*إيقاف المسؤول النقابي أتى في ظرف يصعب عدم ربطه بالعلاقة المتوتّرة بين قرطاج وساحة محمد علي
من الصعب ألّا نربط بين حدثيْن هامّيْن لا تفصل بينهما إلا سُويّعات، وهما خطاب رئيس الجمهورية المُتشنّج في مقر الحرس الوطني وإيقاف مسؤول نقابي.
صحيح أن الرئيس تحدّث كعادته عن "هؤلاء" مرات عديدة في ذلك الخطاب، والواضح أن "هؤلاء" يتغيّرون من فقرة إلى أخرى ومن سياق إلى آخر. فمنهم المُتّهمون بالإجرام ومنهم المُتهمون بخيانة الوطن، الخ... غير أن العلاقة بين "اتّهام" شخص في موضوع اضراب الطريق السيّارة في ذلك الخطاب وإيقاف الكاتب العام للنقابة الخصوصية تونس الطرقات السيارة تبدو علاقة سببيّة.خطاب الاتحاد العام التونسي للشغل يُعدّ دون شكّ أكثر وضوحا، بعد أن تداول بعض مًسيّريه عن وسائل الإعلام، مُسمّين القط قِطّا. فهم يرون في اعتقال المسؤول النقابي حركة عدائيّة ضد المنظمة الشغيلة برمتها. ولا ننسى أن الاتحاد شرع في تنظيم حوار وطني مع ثلاثة شركاء لهم وزنهم في الساحة السياسية التونسية، وبتشريك عشرات الكفاءات التونسية العالية في مجالي السياسة والاقتصاد بهدف وضع برنامج واضح المعالم لإخراج البلاد من الأزمات التي تتخبّط فيها في مختلف الميادين.
ورغم أن المسؤولين في الاتحاد صرّحوا في أكثر من مناسبة أن نتائج هذا الحوار سيتمّ تقديمها إلى رئيس الدولة، بما يُفيد أن المبادرة لا تكتسي صبغة العداء للرئيس وإنما هي وسيلة لمساعدته على إيجاد الحلول لمشاكل البلاد المُتعدّدة، إلّا أن الرئيس سعيّد يبدو أنه رأي في هذه المبادرة تحدّيا لشخصه. ولا ننسى أن الحوار الوطني المنشود منذ 25 جويلية 2021 لم يتمّ إلّا بالشكل الصوري الذي نعرفه، وأن كل حوار جدّي جديد يُمكن اعتباره عملية إصلاح لخطأ سابق، وفي ذلك طبعا احراج لشخص الرئيس، وكأن الاتحاد يقول له: "هكذا يتمّ الحوار الصحيح".
لذلك، نلاحظ أن إيقاف المسؤول النقابي أتى في ظرف يصعب عدم ربطه بالعلاقة المتوتّرة بين قرطاج وساحة محمد علي. وممّا يزيد في تأكيد ذلك تسمية نقابي سابق مُنشقّ عن الهيئة الحالية للاتحاد وزيرا جديدا. تسمية من المنطقي أن يراها الاتحاد حركة عدائية أخرى من طرف قرطاج، بما يزيد في كمية الزيت فوق النار المشتعلة بين الطرفين.
كما أن اللهجة الحادّة التي تحدّث بها رئيس الجمهورية إلى الشعب من ثكنة الحرس الوطني، واختياره لهذا المقر بالذات لتوجيه اتهامات خطيرة لخصومه، يرى فيهما الاتحاد تصعيدا رئاسيّا ضدّه، واستقواءً بالقوات المسلحة الجمهورية، وتحريضا على التفرقة بين أفراد الشعب وتأليب بعضهم عن بعض، حسب تصريح نور الدين الطبوبي في افتتاح أشغال الهيئة الإدارية. زد على ذلك ما أقدم عليه أمنيّون من دخول قاعة اجتماعات الهيئة الإدارية للاتحاد، حسب سامي الطاهري الذي اعتبر هذا الإجراء الأمني سابقة خطيرة.
وحتى نُسمّي الأشياء بأسمائها، فإن الصراع بدأ بقوة بين السلطة التنفيذية والاتحاد العام التونسي للشغل، وأن المواجهة بين الطرفين آتية لا ريب. ذلك أن كلا الطرفين سيتمسّك بموقفه، كما عوّدانا. وهنا يجدر بنا أن نحاول القيام بتكهنات حول نتيجة هذا الصراع.
بعض المُحللين السياسيين يرون أن الاتحاد العام التونسي للشغل يدخل الصراع ضعيفا. فهناك من يقول بأن بعض كوادره تحوم حولهم شكوك في عمليّات فساد، وهذا أمر مُستبعدٌ جدا. ذلك أن هذه القضايا، إن وُجدت لنظرت فيها العدالة. وحتى إن ثبتت فهي تهم أشخاصا ولا تهمّ المنظّمة. كما أن هناك من يقول بأن الاتحاد لا دخل له في السياسة، فهو منظمة نقابية اجتماعية لا غير، وهو عين الخطأ. ومن يدّعي ذلك فهو يجهل تماما تاريخ هذه المنظّمة التي لعبت الأدوار الأولى في السياسة التونسية منذ نشأتها، قبل الاستقلال وبعده، وما حصولها على جائزة نوبل للسلام إلا بفضل نشاطها السياسي وليس نتيجة لدورها النقابي.
وأما من جهة رئيس الجمهورية، فهو يدخل المواجهة ضعيفا بعد رفض الشعب المشاركة في انتخاب برلمانه، وبسبب الأزمات التي ما انفكّت تتفاقم في كافة القطاعات والغلاء المتزايد للمعيشة، إضافة إلى انسداد آفاق القروض من الدول ومن المؤسسات المالية العالمية، خاصة بعد التصنيف الائتماني المُخجل والمُفزع لهيئة موديس. لكنه سيكون الأقوى في المواجهة لأنه يمتلك السلطة.
هذا الوضع يجرّنا إلى ابداء تخوفات كبيرة من مواجهة حقيقية في الشارع سيكون المواطن الخاسر الأول فيها. وهو وضع لا يُمكن ألّا يذكّرنا بأحداث 26 جانفي 1978 عندما سقطت مئات الأرواح بسبب التدخل الأمني والعسكري للتصدي للإضراب العام وللمظاهرات الشعبية. كما أنه لا يُمكننا أن ننسى أن الحبيب عاشور قد زُجّ به في السجن إثر تلك الأحداث من قبل بورقيبة رئيسا والهادي نويرة وزيرا أول، وأنه عاد لرئاسة الاتحاد بعد النهاية السياسية لكلّ منهما.
وحتى لا يُعيد التاريخ نفسه، وحقنا لدماء المواطن الضحيّة، يجدر بمن أخطأ أن يقول "أنا مُخطئ".
بقلم: منير الشرفي
*إيقاف المسؤول النقابي أتى في ظرف يصعب عدم ربطه بالعلاقة المتوتّرة بين قرطاج وساحة محمد علي
من الصعب ألّا نربط بين حدثيْن هامّيْن لا تفصل بينهما إلا سُويّعات، وهما خطاب رئيس الجمهورية المُتشنّج في مقر الحرس الوطني وإيقاف مسؤول نقابي.
صحيح أن الرئيس تحدّث كعادته عن "هؤلاء" مرات عديدة في ذلك الخطاب، والواضح أن "هؤلاء" يتغيّرون من فقرة إلى أخرى ومن سياق إلى آخر. فمنهم المُتّهمون بالإجرام ومنهم المُتهمون بخيانة الوطن، الخ... غير أن العلاقة بين "اتّهام" شخص في موضوع اضراب الطريق السيّارة في ذلك الخطاب وإيقاف الكاتب العام للنقابة الخصوصية تونس الطرقات السيارة تبدو علاقة سببيّة.خطاب الاتحاد العام التونسي للشغل يُعدّ دون شكّ أكثر وضوحا، بعد أن تداول بعض مًسيّريه عن وسائل الإعلام، مُسمّين القط قِطّا. فهم يرون في اعتقال المسؤول النقابي حركة عدائيّة ضد المنظمة الشغيلة برمتها. ولا ننسى أن الاتحاد شرع في تنظيم حوار وطني مع ثلاثة شركاء لهم وزنهم في الساحة السياسية التونسية، وبتشريك عشرات الكفاءات التونسية العالية في مجالي السياسة والاقتصاد بهدف وضع برنامج واضح المعالم لإخراج البلاد من الأزمات التي تتخبّط فيها في مختلف الميادين.
ورغم أن المسؤولين في الاتحاد صرّحوا في أكثر من مناسبة أن نتائج هذا الحوار سيتمّ تقديمها إلى رئيس الدولة، بما يُفيد أن المبادرة لا تكتسي صبغة العداء للرئيس وإنما هي وسيلة لمساعدته على إيجاد الحلول لمشاكل البلاد المُتعدّدة، إلّا أن الرئيس سعيّد يبدو أنه رأي في هذه المبادرة تحدّيا لشخصه. ولا ننسى أن الحوار الوطني المنشود منذ 25 جويلية 2021 لم يتمّ إلّا بالشكل الصوري الذي نعرفه، وأن كل حوار جدّي جديد يُمكن اعتباره عملية إصلاح لخطأ سابق، وفي ذلك طبعا احراج لشخص الرئيس، وكأن الاتحاد يقول له: "هكذا يتمّ الحوار الصحيح".
لذلك، نلاحظ أن إيقاف المسؤول النقابي أتى في ظرف يصعب عدم ربطه بالعلاقة المتوتّرة بين قرطاج وساحة محمد علي. وممّا يزيد في تأكيد ذلك تسمية نقابي سابق مُنشقّ عن الهيئة الحالية للاتحاد وزيرا جديدا. تسمية من المنطقي أن يراها الاتحاد حركة عدائية أخرى من طرف قرطاج، بما يزيد في كمية الزيت فوق النار المشتعلة بين الطرفين.
كما أن اللهجة الحادّة التي تحدّث بها رئيس الجمهورية إلى الشعب من ثكنة الحرس الوطني، واختياره لهذا المقر بالذات لتوجيه اتهامات خطيرة لخصومه، يرى فيهما الاتحاد تصعيدا رئاسيّا ضدّه، واستقواءً بالقوات المسلحة الجمهورية، وتحريضا على التفرقة بين أفراد الشعب وتأليب بعضهم عن بعض، حسب تصريح نور الدين الطبوبي في افتتاح أشغال الهيئة الإدارية. زد على ذلك ما أقدم عليه أمنيّون من دخول قاعة اجتماعات الهيئة الإدارية للاتحاد، حسب سامي الطاهري الذي اعتبر هذا الإجراء الأمني سابقة خطيرة.
وحتى نُسمّي الأشياء بأسمائها، فإن الصراع بدأ بقوة بين السلطة التنفيذية والاتحاد العام التونسي للشغل، وأن المواجهة بين الطرفين آتية لا ريب. ذلك أن كلا الطرفين سيتمسّك بموقفه، كما عوّدانا. وهنا يجدر بنا أن نحاول القيام بتكهنات حول نتيجة هذا الصراع.
بعض المُحللين السياسيين يرون أن الاتحاد العام التونسي للشغل يدخل الصراع ضعيفا. فهناك من يقول بأن بعض كوادره تحوم حولهم شكوك في عمليّات فساد، وهذا أمر مُستبعدٌ جدا. ذلك أن هذه القضايا، إن وُجدت لنظرت فيها العدالة. وحتى إن ثبتت فهي تهم أشخاصا ولا تهمّ المنظّمة. كما أن هناك من يقول بأن الاتحاد لا دخل له في السياسة، فهو منظمة نقابية اجتماعية لا غير، وهو عين الخطأ. ومن يدّعي ذلك فهو يجهل تماما تاريخ هذه المنظّمة التي لعبت الأدوار الأولى في السياسة التونسية منذ نشأتها، قبل الاستقلال وبعده، وما حصولها على جائزة نوبل للسلام إلا بفضل نشاطها السياسي وليس نتيجة لدورها النقابي.
وأما من جهة رئيس الجمهورية، فهو يدخل المواجهة ضعيفا بعد رفض الشعب المشاركة في انتخاب برلمانه، وبسبب الأزمات التي ما انفكّت تتفاقم في كافة القطاعات والغلاء المتزايد للمعيشة، إضافة إلى انسداد آفاق القروض من الدول ومن المؤسسات المالية العالمية، خاصة بعد التصنيف الائتماني المُخجل والمُفزع لهيئة موديس. لكنه سيكون الأقوى في المواجهة لأنه يمتلك السلطة.
هذا الوضع يجرّنا إلى ابداء تخوفات كبيرة من مواجهة حقيقية في الشارع سيكون المواطن الخاسر الأول فيها. وهو وضع لا يُمكن ألّا يذكّرنا بأحداث 26 جانفي 1978 عندما سقطت مئات الأرواح بسبب التدخل الأمني والعسكري للتصدي للإضراب العام وللمظاهرات الشعبية. كما أنه لا يُمكننا أن ننسى أن الحبيب عاشور قد زُجّ به في السجن إثر تلك الأحداث من قبل بورقيبة رئيسا والهادي نويرة وزيرا أول، وأنه عاد لرئاسة الاتحاد بعد النهاية السياسية لكلّ منهما.
وحتى لا يُعيد التاريخ نفسه، وحقنا لدماء المواطن الضحيّة، يجدر بمن أخطأ أن يقول "أنا مُخطئ".