إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

خفت صوتهم بعد 25 جويلية 2021 .. التونسيون بالخارج "خارج" الأنشطة السياسية.. عزوف أم تغييب؟

 
تونس–الصباح
في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات وتتواتر فيه التحركات في الداخل التونسي تفاعلا مع المستجدات السياسية وغيرها من تطورات الأحداث والأوضاع في بلادنا في فترة ما بعد الخروج من أزمة "كوفيد 19" بشكل عام، وفي اختلاف ردود الأفعال بعد تغير منظومة الحكم في تونس منذ 25 جويلية 2021 وما عرفته من مستجدات في نفس السياق على امتداد ما يقارب سنة ونصفا، إلا أن التونسيين بالخارج ظلوا تقريبا شبه غائبين على المشهد العام خلال نفس الفترة، بعد تسجيل بعض التحركات المحتشمة في الفترة الأولى من منتصف صائفة 2021 قادتها أو دعا لها ممثلو بعض الأحزاب السياسية التي كانت فاعلة في الوضع السياسي والمنظومة في تونس ما قبل القرارات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد وأخذه بزمام السلطة. لتبرز هذه الشريحة من التونسيين بخفوت أصواتهم وشبه الاستقالة من المشهد العام في بلادنا باستثناء بعض التحركات أو المبادرات الفردية التي تطالعنا بين الفينة والأخرى. في حين يعد هذا "العنصر" عامل قوة وركيزة أساسية في الدولة نظرا لعدة اعتبارات لعل أهمها الدور الاقتصادي ومدى المساهمة في توفير العملة الصعبة التي تمكن الدولة من تسديد ديونها من ناحية، ودورها الاجتماعي الذي يتجلى بالأساس في دور هذه"القوة" في توفير خدمات الدعم والمساعدة للأفراد والعائلات والمؤسسات والذي برز بشكل خاص أثناء الأزمة الصحية العالمية في توفير تجهيزات صحية وأدوية وغيرها. فضلا عما تم تسجيله من تزايد لتحويلات التونسيين بالخارج في الفترة الأخيرة إلى عائلاتهم بعد تفاهم الأزمة الاجتماعية وعجز أغلب التونسيين على توفير مستلزمات العيش بسبب الغلاء "الفاحش" للأسعار.
وقد أرجع البعض هذا الغياب إلى ارتباط الجالية التونسية بالتمثيلية السياسية وتحديدا الحزبية في البرلمان أو من خلال الدور الذي كانت تلعبه مثل هذه التمثيليات مع المجتمع المدني في تقريب الجالية التونسية من موطنهم الأم. ليس من خلال تنظيم بعض الأنشطة أو التظاهرات أو غيرها من البرامج والتحركات التي تمتن علاقة هذه الشريحة من التونسيين بوطنهم الأصل، بل أيضا من خلال دفعهم بشكل أو بآخر إلى الانخراط في "الهاجس والمشغل" الوطني رغم بعد المسافات ونشأة أجيال جديدة تعد في شبه قطيعة مع الخصوصية والثقافة الوطنية.
ويذكر أن عدد التونسيين بالخارج قارب المليونين حسب آخر إحصائية أجراها ديوان التونسيين بالخارج سنة 2021 أي ما نسبتهم 14.7 % من نسبة السكان التونسيين. هذا بالنسبة للتونسيين المعلن عنهم بشكل رسمي في ديوان التونسيين بالخارج في حين أن الأرقام أكثر من ذلك بكثير باعتبار المنخرطين في الهجرة غير النظامية وغيرها.
كما كشفت الأرقام التي قدمها البنك المركزي مؤخرا أن قيمة تحويلات التونسيين بالخارج سنة 2022 بلغت 2.7 مليار دولار. وهي أرقام تؤكد الدور الكبير لمساهمة هؤلاء في الاقتصاد الوطني، باعتبار أن هذا الرقم المسجل يعد أعلى من مداخيل بعض القطاعات التي تراهن عليها بلادنا في توجهها كمصدر لتنمية الاقتصاد على غرار السياحة والصادرات في السنوات الأخيرة.
 
واعتبر البعض أن تخصيص 10 مقاعد في البرلمان المقبل للتونسيين بالخارج غير كاف باعتبار أن البرلمان السابق كان خصص 18 مقعدا، ثم أن تمكن ثلاث نواب من ضمان مقعد منذ الدور الأول من الانتخابات في حين لم يتسن وجود مرشحين في الدوائر السبعة المتبقية، الأمر الذي سيتم تداركه في مرحلة ما بعد تنصيب البرلمان وفق ما أعلنت عن ذلك الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في توجهها لسد الشغور المسجل في عدد من الدوائر الانتخابية. خاصة بعد التشكيات التي أطلقها التونسيون بالخارج من وجود صعوبات في القانون الانتخابي الجديد وما تضمنه من شروط جديدة منها الترشح بشكل فردي وجمع 400 تزكية والتفرغ للعمل البرلمان من العوامل التي ساهمت في نفور البعض من الدخول في مغامرة سياسية وحالت دون قدرة البعض الآخر على الترشح لهذه الانتخابات التشريعية.
كما كان لانعكاس الصراع السياسي وعدم وضوح الرؤية والبرامج بالنسبة للأحزاب المعارضة أو الداعمة للمسار في مرحلة التدابير الاستثنائية تداعياته في أوساط الجالية التونسية خاصة في البلدان التي تشهد كثافة كبيرة من الجالية على غرار بعض البلدان الأوروبية كفرنسا وإيطاليا وألمانيا أو غيرها من البلدان العربية مثل قطر وغيرها من دول الخليج العربي. ليتبين للجميع أن الوضع الداخلي له ارتساماته وارتداداته في الخارج بالنسبة للتونسيين، لاسيما أن أغلب الأحزاب التي كانت لها تمثيليات في الخارج هي تلك التي كانت طرفا في الحكم أو فاعلة في المشهد السياسي على غرار حركة النهضة ونداء تونس قبل اندثاره، أو آفاق تونس أو قلب تونس وغيرها. لينسحب الوضع والصعوبات التي عرفتها هذه الأحزاب منذ دخول مسار ما بعد 25 جويلية حيز التنفيذ، على المناخ السياسي والمدني العام في أوساط الجالية التونسية بالخارج. خاصة أمام نجاح سعيد في سياسة تحييد وتغييب أي دور للأجسام السياسية منذ مسكه بزمام السلط في الدولة،  وإحالتها كلها، بشكل وصفه بعض المتابعين للوضع السياسي وخصومه السياسيين أيضا، إلى وضع "الموت السريري" للأحزاب بمختلف تياراتها وتوجهاتها.
يأتي ذلك في الوقت الذي ترفع عديد الجهات مطالبها للجهات الرسمية لمراجعة آليات التعامل مع التونسيين بالخارج وتقديم تسهيلات لهذه القوى للقيام باستثمارات في تونس ومنحها امتيازات بشكل يشجع على دخولها مجال الاستثمار من الباب الكبير بما يجعل بلادنا في غنى عن جانب كبير من الاستثمار الأجنبي. والأسئلة المطروحة اليوم، هل ينجح النواب الجدد ممثلو الدوائر الانتخابية في الخارج من تقريب وفرض "صوت" التونسيين في التشريعات المؤسسة التشريعية؟ وكيف يمكن دفع هذه الجالية للانخراط في الشأن الوطني في ظل التوجه الجديد في الجمهورية الجديدة الذي يستبعد الأحزاب من دائرة القرار ويساهم في طمس أدوارها؟ وما هو البديل الذي يمكن المراهنة عليه للم شمل هؤلاء التونسيين خارج الدوائر والفضاءات الرسمية للسفارات والقنصليات؟
 
نزيهة الغضباني
 
خفت صوتهم بعد 25 جويلية 2021 .. التونسيون بالخارج "خارج" الأنشطة السياسية.. عزوف أم تغييب؟
 
تونس–الصباح
في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات وتتواتر فيه التحركات في الداخل التونسي تفاعلا مع المستجدات السياسية وغيرها من تطورات الأحداث والأوضاع في بلادنا في فترة ما بعد الخروج من أزمة "كوفيد 19" بشكل عام، وفي اختلاف ردود الأفعال بعد تغير منظومة الحكم في تونس منذ 25 جويلية 2021 وما عرفته من مستجدات في نفس السياق على امتداد ما يقارب سنة ونصفا، إلا أن التونسيين بالخارج ظلوا تقريبا شبه غائبين على المشهد العام خلال نفس الفترة، بعد تسجيل بعض التحركات المحتشمة في الفترة الأولى من منتصف صائفة 2021 قادتها أو دعا لها ممثلو بعض الأحزاب السياسية التي كانت فاعلة في الوضع السياسي والمنظومة في تونس ما قبل القرارات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد وأخذه بزمام السلطة. لتبرز هذه الشريحة من التونسيين بخفوت أصواتهم وشبه الاستقالة من المشهد العام في بلادنا باستثناء بعض التحركات أو المبادرات الفردية التي تطالعنا بين الفينة والأخرى. في حين يعد هذا "العنصر" عامل قوة وركيزة أساسية في الدولة نظرا لعدة اعتبارات لعل أهمها الدور الاقتصادي ومدى المساهمة في توفير العملة الصعبة التي تمكن الدولة من تسديد ديونها من ناحية، ودورها الاجتماعي الذي يتجلى بالأساس في دور هذه"القوة" في توفير خدمات الدعم والمساعدة للأفراد والعائلات والمؤسسات والذي برز بشكل خاص أثناء الأزمة الصحية العالمية في توفير تجهيزات صحية وأدوية وغيرها. فضلا عما تم تسجيله من تزايد لتحويلات التونسيين بالخارج في الفترة الأخيرة إلى عائلاتهم بعد تفاهم الأزمة الاجتماعية وعجز أغلب التونسيين على توفير مستلزمات العيش بسبب الغلاء "الفاحش" للأسعار.
وقد أرجع البعض هذا الغياب إلى ارتباط الجالية التونسية بالتمثيلية السياسية وتحديدا الحزبية في البرلمان أو من خلال الدور الذي كانت تلعبه مثل هذه التمثيليات مع المجتمع المدني في تقريب الجالية التونسية من موطنهم الأم. ليس من خلال تنظيم بعض الأنشطة أو التظاهرات أو غيرها من البرامج والتحركات التي تمتن علاقة هذه الشريحة من التونسيين بوطنهم الأصل، بل أيضا من خلال دفعهم بشكل أو بآخر إلى الانخراط في "الهاجس والمشغل" الوطني رغم بعد المسافات ونشأة أجيال جديدة تعد في شبه قطيعة مع الخصوصية والثقافة الوطنية.
ويذكر أن عدد التونسيين بالخارج قارب المليونين حسب آخر إحصائية أجراها ديوان التونسيين بالخارج سنة 2021 أي ما نسبتهم 14.7 % من نسبة السكان التونسيين. هذا بالنسبة للتونسيين المعلن عنهم بشكل رسمي في ديوان التونسيين بالخارج في حين أن الأرقام أكثر من ذلك بكثير باعتبار المنخرطين في الهجرة غير النظامية وغيرها.
كما كشفت الأرقام التي قدمها البنك المركزي مؤخرا أن قيمة تحويلات التونسيين بالخارج سنة 2022 بلغت 2.7 مليار دولار. وهي أرقام تؤكد الدور الكبير لمساهمة هؤلاء في الاقتصاد الوطني، باعتبار أن هذا الرقم المسجل يعد أعلى من مداخيل بعض القطاعات التي تراهن عليها بلادنا في توجهها كمصدر لتنمية الاقتصاد على غرار السياحة والصادرات في السنوات الأخيرة.
 
واعتبر البعض أن تخصيص 10 مقاعد في البرلمان المقبل للتونسيين بالخارج غير كاف باعتبار أن البرلمان السابق كان خصص 18 مقعدا، ثم أن تمكن ثلاث نواب من ضمان مقعد منذ الدور الأول من الانتخابات في حين لم يتسن وجود مرشحين في الدوائر السبعة المتبقية، الأمر الذي سيتم تداركه في مرحلة ما بعد تنصيب البرلمان وفق ما أعلنت عن ذلك الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في توجهها لسد الشغور المسجل في عدد من الدوائر الانتخابية. خاصة بعد التشكيات التي أطلقها التونسيون بالخارج من وجود صعوبات في القانون الانتخابي الجديد وما تضمنه من شروط جديدة منها الترشح بشكل فردي وجمع 400 تزكية والتفرغ للعمل البرلمان من العوامل التي ساهمت في نفور البعض من الدخول في مغامرة سياسية وحالت دون قدرة البعض الآخر على الترشح لهذه الانتخابات التشريعية.
كما كان لانعكاس الصراع السياسي وعدم وضوح الرؤية والبرامج بالنسبة للأحزاب المعارضة أو الداعمة للمسار في مرحلة التدابير الاستثنائية تداعياته في أوساط الجالية التونسية خاصة في البلدان التي تشهد كثافة كبيرة من الجالية على غرار بعض البلدان الأوروبية كفرنسا وإيطاليا وألمانيا أو غيرها من البلدان العربية مثل قطر وغيرها من دول الخليج العربي. ليتبين للجميع أن الوضع الداخلي له ارتساماته وارتداداته في الخارج بالنسبة للتونسيين، لاسيما أن أغلب الأحزاب التي كانت لها تمثيليات في الخارج هي تلك التي كانت طرفا في الحكم أو فاعلة في المشهد السياسي على غرار حركة النهضة ونداء تونس قبل اندثاره، أو آفاق تونس أو قلب تونس وغيرها. لينسحب الوضع والصعوبات التي عرفتها هذه الأحزاب منذ دخول مسار ما بعد 25 جويلية حيز التنفيذ، على المناخ السياسي والمدني العام في أوساط الجالية التونسية بالخارج. خاصة أمام نجاح سعيد في سياسة تحييد وتغييب أي دور للأجسام السياسية منذ مسكه بزمام السلط في الدولة،  وإحالتها كلها، بشكل وصفه بعض المتابعين للوضع السياسي وخصومه السياسيين أيضا، إلى وضع "الموت السريري" للأحزاب بمختلف تياراتها وتوجهاتها.
يأتي ذلك في الوقت الذي ترفع عديد الجهات مطالبها للجهات الرسمية لمراجعة آليات التعامل مع التونسيين بالخارج وتقديم تسهيلات لهذه القوى للقيام باستثمارات في تونس ومنحها امتيازات بشكل يشجع على دخولها مجال الاستثمار من الباب الكبير بما يجعل بلادنا في غنى عن جانب كبير من الاستثمار الأجنبي. والأسئلة المطروحة اليوم، هل ينجح النواب الجدد ممثلو الدوائر الانتخابية في الخارج من تقريب وفرض "صوت" التونسيين في التشريعات المؤسسة التشريعية؟ وكيف يمكن دفع هذه الجالية للانخراط في الشأن الوطني في ظل التوجه الجديد في الجمهورية الجديدة الذي يستبعد الأحزاب من دائرة القرار ويساهم في طمس أدوارها؟ وما هو البديل الذي يمكن المراهنة عليه للم شمل هؤلاء التونسيين خارج الدوائر والفضاءات الرسمية للسفارات والقنصليات؟
 
نزيهة الغضباني