إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رواد أيام قرطاج الموسيقية يقبلون على السوق والمشاركون يتمنون توسيعها في المستقبل .. " الماركت" الموسيقي يضفي جمالية ويخلق حركية بمدينة الثقافة

 

سوق تحمل نكهة الحاضر وتغوص في تاريخ البلاد  وتنفتح على ثقافات الآخر

لم  يقتصر الـ"ماركت" على  الآلات الموسيقية بل تم تشريك حرف لها علاقة  قوية  بالموسيقى

 

تونس– الصباح

سوق فني وموسيقي أو كما أطلق عليه "الماركت" الموسيقي، احتضنته مدينة الثقافة بالعاصمة بداية من يوم 21 جانفي وسيتواصل إلى غاية 28 من نفس الشهر، على الرغم من بساطته وصغر حجمه أضفى الكثير من الجمالية والروح الفنية والحركية على المشهد العام للمدينة. 

فلمّا تتجوّل بفضاء "الماركت" الذي نظمته إدارة الدورة الثامنة لمهرجان أيام قرطاج الموسيقية، لا يخطر ببالك بالمرّة أن بعض العارضين هم مزيج من الاختصاصات العلمية  والهوايات في ظاهرها لا تمتّ بصلة بعوالم الموسيقي ولكن في باطنها ترجمت"الغرام بالفن" بمختلف أنواعه ومشاربه، فاجتمعوا بنفس المكان بانتاجات عبّرت عن دواخل كل منهم.

 

إعداد: إيمان عبداللطيف

 

ضمّ "الماركت" إثنى عشر عارضا وعارضة بين حرفيين وجامعي آلات موسيقية وصانعي حلي وغيرها تجلب زوار مدينة الثقافة إلى مزيد الغوص في  عوالم الموسيقى فقد تأخذك أحيانا تلك الفضاءات إلى سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من خلال ركن جُمعت فيه اسطوانات و"كاسات" القرن الماضي .

والملفت بذلك الفضاء أن الحرفاء كانوا من الشباب. اغلبهم في  الـ20 سنة أو ربما أكثر بقليل، التفوا حول العارض يسألون ويبحثون عن أسماء مغنين وفنانين لاقتناء أسطوانات وكاسات، وكان السؤال ما سرّ هذا الاقبال من هؤلاء الشباب بتلك اللهفة وذلك الإهتمام على مثل هذه  المنتوجات.

فجاءت الإجابة سريعة من فتاة يبلغ سنها 18 سنة قالت إنها تجمع الأسطوانات كبداية لفكرة تجول بخاطرها ستسعى إلى تجسيدها في يوم من الأيام وهي إنشاء متحف صغير لكل ما هو قديم ومن التراث وستبحث أولا عن آلة الفونوغراف القديمة تلك الآلة التي تقرأ الاسطوانات ثم تتعمق أكثر لتحقيق حلمها.

في خضم ذلك النقاش والحديث عن المشاريع والأحلام، وصف عامر بن رقية-الجامع للإسطوانات القديمة، والمحبّ لكل ما له علاقة بالموسيقى خاصة بالاسطوانات القديمة بمختلف أحجامها وأشرطة الكاسات و"السيديات" -بأنها محاولة لإبراز التطور التاريخي لهذه المحامل الموسيقىة.

يُضيف بن رقية "بدأت هذه الهواية منذ 30 سنة، وهو غرام كبير انطلق منذ الطفولة فتمكنت من جمع المئات من الأسطوانات وأشرطة الكاسات وأشارك في "الماركت" بحوالي 700 قطعة من كل الأذواق".

ويوضح "لا أبيع إلا النسخ، أو بعض الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها. باعتبار أني أفكر في التخصص في نمط موسيقي الأغلب الموسيقى الشرقية مثل الفخامات الكبرى للموسيقى العربية على غرار أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم وأيضا الأغاني الانقليزية في سنوات الستينات والسبعينات".

وعن حرفائه، يقول عامر بن رقية "هم من مختلف الأذواق والفئات العمرية، لكن الأعمار الأكثر تركيزا على هذه المنتوجات هم ما بين 20 و40 سنة وهناك نسبة من الـ50 سنة، فهناك رجوع للاسطوانات القديمة في نسخها الأصلية لا المقلدة".

في جانب آخر من "الماركت" كان هناك عاطف ذكّار يبلغ من العمر 26 سنة متربص في صناعة الآلات الموسيقية بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء، بشعره الطويل وطريقة لباسه وانسجامه الملفت والمطلق مع آلة العود ومسكه للمبرد لا يوحي أبدا بأن اختصاصه العلمي هو الهندسة الميكانيكية وللسائل أن يتساءل أي علاقة بينهما وما الذي جمعه بالآلات الموسيقية؟.

يقول عاطف أنا "مهندس ميكانيك وفي نفس الوقت أدرس الموسيقى، هذا المزج بين الاختصاصيين شجعني على التفكير لما لا في صناعة آلات موسيقية ربما تكون ميكانيكية تُشبه غرامي اعتمادا على الهواية والمعرفة والتقنيات التي تعلمتها في الصناعة".

ويُضيف "لا شيء يُمكنه أن يوصف مدى سعادتي بهذا المزيج الهندسي الفني، وهذه المحبة التي أترجمه كل يوم في تربصي بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء وأتمنى أن تتطور إلى احتراف وإبداع".

في مكان آخر من سوق الموسيقى، أو "الماركت" كما ارتأت إدارة الدورة الثامنة لأيام قرطاج الموسيقية أن تُسميه، يمكنك أن تتجول في مختلف القارات والدول وأنت بنفس المكان فتعترضك آلات موسيقية غريبة الشكل أو آلات قديمة تعود إلى ستينات القرن الماضي.

في تلك الجولة، تتطلع على آلة "البالافون" من السينغال وغيتار ألمانية يعود تاريخها إلى ما قبل سقوط جدار برلين  وتكتشف آلات أخرى من المغرب وإيطاليا وفرنسا والكونغو واليابان والصين.

فمن مصر عُرضت آلة صغيرة في شكل "تمساح" أو بالإفرنجي "كروكودو كلاك" وهي كذلك في شكلها، يخرج من ظهرها المقسم إلى مربعات صوت يميل إلى صوت التصفيق، استعملت في القديم من قبل الأطفال لاستقطاب التمساح الصغير من الأنهاروتحولت في ما بعد إلى آلة موسيقية.

يوجد في ذات المكان كتب تختص في الموسيقى يعود تاريخها إلى أوائل القرن الماضي، ككتاب يحكي عن إحدى سفرات فرقة المعهد الرشيدي سنة 1968 وبرنامج الحفلة، والنسخة الأصلية لكتاب خميس ترنان يتحدث عن حياته وتراثه وفنه.

وفؤاد بوعبيد أستاذ موسيقى جامع للآلات والكتب الموسيقية من جرجيس، وهو صاحب هذه الآلات وكغيره من محبي هذا التوجه، يعمل منذ أكثر من 30 سنة على التقاط فرص اقتناء الآلات القديمة ويسعى إلى إعطاء روح جديدة لها بإعادة صيانتها إن كان فيها عطب ما أو إحياء روحها بالعزف عليها. فلمس الآلات القديمة فيها روح خاصة وفق تعبيره.

يقول بوعبيد "منذ سنوات طويلة جدا، أجمع الآلات من جميع القارات، وسأحول هذه الهواية إلى متحف كمشروع تقاعد حتى لا أنفصل عن الموسيقى وكمحاولة للمحافظة على هذا الموروث".

في ركن آخر من "الماركت" الموسيقى، وُضعت على طاولة صغيرة الحجم مجموعة من آلات الناي بأحجام مختلفة، للمتفرج العادي هي آلة عادية في شكلها، ولكنها في حقيقة الأمر هي أكثر بكثير من ذلك عندما تستمع إلى عازفها وصانعها شكري القداح وهو أستاذ موسيقى وعازف على الناي وصانعها يتحدّث عنها وعن طرق صنعها وعن تقنيات الثقب وحساباتها التنفسية.

بدأ شكري هذه الحرفة منذ عشرين سنة تقريبا، يجوب نايه مختلف دول العالم، وفق قوله، وهي حرفة وصناعة تعلمها عن محبة وغرام واهتمام والكثير من البحث والإطلاع والتعلم أين"حصلت التجربة الكبيرة والعميقة لمختلف آلات الناي والنفخ ما خولني لصنع الناي حسب الطلب أي بحسب مقاسات التنفس لدى الشخص" وفق قوله.

عن الاقبال قال متحدثنا"كان متميزا، فكان هناك محاولات للتعرف والتثقيف والاطلاع من قبل الزوار من مختلف الأعمار والاهتمامات على الآلات" أما عن "سوق الموسيقى" كان يُفضل أن يكون أكبر وأكثر استقطابا للحرفين والمهنيين والموسيقيين من دول مختلفة على غرار إحدى الدورات من النسخة الأولى لأيام قرطاج الموسيقية.

كان هناك، وفق قوله، "عارضون من سوريا وفلسطين وتركيا وإيران والهند، وبالتالي تمنيت أن يكون الأمر كذلك في هذه الدورة حتى يُصبح هناك تبادل أفكار والتعرف على طرق صنعهم للآلات الهوائية والسلم الموسيقي ومن ثمة التشبيك والتسويق".

وجه آخر من "ماركت" الأيام الموسيقية، مثّلته عارضات وحرفيات للحلي وأيضا للمنتوجات من أقمشة وخشب ومواد أخرى حاولت من خلالها المزج بين عوالم الموسيقى والحرفة والصناعات اليدوية فيها الكثير من التجديد والفن والإبداع.

بثينة حسني، هي إحدى العارضات بـ"الماركت" وصاحبة إحدى الماركات التجارية للحلي المصنوع من الفضة، قالت: قمت بتحضير منتوجات خاصة بالـ"جي أم سي" من حلي تجسم آلات موسيقية وغيرها.

درست بثينة بالمعهد العالي للموسيقى وأيضا بمعهد للفنون الجميلة اختصاص نحت ثم خزف وتصوير فوتوغرافي ومن الخزف بدأت تصنع حلقة صغيرة (pendentif )تعلق بالقلادة  وتطويرها وطلائها بالفضة بعد أن تعلمت لدى حرفي مختص بالمدينة العتيقة.

تقول بثينة، هذا ""الماركت" أضاف لي الكثير من الاستمتاع بالعروض الموسيقية أولا ثم كفضاء خول لي توسيع شبكة التعارف مع الناس باعتبار أن هدفي هو أيضا استقطاب الفنانين والموسيقيين حتى يكونوا حرفائي وللتعريف بمنتوجاتي".

مريم بريبري، كانت إحداهنّ أيضا، هي عارضة وشريكة للدورة الثامنة لأيام قرطاج الموسيقية، قدمت منتوجات متعددة أبرزها من القماش كالحقائب التي طبع عليها صور لفنانين على غرار رضا ديكيديكي وصليحة وحبيبة مسيكة وفاطمة بوساحة، إسماعيل الحطاب وعلية وغيرهم وضعت بها بطاقات تعريفية لهؤلاء للفنانين للتعريف بهم.

عن نظرتها لفكرة تنظيم "الماركت" تحدثت بريبري، فقالت إن"فتح المجال للحرف وللابداعات اليدوية والمهن الموسيقية داخل مهرجان موسيقي يُعد مسألة على غاية من الأهمية سواء لي أو للحرفين والحرفيات وأيضا لصورة الأيام باعتبار أن الفن ليس له حدود ولا حواجز ولا أطر معينة يقف عندها".

وتُضيف "محاولة أخذ الموسيقى للإلقاء وللمكتوب وللمشهدي وللمصور هي مسألة هامة جدا، وأن تتحدث أيضا عن موروثك الفني والموسيقي وخاصة الشعبي من خلال محامل أخرى يُعد فكرة مميزة للتعريف بكل ذلك في مكان واحد خاصة للضيوف الأجانب المشاركين بالمهرجان".

وبالتالي "هي مسألة مهمة جدا تفتح المجال للناس للبحث والتعمق في هوية الموسيقيين والفنانين والموسيقى الشعبية التونسية من خلال آليات ومحامل مختلفة".

وتضيف: "هذه التجربة أضافت الكثير لنا وفتحت لنا المجال لمزيد ترسيخ الذاكرة الشعبية الفنية في تونس ولما لا في العالم وهي فكرة بدأنا في تنفيذها من خلال مشروع "شعبية" في سبتمبر 2022 وأصبحت اليوم مجسمة في هذه المنتوجات التي عرضت في أيام قرطاج الموسيقية".

أما عن الإقبال، فقالت مريم بريبري "إذا وضعنا  الأمور في إطارها، هذا الماركت جاء في إطار أيام موسيقية تعنى بنمط موسيقي معين ومختلف وهو الموسيقى البديلة والجديدة والباحثة ما يدفع بالوافدين على المهرجانإلى البحث في اهتمامات ومواضيع أخرى تغوص في التاريخ والتراث والبحوث ولكن أيضا عن طريق محامل أخرى كالاكسسوارات والحلي والحقائب والدفاتر وغيرها من الأشياء صغيرة ولكنها غير صامتة بل معبرة تنقل موسيقى أو أي مشهد تريد أن تُعبر عنه وهذا ما تلمسه في الجمهور الذي أقبل على الماركت".

في ذات السياق، تقول مريم بريبري "كنت أتمنى أن يكون هذا السوق الموسيقي أكبر من ذلك فيشارك فيه أكبر عدد ممكن من مبدعي ومبدعات تونس ويكون فيه تمثيلية أكبر للجهات، كما تمنيت أن يكون هناك أناس آخرون من تونس الأخرى والذين لا يعرفهم كثيرون. وهم الأشخاص الذين يُغنون وهم يعملون أو يحرثون أو ينسجون فتكون هناك صورة لمشهدية حية وجميلة يمثلها جزء كبير من مجموعات فنية صغيرة من النساء والرجال كبار في السن يمثلون جزء كبيرا من تاريخ تونس".

 

رواد أيام قرطاج الموسيقية يقبلون على السوق والمشاركون يتمنون توسيعها في المستقبل .. " الماركت" الموسيقي يضفي جمالية ويخلق حركية بمدينة الثقافة

 

سوق تحمل نكهة الحاضر وتغوص في تاريخ البلاد  وتنفتح على ثقافات الآخر

لم  يقتصر الـ"ماركت" على  الآلات الموسيقية بل تم تشريك حرف لها علاقة  قوية  بالموسيقى

 

تونس– الصباح

سوق فني وموسيقي أو كما أطلق عليه "الماركت" الموسيقي، احتضنته مدينة الثقافة بالعاصمة بداية من يوم 21 جانفي وسيتواصل إلى غاية 28 من نفس الشهر، على الرغم من بساطته وصغر حجمه أضفى الكثير من الجمالية والروح الفنية والحركية على المشهد العام للمدينة. 

فلمّا تتجوّل بفضاء "الماركت" الذي نظمته إدارة الدورة الثامنة لمهرجان أيام قرطاج الموسيقية، لا يخطر ببالك بالمرّة أن بعض العارضين هم مزيج من الاختصاصات العلمية  والهوايات في ظاهرها لا تمتّ بصلة بعوالم الموسيقي ولكن في باطنها ترجمت"الغرام بالفن" بمختلف أنواعه ومشاربه، فاجتمعوا بنفس المكان بانتاجات عبّرت عن دواخل كل منهم.

 

إعداد: إيمان عبداللطيف

 

ضمّ "الماركت" إثنى عشر عارضا وعارضة بين حرفيين وجامعي آلات موسيقية وصانعي حلي وغيرها تجلب زوار مدينة الثقافة إلى مزيد الغوص في  عوالم الموسيقى فقد تأخذك أحيانا تلك الفضاءات إلى سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من خلال ركن جُمعت فيه اسطوانات و"كاسات" القرن الماضي .

والملفت بذلك الفضاء أن الحرفاء كانوا من الشباب. اغلبهم في  الـ20 سنة أو ربما أكثر بقليل، التفوا حول العارض يسألون ويبحثون عن أسماء مغنين وفنانين لاقتناء أسطوانات وكاسات، وكان السؤال ما سرّ هذا الاقبال من هؤلاء الشباب بتلك اللهفة وذلك الإهتمام على مثل هذه  المنتوجات.

فجاءت الإجابة سريعة من فتاة يبلغ سنها 18 سنة قالت إنها تجمع الأسطوانات كبداية لفكرة تجول بخاطرها ستسعى إلى تجسيدها في يوم من الأيام وهي إنشاء متحف صغير لكل ما هو قديم ومن التراث وستبحث أولا عن آلة الفونوغراف القديمة تلك الآلة التي تقرأ الاسطوانات ثم تتعمق أكثر لتحقيق حلمها.

في خضم ذلك النقاش والحديث عن المشاريع والأحلام، وصف عامر بن رقية-الجامع للإسطوانات القديمة، والمحبّ لكل ما له علاقة بالموسيقى خاصة بالاسطوانات القديمة بمختلف أحجامها وأشرطة الكاسات و"السيديات" -بأنها محاولة لإبراز التطور التاريخي لهذه المحامل الموسيقىة.

يُضيف بن رقية "بدأت هذه الهواية منذ 30 سنة، وهو غرام كبير انطلق منذ الطفولة فتمكنت من جمع المئات من الأسطوانات وأشرطة الكاسات وأشارك في "الماركت" بحوالي 700 قطعة من كل الأذواق".

ويوضح "لا أبيع إلا النسخ، أو بعض الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها. باعتبار أني أفكر في التخصص في نمط موسيقي الأغلب الموسيقى الشرقية مثل الفخامات الكبرى للموسيقى العربية على غرار أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم وأيضا الأغاني الانقليزية في سنوات الستينات والسبعينات".

وعن حرفائه، يقول عامر بن رقية "هم من مختلف الأذواق والفئات العمرية، لكن الأعمار الأكثر تركيزا على هذه المنتوجات هم ما بين 20 و40 سنة وهناك نسبة من الـ50 سنة، فهناك رجوع للاسطوانات القديمة في نسخها الأصلية لا المقلدة".

في جانب آخر من "الماركت" كان هناك عاطف ذكّار يبلغ من العمر 26 سنة متربص في صناعة الآلات الموسيقية بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء، بشعره الطويل وطريقة لباسه وانسجامه الملفت والمطلق مع آلة العود ومسكه للمبرد لا يوحي أبدا بأن اختصاصه العلمي هو الهندسة الميكانيكية وللسائل أن يتساءل أي علاقة بينهما وما الذي جمعه بالآلات الموسيقية؟.

يقول عاطف أنا "مهندس ميكانيك وفي نفس الوقت أدرس الموسيقى، هذا المزج بين الاختصاصيين شجعني على التفكير لما لا في صناعة آلات موسيقية ربما تكون ميكانيكية تُشبه غرامي اعتمادا على الهواية والمعرفة والتقنيات التي تعلمتها في الصناعة".

ويُضيف "لا شيء يُمكنه أن يوصف مدى سعادتي بهذا المزيج الهندسي الفني، وهذه المحبة التي أترجمه كل يوم في تربصي بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء وأتمنى أن تتطور إلى احتراف وإبداع".

في مكان آخر من سوق الموسيقى، أو "الماركت" كما ارتأت إدارة الدورة الثامنة لأيام قرطاج الموسيقية أن تُسميه، يمكنك أن تتجول في مختلف القارات والدول وأنت بنفس المكان فتعترضك آلات موسيقية غريبة الشكل أو آلات قديمة تعود إلى ستينات القرن الماضي.

في تلك الجولة، تتطلع على آلة "البالافون" من السينغال وغيتار ألمانية يعود تاريخها إلى ما قبل سقوط جدار برلين  وتكتشف آلات أخرى من المغرب وإيطاليا وفرنسا والكونغو واليابان والصين.

فمن مصر عُرضت آلة صغيرة في شكل "تمساح" أو بالإفرنجي "كروكودو كلاك" وهي كذلك في شكلها، يخرج من ظهرها المقسم إلى مربعات صوت يميل إلى صوت التصفيق، استعملت في القديم من قبل الأطفال لاستقطاب التمساح الصغير من الأنهاروتحولت في ما بعد إلى آلة موسيقية.

يوجد في ذات المكان كتب تختص في الموسيقى يعود تاريخها إلى أوائل القرن الماضي، ككتاب يحكي عن إحدى سفرات فرقة المعهد الرشيدي سنة 1968 وبرنامج الحفلة، والنسخة الأصلية لكتاب خميس ترنان يتحدث عن حياته وتراثه وفنه.

وفؤاد بوعبيد أستاذ موسيقى جامع للآلات والكتب الموسيقية من جرجيس، وهو صاحب هذه الآلات وكغيره من محبي هذا التوجه، يعمل منذ أكثر من 30 سنة على التقاط فرص اقتناء الآلات القديمة ويسعى إلى إعطاء روح جديدة لها بإعادة صيانتها إن كان فيها عطب ما أو إحياء روحها بالعزف عليها. فلمس الآلات القديمة فيها روح خاصة وفق تعبيره.

يقول بوعبيد "منذ سنوات طويلة جدا، أجمع الآلات من جميع القارات، وسأحول هذه الهواية إلى متحف كمشروع تقاعد حتى لا أنفصل عن الموسيقى وكمحاولة للمحافظة على هذا الموروث".

في ركن آخر من "الماركت" الموسيقى، وُضعت على طاولة صغيرة الحجم مجموعة من آلات الناي بأحجام مختلفة، للمتفرج العادي هي آلة عادية في شكلها، ولكنها في حقيقة الأمر هي أكثر بكثير من ذلك عندما تستمع إلى عازفها وصانعها شكري القداح وهو أستاذ موسيقى وعازف على الناي وصانعها يتحدّث عنها وعن طرق صنعها وعن تقنيات الثقب وحساباتها التنفسية.

بدأ شكري هذه الحرفة منذ عشرين سنة تقريبا، يجوب نايه مختلف دول العالم، وفق قوله، وهي حرفة وصناعة تعلمها عن محبة وغرام واهتمام والكثير من البحث والإطلاع والتعلم أين"حصلت التجربة الكبيرة والعميقة لمختلف آلات الناي والنفخ ما خولني لصنع الناي حسب الطلب أي بحسب مقاسات التنفس لدى الشخص" وفق قوله.

عن الاقبال قال متحدثنا"كان متميزا، فكان هناك محاولات للتعرف والتثقيف والاطلاع من قبل الزوار من مختلف الأعمار والاهتمامات على الآلات" أما عن "سوق الموسيقى" كان يُفضل أن يكون أكبر وأكثر استقطابا للحرفين والمهنيين والموسيقيين من دول مختلفة على غرار إحدى الدورات من النسخة الأولى لأيام قرطاج الموسيقية.

كان هناك، وفق قوله، "عارضون من سوريا وفلسطين وتركيا وإيران والهند، وبالتالي تمنيت أن يكون الأمر كذلك في هذه الدورة حتى يُصبح هناك تبادل أفكار والتعرف على طرق صنعهم للآلات الهوائية والسلم الموسيقي ومن ثمة التشبيك والتسويق".

وجه آخر من "ماركت" الأيام الموسيقية، مثّلته عارضات وحرفيات للحلي وأيضا للمنتوجات من أقمشة وخشب ومواد أخرى حاولت من خلالها المزج بين عوالم الموسيقى والحرفة والصناعات اليدوية فيها الكثير من التجديد والفن والإبداع.

بثينة حسني، هي إحدى العارضات بـ"الماركت" وصاحبة إحدى الماركات التجارية للحلي المصنوع من الفضة، قالت: قمت بتحضير منتوجات خاصة بالـ"جي أم سي" من حلي تجسم آلات موسيقية وغيرها.

درست بثينة بالمعهد العالي للموسيقى وأيضا بمعهد للفنون الجميلة اختصاص نحت ثم خزف وتصوير فوتوغرافي ومن الخزف بدأت تصنع حلقة صغيرة (pendentif )تعلق بالقلادة  وتطويرها وطلائها بالفضة بعد أن تعلمت لدى حرفي مختص بالمدينة العتيقة.

تقول بثينة، هذا ""الماركت" أضاف لي الكثير من الاستمتاع بالعروض الموسيقية أولا ثم كفضاء خول لي توسيع شبكة التعارف مع الناس باعتبار أن هدفي هو أيضا استقطاب الفنانين والموسيقيين حتى يكونوا حرفائي وللتعريف بمنتوجاتي".

مريم بريبري، كانت إحداهنّ أيضا، هي عارضة وشريكة للدورة الثامنة لأيام قرطاج الموسيقية، قدمت منتوجات متعددة أبرزها من القماش كالحقائب التي طبع عليها صور لفنانين على غرار رضا ديكيديكي وصليحة وحبيبة مسيكة وفاطمة بوساحة، إسماعيل الحطاب وعلية وغيرهم وضعت بها بطاقات تعريفية لهؤلاء للفنانين للتعريف بهم.

عن نظرتها لفكرة تنظيم "الماركت" تحدثت بريبري، فقالت إن"فتح المجال للحرف وللابداعات اليدوية والمهن الموسيقية داخل مهرجان موسيقي يُعد مسألة على غاية من الأهمية سواء لي أو للحرفين والحرفيات وأيضا لصورة الأيام باعتبار أن الفن ليس له حدود ولا حواجز ولا أطر معينة يقف عندها".

وتُضيف "محاولة أخذ الموسيقى للإلقاء وللمكتوب وللمشهدي وللمصور هي مسألة هامة جدا، وأن تتحدث أيضا عن موروثك الفني والموسيقي وخاصة الشعبي من خلال محامل أخرى يُعد فكرة مميزة للتعريف بكل ذلك في مكان واحد خاصة للضيوف الأجانب المشاركين بالمهرجان".

وبالتالي "هي مسألة مهمة جدا تفتح المجال للناس للبحث والتعمق في هوية الموسيقيين والفنانين والموسيقى الشعبية التونسية من خلال آليات ومحامل مختلفة".

وتضيف: "هذه التجربة أضافت الكثير لنا وفتحت لنا المجال لمزيد ترسيخ الذاكرة الشعبية الفنية في تونس ولما لا في العالم وهي فكرة بدأنا في تنفيذها من خلال مشروع "شعبية" في سبتمبر 2022 وأصبحت اليوم مجسمة في هذه المنتوجات التي عرضت في أيام قرطاج الموسيقية".

أما عن الإقبال، فقالت مريم بريبري "إذا وضعنا  الأمور في إطارها، هذا الماركت جاء في إطار أيام موسيقية تعنى بنمط موسيقي معين ومختلف وهو الموسيقى البديلة والجديدة والباحثة ما يدفع بالوافدين على المهرجانإلى البحث في اهتمامات ومواضيع أخرى تغوص في التاريخ والتراث والبحوث ولكن أيضا عن طريق محامل أخرى كالاكسسوارات والحلي والحقائب والدفاتر وغيرها من الأشياء صغيرة ولكنها غير صامتة بل معبرة تنقل موسيقى أو أي مشهد تريد أن تُعبر عنه وهذا ما تلمسه في الجمهور الذي أقبل على الماركت".

في ذات السياق، تقول مريم بريبري "كنت أتمنى أن يكون هذا السوق الموسيقي أكبر من ذلك فيشارك فيه أكبر عدد ممكن من مبدعي ومبدعات تونس ويكون فيه تمثيلية أكبر للجهات، كما تمنيت أن يكون هناك أناس آخرون من تونس الأخرى والذين لا يعرفهم كثيرون. وهم الأشخاص الذين يُغنون وهم يعملون أو يحرثون أو ينسجون فتكون هناك صورة لمشهدية حية وجميلة يمثلها جزء كبير من مجموعات فنية صغيرة من النساء والرجال كبار في السن يمثلون جزء كبيرا من تاريخ تونس".