تونس – الصباح
تنطلق مبادرة الحوار والإنقاذ التي دعت اليها المنظمات الوطنية وأساسا الرباعي الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والمنتدي التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في أجواء يسودها الكثير من التوتر والتشنّج السياسي وفي ظروف اقتصادية سيئة وظروف اجتماعية مشوبة بالكثير من الاحتقان والغضب..
وكل هذه السياقات تضع اكراهات مضاعفة على هذه المبادرة التي يرى فيها البعض فرصة أخيرة للإنقاذ قبل أن تنحرف الأمور الى فوضى وغضب شعبي لا يمكن السيطرة عليها، في حين البعض الآخر خاصة بعض القوى السياسية المناهضة لمسار 25 جويلية يرون أن وضع المنظمات الوطنية لمبادرتها تحت سقف 25 جويلية لن يفضي لنتيجة لأن الرئيس لن يتفاعل لا مع المقترحات التي ستقدم له لا مع الحوار الوطني.
وتبقى كل هذه التخمينات سابقة لأوانها لا يمكن الجزم بصحتها الا بعد الانتهاء من صياغة هذه المبادرة وفي هذا الإطار يتنزّل تصريح ماهر حنين عضو اللجنة السياسية لمبادرة الإنقاذ والحوار لـ»الصباح «حول عمل اللجنة السياسية وأهدافها .
في بداية حديثه حول السياقات التي فرضت هذه المبادرة يقول ماهر حنين: »هو أكيد اليوم هناك نوع من الاجماع الوطني تقريبا يتجاوز حتى حدود المنظمات المدنية الأربعة في أزمة غير مسبوقة وشاملة بأتم معنى الكلمة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، بالإضافة إلى كوني أعتقد أن حتى المناخ النفسي في البلاد في درجة عالية من التوتّر والإحباط وعدم الثقة والامل في المستقبل كذلك وهذا يمسّ فئات واسعة من المجتمع وخاصة الشباب أين ترتفع نسب الرغبة في الهجرة إلى معدلات غير مسبوقة، بالإضافة إلى ارتفاع نسب العزوف عن الانتخابات بما يعكس تعبيرا واضحا على عدم الرغبة في المشاركة السياسية.. وبالتالي انكفاء الناس على حاجياتهم اليومية وهو ما خلق حالة من الوهن الاجتماعي أو التفكك وهذا في الحقيقة أمر مؤسف جدا بالنظر إلى عامل الثورة وأن البلاد كانت في تجربة ديمقراطية ولكن للأسف حتى إعلانات 25 جويلية بالعودة الى الديمقراطية والى مواصلة المسار الديمقراطي وتحقيق الرفاة وإنقاذ الدولة، أصبحت اليوم وعودا واهية وبتنا نعيش واقعا مناقضا تماما لهذه الوعود".
ويضيف ماهر حنين: »وفي هذا السياق تتنزّل مبادرة الحوار والإنقاذ التي لها مهمتان، الأولى هي الحوار بالتأكيد على قيمة هذا الحوار وأهميته، وسبق وأن كانت لنا تجربة حوار وطني رغم اختلاف نوعيته وسياقاته ولكنه لعب دورا أساسيا في إنقاذ البلاد في 2013 وحاز على اعتراف دولي كامل..، نحن هناك نبحث عن قيمة الحوار في حدّ ذاته وهو القبول بالاختلاف والقبول بالتنازلات والقبول بالحجة والقبول بالتراجع على تعنّت مواقف سابقة وكذلك القبول بالضرورة التي تمليها المصلحة الوطنية..، كل هذه قيم الحوار وليس قيم المغالبة لأن الحوار يقوم على الاقناع وليس فرض الامر الواقع وعلى التفاعل وعلى التنازلات..".
ويؤكد ماهر حنين أنه : »حتى في طريقة إدارة الحوار هناك اتيقا التي تفترض بالأساس قبول المختلف، وللأسف نحن لسنا في هذا الواقع اليوم لأن الأداء الحالي والتصريحات للجهات الرسمية تعبّر عن رفض لهذا الحوار بل محاولة لإلغائه تماما وهناك محاولة جادة لضرب الاجسام الوسيطة ..
المستوى الثاني لهذا الحوار، هو تأكيد على دور المجتمع المدني الذي له دور تاريخي سواء في الحركة الوطنية او الديمقراطية او النقابية أو الحقوقية وحتى في الهياكل المهنية، بمعنى أن مختلف الأجسام الوسيطة لعبت دورا كبيرا..، اليوم المجتمع المدني يرغب في تأكيد دوره من جديد أمام عجز أو عدم قدرة الأحزاب على تشكيل جبهة سياسية بأهداف مشتركة من اجل تنظيم صفوف المعارضة..، وهذا الهدف الأساسي والقيمة الأساسية لهذا الحوار".
وحول منهجية الحوار يقول ماهر حنين »أنه سيكون على ثلاث لجان اجتماعية واقتصادية وسياسية..، وسقفه سيكون شهرا كأقصى حد لتقديم كل المخرجات، وسيتوجه إلى رئيس الجمهورية بعرض خطة اصلاح شاملة لكل المستويات وعاجلة في المقام الأول مع رؤية متوسطة المدى وسنعمل على عرض هذه المبادرة على الرأي العام والعمل على توسيع أكثر ما يمكن قاعدة الدعم بشأنها المدني والمواطني والسياسي والشعبي".
التشخيص ثم المقترحات
وردا على سؤال اذا كانت هذه المبادرة التي تضع نفسها تحت سقف 25 جويلية وجدت انتقادات واسعة بسبب ذلك ستحترم هذه المبادرة العهدة الانتخابية لرئيس الجمهورية والتي تنتهي سنة 2024؟ يقول ماهر حنين أن »الحديث عن هذه التفاصيل والآليات الدستورية والقانونية لتقديم المقترحات ما زلنا لم نخض فيها، فأوّل اجتماع ستعقده اللجنة السياسية سيكون يوم الأربعاء القادم في مقر الهيئة الوطنية للمحامين، حيث تشكلت هذه اللجنة وعيّنت منسّقا ومقرّرا للجنة وبالتالي هذه اللجنة ستعمل على وضع كل هذه المسائل المتعلقة بالدستور وبالقانون الانتخابي وبوضع الحريات وبالتشريعات الأخيرة ..، وبالتالي الحوار الداخلي الذي سنقوم به صلب اللجنة سيفضي في مرحلة أولى التشخيص للوضع السياسي والتشريعي العام والحوكمة الحالية للبلاد والشأن العام وإبراز أن هذه الحوكمة فيها تهديد حقيقي للحريات وللمسار الديمقراطي من خلال مستويات مختلفة من خلال المراسيم الجديدة او الانتخابات او المحاكمات او حتى الخطاب العنيف تجاه المعارضين او نشطاء الحركة المدنية والسياسية بشكل عام« .
ويضيف محدثنا »أما المستوى الثاني هو تقديم المقترحات للبدء.. وباعتباره حوارا، فان الحوار يقوم على شيئين، إقناع الطرف الآخر بالحوار وتوسيع الحزام المتبني للأطروحات التي سيوفرها المجتمع المدني..، ثم لدينا ميزان القوى وهو القادر بأتم معنى الكلمة على جعل الحوار مقبول وممكن..، واعتقد أن الحوار سنصل اليه سواء كان بحكم العقل او الرصانة او سنصل إليه بحكم الضرورة..، وأتمنى فقط أن نصل اليه دون ان تشهد البلاد خسائر كبيرة.. ودون أن نصل إلى صدام حقيقي يجعل الحوار يأتي بعد خراب، لأن الأفضل للبلاد وللدولة ان يتم هذا الحوار في حالة من الهدوء وحالة من القبول الجماعي".
ويختم ماهر حنين الإجابة على سؤال حول ما اذا رفض رئيس الجمهورية هذه المبادرة، بقوله :"هذا كل هذه الأسئلة تبقى مؤجلة، فمهمتنا اليوم هو أن ننجز المهام القادرين على إنجازها في الوقت الراهن وفلا يمكن ان نتوقف على انجاز المهام الحالية بافتراض المهام المستقبلية الصعبة أو غير الواضحة.. سيكون هناك تشخيص ومقترحات ولكن سيكون هناك بالتزامن مع كل هذا مستجدات في علاقة بتطور الوضع السياسي العام واتفاق صندوق النقد الدولي.. وكل هذه المتغيرات ستأخذ بعين الاعتبار في النقاشات داخل المبادرة وحتى المفاجآت التي قد تأتي يجب وضعها دائما بعين الاعتبار وبالتالي المبادرة ستكون موجودة ومهيكلة وستمر دون شك بصعوبات لكن الرباعي المبادر مستعد لتحمّل هذه الصعوبات ".
منية العرفاوي
