إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رغم خطورتها .. تداعيات تغيرات المناخ خارج حسابات الحكومة والمواطن !!

 

 

  • التونسي يشعر بوطأة تغير المناخ.. فهل يعي بالمخاطر؟
  • تونس دخلت الشح المائي منذ 2015.. ولا أحد يبالي

تونس-الصباح

بعد أن كانت مسألة التغيرات المناخية تطرح على مستوى الخبراء والدراسات وربما يعدها البعض ترفا ومواضيع سابقة لأوانها، أصبحت اليوم تفرض نفسها بقوة على حياة المواطن في ظل تسارع التغيرات على مستوى درجات حرارة غير مسبوقة صيفا وغياب تعاقب الفصول مع استمرار درجات حرارة مرتفعة شتاء وندرة الأمطار وما تفرضه كل هذه الظواهر من تحديات الجفاف ونقص المياه واضطرابات في المحاصيل الزراعية.

 كما تتعالى في الآونة الأخيرة صيحات فزع المختصين محذرين من أن كل هذه المؤشرات قد تفرض علينا  إعلان  الطوارئ المناخية في السنوات القادمة مع ما يطرحه الموضوع من مخاطر آنية وأخرى لاحقة ومنها  استنزاف الموارد على حساب الأجيال القادمة.

ومع تسارع وتيرة ضغط تداعيات تغير المناخ على جل قطاعاتنا الاقتصادية وفي مقدمتها تلك المتصلة بقوت التونسي كالفلاحة والصيد البحري والمياه، وأيضا قطاعات حيوية أخرى كالسياحة مع ما تمثله من قيمة في الناتج القومي الخام فإن السؤال المطروح وبإلحاح إلى متى ستظل هذه التحديات الخطيرة خارج حسابات الدولة وصناع القرار والسياسيين في تونس؟ ومتى يتم إيلاء المسألة الاهتمام الذي تستحقه على مستوى بذل جهود لمحاولة التأقلم مع تفرضه التغيرات المناخية من تغيير سياسات واستراتيجيات والتحسيس بضرورة انخراط المواطن في هذا المجهود الوطني في انتظار تعبئة الموارد المالية الضرورية داخليا وخارجيا لبرامج التأقلم الكبرى المكلفة؟

أول المؤشرات الظاهرة لحدة التغيرات المناخية بدأ يستشعرها التونسي انطلاقا من درجات الحرارة المسجلة صيفا وشتاء، فقد أصبحت درجات الحرارة تتجاوز صيفا المعدلات العادية بأكثر من 10 درجات ويمتد الصيف لأشهر في المقابل يحل فصل الشتاء دون تسجيل انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، ولا نزول للأمطار كما يحصل هذا الشتاء الذي تأخر قدومه.

وكانت نشرات ومعطيات المعهد الوطني للرصد الجوي منذ فترة تتحدث عن زيادة في وتيرة موجات الحرارة الشديدة وأن البلاد سيكون مناخها المستقبلي أكثر حرارة وجفافا، مع تغيرات في هطول الأمطار الموسمية الرئيسية.

 وتوقعت الدراسات انخفاض معدلات الأمطار السنوية بنسبة تتراوح بين 10 في المائة بالشمال الغربي و30 في المائة بأقصى جنوب البلاد مع حلول عام 2050، مع الإشارة إلى تعرّض تونس لانعكاسات التغّيرات المناخية، وتسجيل خسائر نتيجة التأثيرات المختلطة الناجمة عن تراجع الموارد المائية والمياه الجوفية، وتقلص مساحة زراعة الحبوب والأشجار، وتزايد مخاطر اندلاع الحرائق.

الوضع المائي الحرج

المؤشر الثاني البارز والمرتبط بدوره بالتغيرات المناخية وبدأ يشغل اهتمام الرأي العام هو موضوع الوضع المائي الحرج مع تسجيل نقص كبير في نزول الأمطار هذا الشتاء. وقد بدأت عديد الأصوات تتعالى مطالبة بضرورة إعلان حالة الطوارئ وتنظيم حوار وطني يجمع كافة المتدخلين مع التسريع باتخاذ إجراءات عاجلة لكبح جماح الشح المائي على غرار تشجيع المواطنين على تخزين المياه والتوجه إلى الزراعات الأقل استهلاكا للمياه وخاصة الموجهة للاستهلاك المحلي.

ويتوقع خبراء أن يكون "2023 هو العام الأكثر جفافا بالنسبة لتونس، خاصة في ظل تراجع منسوب امتلاء السدود إلى ما دون الـ28% حاليا".

وفي تصريح إعلامي له مؤخرا يعتبر المختص  في التنمية والتصرف في الموارد المائية، حسين الرحيلي، أن هذه النسبة "مفزعة ولم تشهدها تونس منذ عام 1960 على الأقل".

ويضيف الرحيلي أن "تونس باتت تعاني من أزمة مائية حادة ساهمت فيها التغيرات المناخية بدرجة أولى، وغياب سياسات عمومية تواكب ارتفاع الطلب على المياه من ناحية ثانية، وإغفال الهدر المائي خاصة في مجال الفلاحة من ناحية ثالثة".

كما يؤكد الرحيلي أن "تونس دخلت مرحلة الشح المائي منذ عام 2015، بعد أن تدنى نصيب الفرد من المياه إلى أقل من نصف الكمية المتفق عليها دوليا، منبها إلى خطورة المرحلة التي بلغتها تونس اليوم، والتي تدل عليها مؤشرات عدة من بينها مطالبة السلطات المزارعين في بعض الجهات بتجنب الزراعة في المناطق التي تروى تقليديا بمياه السدود".

يذكر أيضا أن الإشكال الأكبر والأخطر يتمثل في نقص المياه التي تجدد المائدة المائية، فالسدود لا توفر سوى 20% من المياه المستهلكة في تونس، أما الـ80% المتبقية فهي متأتية من المائدة المائية.

وقد انخفض نصيب التونسي من المياه إلى 350 مترا مكعبا في العام، وهي كمية تقل بنحو 50% عن المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (بين 500 و700 متر مكعب).

ويشير معهد الموارد العالمي إلى أن تونس والمغرب وليبيا والجزائر تعتبر من بين الدول الثلاثين الأكثر تعرضا لشح المياه على كوكب الأرض.

تقارير دولية تحذر

تحذر أيضا التقارير الدولية ومنذ فترة من عمق تداعيات تغيرات المناخ على الأفراد واقتصاديات الدول لا سيما الضعيفة منها والأشد عرضة لوطأة تغير المناخ.

ونذكر في هذا الصدد ما أشار إليه البنك الدولي سابقا عندما قدر أن "نحو 216 مليون شخص حول العالم قد يهاجرون بحلول العام 2050 هربًا من الآثار السلبية لتغير المناخ، مثل انخفاض الإنتاج الزراعي وشح المياه وارتفاع مستوى البحار والمناطق المعنية هي شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا والمحيط الهادئ".

وأكدت أيضا دراسة لصندوق النقد الدولي أن "ضعف بلد ما أو صلابته إزاء تغير المناخ يمكن أن يؤثرا تأثيرا مباشرا على جدارته الائتمانية، وتكاليف اقتراضه، وفي نهاية المطاف، احتمالية عدم قدرته على سداد ديونه السيادية. فأي زيادة قدرها 10 نقاط مائوية في مواطن الضعف إزاء تغير المناخ في الأسواق الصاعدة والاقتصاديات النامية تقترن بزيادة أكثر من 150 نقطة أساسا في فرق العائد على السندات الحكومية على المدى الطويل فمواطن الضعف إزاء تغير المناخ تأثيرها يكون في الاقتصاديات الناشئة والنامية على خلاف الاقتصاديات المتقدمة".

والملاحظ أن تونس تحتل  بشكل بارز مكانة متقدمة من بين البلدان التي يتداول ذكرها في التقارير الدولية بشأن البلدان الأكثر تهديدا بالتعرض  المبكر لتداعيات التغيرات المناخية.

كما تحذر هذه التقارير الدولية من التكلفة الاقتصادية الباهظة التي ستتكبدها تونس من جراء تسارع نسق التغيرات المناخية مقابل بطء إجراءات التأقلم للحد من الانعكاسات السلبية.

فقد أشارت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى أن "التغيرات المناخية يمكن أن تعيق بشكل كبير النمو الاقتصادي في تونس والاستثمارات، فالمناطق الساحلية التي تؤمن80% من الإنتاج الجملي ومعظمها معرض لارتفاع سطح البحر".

وبينت وكالة موديز في تقرير لها أيضا إن "التصنيف السيادي في آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والجزر الصغيرة الأكثر عرضة لارتفاع منسوب البحر وتعد 32 دولة من بينها تونس الأكثر عرضة لهذا التغير وأضاف التقرير أيضا أن ارتفاع مستوى سطح البحر يمثل تهديدًا ائتمانيًا طويل الأجل للدول التي تم تحديدها. والتي توجد بها مناطق كبيرة مهددة بالغرق".

وصنفت وكالة فيتش رايتنغ للتصنيف الائتماني "تونس من بين 10 بلدان الأكثر عرضة لخطر الإجهاد المائي والجفاف في العقد القادم. وقد جاءت تونس في المركز الثامن. وقالت فيتش أن المخاطر المرتبطة بالمياه ستؤثر في المالية العمومية من خلال ارتفاع الضغوط على الإنفاق وتوليد أزمات طارئة للحكومات. كما كشف التقرير عن أن المخاطر بدأت تتوضح أكثر منذ العام 2012".

تقارير محلية

إلى جانب تحذيرات التقارير الدولية نجد أيضا عديد التقارير الوطنية والدراسات التي تناولت مسألة التغيرات المناخية وانعكاساتها السلبية، فقد بيّن تقرير محلي تم إنجازه من قبل مراكز أبحاث تابعة لوزارة البيئة بالاشتراك مع سفارة المملكة المتحدة أن قطاعات الزراعة والصيد البحري والسياحة في تونس ستتأثر بصفة كبيرة بالتغيرات المناخية.

وكشفت دراسة أجراها البنك الدولي حول التداعيات الاقتصادية لتآكل السواحل في المتوسط أن" شواطئ دول المغرب العربي، لا سيما تونس والمغرب وليبيا تتآكل بوتيرة أسرع مقارنة بباقي المناطق الأخرى في العالم.

وخلصت الدراسة إلى أن" شواطئ في منطقة المغرب العربي تآكلت بمعدل متوسط يبلغ 15 سنتيمترا سنويا ما بين عامي 1984 و2016، فيما بلغ المتوسط ​​العالمي لتآكل الشواطئ حوالي 7 سنتيمترات سنويا".

وقدر الخبراء التداعيات الاقتصادية لهذه الظاهرة بما يعادل حوالي 2.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في تونس

وتفيد الدراسات أيضا أن "ثلث الشواطئ الرملية - حوالي 35 بالمائة -  تآكلت بمعدل أسرع وأكبر يتراوح بين 50 و70 سم سنويا. حيث تعرضت مدينة الحمامات لانحسار في منطقة الشواطئ بما يصل إلى 24 ألف متر مربع أي قرابة 3 و8 أمتار سنويا في الفترة الزمنية ما بين عامي 2006 و2019".

وسيتأثر قطاع السياحة بالتغيرات المناخية، إذ "سيؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تقليص مساحات الشواطئ وقد يؤدي إلى خسارة رأس المال المنتج بحوالي 3.6 مليار دينار، أيضًا سيؤدي تغير المناخ إلى تغيير المواسم السياحية، مما يجعل فترات الذروة في الصيف أقل جاذبية، مع زيادة الإمكانات في الربيع والخريف".

خبراء يدقون ناقوس الخطر

استنادا إلى هذه المعطيات العلمية المفزعة، دق كثيرون ناقوس الخطر تحذيرا من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة تأكل الشواطئ.

ونذكر هنا ما صرحت به مؤخرا ليا سيغارت، كبيرة خبراء تغير المناخ بالبنك الدولي والمسؤولة عن شؤون البيئة والموارد الطبيعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حين اعتبرت أن "ظاهرة تغير المناخ تٌفاقم من خطورة التهديدات الأخرى ما يؤدي إلى مخاطر اجتماعية".

وأكدت في لقاء إعلامي لها أن "فئات المجتمع المهمشة تعد الأكثر عرضة لتحمل وطأة ظاهرة تغير المناخ، لذا يتعين أن تسير إجراءات مواجهة الظاهرة مع عملية الاستقرار السياسي". مضيفة "إن الوضع في بلدان المغرب العربي يُعد أكثر خطورة بسبب وجود مجتمعات كبيرة تعيش قرب السواحل. ففي المغرب يعيش نسبة 65 بالمائة من السكان قرب المناطق الساحلية فيما تبلغ النسبة في تونس 85 بالمائة وهي النسب الأكبر حيث تعد المناطق الساحلية أكثر جاذبية للصناعات إذ تضم 90 بالمائة من الشركات سواء صغيرة ومتوسطة الحجم خاصة في مجال السياحة والتصنيع".

يصدح بدورهم الخبراء المحليون في مجال البيئة والمناخ بآرائهم وتحذيراتهم من حين لآخر بشأن تسارع تداعيات التغيرات المناخية على تونس وحدتها أحيانا.

حيث أكد الخبير والأستاذ في علم المناخ، زهير الحلاوي، أن تونس "تعد من بين البلدان الأكثر هشاشة وعرضة للانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية، نتيجة تموقعها الجغرافي وانتمائها لمجموعة الدول التي لا تمتلك إمكانيات كبرى للتصدي لهذه الظاهرة".

وقال الحلاوي في تصريح لـ"وات"، خلال ورشة عمل انتظمت مؤخرا بالعاصمة لتقديم التقرير السادس حول تقييم تأثيرات التغيرات المناخية، الذي أعده مجموعة من الخبراء الدوليين التابعين للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، "إن أغلب الأنشطة الاقتصادية المعتمدة أساسا على الأنشطة الفلاحية والسياحية، فضلا عن المناطق السكنية المتمركزة بالمناطق الساحلية، ستتضرر نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر بين 30 و50 صم في أفق 2050".

واعتبر أن "تغير وارتفاع معدلات درجات حرارة مياه البحر، سيساهم أيضا في هجرة الكائنات الحية التي كانت تعيش وتتأقلم مع درجات حرارة معينة، إلى مناطق أخرى، لتترك مكانها لـ"حيوانات دخيلة"، وهو ما من شأنه أن يساهم في استنزاف الثروة الحيوانية البحرية وتغيير النظام البيئي".

غياب سياسة اتصالية

رغم حجم التحديات والمخاطر، تستقيل الدولة تماما من دورها التوعوي، في غياب أيّ سياسة اتّصاليّة كما لا يبدو ملف المناخ ضمن أولوياتها بسبب انشغالها بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة مع غياب الاستقرار السياسي والحكومي الذي يضمن ضبط الاستراتيجيات واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.

ورغم انخراط الدولة التونسية في جهود التصدي لتغير المناخ على غرار اتفاق باريس وبروتوكول كيوتو وإقرار عديد النصوص القانونية المتصلة بالشأن البيئي إلا أن موضوع  تغير المناخ ظل خارج حسابات واهتمامات السياسات الوطنية ولم يدرج ضمن قائمة الأولويات لدى صناع القرار وفي برامج السياسيين والأحزاب المتداولة على الحكم في السنوات الأخيرة ولم يطرح الموضوع للنقاش العام من أجل التحسيس بضرورة وضع استراتيجيه طويلة المدى للحد من أثار التغيرات المناخية والتفكير في توفير تمويل مخططات للتأقلم معها.والتسريع في بلورة مشاريع قادرة على مواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب تفعيل محتوى الاستراتيجيات والدراسات التي تتضمن مقترحات وحلولا من شأنها أن تقلل من التداعيات الخطيرة التي تطرأ على المناخ.

هذا التقصير الحكومي والمجتمعي كان في وقت سابق محور تحرك لبعض المهتمين بموضوع المناخ في صفوف المجتمع المدني على غرار  جمعية “الشبيبة من أجل المناخ” التي كانت قد نظمت وقفة احتجاجية حيث رفع المحتجون أمام مبنى المسرح البلدي بالعاصمة شعارات للتنديد بتقصير الدولة من بينها "أين سياستنا المناخية؟" و"نريد تربية مناخية في تونس".

كما نندد ممثلو المجتمع المدني بـ"اللامبالاة والإهمال السياسي لقضايا المناخ وما ينجر عنها من أثار بيئية خطيرة" معتبرين أن "التحديات التي تواجه تونس في تحقيق العدالة المناخية هي قلة الوعي البيئي والفهم العلمي والاجتماعي للأزمة المناخية لدى الشعب عامة والسياسيين خاصة".

 ويرى كثيرون أن الطبقة الحاكمة "دون علم أو استباق للمشاكل المناخية التي قد لا تفهم مأتاها أو حتى علاقتها بالمشاكل الاجتماعية التي تعيشها البلاد. كما أن أغلبية الحلول التي تطبق في تونس لمواجهة الكوارث الطبيعة ليست إلا حلولا ترقيعية ووقتية".

كما طالبت "حركة الشبيبة من أجل المناخ" الحكومة بضرورة إدراج التربية المناخية والبيئية في جميع المنشآت التربوية العمومية ضمن البرامج المدرسية لدى الناشئة التونسية، وذلك بهدف تثقيف الأجيال الشابة والقادمة حول التهديد الأول الذي يواجه البشرية وهو تغير المناخ".

مدى وعي المواطن بتداعيات التغيرات المناخية؟

لا يمكن أن تنجح استراتيجيات التصدي لتداعيات تغيرات المناخ دون انخراط المواطن في هذه السياسات لاسيما تلك المتصلة بمجال المياه وللتعرف على مدى وعي التونسيين بحجم الظاهرة ووقعها على حياته ومستقبله، تم مؤخرا إجراء دراسة في الغرض هي عبارة عن نتائج النسخة الإفريقية الأولى لدراسة أعدها بنك الاستثمار الأوروبي لسنة 2022، نشرها على موقعه الرسمي، وتوصلت الدراسة إلى أن:

84 بالمائة من التونسيين أكدوا أن التغيرات المناخية قد أثرت على حياتهم اليومية.

كما أقر52 بالمائة من السكان في تونس، وفق نتائج الدراسة، بان التغيرات المناخية والأضرار البيئية كانت لهما انعكاسات سلبية على دخلهم وطريقة عيشهم.

وأكدت الدراسة، في ذات السياق، أن 43 بالمائة من التونسيين (مقابل 57 من الأفارقة) قد استطاعوا التكيف مع آثار التغيرات المناخية.

وتشمل بعض هذه المبادرات، حسب الدراسة التي شملت 6000 شخص من 10 دول افريقية، من بينهم 500 شخص من تونس، استثمارات في تقنيات توفير المياه للحد من تأثير الجفاف، إضافة إلى القيام بتنظيف الأنابيب تحسبا للفيضانات.

وشارك الأشخاص الذين شملتهم الدراسة، والذين بلغت أعمارهم 15 سنة أو أكثر، من 1 إلى 25 أوت 2022.

وحث 83 بالمائة من التونسيين (مقارنة بـ 76 بالمائة من الأفارقة)، عند إجابتهم حول مصدر الطاقة الذي يجب أن تستثمر فيه بلدانهم للتصدي للتغيرات المناخية، على وجوب إعطاء الأولوية القصوى للطاقات المتجددة، بعيدا عن الوقود الاحفوري (7 بالمائة).

وتهدف النسخة الإفريقية الأولى من هذه الدراسة، حسب بنك الاستثمار الأوروبي الذراع المالي للاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز النقاش العام بشان السلوكيات والتوقعات من حيث العمل لصالح المناخ.

وقام بنك الاستثمار الأوروبي منذ سنة 2018، بالعديد من الدراسات المقارنة على نطاق واسع حول المناخ في كل من أوروبا والصين والولايات المتحدة.

 

شتاء متأخر وصيف طويل وحار

 تأخر الشتاء كثيرا هذا الموسم وكانت درجات الحرارة فيه غير عادية إلى جانب قلة الأمطار واستنادا إلى ما أكده أمس المهندس بالمعهد الوطني للرصد الجوي محرز الغنوشي سيحل الشتاء خلال الليلة الفاصلة بين الأربعاء والخميس ستكون الأجواء بمواصفات شتوية خالصة، حيث سيتم تسجيل كتل هوائية شديدة البرودة.

كما تحدث محرز الغنوشي عن توقعات بتساقط الثلوج، مع هطول الأمطار وانخفاض حاد في درجات الحرارة بداية من يوم الأربعاء وتتواصل الأجواء الشتوية إلى حدود موفى الشهر.

وبخصوص فصل الصيف الاستثنائي الذي عاشته البلاد خلال السنة الماضية كان المعهد الوطني للرصد الجوي قد نشر تقريرا مفصلا أكد فيه تميّز صيف 2022 (جوان - جويلية - أوت) بارتفاع ملحوظ واستثنائي في الحرارة بأغلب مناطق البلاد التونسية خاصّةً خلال شهر جوان، الذي احتلّ المرتبة الأولى في أشهر جوان الأشدّ حرارة، وفق ما نشره المعهد الوطني للرصد الجوي على صفحته الرسمية. وأوضح أنه تمّ تسجيل أرقام قياسية جديدة لدرجات الحرارة القصوى خلال هذا الصيف بالعديد من الجهات ممّا جعل هذا الصيف يُصنّف ثاني صيف أشدّ حرارة شهدته البلاد التونسية منذ عام 1950. لقد بلغ المعدّل العام (27 محطة رئيسة) لمتوسط درجات الحرارة 27.8 درجة وتجاوز المعدل المرجعي (1991-2020) بفارق بلغ 2.0+ درجة. إلاّ أنّ صيف 2021 يبقى الأشدّ حرارة على الإطلاق مع فارق بلغ 2.2 + درجة.

التطور اليومي لدرجات الحرارة:

تواصلا مع نهاية شهر ماي المتميزة بارتفاع ملحوظ في الحرارة، شهدت العشرية الأولى من شهر جوان فوارق إيجابية هامة بين معدلات درجات الحرارة القصوى اليومية والمعدلات المرجعية حيث تجاوزت الفوارق6 درجات ثم انخفضت درجات الحرارة إلى مستوى المعدلات المرجعية إلى غاية 15 جوان كما شهدت الحرارة ارتفاعا ملحوظا بأغلب المناطق وكانت الفوارق هامة وتراوحت بين 7ر6 و7ر9 درجة خلال الفترة الممتدة من 25 جوان إلى غاية 7 جويلية، كما تم تسجيل ذروتين في درجات الحرارة في نهاية جويلية ومنتصف شهر أوت 2022.

متوسط درجات الحرارة:

تراوحت معدلات متوسط درجات الحرارة هذا الصيف بين 3ر26 درجة بطبرقة و2ر33 درجة بالبرمة وكانت فوق المعدلات المرجعية بكافة مناطق البلاد ولقد بلغ المعدل 8ر29 درجة متجاوزا المعدل الصيفي (1991/2020) بمقدار درجتين مما يصنف صيف هذا العام في المرتبة الثانية في فصول الصيف الأشد حرارة يعد صيف2021، حيث بلغ معدل متوسط درجات الحرارة 30 درجة.

الحرارة القصوى:

كانت المعدلات لدرجات الحرارة القصوى اليومية خلال صيف 2022 أعلى بكثير من المعدلات الموسمية المرجعية بأغلب المناطق حيث تراوحت من 1ر31 درجة بالمهدية إلى 9ر40 درجة بتوزر.

الحرارة الصغرى:

كما تجاوزت معدلات درجات الحرارة الصغرى اليومية لصيف 2022، المعدلات الموسمية المرجعية بكافة المحطات وكانت بين 4ر19 درجة بسليانة و9ر27 درجة بتوزر.

أما المعدل العام (27 محطة رئيسية) لمتوسط درجات الحرارة الصغرى فقد بلغ 1ر23 درجة وكان فوق المعدل المرجعي (1991/2020) وبلغ الفارق 8ر1 + درجة.

الأمطار:

خلال صيف 2022 بلغ المجموع الموسمي للأمطار (27 محطة مرجعية رئيسية) 4ر167 مليمتر وكان أقل من المجموع الموسمي المرجعي للمحطات ذاتها (4ر681 مليمتر) وبلغ النقص 75 بالمائة.

 

الفلاحة والفلاحون يتحملون الفاتورة الأكبر .. قوت التونسي مهدد

ارتفاع درجات الحرارة وقلة التساقطات وتغير الفصول يدخل اضطرابات على برمجة الزراعات وعلى المحاصيل.

وتهدد التغيرات المناخية الأمن الغذائي في تونس، وفق ما أكدته دراسة حول "التغيرات المناخية في تونس: الواقع وسبل التّكيف في قطاع الخدمات العامة"، نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

حيث أثبتت الدراسة أن التغيرات المناخية تهدد في العمق الأمن الغذائي في تونس، لا سيما مع انخفاض الموارد المائية التقليدية بزهاء 28% في أفق 2030، وتراجع المياه السطحية بنحو5%".

وتشير التوقعات المناخية، الواردة في الدراسة، إلى نقص بنسبة 50% من مساحات الأشجار المثمرة مع موفى القرن وبنسبة 30% للزراعات الكبرى المروية في أفق 2030.

وبحسب دراسة أخرى فقطاع إنتاج الزيتون وزيت الزيتون مثلا سيتأثّر بتراجع نسبة المياه، وهو ما لوحظ خلال العامين الماضيين من اتساع ظاهرة الجفاف، حيث تعرضت بعض غابات الزيتون إلى تيبّس الأغصان أو ضعف الإنتاج، وقد يؤدي ذلك إلى خسائر في التصدير سنوية في حدود 228 مليون دولار بحلول سنة 2100.

وبسبب الجفاف، فان مساحات زراعات الحبوب والأشجار المثمرة ستنخفض تقريبا بحوالي200 ألف هكتار و800 ألف هكتار وتهم بالأساس مناطق الوسط والجنوب وسينخفض عدد الماشية في سنة 2030 بحوالي 80 بالمائة في الوسط والجنوب مقابل 20 بالمائة في الشمال بسبب فقدان المراعي.

كما تشير تقارير ودراسات أخرى أنه من المتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر مع زيادة الملوحة والحموضة. وسيحدث هذا التعرّض جملة من المخاطر على الزراعة والصيد البحري والسياحة، مما يضاعف من المخاطر الحالية في هذه القطاعات.

وسيتأثر كذلك إنتاج الحبوب بشدة، مع إمكانية تسجيل انخفاضات بنسبة تتراوح بين 30 و50% في المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي الفلاحي بحلول عام 2100 وفقدان مواطن شغل بنسبة 30% بحلول سنة 2050.

وفي دراسة حول انعكاسات التغير المناخي على اقتصاد البلاد نشرتها وزارة البيئة، في نوفمبر 2021، أكدت أن تونس مهددة بفقدان مواردها الطبيعية، إذ يتوقع أن تواجه نقصاً حاداً في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتبلغ مليون هكتار فقط بحلول 2030.

وتبعاً لذلك، سيشهد القطاع الزراعي تراجعاً على مستوى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بين 5% و10%.

وقالت الدراسة إن قطاع الزراعة الحيوي، الذي يمثل 14.2% من الناتج الداخلي الخام، يواجه خطر فقدان نحو 1000 فرصة عمل سنوياً.

وتطرح  تغيّرات المناخ على مستوى صغار الفلاحين والأسر الريفية الكثير من التحديات ويواجه عشرات آلاف الفلاحين هذا الواقع الجديد في غياب تدابير مرافقة ودعم وإرشاد من قبل الدولة تساعدهم على التأقلم مع تغيّر المناخ. وقد يعاني الفلاحون مستقبلا وبشكل متفاقم من تدنٍ حادٍ في المداخيل ونقصٍ فادحٍ في الخدمات العمومية الأساسية وارتفاع كبير في النفقات وصعوبات كبرى في النفاذ إلى الموارد.

 

عادل هنتاتي خبير دولي في البيئة والتنمية المستدامة لـ"الصباح":

في حديثه لـ"الصباح" عن موضوع التغيرات المناخية وما تطرحه من تحديات يقول عادل الهنتاتي الخبير الدولي في البيئة والتمنية المستدامة إن ظاهرة التغيرات المناخية في نسق تصاعدي و"عند صياغة الاتفاقات الدولية للتغيرات المناخية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي في ريو ديجينيرو في 1992 وكخبراء مختصين في المجال وكنت من بينهم كانت التوقعات تفيد أنه كلما تقدمت السنوات كلما كانت هناك انبعاثات من الغازات التي تتسبب في الاحتباس الحراري إلى جانب بعض الظواهر المناخية الجديدة القصوى على غرار جفاف حاد وفي بعض المناطق أمطار طوفانية وحرائق الغابات وارتفاع مستوى البحر.. وكنا كخبراء نتوقع أن ما نعيشه اليوم من هذه المظاهر الناجمة عن التغيرات المناخية سيحدث بعد 2050 لكن التداعيات تتسارع وهذا أمر مخيف. وهاهي التغيرات المناخية تفاجئ الجميع بنسقها السريع والذي عم جميع أرجاء المعمورة حيث نشهد العواصف الثلجية غير المسبوقة في أمريكا كما تعيش السعودية على وقع نزول الأمطار والثلوج بكميات لم تشهدها سابقا".

ويضيف "نلاحظ أيضا تسارع نسق ذوبان الكتل الجليدية في القطب الشمالي والجنوبي وهذه ظواهر صعبة جدا وحتى الدول القوية كأمريكا والدول الأوربية وجدت نفسها عاجزة عن مجاراة نسق التغيرات المناخية السريع والمفاجئ".

وفيما يتعلق بتونس يقر الهنتاتي أن هناك عملا تم على مستوى إعداد الدراسات والاستراتيجيات لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية والتقليص من حدتها على الزراعة وعلى مستوى مواجهة خطر الفيضانات المتزايد لكن تظل الإمكانيات المادية العائق الرئيسي أمام عدم تجسيم ما توصلت إليه الخبراء والدراسات للتأقلم مع الواقع الجديد الذي تفرضه التغيرات المناخية.

مضيفا أن هذا التأقلم يحتاج إلى مخططات التنفيذ السريع والناجع لكن السؤال المطروح هل يقدر اقتصادنا الوطني في ظل ضعف الإنتاجية في كل القطاعات وتزايد الأعباء والوضعية الحرجة للميزانية والمالية العمومية، على توفير الاعتمادات اللازمة لمجابهة تحديات المناخ؟

ففي القمة 27 الأخيرة حول المناخ قدمت تونس برنامجا جيدا صنف من بين أهم البرامج المقدمة من الدول المعنية والمشاركة وقدرت السلطات التونسية تمويلات بقيمة 14 مليار دينار لتنفيذه لكن من سيمول هذا البرنامج؟

مجهود الدولة

وعلى اعتبار أن غياب الموارد المالية والإمكانيات يعيق تقدم الدولة السريع في تنفيذ ما يوصى به الخبراء والدراسات، لكن في المقابل لا تبذل الهياكل الرسمية مجهودا يذكر على مستوى التحسيس أو القيام ببعض الخطوات التي قد لا تتطلب إمكانيات كبيرة لكنها قد تكون فاعلة في تأمين الحد الأدنى من التأقلم مع تحديات التغيرات المناخية.

هنا يقر عادل الهنتاتي بتقصير الدولة في النواحي الاتصالية والتحسيسة للتوعية ومحاولة تشريك المواطن في مجهود التأقلم والحد قدر الإمكان من تداعيات تقلبات المناخ ومنها مسألة الحوكمة في مجال المياه على اعتبار أن ندرة التساقطات أحيانا وتتالي سنوات الجفاف يؤثر على التوازنات المائية للبلاد في علاقة بتوفير الماء الصالح للشراب وأيضا المياه التي يحتاجها القطاع الفلاحي.

ويدعو محدثنا المواطن إلى أن يكون واعيا ويرشد استعمالاته من الماء مع ضرورة العودة إلى حفر المواجل وتخزين مياه الأمطار.

وطالب محدثنا أيضا وزارة الفلاحة بالعودة إلى برامج الإرشاد الفلاحي لمرافقة الفلاحين في مواجهة تحديات تغير المناخ وعلى الدولة التوجه نحو دعم الفلاح عوض دعم المواد الأساسية.

م.ي

 رغم خطورتها .. تداعيات تغيرات المناخ خارج حسابات الحكومة والمواطن !!

 

 

  • التونسي يشعر بوطأة تغير المناخ.. فهل يعي بالمخاطر؟
  • تونس دخلت الشح المائي منذ 2015.. ولا أحد يبالي

تونس-الصباح

بعد أن كانت مسألة التغيرات المناخية تطرح على مستوى الخبراء والدراسات وربما يعدها البعض ترفا ومواضيع سابقة لأوانها، أصبحت اليوم تفرض نفسها بقوة على حياة المواطن في ظل تسارع التغيرات على مستوى درجات حرارة غير مسبوقة صيفا وغياب تعاقب الفصول مع استمرار درجات حرارة مرتفعة شتاء وندرة الأمطار وما تفرضه كل هذه الظواهر من تحديات الجفاف ونقص المياه واضطرابات في المحاصيل الزراعية.

 كما تتعالى في الآونة الأخيرة صيحات فزع المختصين محذرين من أن كل هذه المؤشرات قد تفرض علينا  إعلان  الطوارئ المناخية في السنوات القادمة مع ما يطرحه الموضوع من مخاطر آنية وأخرى لاحقة ومنها  استنزاف الموارد على حساب الأجيال القادمة.

ومع تسارع وتيرة ضغط تداعيات تغير المناخ على جل قطاعاتنا الاقتصادية وفي مقدمتها تلك المتصلة بقوت التونسي كالفلاحة والصيد البحري والمياه، وأيضا قطاعات حيوية أخرى كالسياحة مع ما تمثله من قيمة في الناتج القومي الخام فإن السؤال المطروح وبإلحاح إلى متى ستظل هذه التحديات الخطيرة خارج حسابات الدولة وصناع القرار والسياسيين في تونس؟ ومتى يتم إيلاء المسألة الاهتمام الذي تستحقه على مستوى بذل جهود لمحاولة التأقلم مع تفرضه التغيرات المناخية من تغيير سياسات واستراتيجيات والتحسيس بضرورة انخراط المواطن في هذا المجهود الوطني في انتظار تعبئة الموارد المالية الضرورية داخليا وخارجيا لبرامج التأقلم الكبرى المكلفة؟

أول المؤشرات الظاهرة لحدة التغيرات المناخية بدأ يستشعرها التونسي انطلاقا من درجات الحرارة المسجلة صيفا وشتاء، فقد أصبحت درجات الحرارة تتجاوز صيفا المعدلات العادية بأكثر من 10 درجات ويمتد الصيف لأشهر في المقابل يحل فصل الشتاء دون تسجيل انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، ولا نزول للأمطار كما يحصل هذا الشتاء الذي تأخر قدومه.

وكانت نشرات ومعطيات المعهد الوطني للرصد الجوي منذ فترة تتحدث عن زيادة في وتيرة موجات الحرارة الشديدة وأن البلاد سيكون مناخها المستقبلي أكثر حرارة وجفافا، مع تغيرات في هطول الأمطار الموسمية الرئيسية.

 وتوقعت الدراسات انخفاض معدلات الأمطار السنوية بنسبة تتراوح بين 10 في المائة بالشمال الغربي و30 في المائة بأقصى جنوب البلاد مع حلول عام 2050، مع الإشارة إلى تعرّض تونس لانعكاسات التغّيرات المناخية، وتسجيل خسائر نتيجة التأثيرات المختلطة الناجمة عن تراجع الموارد المائية والمياه الجوفية، وتقلص مساحة زراعة الحبوب والأشجار، وتزايد مخاطر اندلاع الحرائق.

الوضع المائي الحرج

المؤشر الثاني البارز والمرتبط بدوره بالتغيرات المناخية وبدأ يشغل اهتمام الرأي العام هو موضوع الوضع المائي الحرج مع تسجيل نقص كبير في نزول الأمطار هذا الشتاء. وقد بدأت عديد الأصوات تتعالى مطالبة بضرورة إعلان حالة الطوارئ وتنظيم حوار وطني يجمع كافة المتدخلين مع التسريع باتخاذ إجراءات عاجلة لكبح جماح الشح المائي على غرار تشجيع المواطنين على تخزين المياه والتوجه إلى الزراعات الأقل استهلاكا للمياه وخاصة الموجهة للاستهلاك المحلي.

ويتوقع خبراء أن يكون "2023 هو العام الأكثر جفافا بالنسبة لتونس، خاصة في ظل تراجع منسوب امتلاء السدود إلى ما دون الـ28% حاليا".

وفي تصريح إعلامي له مؤخرا يعتبر المختص  في التنمية والتصرف في الموارد المائية، حسين الرحيلي، أن هذه النسبة "مفزعة ولم تشهدها تونس منذ عام 1960 على الأقل".

ويضيف الرحيلي أن "تونس باتت تعاني من أزمة مائية حادة ساهمت فيها التغيرات المناخية بدرجة أولى، وغياب سياسات عمومية تواكب ارتفاع الطلب على المياه من ناحية ثانية، وإغفال الهدر المائي خاصة في مجال الفلاحة من ناحية ثالثة".

كما يؤكد الرحيلي أن "تونس دخلت مرحلة الشح المائي منذ عام 2015، بعد أن تدنى نصيب الفرد من المياه إلى أقل من نصف الكمية المتفق عليها دوليا، منبها إلى خطورة المرحلة التي بلغتها تونس اليوم، والتي تدل عليها مؤشرات عدة من بينها مطالبة السلطات المزارعين في بعض الجهات بتجنب الزراعة في المناطق التي تروى تقليديا بمياه السدود".

يذكر أيضا أن الإشكال الأكبر والأخطر يتمثل في نقص المياه التي تجدد المائدة المائية، فالسدود لا توفر سوى 20% من المياه المستهلكة في تونس، أما الـ80% المتبقية فهي متأتية من المائدة المائية.

وقد انخفض نصيب التونسي من المياه إلى 350 مترا مكعبا في العام، وهي كمية تقل بنحو 50% عن المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (بين 500 و700 متر مكعب).

ويشير معهد الموارد العالمي إلى أن تونس والمغرب وليبيا والجزائر تعتبر من بين الدول الثلاثين الأكثر تعرضا لشح المياه على كوكب الأرض.

تقارير دولية تحذر

تحذر أيضا التقارير الدولية ومنذ فترة من عمق تداعيات تغيرات المناخ على الأفراد واقتصاديات الدول لا سيما الضعيفة منها والأشد عرضة لوطأة تغير المناخ.

ونذكر في هذا الصدد ما أشار إليه البنك الدولي سابقا عندما قدر أن "نحو 216 مليون شخص حول العالم قد يهاجرون بحلول العام 2050 هربًا من الآثار السلبية لتغير المناخ، مثل انخفاض الإنتاج الزراعي وشح المياه وارتفاع مستوى البحار والمناطق المعنية هي شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا والمحيط الهادئ".

وأكدت أيضا دراسة لصندوق النقد الدولي أن "ضعف بلد ما أو صلابته إزاء تغير المناخ يمكن أن يؤثرا تأثيرا مباشرا على جدارته الائتمانية، وتكاليف اقتراضه، وفي نهاية المطاف، احتمالية عدم قدرته على سداد ديونه السيادية. فأي زيادة قدرها 10 نقاط مائوية في مواطن الضعف إزاء تغير المناخ في الأسواق الصاعدة والاقتصاديات النامية تقترن بزيادة أكثر من 150 نقطة أساسا في فرق العائد على السندات الحكومية على المدى الطويل فمواطن الضعف إزاء تغير المناخ تأثيرها يكون في الاقتصاديات الناشئة والنامية على خلاف الاقتصاديات المتقدمة".

والملاحظ أن تونس تحتل  بشكل بارز مكانة متقدمة من بين البلدان التي يتداول ذكرها في التقارير الدولية بشأن البلدان الأكثر تهديدا بالتعرض  المبكر لتداعيات التغيرات المناخية.

كما تحذر هذه التقارير الدولية من التكلفة الاقتصادية الباهظة التي ستتكبدها تونس من جراء تسارع نسق التغيرات المناخية مقابل بطء إجراءات التأقلم للحد من الانعكاسات السلبية.

فقد أشارت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى أن "التغيرات المناخية يمكن أن تعيق بشكل كبير النمو الاقتصادي في تونس والاستثمارات، فالمناطق الساحلية التي تؤمن80% من الإنتاج الجملي ومعظمها معرض لارتفاع سطح البحر".

وبينت وكالة موديز في تقرير لها أيضا إن "التصنيف السيادي في آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا والجزر الصغيرة الأكثر عرضة لارتفاع منسوب البحر وتعد 32 دولة من بينها تونس الأكثر عرضة لهذا التغير وأضاف التقرير أيضا أن ارتفاع مستوى سطح البحر يمثل تهديدًا ائتمانيًا طويل الأجل للدول التي تم تحديدها. والتي توجد بها مناطق كبيرة مهددة بالغرق".

وصنفت وكالة فيتش رايتنغ للتصنيف الائتماني "تونس من بين 10 بلدان الأكثر عرضة لخطر الإجهاد المائي والجفاف في العقد القادم. وقد جاءت تونس في المركز الثامن. وقالت فيتش أن المخاطر المرتبطة بالمياه ستؤثر في المالية العمومية من خلال ارتفاع الضغوط على الإنفاق وتوليد أزمات طارئة للحكومات. كما كشف التقرير عن أن المخاطر بدأت تتوضح أكثر منذ العام 2012".

تقارير محلية

إلى جانب تحذيرات التقارير الدولية نجد أيضا عديد التقارير الوطنية والدراسات التي تناولت مسألة التغيرات المناخية وانعكاساتها السلبية، فقد بيّن تقرير محلي تم إنجازه من قبل مراكز أبحاث تابعة لوزارة البيئة بالاشتراك مع سفارة المملكة المتحدة أن قطاعات الزراعة والصيد البحري والسياحة في تونس ستتأثر بصفة كبيرة بالتغيرات المناخية.

وكشفت دراسة أجراها البنك الدولي حول التداعيات الاقتصادية لتآكل السواحل في المتوسط أن" شواطئ دول المغرب العربي، لا سيما تونس والمغرب وليبيا تتآكل بوتيرة أسرع مقارنة بباقي المناطق الأخرى في العالم.

وخلصت الدراسة إلى أن" شواطئ في منطقة المغرب العربي تآكلت بمعدل متوسط يبلغ 15 سنتيمترا سنويا ما بين عامي 1984 و2016، فيما بلغ المتوسط ​​العالمي لتآكل الشواطئ حوالي 7 سنتيمترات سنويا".

وقدر الخبراء التداعيات الاقتصادية لهذه الظاهرة بما يعادل حوالي 2.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في تونس

وتفيد الدراسات أيضا أن "ثلث الشواطئ الرملية - حوالي 35 بالمائة -  تآكلت بمعدل أسرع وأكبر يتراوح بين 50 و70 سم سنويا. حيث تعرضت مدينة الحمامات لانحسار في منطقة الشواطئ بما يصل إلى 24 ألف متر مربع أي قرابة 3 و8 أمتار سنويا في الفترة الزمنية ما بين عامي 2006 و2019".

وسيتأثر قطاع السياحة بالتغيرات المناخية، إذ "سيؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تقليص مساحات الشواطئ وقد يؤدي إلى خسارة رأس المال المنتج بحوالي 3.6 مليار دينار، أيضًا سيؤدي تغير المناخ إلى تغيير المواسم السياحية، مما يجعل فترات الذروة في الصيف أقل جاذبية، مع زيادة الإمكانات في الربيع والخريف".

خبراء يدقون ناقوس الخطر

استنادا إلى هذه المعطيات العلمية المفزعة، دق كثيرون ناقوس الخطر تحذيرا من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة تأكل الشواطئ.

ونذكر هنا ما صرحت به مؤخرا ليا سيغارت، كبيرة خبراء تغير المناخ بالبنك الدولي والمسؤولة عن شؤون البيئة والموارد الطبيعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حين اعتبرت أن "ظاهرة تغير المناخ تٌفاقم من خطورة التهديدات الأخرى ما يؤدي إلى مخاطر اجتماعية".

وأكدت في لقاء إعلامي لها أن "فئات المجتمع المهمشة تعد الأكثر عرضة لتحمل وطأة ظاهرة تغير المناخ، لذا يتعين أن تسير إجراءات مواجهة الظاهرة مع عملية الاستقرار السياسي". مضيفة "إن الوضع في بلدان المغرب العربي يُعد أكثر خطورة بسبب وجود مجتمعات كبيرة تعيش قرب السواحل. ففي المغرب يعيش نسبة 65 بالمائة من السكان قرب المناطق الساحلية فيما تبلغ النسبة في تونس 85 بالمائة وهي النسب الأكبر حيث تعد المناطق الساحلية أكثر جاذبية للصناعات إذ تضم 90 بالمائة من الشركات سواء صغيرة ومتوسطة الحجم خاصة في مجال السياحة والتصنيع".

يصدح بدورهم الخبراء المحليون في مجال البيئة والمناخ بآرائهم وتحذيراتهم من حين لآخر بشأن تسارع تداعيات التغيرات المناخية على تونس وحدتها أحيانا.

حيث أكد الخبير والأستاذ في علم المناخ، زهير الحلاوي، أن تونس "تعد من بين البلدان الأكثر هشاشة وعرضة للانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية، نتيجة تموقعها الجغرافي وانتمائها لمجموعة الدول التي لا تمتلك إمكانيات كبرى للتصدي لهذه الظاهرة".

وقال الحلاوي في تصريح لـ"وات"، خلال ورشة عمل انتظمت مؤخرا بالعاصمة لتقديم التقرير السادس حول تقييم تأثيرات التغيرات المناخية، الذي أعده مجموعة من الخبراء الدوليين التابعين للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، "إن أغلب الأنشطة الاقتصادية المعتمدة أساسا على الأنشطة الفلاحية والسياحية، فضلا عن المناطق السكنية المتمركزة بالمناطق الساحلية، ستتضرر نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر بين 30 و50 صم في أفق 2050".

واعتبر أن "تغير وارتفاع معدلات درجات حرارة مياه البحر، سيساهم أيضا في هجرة الكائنات الحية التي كانت تعيش وتتأقلم مع درجات حرارة معينة، إلى مناطق أخرى، لتترك مكانها لـ"حيوانات دخيلة"، وهو ما من شأنه أن يساهم في استنزاف الثروة الحيوانية البحرية وتغيير النظام البيئي".

غياب سياسة اتصالية

رغم حجم التحديات والمخاطر، تستقيل الدولة تماما من دورها التوعوي، في غياب أيّ سياسة اتّصاليّة كما لا يبدو ملف المناخ ضمن أولوياتها بسبب انشغالها بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة مع غياب الاستقرار السياسي والحكومي الذي يضمن ضبط الاستراتيجيات واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.

ورغم انخراط الدولة التونسية في جهود التصدي لتغير المناخ على غرار اتفاق باريس وبروتوكول كيوتو وإقرار عديد النصوص القانونية المتصلة بالشأن البيئي إلا أن موضوع  تغير المناخ ظل خارج حسابات واهتمامات السياسات الوطنية ولم يدرج ضمن قائمة الأولويات لدى صناع القرار وفي برامج السياسيين والأحزاب المتداولة على الحكم في السنوات الأخيرة ولم يطرح الموضوع للنقاش العام من أجل التحسيس بضرورة وضع استراتيجيه طويلة المدى للحد من أثار التغيرات المناخية والتفكير في توفير تمويل مخططات للتأقلم معها.والتسريع في بلورة مشاريع قادرة على مواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب تفعيل محتوى الاستراتيجيات والدراسات التي تتضمن مقترحات وحلولا من شأنها أن تقلل من التداعيات الخطيرة التي تطرأ على المناخ.

هذا التقصير الحكومي والمجتمعي كان في وقت سابق محور تحرك لبعض المهتمين بموضوع المناخ في صفوف المجتمع المدني على غرار  جمعية “الشبيبة من أجل المناخ” التي كانت قد نظمت وقفة احتجاجية حيث رفع المحتجون أمام مبنى المسرح البلدي بالعاصمة شعارات للتنديد بتقصير الدولة من بينها "أين سياستنا المناخية؟" و"نريد تربية مناخية في تونس".

كما نندد ممثلو المجتمع المدني بـ"اللامبالاة والإهمال السياسي لقضايا المناخ وما ينجر عنها من أثار بيئية خطيرة" معتبرين أن "التحديات التي تواجه تونس في تحقيق العدالة المناخية هي قلة الوعي البيئي والفهم العلمي والاجتماعي للأزمة المناخية لدى الشعب عامة والسياسيين خاصة".

 ويرى كثيرون أن الطبقة الحاكمة "دون علم أو استباق للمشاكل المناخية التي قد لا تفهم مأتاها أو حتى علاقتها بالمشاكل الاجتماعية التي تعيشها البلاد. كما أن أغلبية الحلول التي تطبق في تونس لمواجهة الكوارث الطبيعة ليست إلا حلولا ترقيعية ووقتية".

كما طالبت "حركة الشبيبة من أجل المناخ" الحكومة بضرورة إدراج التربية المناخية والبيئية في جميع المنشآت التربوية العمومية ضمن البرامج المدرسية لدى الناشئة التونسية، وذلك بهدف تثقيف الأجيال الشابة والقادمة حول التهديد الأول الذي يواجه البشرية وهو تغير المناخ".

مدى وعي المواطن بتداعيات التغيرات المناخية؟

لا يمكن أن تنجح استراتيجيات التصدي لتداعيات تغيرات المناخ دون انخراط المواطن في هذه السياسات لاسيما تلك المتصلة بمجال المياه وللتعرف على مدى وعي التونسيين بحجم الظاهرة ووقعها على حياته ومستقبله، تم مؤخرا إجراء دراسة في الغرض هي عبارة عن نتائج النسخة الإفريقية الأولى لدراسة أعدها بنك الاستثمار الأوروبي لسنة 2022، نشرها على موقعه الرسمي، وتوصلت الدراسة إلى أن:

84 بالمائة من التونسيين أكدوا أن التغيرات المناخية قد أثرت على حياتهم اليومية.

كما أقر52 بالمائة من السكان في تونس، وفق نتائج الدراسة، بان التغيرات المناخية والأضرار البيئية كانت لهما انعكاسات سلبية على دخلهم وطريقة عيشهم.

وأكدت الدراسة، في ذات السياق، أن 43 بالمائة من التونسيين (مقابل 57 من الأفارقة) قد استطاعوا التكيف مع آثار التغيرات المناخية.

وتشمل بعض هذه المبادرات، حسب الدراسة التي شملت 6000 شخص من 10 دول افريقية، من بينهم 500 شخص من تونس، استثمارات في تقنيات توفير المياه للحد من تأثير الجفاف، إضافة إلى القيام بتنظيف الأنابيب تحسبا للفيضانات.

وشارك الأشخاص الذين شملتهم الدراسة، والذين بلغت أعمارهم 15 سنة أو أكثر، من 1 إلى 25 أوت 2022.

وحث 83 بالمائة من التونسيين (مقارنة بـ 76 بالمائة من الأفارقة)، عند إجابتهم حول مصدر الطاقة الذي يجب أن تستثمر فيه بلدانهم للتصدي للتغيرات المناخية، على وجوب إعطاء الأولوية القصوى للطاقات المتجددة، بعيدا عن الوقود الاحفوري (7 بالمائة).

وتهدف النسخة الإفريقية الأولى من هذه الدراسة، حسب بنك الاستثمار الأوروبي الذراع المالي للاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز النقاش العام بشان السلوكيات والتوقعات من حيث العمل لصالح المناخ.

وقام بنك الاستثمار الأوروبي منذ سنة 2018، بالعديد من الدراسات المقارنة على نطاق واسع حول المناخ في كل من أوروبا والصين والولايات المتحدة.

 

شتاء متأخر وصيف طويل وحار

 تأخر الشتاء كثيرا هذا الموسم وكانت درجات الحرارة فيه غير عادية إلى جانب قلة الأمطار واستنادا إلى ما أكده أمس المهندس بالمعهد الوطني للرصد الجوي محرز الغنوشي سيحل الشتاء خلال الليلة الفاصلة بين الأربعاء والخميس ستكون الأجواء بمواصفات شتوية خالصة، حيث سيتم تسجيل كتل هوائية شديدة البرودة.

كما تحدث محرز الغنوشي عن توقعات بتساقط الثلوج، مع هطول الأمطار وانخفاض حاد في درجات الحرارة بداية من يوم الأربعاء وتتواصل الأجواء الشتوية إلى حدود موفى الشهر.

وبخصوص فصل الصيف الاستثنائي الذي عاشته البلاد خلال السنة الماضية كان المعهد الوطني للرصد الجوي قد نشر تقريرا مفصلا أكد فيه تميّز صيف 2022 (جوان - جويلية - أوت) بارتفاع ملحوظ واستثنائي في الحرارة بأغلب مناطق البلاد التونسية خاصّةً خلال شهر جوان، الذي احتلّ المرتبة الأولى في أشهر جوان الأشدّ حرارة، وفق ما نشره المعهد الوطني للرصد الجوي على صفحته الرسمية. وأوضح أنه تمّ تسجيل أرقام قياسية جديدة لدرجات الحرارة القصوى خلال هذا الصيف بالعديد من الجهات ممّا جعل هذا الصيف يُصنّف ثاني صيف أشدّ حرارة شهدته البلاد التونسية منذ عام 1950. لقد بلغ المعدّل العام (27 محطة رئيسة) لمتوسط درجات الحرارة 27.8 درجة وتجاوز المعدل المرجعي (1991-2020) بفارق بلغ 2.0+ درجة. إلاّ أنّ صيف 2021 يبقى الأشدّ حرارة على الإطلاق مع فارق بلغ 2.2 + درجة.

التطور اليومي لدرجات الحرارة:

تواصلا مع نهاية شهر ماي المتميزة بارتفاع ملحوظ في الحرارة، شهدت العشرية الأولى من شهر جوان فوارق إيجابية هامة بين معدلات درجات الحرارة القصوى اليومية والمعدلات المرجعية حيث تجاوزت الفوارق6 درجات ثم انخفضت درجات الحرارة إلى مستوى المعدلات المرجعية إلى غاية 15 جوان كما شهدت الحرارة ارتفاعا ملحوظا بأغلب المناطق وكانت الفوارق هامة وتراوحت بين 7ر6 و7ر9 درجة خلال الفترة الممتدة من 25 جوان إلى غاية 7 جويلية، كما تم تسجيل ذروتين في درجات الحرارة في نهاية جويلية ومنتصف شهر أوت 2022.

متوسط درجات الحرارة:

تراوحت معدلات متوسط درجات الحرارة هذا الصيف بين 3ر26 درجة بطبرقة و2ر33 درجة بالبرمة وكانت فوق المعدلات المرجعية بكافة مناطق البلاد ولقد بلغ المعدل 8ر29 درجة متجاوزا المعدل الصيفي (1991/2020) بمقدار درجتين مما يصنف صيف هذا العام في المرتبة الثانية في فصول الصيف الأشد حرارة يعد صيف2021، حيث بلغ معدل متوسط درجات الحرارة 30 درجة.

الحرارة القصوى:

كانت المعدلات لدرجات الحرارة القصوى اليومية خلال صيف 2022 أعلى بكثير من المعدلات الموسمية المرجعية بأغلب المناطق حيث تراوحت من 1ر31 درجة بالمهدية إلى 9ر40 درجة بتوزر.

الحرارة الصغرى:

كما تجاوزت معدلات درجات الحرارة الصغرى اليومية لصيف 2022، المعدلات الموسمية المرجعية بكافة المحطات وكانت بين 4ر19 درجة بسليانة و9ر27 درجة بتوزر.

أما المعدل العام (27 محطة رئيسية) لمتوسط درجات الحرارة الصغرى فقد بلغ 1ر23 درجة وكان فوق المعدل المرجعي (1991/2020) وبلغ الفارق 8ر1 + درجة.

الأمطار:

خلال صيف 2022 بلغ المجموع الموسمي للأمطار (27 محطة مرجعية رئيسية) 4ر167 مليمتر وكان أقل من المجموع الموسمي المرجعي للمحطات ذاتها (4ر681 مليمتر) وبلغ النقص 75 بالمائة.

 

الفلاحة والفلاحون يتحملون الفاتورة الأكبر .. قوت التونسي مهدد

ارتفاع درجات الحرارة وقلة التساقطات وتغير الفصول يدخل اضطرابات على برمجة الزراعات وعلى المحاصيل.

وتهدد التغيرات المناخية الأمن الغذائي في تونس، وفق ما أكدته دراسة حول "التغيرات المناخية في تونس: الواقع وسبل التّكيف في قطاع الخدمات العامة"، نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

حيث أثبتت الدراسة أن التغيرات المناخية تهدد في العمق الأمن الغذائي في تونس، لا سيما مع انخفاض الموارد المائية التقليدية بزهاء 28% في أفق 2030، وتراجع المياه السطحية بنحو5%".

وتشير التوقعات المناخية، الواردة في الدراسة، إلى نقص بنسبة 50% من مساحات الأشجار المثمرة مع موفى القرن وبنسبة 30% للزراعات الكبرى المروية في أفق 2030.

وبحسب دراسة أخرى فقطاع إنتاج الزيتون وزيت الزيتون مثلا سيتأثّر بتراجع نسبة المياه، وهو ما لوحظ خلال العامين الماضيين من اتساع ظاهرة الجفاف، حيث تعرضت بعض غابات الزيتون إلى تيبّس الأغصان أو ضعف الإنتاج، وقد يؤدي ذلك إلى خسائر في التصدير سنوية في حدود 228 مليون دولار بحلول سنة 2100.

وبسبب الجفاف، فان مساحات زراعات الحبوب والأشجار المثمرة ستنخفض تقريبا بحوالي200 ألف هكتار و800 ألف هكتار وتهم بالأساس مناطق الوسط والجنوب وسينخفض عدد الماشية في سنة 2030 بحوالي 80 بالمائة في الوسط والجنوب مقابل 20 بالمائة في الشمال بسبب فقدان المراعي.

كما تشير تقارير ودراسات أخرى أنه من المتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر مع زيادة الملوحة والحموضة. وسيحدث هذا التعرّض جملة من المخاطر على الزراعة والصيد البحري والسياحة، مما يضاعف من المخاطر الحالية في هذه القطاعات.

وسيتأثر كذلك إنتاج الحبوب بشدة، مع إمكانية تسجيل انخفاضات بنسبة تتراوح بين 30 و50% في المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي الفلاحي بحلول عام 2100 وفقدان مواطن شغل بنسبة 30% بحلول سنة 2050.

وفي دراسة حول انعكاسات التغير المناخي على اقتصاد البلاد نشرتها وزارة البيئة، في نوفمبر 2021، أكدت أن تونس مهددة بفقدان مواردها الطبيعية، إذ يتوقع أن تواجه نقصاً حاداً في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتبلغ مليون هكتار فقط بحلول 2030.

وتبعاً لذلك، سيشهد القطاع الزراعي تراجعاً على مستوى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بين 5% و10%.

وقالت الدراسة إن قطاع الزراعة الحيوي، الذي يمثل 14.2% من الناتج الداخلي الخام، يواجه خطر فقدان نحو 1000 فرصة عمل سنوياً.

وتطرح  تغيّرات المناخ على مستوى صغار الفلاحين والأسر الريفية الكثير من التحديات ويواجه عشرات آلاف الفلاحين هذا الواقع الجديد في غياب تدابير مرافقة ودعم وإرشاد من قبل الدولة تساعدهم على التأقلم مع تغيّر المناخ. وقد يعاني الفلاحون مستقبلا وبشكل متفاقم من تدنٍ حادٍ في المداخيل ونقصٍ فادحٍ في الخدمات العمومية الأساسية وارتفاع كبير في النفقات وصعوبات كبرى في النفاذ إلى الموارد.

 

عادل هنتاتي خبير دولي في البيئة والتنمية المستدامة لـ"الصباح":

في حديثه لـ"الصباح" عن موضوع التغيرات المناخية وما تطرحه من تحديات يقول عادل الهنتاتي الخبير الدولي في البيئة والتمنية المستدامة إن ظاهرة التغيرات المناخية في نسق تصاعدي و"عند صياغة الاتفاقات الدولية للتغيرات المناخية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي في ريو ديجينيرو في 1992 وكخبراء مختصين في المجال وكنت من بينهم كانت التوقعات تفيد أنه كلما تقدمت السنوات كلما كانت هناك انبعاثات من الغازات التي تتسبب في الاحتباس الحراري إلى جانب بعض الظواهر المناخية الجديدة القصوى على غرار جفاف حاد وفي بعض المناطق أمطار طوفانية وحرائق الغابات وارتفاع مستوى البحر.. وكنا كخبراء نتوقع أن ما نعيشه اليوم من هذه المظاهر الناجمة عن التغيرات المناخية سيحدث بعد 2050 لكن التداعيات تتسارع وهذا أمر مخيف. وهاهي التغيرات المناخية تفاجئ الجميع بنسقها السريع والذي عم جميع أرجاء المعمورة حيث نشهد العواصف الثلجية غير المسبوقة في أمريكا كما تعيش السعودية على وقع نزول الأمطار والثلوج بكميات لم تشهدها سابقا".

ويضيف "نلاحظ أيضا تسارع نسق ذوبان الكتل الجليدية في القطب الشمالي والجنوبي وهذه ظواهر صعبة جدا وحتى الدول القوية كأمريكا والدول الأوربية وجدت نفسها عاجزة عن مجاراة نسق التغيرات المناخية السريع والمفاجئ".

وفيما يتعلق بتونس يقر الهنتاتي أن هناك عملا تم على مستوى إعداد الدراسات والاستراتيجيات لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية والتقليص من حدتها على الزراعة وعلى مستوى مواجهة خطر الفيضانات المتزايد لكن تظل الإمكانيات المادية العائق الرئيسي أمام عدم تجسيم ما توصلت إليه الخبراء والدراسات للتأقلم مع الواقع الجديد الذي تفرضه التغيرات المناخية.

مضيفا أن هذا التأقلم يحتاج إلى مخططات التنفيذ السريع والناجع لكن السؤال المطروح هل يقدر اقتصادنا الوطني في ظل ضعف الإنتاجية في كل القطاعات وتزايد الأعباء والوضعية الحرجة للميزانية والمالية العمومية، على توفير الاعتمادات اللازمة لمجابهة تحديات المناخ؟

ففي القمة 27 الأخيرة حول المناخ قدمت تونس برنامجا جيدا صنف من بين أهم البرامج المقدمة من الدول المعنية والمشاركة وقدرت السلطات التونسية تمويلات بقيمة 14 مليار دينار لتنفيذه لكن من سيمول هذا البرنامج؟

مجهود الدولة

وعلى اعتبار أن غياب الموارد المالية والإمكانيات يعيق تقدم الدولة السريع في تنفيذ ما يوصى به الخبراء والدراسات، لكن في المقابل لا تبذل الهياكل الرسمية مجهودا يذكر على مستوى التحسيس أو القيام ببعض الخطوات التي قد لا تتطلب إمكانيات كبيرة لكنها قد تكون فاعلة في تأمين الحد الأدنى من التأقلم مع تحديات التغيرات المناخية.

هنا يقر عادل الهنتاتي بتقصير الدولة في النواحي الاتصالية والتحسيسة للتوعية ومحاولة تشريك المواطن في مجهود التأقلم والحد قدر الإمكان من تداعيات تقلبات المناخ ومنها مسألة الحوكمة في مجال المياه على اعتبار أن ندرة التساقطات أحيانا وتتالي سنوات الجفاف يؤثر على التوازنات المائية للبلاد في علاقة بتوفير الماء الصالح للشراب وأيضا المياه التي يحتاجها القطاع الفلاحي.

ويدعو محدثنا المواطن إلى أن يكون واعيا ويرشد استعمالاته من الماء مع ضرورة العودة إلى حفر المواجل وتخزين مياه الأمطار.

وطالب محدثنا أيضا وزارة الفلاحة بالعودة إلى برامج الإرشاد الفلاحي لمرافقة الفلاحين في مواجهة تحديات تغير المناخ وعلى الدولة التوجه نحو دعم الفلاح عوض دعم المواد الأساسية.

م.ي