إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ركزت على السياسي وتصيد أخطاء سعيد .. معارضة ضعيفة في "عزلة" دون برامج ومقاربات بديلة

 

تونس – الصباح

بعد أكثر من سنة ونصف من دخول بلادنا مرحلة التدابير الاستثنائية بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، وما رافقها من جدل واسع، لم تستطع القوى المعارضة لمسار ما بعد 25 جويلية 2021 باختلاف توجهاتها وتياراتها وتنظيماتها، الخروج من الدائرة الضيقة التي حصرت نفسها فيها، بتكرار واستهلاك نفس الخطاب والأدوات تقريبا وإجماعها كلها على التركيز على المسألة السياسية فقط. وكانت الانتقادات الموجهة أساسا إلى سعيد دون سواه عنوانا بارزا لأنشطة وبرامج وتحركات وتصريحات ممثلي هذه التيارات السياسية طيلة هذه الحقبة الجديدة في تاريخ تونس السياسي المعاصر، بشكل يتنافى مع ما هو منتظر أو منوط بدور المعارضة في النظم السياسية القائمة.    

إذ أجمعت عديد القراءات ومواقف المتابعين للشأنين الوطني والسياسي في تونس، حول ضعف ووهن القوى السياسية المعارضة. وتنزيل عدم قدرتها على فرض نسقها في المشهد العام، بعد فشل كل محاولاتها الداخلية والخارجية لوقف عجلة المسار أو إجبار سعيد على الوقوف ووضع حد لسياسته التي تعتمد على الآذان المغلقة والأبواب الموصدة أمام مكونات المشهد السياسي من رموز منظومة الحكم ما قبل 25 جويلية 2021  وشركائهم، تأكيد على ذلك. لأن سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها الطبقة السياسية وغياب كل بوادر أو مؤشرات قيام أي جهة سياسية بمراجعات أو تعديل أو تغيير على نحو يبين للرأيين الخاص في إطار حزبي بحث أو العام في مستوى القواعد والشعب والمتلقي السياسي عامة، أن استيعاب الوضع والاستعداد للتغير تماشيا مع متطلبات الراهن والمرحلة هي حقيقة الطبقة السياسية. إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يتحقق طيلة هذه المرحلة. بل واصلت هذه القوى صب جام غضبها وتركيز نقدها وتوجيه اهتمامها وتعاطيها السطحي مع المرحلة على رئيس الجمهورية فقط، على نحو جعل الصراع القائم شخصي إلى أبعد ما يكون.

كل هذه العوامل مكنت سعيد من كسب كل ردهات المرحلة وسحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية وأساسا منها المعارضة للمسار ولسياسته، دون عناء يذكر، ورغم الصعوبات والأزمات الخانقة التي تمر بها البلاد وتداعيات ذلك على الوضع الاجتماعي ومعيشة المواطنين.    

فاكتفاء المعارضة بتصيد الأخطاء "الشكلية" لسعيد وحكومة نجلاء بودن وعدم قدرتها على تقديم مقاربات متكاملة بديلة تتمثل في برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وفق تصور خاص وناجز يثبت قدرتها على كيفية سياسة المجتمع وإدارته عبر برامج عملية هادفة ووطنية، جعل هذه القوى تسقط في خانة الأداء "الفولكلوري" والسطحي. الأمر الذي ساهم في تأزيم وضعها وعمق الهوة ليس بين المعارضة وسلطة الإشراف فحسب بل داخل أوساط المعارضة في حد ذاتها بعد أن انفض من حولها الشعب. ويكفي العودة إلى فشلها مرة أخرى في محاولتها توظيف خروج المواطنين للاحتفاء بذكرى الثورة يوم 14 جانفي في الشارع الرمز وسط العاصمة، عبر محاولة الاستثمار في الزخم الشعبي، ليتبين للجميع خواء "جرابها" من أي مبادرة مشروعة أو برنامج عمل واضح يمكن أن يستقطب الجميع في ظل ضبابية المرحلة وسياسة الغموض التي تنتهجها سلطة الإشراف.   

ولعل ما أكده  مصطفى بن جعفر، الأمين العام السابق لحزب التكتل ورئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق مؤخرا، يصب في نفس الخانة. حيث يرى أن الأحزاب السياسية وخاصة منها المعارضة، في حاجة إلى إصلاح أخطائها وإدخال مراجعات أساسية في سياساتها الداخلية والاهتمام أكثر بالمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطروحة، والسعي لتقديم البدائل والبرامج المطلوبة.

فالمعارضة بذلك ضلت طريقها بعد أن وضعت نصب أعينها السلطة ومواقع القرار دون سواها واستعجلت واستسهلت طرق الوصول إليها ولم تقبل قانون اللعبة الجديد الذي فرضه رئيس الجمهورية وعمل على تكريسه منذ أكثر من سنة ونصف، وظلت تتعقب سعيد في حركاته وسكناته من ناحية وتنتظر ما يمكن أن يسعفها من مواقف أجنبية لحكومات أو لمنظمات أو أنظمة أجنبية أساسا منها الغربية والأمريكية تتوكأ عليها في صراعها ضد رأس السلطة القائمة في تونس اليوم.

ولعل هذا الضعف والوهن من العوامل التي مهدت الطريق أمام رئيس الجمهورية ليواصل العمل بنفس النسق في تنفيذ مشروعه السياسي وتكريس آليات التغيير لبناء الجمهورية الجديدة والقطع مع المنظومة السابقة، بعد وضع دستور جديد استفتى حوله الشعب التونسي يوم 25 جويلية الماضي في انتظار الاستعداد لتنصيب مجلس نواب الشعب بعد أسابيع قليلة إثر الانتهاء من تنظيم الانتخابات التشريعية في نسختها الجديدة. فيما خفت صوت المعارضة وتوارت عن الظهور في انتظار البحث عن التقاط  لحظة نضالية جديدة قد تمكنها من العودة إلى المشهد العام من جديد، قد يتيحها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين، أو ما يمكن أن تسفر عنه مطاحن "المعركة" بين المنظمة الشغيلة وسلطة الإشراف في ظل التوتر القائم بين الطرفين اليوم. لأن مراهنة المعارضة على قلب موازين القوى لفائدتها استنادا إلى مواقف و"دعم" خارجي قبل الانتخابات بإجبار سعيد على العودة إلى طاولة الحوار في مربع ما قبل 24 جويلية 2021 وتشريكها في صياغة وتغيير قوانين وقواعد اللعبة السياسية والعملية الانتخابية مسألة وإن تعلقت بها همة المعارضة باءت بالفشل، ليساهم ذلك في عزل المعارضة بشكل غير مسبوق. فهل تحقق المعارضة الجديدة المنبثقة من رحم ما بعد 25 جويلية ما عجزت عنه المعارضة التقليدية وتنجح في الفوز بموقع فاعل في ظل الجمهورية الجديدة؟

نزيهة الغضباني

                             

ركزت على السياسي وتصيد أخطاء سعيد ..  معارضة ضعيفة في "عزلة" دون برامج ومقاربات بديلة

 

تونس – الصباح

بعد أكثر من سنة ونصف من دخول بلادنا مرحلة التدابير الاستثنائية بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، وما رافقها من جدل واسع، لم تستطع القوى المعارضة لمسار ما بعد 25 جويلية 2021 باختلاف توجهاتها وتياراتها وتنظيماتها، الخروج من الدائرة الضيقة التي حصرت نفسها فيها، بتكرار واستهلاك نفس الخطاب والأدوات تقريبا وإجماعها كلها على التركيز على المسألة السياسية فقط. وكانت الانتقادات الموجهة أساسا إلى سعيد دون سواه عنوانا بارزا لأنشطة وبرامج وتحركات وتصريحات ممثلي هذه التيارات السياسية طيلة هذه الحقبة الجديدة في تاريخ تونس السياسي المعاصر، بشكل يتنافى مع ما هو منتظر أو منوط بدور المعارضة في النظم السياسية القائمة.    

إذ أجمعت عديد القراءات ومواقف المتابعين للشأنين الوطني والسياسي في تونس، حول ضعف ووهن القوى السياسية المعارضة. وتنزيل عدم قدرتها على فرض نسقها في المشهد العام، بعد فشل كل محاولاتها الداخلية والخارجية لوقف عجلة المسار أو إجبار سعيد على الوقوف ووضع حد لسياسته التي تعتمد على الآذان المغلقة والأبواب الموصدة أمام مكونات المشهد السياسي من رموز منظومة الحكم ما قبل 25 جويلية 2021  وشركائهم، تأكيد على ذلك. لأن سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها الطبقة السياسية وغياب كل بوادر أو مؤشرات قيام أي جهة سياسية بمراجعات أو تعديل أو تغيير على نحو يبين للرأيين الخاص في إطار حزبي بحث أو العام في مستوى القواعد والشعب والمتلقي السياسي عامة، أن استيعاب الوضع والاستعداد للتغير تماشيا مع متطلبات الراهن والمرحلة هي حقيقة الطبقة السياسية. إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يتحقق طيلة هذه المرحلة. بل واصلت هذه القوى صب جام غضبها وتركيز نقدها وتوجيه اهتمامها وتعاطيها السطحي مع المرحلة على رئيس الجمهورية فقط، على نحو جعل الصراع القائم شخصي إلى أبعد ما يكون.

كل هذه العوامل مكنت سعيد من كسب كل ردهات المرحلة وسحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية وأساسا منها المعارضة للمسار ولسياسته، دون عناء يذكر، ورغم الصعوبات والأزمات الخانقة التي تمر بها البلاد وتداعيات ذلك على الوضع الاجتماعي ومعيشة المواطنين.    

فاكتفاء المعارضة بتصيد الأخطاء "الشكلية" لسعيد وحكومة نجلاء بودن وعدم قدرتها على تقديم مقاربات متكاملة بديلة تتمثل في برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وفق تصور خاص وناجز يثبت قدرتها على كيفية سياسة المجتمع وإدارته عبر برامج عملية هادفة ووطنية، جعل هذه القوى تسقط في خانة الأداء "الفولكلوري" والسطحي. الأمر الذي ساهم في تأزيم وضعها وعمق الهوة ليس بين المعارضة وسلطة الإشراف فحسب بل داخل أوساط المعارضة في حد ذاتها بعد أن انفض من حولها الشعب. ويكفي العودة إلى فشلها مرة أخرى في محاولتها توظيف خروج المواطنين للاحتفاء بذكرى الثورة يوم 14 جانفي في الشارع الرمز وسط العاصمة، عبر محاولة الاستثمار في الزخم الشعبي، ليتبين للجميع خواء "جرابها" من أي مبادرة مشروعة أو برنامج عمل واضح يمكن أن يستقطب الجميع في ظل ضبابية المرحلة وسياسة الغموض التي تنتهجها سلطة الإشراف.   

ولعل ما أكده  مصطفى بن جعفر، الأمين العام السابق لحزب التكتل ورئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق مؤخرا، يصب في نفس الخانة. حيث يرى أن الأحزاب السياسية وخاصة منها المعارضة، في حاجة إلى إصلاح أخطائها وإدخال مراجعات أساسية في سياساتها الداخلية والاهتمام أكثر بالمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطروحة، والسعي لتقديم البدائل والبرامج المطلوبة.

فالمعارضة بذلك ضلت طريقها بعد أن وضعت نصب أعينها السلطة ومواقع القرار دون سواها واستعجلت واستسهلت طرق الوصول إليها ولم تقبل قانون اللعبة الجديد الذي فرضه رئيس الجمهورية وعمل على تكريسه منذ أكثر من سنة ونصف، وظلت تتعقب سعيد في حركاته وسكناته من ناحية وتنتظر ما يمكن أن يسعفها من مواقف أجنبية لحكومات أو لمنظمات أو أنظمة أجنبية أساسا منها الغربية والأمريكية تتوكأ عليها في صراعها ضد رأس السلطة القائمة في تونس اليوم.

ولعل هذا الضعف والوهن من العوامل التي مهدت الطريق أمام رئيس الجمهورية ليواصل العمل بنفس النسق في تنفيذ مشروعه السياسي وتكريس آليات التغيير لبناء الجمهورية الجديدة والقطع مع المنظومة السابقة، بعد وضع دستور جديد استفتى حوله الشعب التونسي يوم 25 جويلية الماضي في انتظار الاستعداد لتنصيب مجلس نواب الشعب بعد أسابيع قليلة إثر الانتهاء من تنظيم الانتخابات التشريعية في نسختها الجديدة. فيما خفت صوت المعارضة وتوارت عن الظهور في انتظار البحث عن التقاط  لحظة نضالية جديدة قد تمكنها من العودة إلى المشهد العام من جديد، قد يتيحها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين، أو ما يمكن أن تسفر عنه مطاحن "المعركة" بين المنظمة الشغيلة وسلطة الإشراف في ظل التوتر القائم بين الطرفين اليوم. لأن مراهنة المعارضة على قلب موازين القوى لفائدتها استنادا إلى مواقف و"دعم" خارجي قبل الانتخابات بإجبار سعيد على العودة إلى طاولة الحوار في مربع ما قبل 24 جويلية 2021 وتشريكها في صياغة وتغيير قوانين وقواعد اللعبة السياسية والعملية الانتخابية مسألة وإن تعلقت بها همة المعارضة باءت بالفشل، ليساهم ذلك في عزل المعارضة بشكل غير مسبوق. فهل تحقق المعارضة الجديدة المنبثقة من رحم ما بعد 25 جويلية ما عجزت عنه المعارضة التقليدية وتنجح في الفوز بموقع فاعل في ظل الجمهورية الجديدة؟

نزيهة الغضباني