالقيام بأدوار رقابية متقدمة على الحكومة أو رئيس الجمهورية، بل إن أقصى ما يمكن أن يقوم به من إجراءات قانونية رقابية هو سحب الثقة من الحكومة والتي تحتاج بدورها إلى إجراءات معقدة وصعبة على غرار ضرورة الحصول على مصادقة ثلثي أعضاء البرلمان وأعضاء مجلس الأقاليم والجهات مجتمعين، لإسقاط الحكومة، كما أن الدستور يمنح صلاحية تنقيح الدستور للبرلمان لكنها أيضا مقيدة بضوابط دستورية..

لكن ذلك لا يمنع من أن يقوم البرلمان الجديد بدور سياسي ضاغط ومؤثر في الشأن العام، وأن يكون له موقف مما يجري في الساحة الوطنية، والقيام بدور رقابي على أداء السلطة التنفيذية ممثلة في رئاسة الجمهورية والحكومة، والعمل على فرض رؤيته الاقتصادية والإصلاحية والتنموية وحتى السياسية في المشهد العام، إن توفرت له الإرادة لذلك.

 

أمين محفوظ (خبير القانون الدستوري): الحل في انتخابات رئاسية طبق أحكام الدستور الجديد

إجابة عن سؤال: من له، بعد إجراء الانتخابات التشريعية، صلاحية تعيين رئيس وأعضاء الحكومة المقبلة؟، حاول الخبير في القانون الدستوري أمين محفوظ تقديم بعض الإجابات.

وأورد محفوظ في تدوينه نشرها أمس بحسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" أنه كان قد أجاب عن هذا السؤال في كتابه الذي يحمل عنوان "إشكالية تعيين رئيس الحكومة بعد 14 جانفي 2011 مساهمة في دراسة الانتقال الديمقراطي في تونس"، الصادر سنة 2016، قال فيه:" لا يمكن لرئيس الدولة المنتخب طبق القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 والمتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط تكليف مرشح الحزب الفائز في الانتخاب التشريعية طبق دستور 27 جانفي 2014.. إذ توكل هذه المهام إلى الرئيس الجديد المنتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

وتابع :"وبالفعل تنازل آنذاك السيد المنصف المرزوقي عن هذه الصلاحية والتي مارسها المرحوم الباجي قائد السبسي المنتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

بالعودة إلى الوضع الراهن، أوضح محفوظ أن نفس القواعد تنسحب على نظام الحكم بعد دخول دستور 17 أوت 2022 حيز النفاذ، إذ لا يمكن ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية إلا من قبل رئيس منتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

بالعودة إلى ما ورد في كتابه الجديد، الذي يحمل عنوان "مسار دستور تونس 2022 بين حلم الديمقراطية ومخاطر الديكتاتورية"، أورد أمين محفوظ أن الأمر 117 المتعلق بتدابير استثنائية لا يسري – طبق أحكام الفصل 139 من الدستور الجديد، إلا في الجانب المتعلق بالمجال التشريعي(..) إلى حين تولي مجلس نواب الشعب وظائفه بعد تنظيم انتخابات أعضائه". وبذلك تكون بقية الأحكام الواردة في الأمر الرئاسي عدد 117 قد انتهى مفعولها ولم تعد سارية المفعول بداية من دخول دستور 17 أوت 2022 حيز النفاذ، وهو ما جعل تونس تعيش فترة فراغ على أكثر من مستوى من ذلك أن الدستور الجديد اقتضى أنه في صورة شغور منصب رئيس الجمهورية "لوفاة أو استقالة أو لعجز تام لأي سبب من الأسباب، يتولى رئيس المحكمة الدستورية فورا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة..، والحال أن المحكمة الدستورية لم يتم إرسائها بعد (ص 82-83).

وفي جانب آخر، يرى محفوظ أنّ "وجود الرئيس سعيد أمر واقع لا يخضع لمقتضيات الدستور الجديد، فقد انتهت المدة الرئاسية قبل أوانها بانتهاء دستور جانفي 2014، بما يتجه معه حتميا، تنظيم انتخابات رئاسية تسمح للرئيس الجديد، بعد الحصول على ثقة الشعب، بممارسة صلاحياته في ضوء الدستور الجديد". (ص 85).

رفيق بن عبد الله

نتائج الانتخابات أفرزت توازنات سياسية جديدة .. هل يحق للبرلمان الجديد التدخل في اختيار رئيس الحكومة وأعضائها؟

تونس- الصباح

إن كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة قد مثلت المرحلة الأخيرة من خارطة طريق وضعها قبل أكثر من سنة رئيس الجمهورية قيس سعيد، قطعت مع منظومة ما قبل 25 جويلية 2021، وأسّست لنظام سياسي جديد يقوم أساسا على نظام رئاسي معزز يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة مقابل برلمان بصلاحيات محدودة.. إلا أن المتأمل في الوضع المؤسساتي الحالي وخاصة إثر استكمال الانتخابات البرلمانية بدورتيها يلاحظ أن الشهد السياسي الراهن ما يزال بعيدا عن تحقيق هدف الاستقرار السياسي، إذ أن إشكاليات ذات أبعاد دستورية وسياسية جديدة بصدد التشكل والبروز، وقد تتضح ملامحها أكثر بعد إرساء البرلمان الجديد..

تعالت في الفترة الأخيرة أصوات بعض السياسيين وقادة الأحزاب خاصة ممن شاركوا في الانتخابات التشريعية، وأكدوا فوزهم بمقاعد بالبرلمان الجديد، في انتظار إعلان النتائج النهائية، مطالبة بحقها في أن يكون لها موقف ونصيب في تشكيل حكومة سياسية جديدة تحظى بدعم من الأغلبية البرلمانية، وتعكس التوازنات السياسية داخل المجلس التشريعي الجديد..

وعلى عكس تطلعات بعض الأحزاب والتيارات السياسية الداعمة لمسار 25 جويلية، على غرار حركة الشعب، حركة 14 جانفي، ومبادرة "لينتصر الشعب"، وغيرهم.. يبدو أن رئيس الجمهورية ماضٍ في القيام تحويرات وزارية على الحكومة الحالية دون أن يعير أي اهتمام لنتائج الانتخابات أو للتوازنات السياسية الجديدة المنبثقة منها.. مع العلم أنه تولى في ظرف أسابيع قليلة إقالة أربعة وزراء وتعيين جدد في الفلاحة، والتربية، والتجارة، والخارجية..

والسؤال المطروح: من يحق له تشكيل الحكومة الجديدة في المشهد المؤسساتي الحالي، هل يحق لرئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته في تعيين الحكومة ورئيسها وفقا للأمر 117 المتعلق بتدابير استثنائية، أو وفقا لدستور 17 أوت 2022؟، أم أن عليه التشاور مع مؤسسة البرلمان الجديد في هذا الغرض، مع مراعاة  ما أفرزته الانتخابات من توازنات سياسية وبرلمانية جديدة.. أم عليه انتظار استكمال المؤسسات الدستورية وفقا للدستور الجديد بما فيها المحكمة الدستورية ومجلس القضاء، وتنظيم انتخابات رئاسية جديدة؟؟

بين دستور 2014 ودستور 2022..

المفارقة أن البرلمان الجديد تم انتخابه وفق نظام سياسي جديد جاء به دستور 17 أوت 2022، لا يمنحه حق تشكيل الحكومة أو اختيار رئيس الحكومة واقتراحه لفائدة الحزب السياسي الأول أو الائتلاف البرلماني المتحالف، على غرار ما كان يتم العمل به وفق قواعد وأحكام دستور جانفي 2014، في حين أن رئيس الجمهورية نفسه، منتخب وفق قواعد وأحكام دستور جانفي 2014، وأدى اليمين الدستورية وفقا لنفس الدستور، ولم يقم الى حد اللحظة بأداء اليمين الدستورية وفقا للفصل 92 من الدستور الجديد.. فهل نحن إذن أمام فراغ دستوري جديد؟ أم أن الأمر مرتبط بحالة وضع الاستثناء التي لم تنته بعد؟

في الواقع، هناك إشكاليات جديدة تطرح نفسها، ذات علاقة بمؤسستي البرلمان ورئاسة الجمهورية، وهي عدم استكمال تأسيس وانتخاب المؤسسات الدستورية المنبثقة عن دستور أوت 2022 على غرار مجلس الأقاليم والجهات، والمحكمة الدستورية، ومجلس القضاء، وهيئة الانتخابات في صيغتها الجديدة؟

وبناء عليه، وفقا لدستور 2014، تنتهي المدة النيابية للرئيس سعيد في أكتوبر 2024.. فهل عليه انتظار السنة المقبلة للمشاركة في انتخابات رئاسية في موعدها يتم تنظيمها وفقا لقواعد وصلاحيات النظام السياسي الجديد الذي جاء به دستور 2022، أم أنه يجب تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها حتى تستجيب المؤسسات الدستورية المنتخبة الجديدة (رئيس جمهورية، برلمان، مجلس أقاليم وجهات، محكمة دستورية) لقواعد وأحكام دستور 2022.؟

تنازع سياسي وقانوني في الأفق

يبدو أن المرحلة المقبلة، قد تشهد تنازعا سياسيا وقانونيا في علاقة بوضع الحكومة الحالية ومشروعيتها، والسبب في عدم وضوح الفترة الانتقالية أو في عدم وجود أحكام انتقالية تمنع حصول فراغات دستورية كالتي نعيشها اليوم.

علما أن خبراء في القانون الدستوري، فضلا عن المعارضة السياسية، يؤكدون أن الفصول الواردة بالأمر عدد 117 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية التي مكنته من تعيين الحكومة الحالية أصبحت منتهية المفعول بموجب الأحكام الانتقالية الواردة بدستور 17 أوت 2022 وان ذلك ينزع الشرعية عن كل قرارات تعيين وإعفاء الوزراء.

فضلا عن ذلك، فإن جل قادة الأحزاب الداعمة لمسار 25 جويلية، والذين يسعون بكل الطرق لكسب رهان السيطرة على المشهد البرلماني الجديد، يتفقون في أن خروج تونس من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية يكون عبر "تشكيل حكومة جديدة"، والأهم من ذلك كله أن تيارات سياسية وازنة بالبرلمان الجديد تعتقد أن لها "المشروعية السياسية" في أن يكون لها رأي ومشورة في تشكيل حكومة جديدة تعكس موازين القوى السياسية والحزبية التي فازت في الانتخابات..

وتدرك تلك الأحزاب والتيارات أن صلاحية المجلس النيابي الجديد وفق دستور أوت 2022 محدودة جدا، إذ لا يمكنه على سبيل المثال عزل الرئيس ولا مساءلته، ولا التدخل في تشكيل الحكومة وأعضائها أو اقتراح رئيس حكومة جديد..

في حين يتمتع رئيس الجمهورية وفق نفس الدستور بالأولوية في اقتراح مشاريع القوانين، كما لا يشترط الدستور أن تنال الحكومة التي يُعينها الرئيس ثقة البرلمان. كما يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحية تعيين الحكومة وإقالتها وضبط السياسة العامة للدولة وتحديد توجهاتها، ويُبلغ البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم بها فقط..

من الناحية الدستورية وفي علاقته بالسلطة التنفيذية، فإن صلاحيات البرلمان الجديد استنادا إلى دستور 17 أوت 2022 لا يمكن أن تسمح له بالقيام بأدوار رقابية متقدمة على الحكومة أو رئيس الجمهورية، بل إن أقصى ما يمكن أن يقوم به من إجراءات قانونية رقابية هو سحب الثقة من الحكومة والتي تحتاج بدورها إلى إجراءات معقدة وصعبة على غرار ضرورة الحصول على مصادقة ثلثي أعضاء البرلمان وأعضاء مجلس الأقاليم والجهات مجتمعين، لإسقاط الحكومة، كما أن الدستور يمنح صلاحية تنقيح الدستور للبرلمان لكنها أيضا مقيدة بضوابط دستورية..

لكن ذلك لا يمنع من أن يقوم البرلمان الجديد بدور سياسي ضاغط ومؤثر في الشأن العام، وأن يكون له موقف مما يجري في الساحة الوطنية، والقيام بدور رقابي على أداء السلطة التنفيذية ممثلة في رئاسة الجمهورية والحكومة، والعمل على فرض رؤيته الاقتصادية والإصلاحية والتنموية وحتى السياسية في المشهد العام، إن توفرت له الإرادة لذلك.

 

أمين محفوظ (خبير القانون الدستوري): الحل في انتخابات رئاسية طبق أحكام الدستور الجديد

إجابة عن سؤال: من له، بعد إجراء الانتخابات التشريعية، صلاحية تعيين رئيس وأعضاء الحكومة المقبلة؟، حاول الخبير في القانون الدستوري أمين محفوظ تقديم بعض الإجابات.

وأورد محفوظ في تدوينه نشرها أمس بحسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" أنه كان قد أجاب عن هذا السؤال في كتابه الذي يحمل عنوان "إشكالية تعيين رئيس الحكومة بعد 14 جانفي 2011 مساهمة في دراسة الانتقال الديمقراطي في تونس"، الصادر سنة 2016، قال فيه:" لا يمكن لرئيس الدولة المنتخب طبق القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 والمتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط تكليف مرشح الحزب الفائز في الانتخاب التشريعية طبق دستور 27 جانفي 2014.. إذ توكل هذه المهام إلى الرئيس الجديد المنتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

وتابع :"وبالفعل تنازل آنذاك السيد المنصف المرزوقي عن هذه الصلاحية والتي مارسها المرحوم الباجي قائد السبسي المنتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

بالعودة إلى الوضع الراهن، أوضح محفوظ أن نفس القواعد تنسحب على نظام الحكم بعد دخول دستور 17 أوت 2022 حيز النفاذ، إذ لا يمكن ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية إلا من قبل رئيس منتخب طبق أحكام الدستور الجديد."

بالعودة إلى ما ورد في كتابه الجديد، الذي يحمل عنوان "مسار دستور تونس 2022 بين حلم الديمقراطية ومخاطر الديكتاتورية"، أورد أمين محفوظ أن الأمر 117 المتعلق بتدابير استثنائية لا يسري – طبق أحكام الفصل 139 من الدستور الجديد، إلا في الجانب المتعلق بالمجال التشريعي(..) إلى حين تولي مجلس نواب الشعب وظائفه بعد تنظيم انتخابات أعضائه". وبذلك تكون بقية الأحكام الواردة في الأمر الرئاسي عدد 117 قد انتهى مفعولها ولم تعد سارية المفعول بداية من دخول دستور 17 أوت 2022 حيز النفاذ، وهو ما جعل تونس تعيش فترة فراغ على أكثر من مستوى من ذلك أن الدستور الجديد اقتضى أنه في صورة شغور منصب رئيس الجمهورية "لوفاة أو استقالة أو لعجز تام لأي سبب من الأسباب، يتولى رئيس المحكمة الدستورية فورا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة..، والحال أن المحكمة الدستورية لم يتم إرسائها بعد (ص 82-83).

وفي جانب آخر، يرى محفوظ أنّ "وجود الرئيس سعيد أمر واقع لا يخضع لمقتضيات الدستور الجديد، فقد انتهت المدة الرئاسية قبل أوانها بانتهاء دستور جانفي 2014، بما يتجه معه حتميا، تنظيم انتخابات رئاسية تسمح للرئيس الجديد، بعد الحصول على ثقة الشعب، بممارسة صلاحياته في ضوء الدستور الجديد". (ص 85).

رفيق بن عبد الله