إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

استعدادا للدور الثاني: هيئة الانتخابات تقيم أعمالها فهل ستتجاوز إخفاقاتها؟

تونس: الصباح

شرعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تقييم أعمالها خلال الدور الأول للانتخابات التشريعية التي تم تنظيمها يوم السبت 17 ديسمبر 2022، وللغرض انعقدت جلسات عمل مع رؤساء الهيئات الفرعية وأعضائها بالداخل والخارج ومع المنسقين الجهويين للانتخابات ومع الإدارة التنفيذية والديوان ومع ممثلين عن بعض الجمعيات والمنظمات التي قامت بملاحظة المسار الانتخابي..
  ولئن كان الهدف من هذه العملية هو حسن الاستعداد للدور الثاني للانتخابات فإن المطلوب من مجلس الهيئة ليس تدارس الجواب التنظيمية واللوجستية ومدى حياد واستقلالية ومهنية أعضاء ورؤساء الهيئات الفرعية وأعضاء مراكز ومكاتب الاقتراع، بل عليه أن يذهب إلى أبعد من ذلك ويقيم نجاعة أعماله أولا ويقوم بمراجعات جدية لسياسته ويضع خطة أنجع تمكن الهيئة من تجاوز الثغرات ومعالجة نقاط الضعف المسجلة في الدورة الأولى.
 ففي أي عملية تقييم، من الضروري الاعتراف بالإخفاقات التي رصدها المجتمع المدني ودونها في بياناته وتقارير ملاحظة الانتخابات، لأن سياسة الهروب إلى الأمام لا تنفع في شيء، والمطلوب  من مجلس الهيئة أن يقر على الأقل بسوء إدارته للعملية الانتخابية وبأسلوبه المرتجل وبالأخطاء الكثيرة التي ارتكبها وبنقص الشفافية في أعماله والحال أن الشفافية هي من أهم المعايير التي يجب أن تقوم عليها عملية انتخابية ديمقراطية.
 وعليه أيضا أن يعترف بأنه لم يبذل العناية اللازمة لفرض وجهة نظره في علاقة بالمرسوم الانتخابي مثلما فرضها بمناسبة الاستفتاء، إذ أنه تمسك سابقا بعدم المصادقة على روزنامة الاستفتاء إلا بعد أن يقوم رئيس الجمهورية بتنقيح القانون الانتخابي في اتجاه يتيح للهيئة التسجيل الآلي ويعفي نفقاتها بمناسبة الانتخابات من الأحكام المتعلقة بالشراءات للإجراءات الخاصة بالصفقات العمومية، وفي اتجاه يلزم مصالح رئاسة الحكومة بتسيير تعاون جميع الإدارات العمومية مع الهيئة ويوجب على كلّ الإدارات والهياكل العمومية المركزية والجهوية وخاصة البنك المركزي التونسي ووزارة المالية بأن تضع على ذمة الهيئة ما تطلبه من معطيات ووسائل وإمكانيات ماديّة وبشريّة وجميع القواعد البيانية والمعلوماتية والإحصائيات ذات العلاقة بالعمليات الانتخابية والاستفتاء، بما يساعد الهيئة على حسن أداء مهامها، وفي اتجاه التنصيص على أنه لا يمكن معارضة الهيئة بالسرّ البنكي أو السرّ المهني في إطار أدائها لمهامها.
عواقب الصمت 
ولكن مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، هذه المرة لم يمارس نفس الضغط الذي مارسه سابقا على المشرع عندما تعلق الأمر بالمرسوم الانتخابي عدد 55 الصادر منتصف سبتمبر الماضي، ولم يفرض رأيه  حول شرط التزكيات وهو يدرك جيدا من خلال السجل الانتخابي الذي تمسكه الهيئة أن هناك دوائر انتخابية يستحيل فيها على أي مترشح جمع 400 تزكية نصفها من النساء والنصف الآخر من الرجال والربع من الشباب دون سن 35 سنة، إلا في صورة التهجير الجماعي للناخبين في اتجاه تلك الدوائر. 
وأدى صمت مجلس الهيئة على شرط التزكيات في النهاية إلى وجود سبع دوائر انتخابية لم تحصل فيها انتخابات، وحتى التأويل الذي تبناه المجلس في علاقة بسد الشغور في مجلس نواب الشعب عندما قال إنه لا بد من انتظار تنصيب المجلس النيابي ليقوم هو نفسه بمعاينة الشغور المسجل في سبعة مقاعد بسبع دوائر انتخابية وبعد ذلك تنظم الهيئة انتخابات جزئية في تلك الدوائر،  فإن هذا التأويل حسب رأي بعض المختصين في غير محله، لأن حالات سد الشغور بمجلس نواب الشعب ضبطها القانون الانتخابي بصفة دقيقة وحصرية وهي الوفاة والعجز التام والاستقالة من البرلمان وفقدان العضوية ولم يتعرض القانون الانتخابي مطلقا إلى الوضعية الراهنة وهي شغور في البرلمان قبل انتخابه. 
وحتى الرأي الذي قدمه الناطق الرسمي باسم الهيئة وعضو مجلس الهيئة محمد التليلي منصري عندما قال إن مجلس نواب الشعب بعد انتصابه يمكنه أن ينقح القانون الانتخابي لأن المجلس سيد نفسه، فيبدو أنه غير صائب لأن المجلس المنتخب عندما ينقح القانون الانتخابي من أجل التقليص في عدد التزكيات قصد تيسير شروط الترشح في الانتخابات الجزئية لسد الشغور، فإنه سيضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين من تم انتخابهم في الدورة الأولى للانتخابات التشريعية والدورة الثانية ومن سيقع انتخابهم في الانتخابات الجزئية لسد الشغور في المجلس.
 وكانت نفس الوضعية طرحت في السابق بمناسبة انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، إذ أن مجلس نواب الشعب انتخب عضوة وحيدة لهذه المحكمة وهي روضة الورسيغني وأخفق في انتخاب بقية الأعضاء رغم تنظيم العديد من الدورات الانتخابية، ولهذا السبب قدمت الحكومة مقترحا لتنقيح  قانون المحكمة الدستورية لتسهيل مهمة انتخاب أعضاء المحكمة وقامت بالتخفيض في عدد الأصوات المطلوبة للفوز بعضوية المحكمة وصادق المجلس على مشروع القانون ولكن تم فيما بعد الطعن فيه من قبل عدد من النواب أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وجاء في عريضة الطعن وقتها ما يلي "إنّ تغيير الأغلبية في انتخاب أعضاء المحكمة والنّزول بها من الثلثين إلى الثلاثة أخماس من شأنه أن يمسّ بمبدأ المساواة وذلك بإخضاع بعض المترشحين إلى مقاييس أقلّ صرامة من مترشحين آخريـن".. 
ضعف الإقبال 
  وإضافة إلى ضرورة إقرار مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأنه حتى وإن بذل عناية من أجل تنقيح المرسوم الانتخابي عدد 55 فإنه لم يحقق النتيجة المطلوبة التي كانت ستجعل المسار الانتخابي أفضل بكثير مما هو عليه، وعليه أن يعترف بأن نسبة الإقبال على المشاركة في الانتخابات في دورتها الأولى كانت الأضعف في تاريخ تونس، وأنه ليس في هذا التوصيف مبالغة وأن الهيئة هي المسؤولة عن هذه النسبة لأن القانون الأساسي المنظم لها قال بوضوح إن الهيئة تتولى القيام بجميع العمليات المرتبطة بتنظيم الانتخابات وإدارتها والإشراف عليها وتقوم خاصة بضبط برامج التحسيس والتثقيف الانتخابي والتعاون في هذا المجال مع جميع مكونات المجتمع المدني الناشطة في مجال الانتخابات وطنيا ودوليا، فهل كانت الحملة التحسيسية التي قامت بها الهيئة كافية لتعريف الناخبين بالمترشحين، ولماذا لم تقم على الأقل في صفحتها الرسمية بنشر اسم كل مترشح وسنه ومهنته وصورته والوثيقة التي قدمها للهيئة والتي تحتوي على موجز لبرنامجه الانتخابي وهي تدرك جيدا أن الحملة الانتخابية كانت باهتة لأنه تم حذف التمويل العمومي ومنع الأحزاب من تمويل الحملات الانتخابية للمترشحين وتدرك أن جل المترشحين لم يتمكنوا حتى من وضع معلقات في الأماكن المخصصة لهم على الجدران لأن طباعتها مكلفة. 
ولكن رئيس الهيئة فاروق بوعسكر لم يعترف أصلا بأن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت ضعيفة للغاية ورفض خلال النقطة الإعلامية التي عقدها مساء يوم 17 ديسمبر وصف نسبة المشاركة بالمخجلة، وقال إنه يجب التدقيق في عدد الأصوات التي حصل عليها نواب البرلمان السابق لأن هناك من فازوا بمقاعد بفضل أكبر البقايا وببعض مئات من الأصوات، وذكر أن هناك من دخل إلى البرلمان بـ 280 صوتا فقط، وقبل الحكم على انتخابات 17 ديسمبر يجب معرفة عدد الأصوات التي سيحصل عليها النواب الجدد ومقارنتها بعدد الأصوات التي تحصل عليها نواب المجالس السابقة وبعد ذلك يمكن الحديث عن الشرعية والمشروعية والقول إن كانت نسبة الإقبال على مراكز ومكاتب الاقتراع مخجلة أو غير مخجلة.. وفسر بوعسكر ضعف نسب المشاركة بتغير نظام الاقتراع وانعدام المال السياسي في الحملة الانتخابية وقال إنه لأول مرة تحصل انتخابات وحملة انتخابية نظيفة من المال السياسي الذي كان السبب وراء شراء الأصوات، ولأول مرة الانتخابات التونسية كانت نقية من الأموال الأجنبية والأموال السياسية المشبوهة ونقية من توظيف وسائل إعلام والجمعيات لفائدة أحزاب سياسية، وذكر أنه لو تم الإبقاء على نفس الوضعية كان سيتم البلوغ نفس نسب الإقبال المسجلة في الانتخابات السابقة، ولكن هل نسي بوعسكر أنه كان عضوا في الهيئة الانتخابية السابقة وأن تلك الهيئة لم تنصت بما فيه الكفاية للملاحظين عندما نبهوها إلى وجود تمويلات مشبوهة وعمليات شراء الذمم حتى أمام مكاتب ومراكز الاقتراع يوم الاقتراع وأنها صرحت بفوز المشتبه بهم .. 
 وردا على المشككين في نزاهة الهيئة قال بوعسكر مساء 17 ديسمبر إنه عليهم أن يتذكروا أن الهيئة تقوم بدورها وتعلن عن النتائج كما هي في صندوق الاقتراع وهي لا تحاول أن تجتهد لكي تزين أي شيء وتكتفي بما هو مطلوب منها وتحرص على تطبيق القانون وهي بحرصها على تطبيق القانون على جميع المترشحين للانتخابات رفضت ترشحات قدمت في دائرة ألمانيا ودائرة العالم العربي ودائرة باقي الدول الأوروبية ودائرة الأمريكيتين وبالتالي كانت نزيهة في تطبيق القانون وهو ما أدى إلى وجود سبع دوائر انتخابية بالخارج ليس فيها مترشحين، وهذا يدل على أن أعضاء الهيئة يطبقون القانون ولا يمارسون السياسية.. 
 والسؤال المطروح هو ماذا لو مارس أعضاء الهيئة السياسة ونصحوا رئيس الجمهورية بأن الاستجابة إلى شرط 400 تزكية من قبيل المستحيل في عدد من الدوائر الانتخابية بالخارج  وهو صعب المنال في عدد من الدوائر الانتخابية الموجودة داخل البلاد، فهذا الرأي التقني هو من صميم اختصاص مجلس الهيئة لأن الهيئة هي التي تمسك بسجل الناخبين وتعرف بالضرورة إن كان بإمكان المترشح جمع العدد المطلوب من التزكيات في بعض الدوائر أم أن هذا الشرط تعجيزي وهو ما ينافى مع مبدأ الإتاحة. 
 
سعيدة بوهلال
 
استعدادا للدور الثاني:   هيئة الانتخابات تقيم أعمالها فهل ستتجاوز إخفاقاتها؟

تونس: الصباح

شرعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تقييم أعمالها خلال الدور الأول للانتخابات التشريعية التي تم تنظيمها يوم السبت 17 ديسمبر 2022، وللغرض انعقدت جلسات عمل مع رؤساء الهيئات الفرعية وأعضائها بالداخل والخارج ومع المنسقين الجهويين للانتخابات ومع الإدارة التنفيذية والديوان ومع ممثلين عن بعض الجمعيات والمنظمات التي قامت بملاحظة المسار الانتخابي..
  ولئن كان الهدف من هذه العملية هو حسن الاستعداد للدور الثاني للانتخابات فإن المطلوب من مجلس الهيئة ليس تدارس الجواب التنظيمية واللوجستية ومدى حياد واستقلالية ومهنية أعضاء ورؤساء الهيئات الفرعية وأعضاء مراكز ومكاتب الاقتراع، بل عليه أن يذهب إلى أبعد من ذلك ويقيم نجاعة أعماله أولا ويقوم بمراجعات جدية لسياسته ويضع خطة أنجع تمكن الهيئة من تجاوز الثغرات ومعالجة نقاط الضعف المسجلة في الدورة الأولى.
 ففي أي عملية تقييم، من الضروري الاعتراف بالإخفاقات التي رصدها المجتمع المدني ودونها في بياناته وتقارير ملاحظة الانتخابات، لأن سياسة الهروب إلى الأمام لا تنفع في شيء، والمطلوب  من مجلس الهيئة أن يقر على الأقل بسوء إدارته للعملية الانتخابية وبأسلوبه المرتجل وبالأخطاء الكثيرة التي ارتكبها وبنقص الشفافية في أعماله والحال أن الشفافية هي من أهم المعايير التي يجب أن تقوم عليها عملية انتخابية ديمقراطية.
 وعليه أيضا أن يعترف بأنه لم يبذل العناية اللازمة لفرض وجهة نظره في علاقة بالمرسوم الانتخابي مثلما فرضها بمناسبة الاستفتاء، إذ أنه تمسك سابقا بعدم المصادقة على روزنامة الاستفتاء إلا بعد أن يقوم رئيس الجمهورية بتنقيح القانون الانتخابي في اتجاه يتيح للهيئة التسجيل الآلي ويعفي نفقاتها بمناسبة الانتخابات من الأحكام المتعلقة بالشراءات للإجراءات الخاصة بالصفقات العمومية، وفي اتجاه يلزم مصالح رئاسة الحكومة بتسيير تعاون جميع الإدارات العمومية مع الهيئة ويوجب على كلّ الإدارات والهياكل العمومية المركزية والجهوية وخاصة البنك المركزي التونسي ووزارة المالية بأن تضع على ذمة الهيئة ما تطلبه من معطيات ووسائل وإمكانيات ماديّة وبشريّة وجميع القواعد البيانية والمعلوماتية والإحصائيات ذات العلاقة بالعمليات الانتخابية والاستفتاء، بما يساعد الهيئة على حسن أداء مهامها، وفي اتجاه التنصيص على أنه لا يمكن معارضة الهيئة بالسرّ البنكي أو السرّ المهني في إطار أدائها لمهامها.
عواقب الصمت 
ولكن مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، هذه المرة لم يمارس نفس الضغط الذي مارسه سابقا على المشرع عندما تعلق الأمر بالمرسوم الانتخابي عدد 55 الصادر منتصف سبتمبر الماضي، ولم يفرض رأيه  حول شرط التزكيات وهو يدرك جيدا من خلال السجل الانتخابي الذي تمسكه الهيئة أن هناك دوائر انتخابية يستحيل فيها على أي مترشح جمع 400 تزكية نصفها من النساء والنصف الآخر من الرجال والربع من الشباب دون سن 35 سنة، إلا في صورة التهجير الجماعي للناخبين في اتجاه تلك الدوائر. 
وأدى صمت مجلس الهيئة على شرط التزكيات في النهاية إلى وجود سبع دوائر انتخابية لم تحصل فيها انتخابات، وحتى التأويل الذي تبناه المجلس في علاقة بسد الشغور في مجلس نواب الشعب عندما قال إنه لا بد من انتظار تنصيب المجلس النيابي ليقوم هو نفسه بمعاينة الشغور المسجل في سبعة مقاعد بسبع دوائر انتخابية وبعد ذلك تنظم الهيئة انتخابات جزئية في تلك الدوائر،  فإن هذا التأويل حسب رأي بعض المختصين في غير محله، لأن حالات سد الشغور بمجلس نواب الشعب ضبطها القانون الانتخابي بصفة دقيقة وحصرية وهي الوفاة والعجز التام والاستقالة من البرلمان وفقدان العضوية ولم يتعرض القانون الانتخابي مطلقا إلى الوضعية الراهنة وهي شغور في البرلمان قبل انتخابه. 
وحتى الرأي الذي قدمه الناطق الرسمي باسم الهيئة وعضو مجلس الهيئة محمد التليلي منصري عندما قال إن مجلس نواب الشعب بعد انتصابه يمكنه أن ينقح القانون الانتخابي لأن المجلس سيد نفسه، فيبدو أنه غير صائب لأن المجلس المنتخب عندما ينقح القانون الانتخابي من أجل التقليص في عدد التزكيات قصد تيسير شروط الترشح في الانتخابات الجزئية لسد الشغور، فإنه سيضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين من تم انتخابهم في الدورة الأولى للانتخابات التشريعية والدورة الثانية ومن سيقع انتخابهم في الانتخابات الجزئية لسد الشغور في المجلس.
 وكانت نفس الوضعية طرحت في السابق بمناسبة انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، إذ أن مجلس نواب الشعب انتخب عضوة وحيدة لهذه المحكمة وهي روضة الورسيغني وأخفق في انتخاب بقية الأعضاء رغم تنظيم العديد من الدورات الانتخابية، ولهذا السبب قدمت الحكومة مقترحا لتنقيح  قانون المحكمة الدستورية لتسهيل مهمة انتخاب أعضاء المحكمة وقامت بالتخفيض في عدد الأصوات المطلوبة للفوز بعضوية المحكمة وصادق المجلس على مشروع القانون ولكن تم فيما بعد الطعن فيه من قبل عدد من النواب أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين وجاء في عريضة الطعن وقتها ما يلي "إنّ تغيير الأغلبية في انتخاب أعضاء المحكمة والنّزول بها من الثلثين إلى الثلاثة أخماس من شأنه أن يمسّ بمبدأ المساواة وذلك بإخضاع بعض المترشحين إلى مقاييس أقلّ صرامة من مترشحين آخريـن".. 
ضعف الإقبال 
  وإضافة إلى ضرورة إقرار مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بأنه حتى وإن بذل عناية من أجل تنقيح المرسوم الانتخابي عدد 55 فإنه لم يحقق النتيجة المطلوبة التي كانت ستجعل المسار الانتخابي أفضل بكثير مما هو عليه، وعليه أن يعترف بأن نسبة الإقبال على المشاركة في الانتخابات في دورتها الأولى كانت الأضعف في تاريخ تونس، وأنه ليس في هذا التوصيف مبالغة وأن الهيئة هي المسؤولة عن هذه النسبة لأن القانون الأساسي المنظم لها قال بوضوح إن الهيئة تتولى القيام بجميع العمليات المرتبطة بتنظيم الانتخابات وإدارتها والإشراف عليها وتقوم خاصة بضبط برامج التحسيس والتثقيف الانتخابي والتعاون في هذا المجال مع جميع مكونات المجتمع المدني الناشطة في مجال الانتخابات وطنيا ودوليا، فهل كانت الحملة التحسيسية التي قامت بها الهيئة كافية لتعريف الناخبين بالمترشحين، ولماذا لم تقم على الأقل في صفحتها الرسمية بنشر اسم كل مترشح وسنه ومهنته وصورته والوثيقة التي قدمها للهيئة والتي تحتوي على موجز لبرنامجه الانتخابي وهي تدرك جيدا أن الحملة الانتخابية كانت باهتة لأنه تم حذف التمويل العمومي ومنع الأحزاب من تمويل الحملات الانتخابية للمترشحين وتدرك أن جل المترشحين لم يتمكنوا حتى من وضع معلقات في الأماكن المخصصة لهم على الجدران لأن طباعتها مكلفة. 
ولكن رئيس الهيئة فاروق بوعسكر لم يعترف أصلا بأن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت ضعيفة للغاية ورفض خلال النقطة الإعلامية التي عقدها مساء يوم 17 ديسمبر وصف نسبة المشاركة بالمخجلة، وقال إنه يجب التدقيق في عدد الأصوات التي حصل عليها نواب البرلمان السابق لأن هناك من فازوا بمقاعد بفضل أكبر البقايا وببعض مئات من الأصوات، وذكر أن هناك من دخل إلى البرلمان بـ 280 صوتا فقط، وقبل الحكم على انتخابات 17 ديسمبر يجب معرفة عدد الأصوات التي سيحصل عليها النواب الجدد ومقارنتها بعدد الأصوات التي تحصل عليها نواب المجالس السابقة وبعد ذلك يمكن الحديث عن الشرعية والمشروعية والقول إن كانت نسبة الإقبال على مراكز ومكاتب الاقتراع مخجلة أو غير مخجلة.. وفسر بوعسكر ضعف نسب المشاركة بتغير نظام الاقتراع وانعدام المال السياسي في الحملة الانتخابية وقال إنه لأول مرة تحصل انتخابات وحملة انتخابية نظيفة من المال السياسي الذي كان السبب وراء شراء الأصوات، ولأول مرة الانتخابات التونسية كانت نقية من الأموال الأجنبية والأموال السياسية المشبوهة ونقية من توظيف وسائل إعلام والجمعيات لفائدة أحزاب سياسية، وذكر أنه لو تم الإبقاء على نفس الوضعية كان سيتم البلوغ نفس نسب الإقبال المسجلة في الانتخابات السابقة، ولكن هل نسي بوعسكر أنه كان عضوا في الهيئة الانتخابية السابقة وأن تلك الهيئة لم تنصت بما فيه الكفاية للملاحظين عندما نبهوها إلى وجود تمويلات مشبوهة وعمليات شراء الذمم حتى أمام مكاتب ومراكز الاقتراع يوم الاقتراع وأنها صرحت بفوز المشتبه بهم .. 
 وردا على المشككين في نزاهة الهيئة قال بوعسكر مساء 17 ديسمبر إنه عليهم أن يتذكروا أن الهيئة تقوم بدورها وتعلن عن النتائج كما هي في صندوق الاقتراع وهي لا تحاول أن تجتهد لكي تزين أي شيء وتكتفي بما هو مطلوب منها وتحرص على تطبيق القانون وهي بحرصها على تطبيق القانون على جميع المترشحين للانتخابات رفضت ترشحات قدمت في دائرة ألمانيا ودائرة العالم العربي ودائرة باقي الدول الأوروبية ودائرة الأمريكيتين وبالتالي كانت نزيهة في تطبيق القانون وهو ما أدى إلى وجود سبع دوائر انتخابية بالخارج ليس فيها مترشحين، وهذا يدل على أن أعضاء الهيئة يطبقون القانون ولا يمارسون السياسية.. 
 والسؤال المطروح هو ماذا لو مارس أعضاء الهيئة السياسة ونصحوا رئيس الجمهورية بأن الاستجابة إلى شرط 400 تزكية من قبيل المستحيل في عدد من الدوائر الانتخابية بالخارج  وهو صعب المنال في عدد من الدوائر الانتخابية الموجودة داخل البلاد، فهذا الرأي التقني هو من صميم اختصاص مجلس الهيئة لأن الهيئة هي التي تمسك بسجل الناخبين وتعرف بالضرورة إن كان بإمكان المترشح جمع العدد المطلوب من التزكيات في بعض الدوائر أم أن هذا الشرط تعجيزي وهو ما ينافى مع مبدأ الإتاحة. 
 
سعيدة بوهلال