لم يعد من المجاز القول أن الاتحاد العام التونسي للشغل قد فقد مساحاته الواسعة للمناورة السياسية وفقد هامش التحرك الحر داخل الشأن العام بعد أن حاصرته منظومة 25جويلية ضمن دوائر ضيقة حولته من مبادر ومؤثر إلى طرف خاضع إلى قانون رد الفعل على الفعل.
فعلى عكس التصريحات النارية لقياداته قبل وأثناء أشغال الهيئة الإدارية الملتئمة أشغالها أول أمس بأحد النزل بالعاصمة فان واقع بيان الأشغال جاء معاكسا لتلك التصريحات بعد أن عجزت الهيئة الإدارية عن اتخاذ إجراءات لحماية المنظمة ومنظوريها مما وصفه أعضاء المكتب التنفيذي "بالهجمة الشرسة وإعلان الحرب وضرب المنظمة'.
فقد رفعت تصريحات الأمين العام المساعد حفيظ حفيظ والناطق الرسمي باسم المنظمة سامي الطاهري وخطاب الأمين العام نور الدين الطبوبي من داخل قاعة أشغال الهيئة الإدارية من منسوب التوقعات التي وصلت حد التخوفات بشان موقف الاتحاد من الأحداث الدائرة في محيطه وردة فعله المحتملة لتتواتر التعليقات لتصب جميعها في خانة الصدام مع السلطة وإعادة سيناريوهات أحداث جانفي 1978 في شارة لتآكل مسافات الأمان بين كل من الاتحاد والرئاسة.
غير أن صلابة الموقف المنطوق قابلها بيان هادئ وحذر حسب البعض تجنب فيه الاتحاد استدراجه إلى معركة الإضراب العام في حين يرى آخرون انه بيان ضعيف لا يرتقى إلى مستوى اللحظة النضالية المفترضة بعد أن باتت تحركات المنظمة مكشوفة لضيق هامش المناورة ولعدم قدرتها على التعبئة ليتحول البيان إلى مصدر خلاف بين النقابيين.
ففي بيانه الصادر أول أمس الجمعة ندد نقابيو الهيئة الإدارية "بخطاب التخوين والتفرقة والتحريض والتجييش الموجّه ضدّ مكوّنات المجتمع المدني وسائر التحرّكات الشبابية والسياسية والاحتجاجات الاجتماعية بما فيها احتجاجات أهلنا في جرجيس وضدّ الاتحاد من قبل أعلى رأس السلطة في تونس من مقرّ ثكنة العوينة ونعتبر التصريح بأن حقّ الإضراب قد “تحوّل إلى غطاء لمآرب سياسية” هو مقدّمة لضرب الحقّ النقابي وهو خطاب تحريضي ضدّ الاتحاد ومحاولة يائسة لثنيه عن دوره الوطني وسعي محموم لتحديد مربّع نشاطه".
وأكد المجتمعون "أنّ منظمتنا ستظلّ ملتزمة بقضايا بلادنا ومهتمّة بالشأن السياسي ومشاركة بفاعلية في إنقاذه وبنائه وتقدّمه، وفي الآن نفسه، هي دوما على أهبة للنضال ضدّ محاولات اختراق الاتحاد أو عزل قياداته المنتخبة عن قواعدها أو استنساخ تجارب فاشلة في ضربه بمناوشة النقابيات والنقابيين والتلفيق أو شنّ حملات شعواء عليهم وتجييش الرأي العام ضدّهم عبر أبواق عرفوا بتقلّباتهم وبيعهم لضمائرهم".
كما كان موضوع سياسات استهداف الاتحاد والعمل النقابي وحقّ الإضراب محل استهجان نقابي داعين السلطة إلى الابتعاد عن "فبركة القضايا في مكاتب خارج أروقة المحاكم أو من خلال استصدار المناشير السالبة لحقّ التفاوض وللحوار الاجتماعي أو عبر أوامر التسخير غير القانونيّة".
واعتبر نقابيو الهيئة الإدارية أن ما يحصل يعد "تعبيرا عن تشنّج السلطة ضدّ الاتحاد العام التونسي للشّغل بسبب مواقفه الرافضة لإملاءات صندوق النقد الدولي الداعية لرفع الدعم وبيع المؤسّسات العمومية وتجميد الانتدابات وتخفيض كتلة الأجور ومزيد إغراق البلاد في التداين، وبسبب توجّه الاتحاد مع شركائه في صياغة مشروع حوار وطني للإنقاذ".
ولا خلاف بان الاتحاد تجنب الذهاب إلى سيناريو التصعيد في رده على سعيد وانتهج مبدأ التهدئة حتى يضمن لنفسه ولبقية شركائه فرصة تمرير الحوار الوطني وعرضها على قرطاج وهو ما يشكل عند المنظمة هدفا استراتيجيا لضمان بقاء الاتحاد على خطوط التأثير الوطني تماما كما كان الوضع عليه قبل تولي قيس سعيد رئاسة الجمهورية سنة2019.
ومقابل إصرار الاتحاد على فرض خريطته على الرئيس وعلى الرغم من الأدوار الأساسية للاتحاد في إنهاء منظومة ما قبل 25 جويلية فانه لم يكن بعيدا عن الاستهداف بعد أن حطّ سعيد من دعوة المنظمة للحوار الوطني في شهر ديسمبر 2020 بل وأرسل أصحابها "إلى كتب الجغرافيا للبحث عن الخريطة"، في إشارة واضحة عن رفضه لأي حوار أو خريطة طريق من خارج عقل سعيد نفسه.
هكذا رأي جسده الرئيس في خطابه يوم 13ديسمبر 2021 وإعلانه عن خطة عمل واضحة دون تشريكه لأي وسائط حزبية أو اجتماعية، ومع إعلانه خريطة الطريق وتحديده لمواعيدها الحوارية والانتخابية وجد مساندو الرئيس بما فيهم الاتحاد العام التونسي للشغل أنفسهم محشورين في زاوية الأحداث بعد أن ضاقت عليهم دائرة التصورات الرئاسية بما افقدهم جزءا واسعا من التأثير داخل الحياة السياسية ليتحول هذا الرصيد أيضا لحساب سعيد لتدخل بذلك المنظمة مداخل الارتباك.
ارتباك كشفته سياسة الجلوس على كرسيين فبعد أن خير الاتحاد منهج المساندة للتدابير الاستثنائية وثنائه على "مسار التصحيح" أملا في تشريكه في صياغة تصورات الحكم الجديد.
عادت المنظمة على أعقابها لاحقا لتتحول إلى المعارضة بتعلة انحراف المسار وخروجه عن السكة، فلا هم تقاسموا السلطة مع الرئيس للمحافظة على امتدادات السياسية للاتحاد داخل البلاد ولا هم حسموا أمرهم فيه بوصف إجراءات 25جويلية بـ"الانقلاب" وذلك خوفا من الالتحاق بجبهة الرفض التي تشكل العدو رقم واحد لسعيد.
وفي هذا السياق قال الناشط الحقوقي مسعود الرمضاني "لقد تبيّن بكل وضوح أن السيد قيس سعيد ماض في طريقه لوحده، لا يريد النصح من أحد وليس مستعدا أن يشرك في مساره أي كان، ولا يقبل بأي حوار خارج دائرة تصوراته".
وأضاف "اليوم وقد تبيّن أن الاتحاد، رغم مساندته النقدية ودعواته المتكررة للحوار، لم يخرج من دائرة الاستهداف، فعليه أن يختار بين أن يستمر في تصعيد الخطاب حينا والتهدئة أحيانا، مما يضر حتما بمصداقيته وقدرته على اتخاذ القرارات الحاسمة، أو أن يلتزم برؤية نقابية دفاعية ضيّقة، وهو ما لا يتناسب مع حجمه وتاريخه ودوره الوطني، بل وقد يعرضه هو للاستفراد ولارتدادات تعصف به".
وفي أولى ردود الفعل من داخل المنظمة قال النقابي أمين الطبابي عضو الملتقى النقابي من اجل ترسيخ الممارسة الديمقراطية واحترام قوانين المنظمة أن "الإتحاد حاليا ضعيف وعلى درجة عالية من الوهن..، وأن المراوحة في المواقف هو نتيجة حتمية نظرا لعدم ضمان التعبئة اللازمة حين يجد الجد وهو ما تسرب للقواعد من إحساس بأنهم وقود حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل".
وأضاف الطبابي "أن هناك حديثا عن ملفات شبه جاهزة تؤكد تورط القيادة في ملفات فساد وهو ما جعلها غير قادرة على التصعيد، فإما تهادن أو تدفع الثمن وإن المصداقية على المحك إذ هل يعقل أن تكون داعما لمسار 25 جويلية ثم تنقلب؟ القواعد لا تهتم إلا لضعف المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار والحصول على الحقوق المنهوبة والمسلوبة..، الإتحاد إلى أين؟؟؟"
خليل الحناشي
تونس-الصباح
لم يعد من المجاز القول أن الاتحاد العام التونسي للشغل قد فقد مساحاته الواسعة للمناورة السياسية وفقد هامش التحرك الحر داخل الشأن العام بعد أن حاصرته منظومة 25جويلية ضمن دوائر ضيقة حولته من مبادر ومؤثر إلى طرف خاضع إلى قانون رد الفعل على الفعل.
فعلى عكس التصريحات النارية لقياداته قبل وأثناء أشغال الهيئة الإدارية الملتئمة أشغالها أول أمس بأحد النزل بالعاصمة فان واقع بيان الأشغال جاء معاكسا لتلك التصريحات بعد أن عجزت الهيئة الإدارية عن اتخاذ إجراءات لحماية المنظمة ومنظوريها مما وصفه أعضاء المكتب التنفيذي "بالهجمة الشرسة وإعلان الحرب وضرب المنظمة'.
فقد رفعت تصريحات الأمين العام المساعد حفيظ حفيظ والناطق الرسمي باسم المنظمة سامي الطاهري وخطاب الأمين العام نور الدين الطبوبي من داخل قاعة أشغال الهيئة الإدارية من منسوب التوقعات التي وصلت حد التخوفات بشان موقف الاتحاد من الأحداث الدائرة في محيطه وردة فعله المحتملة لتتواتر التعليقات لتصب جميعها في خانة الصدام مع السلطة وإعادة سيناريوهات أحداث جانفي 1978 في شارة لتآكل مسافات الأمان بين كل من الاتحاد والرئاسة.
غير أن صلابة الموقف المنطوق قابلها بيان هادئ وحذر حسب البعض تجنب فيه الاتحاد استدراجه إلى معركة الإضراب العام في حين يرى آخرون انه بيان ضعيف لا يرتقى إلى مستوى اللحظة النضالية المفترضة بعد أن باتت تحركات المنظمة مكشوفة لضيق هامش المناورة ولعدم قدرتها على التعبئة ليتحول البيان إلى مصدر خلاف بين النقابيين.
ففي بيانه الصادر أول أمس الجمعة ندد نقابيو الهيئة الإدارية "بخطاب التخوين والتفرقة والتحريض والتجييش الموجّه ضدّ مكوّنات المجتمع المدني وسائر التحرّكات الشبابية والسياسية والاحتجاجات الاجتماعية بما فيها احتجاجات أهلنا في جرجيس وضدّ الاتحاد من قبل أعلى رأس السلطة في تونس من مقرّ ثكنة العوينة ونعتبر التصريح بأن حقّ الإضراب قد “تحوّل إلى غطاء لمآرب سياسية” هو مقدّمة لضرب الحقّ النقابي وهو خطاب تحريضي ضدّ الاتحاد ومحاولة يائسة لثنيه عن دوره الوطني وسعي محموم لتحديد مربّع نشاطه".
وأكد المجتمعون "أنّ منظمتنا ستظلّ ملتزمة بقضايا بلادنا ومهتمّة بالشأن السياسي ومشاركة بفاعلية في إنقاذه وبنائه وتقدّمه، وفي الآن نفسه، هي دوما على أهبة للنضال ضدّ محاولات اختراق الاتحاد أو عزل قياداته المنتخبة عن قواعدها أو استنساخ تجارب فاشلة في ضربه بمناوشة النقابيات والنقابيين والتلفيق أو شنّ حملات شعواء عليهم وتجييش الرأي العام ضدّهم عبر أبواق عرفوا بتقلّباتهم وبيعهم لضمائرهم".
كما كان موضوع سياسات استهداف الاتحاد والعمل النقابي وحقّ الإضراب محل استهجان نقابي داعين السلطة إلى الابتعاد عن "فبركة القضايا في مكاتب خارج أروقة المحاكم أو من خلال استصدار المناشير السالبة لحقّ التفاوض وللحوار الاجتماعي أو عبر أوامر التسخير غير القانونيّة".
واعتبر نقابيو الهيئة الإدارية أن ما يحصل يعد "تعبيرا عن تشنّج السلطة ضدّ الاتحاد العام التونسي للشّغل بسبب مواقفه الرافضة لإملاءات صندوق النقد الدولي الداعية لرفع الدعم وبيع المؤسّسات العمومية وتجميد الانتدابات وتخفيض كتلة الأجور ومزيد إغراق البلاد في التداين، وبسبب توجّه الاتحاد مع شركائه في صياغة مشروع حوار وطني للإنقاذ".
ولا خلاف بان الاتحاد تجنب الذهاب إلى سيناريو التصعيد في رده على سعيد وانتهج مبدأ التهدئة حتى يضمن لنفسه ولبقية شركائه فرصة تمرير الحوار الوطني وعرضها على قرطاج وهو ما يشكل عند المنظمة هدفا استراتيجيا لضمان بقاء الاتحاد على خطوط التأثير الوطني تماما كما كان الوضع عليه قبل تولي قيس سعيد رئاسة الجمهورية سنة2019.
ومقابل إصرار الاتحاد على فرض خريطته على الرئيس وعلى الرغم من الأدوار الأساسية للاتحاد في إنهاء منظومة ما قبل 25 جويلية فانه لم يكن بعيدا عن الاستهداف بعد أن حطّ سعيد من دعوة المنظمة للحوار الوطني في شهر ديسمبر 2020 بل وأرسل أصحابها "إلى كتب الجغرافيا للبحث عن الخريطة"، في إشارة واضحة عن رفضه لأي حوار أو خريطة طريق من خارج عقل سعيد نفسه.
هكذا رأي جسده الرئيس في خطابه يوم 13ديسمبر 2021 وإعلانه عن خطة عمل واضحة دون تشريكه لأي وسائط حزبية أو اجتماعية، ومع إعلانه خريطة الطريق وتحديده لمواعيدها الحوارية والانتخابية وجد مساندو الرئيس بما فيهم الاتحاد العام التونسي للشغل أنفسهم محشورين في زاوية الأحداث بعد أن ضاقت عليهم دائرة التصورات الرئاسية بما افقدهم جزءا واسعا من التأثير داخل الحياة السياسية ليتحول هذا الرصيد أيضا لحساب سعيد لتدخل بذلك المنظمة مداخل الارتباك.
ارتباك كشفته سياسة الجلوس على كرسيين فبعد أن خير الاتحاد منهج المساندة للتدابير الاستثنائية وثنائه على "مسار التصحيح" أملا في تشريكه في صياغة تصورات الحكم الجديد.
عادت المنظمة على أعقابها لاحقا لتتحول إلى المعارضة بتعلة انحراف المسار وخروجه عن السكة، فلا هم تقاسموا السلطة مع الرئيس للمحافظة على امتدادات السياسية للاتحاد داخل البلاد ولا هم حسموا أمرهم فيه بوصف إجراءات 25جويلية بـ"الانقلاب" وذلك خوفا من الالتحاق بجبهة الرفض التي تشكل العدو رقم واحد لسعيد.
وفي هذا السياق قال الناشط الحقوقي مسعود الرمضاني "لقد تبيّن بكل وضوح أن السيد قيس سعيد ماض في طريقه لوحده، لا يريد النصح من أحد وليس مستعدا أن يشرك في مساره أي كان، ولا يقبل بأي حوار خارج دائرة تصوراته".
وأضاف "اليوم وقد تبيّن أن الاتحاد، رغم مساندته النقدية ودعواته المتكررة للحوار، لم يخرج من دائرة الاستهداف، فعليه أن يختار بين أن يستمر في تصعيد الخطاب حينا والتهدئة أحيانا، مما يضر حتما بمصداقيته وقدرته على اتخاذ القرارات الحاسمة، أو أن يلتزم برؤية نقابية دفاعية ضيّقة، وهو ما لا يتناسب مع حجمه وتاريخه ودوره الوطني، بل وقد يعرضه هو للاستفراد ولارتدادات تعصف به".
وفي أولى ردود الفعل من داخل المنظمة قال النقابي أمين الطبابي عضو الملتقى النقابي من اجل ترسيخ الممارسة الديمقراطية واحترام قوانين المنظمة أن "الإتحاد حاليا ضعيف وعلى درجة عالية من الوهن..، وأن المراوحة في المواقف هو نتيجة حتمية نظرا لعدم ضمان التعبئة اللازمة حين يجد الجد وهو ما تسرب للقواعد من إحساس بأنهم وقود حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل".
وأضاف الطبابي "أن هناك حديثا عن ملفات شبه جاهزة تؤكد تورط القيادة في ملفات فساد وهو ما جعلها غير قادرة على التصعيد، فإما تهادن أو تدفع الثمن وإن المصداقية على المحك إذ هل يعقل أن تكون داعما لمسار 25 جويلية ثم تنقلب؟ القواعد لا تهتم إلا لضعف المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار والحصول على الحقوق المنهوبة والمسلوبة..، الإتحاد إلى أين؟؟؟"