كشف تقرير صادر عن البنك المركزي، مؤخرا، حول "ميزان الدفوعات والوضع الخارجي الجملي لتونس في 2021"، عن ارتفاع نسق الواردات مع الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2021، ليبلغ 19.7%، ويتعلق الأمر بارتفاع الشراءات في مجالات الطاقة بنسبة 51.6% والمواد الأولية ونصف المصنعة بنسبة 23.4%، لافتا الى تراجع الفائض التجاري لتونس مع بلدان الاتحاد الأوروبي بشكل طفيف سنة 2021 ليبلغ 2.7 مليار دينار مقابل 2.8 مليار دينار سنة 2020، في حين ارتفع العجز التجاري مع الصين الى 6.3 مليار دينار.
ويعد التقرير الصادر عن البنك المركزي لكامل سنة 2021، الأكثر دقة من بين الدراسات والتقارير الدورية التي يصدرها معهد الإحصاء الوطني، لتوفر البيانات المطلوبة لديه، والتي كشفت عن ارتفاع صادرات المنتوجات المعملية، والتي شملت خاصة إيطاليا بزيادة قدرها 31.4%، وألمانيا بنسبة 24.9%، وفرنسا بنسبة 10.9%، في حين شهدت الصادرات مع اسبانيا تراجعا بنسبة 16.4%، وذلك بسبب تراجع مبيعات زيت الزيتون بنسبة 48.6%.
وكشفت مؤسسة الإصدار عن تسجيل فائض في الميزان التجاري مع بلدان اتحاد المغرب العربي سنة 2021 بقيمة 420 مليون دينار، مقابل 286 مليون دينار سنة 2020، مرجعا ذلك الى تراجع الواردات مع هذه البلدان بنسبة 6٪ وزيادة الصادرات إليها بنسبة 19.5%، في حين توسع العجز التجاري مع البلدان الأسيوية، ليصل الى حدود 9.3 مليار دينار سنة 2021، أي ما يمثل 60% من إجمالي العجز التجاري.
ارتفاع العجز مع الصين
وأشار تقرير البنك الى ارتفاع العجز التجاري مع الصين، ليبلغ بين سنتي 2020 و2021 ، تحديدا 6.3 مليار دينار، بعد أن كان في حدود 5.4 مليار دينار، مبرزا أن نسبة الواردات مع الصين وحدها بلغت 18.4%، ويشار الى أن هذا المعطى كان قد تطرق إليه محافظ البنك المركزي مروان العباسي، خلال كلمته في أيام المؤسسة في دورتها الأخيرة، حيث أكد عدم جدوى الإجراءات المتخذة مع الصين للتقليص من فائض التجاري معها، باعتبار أنها باتت اليوم "مصنع العالم"، إلا أنه يمكن التفاوض معها حول تحويل جزء من العجز معها الى مشاريع استثمارية في تونس.
وترتفع المخاوف اليوم، أكثر أمام استمرار تعمق العجز التجاري، الذي تجاوز حاجز 60 % مع موفى أكتوبر المنقضي، مع ارتفاع كلفة التوريد الى مستويات تستنزف الاحتياطي النقدي بشكل رهيب، حيث مع تواصل ارتفاع كلفة التوريد بأكثر من 30%، أدى ذلك الى تراجع كبير في أيام التوريد للدولة التونسية، وسرع من تآكل الاحتياطي النقدي، الأمر الذي وضع البلاد أمام خيار واحد، وهو إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي في أسرع الآجال.
وحسب الأرقام الرسمية للبنك المركزي بتاريخ أمس، تراجعت أيام التوريد إلى 98 يوما بعد أن كان معدلها في حدود 131 يوما خلال الفترة ذاتها من العام من الماضي، وبلغ الاحتياطي النقدي خلال تلك الفترة 22.9 مليار دينار، وهناك مخاوف كبيرة من تواصل الضغط على ميزان المدفوعات خلال الفترة القليلة القادمة، ما يرفع من حدة المخاطر وعدم قدرة البلاد على سداد احتياجاتها في المستقبل القريب.
تراجع قدرة تونس على تغطية وارداتها
وبدأت قدرة تونس على تغطية وارداتها في التراجع بداية من 15 جويلية 2022، حيث تم تسجيل تراجع بنحو 25 يوماً، بعد أن بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي 3.18 دينار، ويعزى ذلك إلى نمو الواردات بنسبة 35.3٪ مقابل زيادة نسبتها 16.8٪ خلال الخمسة أشهر من العام 2021، كما ارتفعت الواردات بنسبة 35 % مقابل (+21%) خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2021، وذلك وفق بيانات معهد الإحصاء الوطني.
وزادت واردات تونس من الطاقة بنسبة 100.8 بالمائة مع موفي سبتمبر 2022، وارتفعت واردات المواد الأولية ونصف المصنعة بنسبة 37 بالمائة والمواد الاستهلاكية بنسبة 13.4 بالمائة ومواد التجهيز بنسبة 41.1 بالمائة، وتبعا لذلك تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات صلب الميزان التجاري لتونس مع موفي سبتمبر 2022، خمس نقاط مقارنة بنفس الفترة من سنة 2021، وقد بلغت 68.7 بالمائة.
وتضاعفت حاجيات تونس بشكل سريع خلال الأشهر الأخيرة، تزامنا مع ارتفاع أسعار المحروقات والحبوب، ما كلف خزينة الدولة خسائر تجاوزت أكثر من 5 مليار دينار، علما وأن موارد الدولة من العملة الصعبة، جزء منها متأت من الإيرادات السياحية وتحويلات التونسيين بالخارج، وهي موارد بالكاد تغطي حاجيات البلاد مستقبلا.
وتعول تونس بشكل أساسي، خلال الفترة القادمة، على اتفاق القرض مع صندوق النقد الدولي، والذي يناهز 6 مليار دينار، أي حوالي 1.9 مليار دولار، لتوفير احتياجاتها من العملة الصعبة، علما وان هذا المبلغ سيدفع في شكل أقساط، ومازالت المفاوضات مستمرة، تباعا مع حزمة من الإصلاحات مطلوب من تونس تنفيذها في أسرع الآجال.
ضرورة اتخاذ إجراءات على المدى القصير
ويدعو اغلب خبراء الاقتصاد اليوم، الى ضرورة اتخاذ حلول على المدى القصير وعلى المستوى الداخلي، وتتمثل أساسا في التحكم في نفقات الحكومة، وترشيد الإنفاق في مجالات عدة تهم نفقات التسيير وغيرها، وتأجيل الزيادات في الأجور المبرمجة، وكذلك المفاوضات الاجتماعية في القطاع العام، وترشيد توريد المواد الاستهلاكية، وهو أهم إجراء ملح بدأ يأخذ صداه في أروقة الدولة، وهناك إمكانية لتشديد إجراءات التوريد في بعض المواد الاستهلاكية التي لا تستحقها الدورة الاقتصادية كالمواد الأولية ومواد التجهيز.
وسجل احتياطي تونس من النقد الأجنبي خلال الفترات السابقة ارتفاعا الى مستويات مطمئنة تجاوز 147 يوما توريد، وأدى ذلك الى انخفاض التضخم وخلق الظروف الملائمة لانخفاض أسعار الفائدة ودعم نمو الائتمان في الاقتصاد، إلا أن الإجراءات المتخذة من السلطات للحد من تبعات جائحة "كورونا"، من خلال اقتراح حزمة من تدابير الميزانية لدعم الشركات والأسر، كان لها الأثر الكبير في اختلال السياسة المالية، في ظل تسجيل خسائر في الإيرادات الناجمة عن التباطؤ الاقتصادي، والتي ساهمت الى حد كبير في زيادة عجز الميزانية إلى 7.7 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت حوالي 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في ميزانية 2020.
سفيان المهداوي
تونس- الصباح
كشف تقرير صادر عن البنك المركزي، مؤخرا، حول "ميزان الدفوعات والوضع الخارجي الجملي لتونس في 2021"، عن ارتفاع نسق الواردات مع الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2021، ليبلغ 19.7%، ويتعلق الأمر بارتفاع الشراءات في مجالات الطاقة بنسبة 51.6% والمواد الأولية ونصف المصنعة بنسبة 23.4%، لافتا الى تراجع الفائض التجاري لتونس مع بلدان الاتحاد الأوروبي بشكل طفيف سنة 2021 ليبلغ 2.7 مليار دينار مقابل 2.8 مليار دينار سنة 2020، في حين ارتفع العجز التجاري مع الصين الى 6.3 مليار دينار.
ويعد التقرير الصادر عن البنك المركزي لكامل سنة 2021، الأكثر دقة من بين الدراسات والتقارير الدورية التي يصدرها معهد الإحصاء الوطني، لتوفر البيانات المطلوبة لديه، والتي كشفت عن ارتفاع صادرات المنتوجات المعملية، والتي شملت خاصة إيطاليا بزيادة قدرها 31.4%، وألمانيا بنسبة 24.9%، وفرنسا بنسبة 10.9%، في حين شهدت الصادرات مع اسبانيا تراجعا بنسبة 16.4%، وذلك بسبب تراجع مبيعات زيت الزيتون بنسبة 48.6%.
وكشفت مؤسسة الإصدار عن تسجيل فائض في الميزان التجاري مع بلدان اتحاد المغرب العربي سنة 2021 بقيمة 420 مليون دينار، مقابل 286 مليون دينار سنة 2020، مرجعا ذلك الى تراجع الواردات مع هذه البلدان بنسبة 6٪ وزيادة الصادرات إليها بنسبة 19.5%، في حين توسع العجز التجاري مع البلدان الأسيوية، ليصل الى حدود 9.3 مليار دينار سنة 2021، أي ما يمثل 60% من إجمالي العجز التجاري.
ارتفاع العجز مع الصين
وأشار تقرير البنك الى ارتفاع العجز التجاري مع الصين، ليبلغ بين سنتي 2020 و2021 ، تحديدا 6.3 مليار دينار، بعد أن كان في حدود 5.4 مليار دينار، مبرزا أن نسبة الواردات مع الصين وحدها بلغت 18.4%، ويشار الى أن هذا المعطى كان قد تطرق إليه محافظ البنك المركزي مروان العباسي، خلال كلمته في أيام المؤسسة في دورتها الأخيرة، حيث أكد عدم جدوى الإجراءات المتخذة مع الصين للتقليص من فائض التجاري معها، باعتبار أنها باتت اليوم "مصنع العالم"، إلا أنه يمكن التفاوض معها حول تحويل جزء من العجز معها الى مشاريع استثمارية في تونس.
وترتفع المخاوف اليوم، أكثر أمام استمرار تعمق العجز التجاري، الذي تجاوز حاجز 60 % مع موفى أكتوبر المنقضي، مع ارتفاع كلفة التوريد الى مستويات تستنزف الاحتياطي النقدي بشكل رهيب، حيث مع تواصل ارتفاع كلفة التوريد بأكثر من 30%، أدى ذلك الى تراجع كبير في أيام التوريد للدولة التونسية، وسرع من تآكل الاحتياطي النقدي، الأمر الذي وضع البلاد أمام خيار واحد، وهو إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي في أسرع الآجال.
وحسب الأرقام الرسمية للبنك المركزي بتاريخ أمس، تراجعت أيام التوريد إلى 98 يوما بعد أن كان معدلها في حدود 131 يوما خلال الفترة ذاتها من العام من الماضي، وبلغ الاحتياطي النقدي خلال تلك الفترة 22.9 مليار دينار، وهناك مخاوف كبيرة من تواصل الضغط على ميزان المدفوعات خلال الفترة القليلة القادمة، ما يرفع من حدة المخاطر وعدم قدرة البلاد على سداد احتياجاتها في المستقبل القريب.
تراجع قدرة تونس على تغطية وارداتها
وبدأت قدرة تونس على تغطية وارداتها في التراجع بداية من 15 جويلية 2022، حيث تم تسجيل تراجع بنحو 25 يوماً، بعد أن بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي 3.18 دينار، ويعزى ذلك إلى نمو الواردات بنسبة 35.3٪ مقابل زيادة نسبتها 16.8٪ خلال الخمسة أشهر من العام 2021، كما ارتفعت الواردات بنسبة 35 % مقابل (+21%) خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2021، وذلك وفق بيانات معهد الإحصاء الوطني.
وزادت واردات تونس من الطاقة بنسبة 100.8 بالمائة مع موفي سبتمبر 2022، وارتفعت واردات المواد الأولية ونصف المصنعة بنسبة 37 بالمائة والمواد الاستهلاكية بنسبة 13.4 بالمائة ومواد التجهيز بنسبة 41.1 بالمائة، وتبعا لذلك تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات صلب الميزان التجاري لتونس مع موفي سبتمبر 2022، خمس نقاط مقارنة بنفس الفترة من سنة 2021، وقد بلغت 68.7 بالمائة.
وتضاعفت حاجيات تونس بشكل سريع خلال الأشهر الأخيرة، تزامنا مع ارتفاع أسعار المحروقات والحبوب، ما كلف خزينة الدولة خسائر تجاوزت أكثر من 5 مليار دينار، علما وأن موارد الدولة من العملة الصعبة، جزء منها متأت من الإيرادات السياحية وتحويلات التونسيين بالخارج، وهي موارد بالكاد تغطي حاجيات البلاد مستقبلا.
وتعول تونس بشكل أساسي، خلال الفترة القادمة، على اتفاق القرض مع صندوق النقد الدولي، والذي يناهز 6 مليار دينار، أي حوالي 1.9 مليار دولار، لتوفير احتياجاتها من العملة الصعبة، علما وان هذا المبلغ سيدفع في شكل أقساط، ومازالت المفاوضات مستمرة، تباعا مع حزمة من الإصلاحات مطلوب من تونس تنفيذها في أسرع الآجال.
ضرورة اتخاذ إجراءات على المدى القصير
ويدعو اغلب خبراء الاقتصاد اليوم، الى ضرورة اتخاذ حلول على المدى القصير وعلى المستوى الداخلي، وتتمثل أساسا في التحكم في نفقات الحكومة، وترشيد الإنفاق في مجالات عدة تهم نفقات التسيير وغيرها، وتأجيل الزيادات في الأجور المبرمجة، وكذلك المفاوضات الاجتماعية في القطاع العام، وترشيد توريد المواد الاستهلاكية، وهو أهم إجراء ملح بدأ يأخذ صداه في أروقة الدولة، وهناك إمكانية لتشديد إجراءات التوريد في بعض المواد الاستهلاكية التي لا تستحقها الدورة الاقتصادية كالمواد الأولية ومواد التجهيز.
وسجل احتياطي تونس من النقد الأجنبي خلال الفترات السابقة ارتفاعا الى مستويات مطمئنة تجاوز 147 يوما توريد، وأدى ذلك الى انخفاض التضخم وخلق الظروف الملائمة لانخفاض أسعار الفائدة ودعم نمو الائتمان في الاقتصاد، إلا أن الإجراءات المتخذة من السلطات للحد من تبعات جائحة "كورونا"، من خلال اقتراح حزمة من تدابير الميزانية لدعم الشركات والأسر، كان لها الأثر الكبير في اختلال السياسة المالية، في ظل تسجيل خسائر في الإيرادات الناجمة عن التباطؤ الاقتصادي، والتي ساهمت الى حد كبير في زيادة عجز الميزانية إلى 7.7 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت حوالي 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في ميزانية 2020.