لم يكن تصنيف تونس تحت خط الفقر المائي بالمفاجئ في ظل انحباس الأمطار وتراجع نسبة امتلاء السدود هذا إلى جانب إطلاق صيحات فزع من قبل خبراء في المجال المائي منذ سنوات مطالبين سلط الإشراف بتغيير السياسات المائية التي لم تعد تواكب التغيرات المناخية.
وتعيش تونس منذ سنوات نقصا كبيرا في الأمطار هذا إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في انقطاع الماء خاصة في فصل الصيف يصل أحيانا في بعض الجهات إلى أسابيع وأحيانا لأشهر.
وفي هذا الخصوص أكد حسين الرحيلي الخبير في التنمية والتصرف في الموارد أن تونس تعيش منذ خمس سنوات جفاف، لكن لا يتم تذكر مشاكل نقص الماء إلا وقت انحباس الأمطار في حين أن بلادنا دخلت منذ سنة 1995 مرحلة الضغط المائي لكن لم يتم تغيير السياسيات المائية لان ملف المياه ليس موجودا في الضمير السياسي.
وذكر الرحيلي في حديثه لـ "الصباح" انه خلال شهري جويلية وأوت من صائفة 2021 شهدت ولايات سوسة والمنستير والمهدية انقطاعات للماء يومية من الساعة العاشرة ليلا إلى السادسة صباحا وامتدت هذه الانقطاعات 60 يوما، في حين لم يشهد أي نزل في الولايات الثلاث المذكورة أي انقطاع للماء خلال تلك الفترة.
وشدد الخبير في التنمية والتصرف في الموارد انه على ضرورة إعادة النظر في خارطة الإنتاج الفلاحي خاصة على مستوى المنتجات الفلاحية المستهلكة للماء والموجهة للتصدير مثل البرتقال الذي تصل كميات استهلاك البرتقالة الواحدة لثمانية لترات من المياه.
وعلق الرحيلي قائلا :"لقد تخلت الدولة عن الاستثمار في الماء في المقابل تقوم الشركة التونسية لتوزيع المياه بالترفيع في الأسعار لترشيد الاستهلاك الذي لم يتراجع بل على العكس سجل ارتفاعا"، مضيفا "اصبح من المتوقع في ظل الشح المائي الذي تعيشه تونس أن يتم فتح الماء لساعة فقط يوميا".
وأكد الخبير في التنمية والتصرف في المواد انه من الضروري فصل قطاع المياه عن وزارة الفلاحة لأنها اكبر مستهلك للماء بنسبة 77 بالمائة مع العلم أن تونس الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها وزارة للماء، مشيرا إلى أن أكثر من 350مليون متر مكعب من مياه التطهير تلقى في البحر والأودية وهي تصنف من المياه غير التقليدية ونسبة استغلالها لا تتعدى 10 بالمائة.
وفي نفس السياق اعتبر محدثنا أن المشكل في تونس ليس في تشكيل مجلس نواب بل في ماذا سيأكل التونسيون مستقبلا في ظل تخلي الدولة عن الاستثمار في الماء الذي يعد خدمة عمومية.
واعتبر الرحيلي أن الطبقة السياسية في تونس تعيش خارج التاريخ والجغرافيا مع العلم أن الماء أصبح قضية رأي عام اليوم خاصة بعد أن دخلت تونس مرحلة الشح المائي وتراجع نسبة امتلاء السدود.
تراجع نسبة امتلاء السدود
وكان المدير العام للتخطيط والتوازنات المائية بوزارة الفلاحة، حمّادي الحبيْب، قد أكد أنّ نسبة امتلاء السدود في حدود 28.6% بفارق 300 مليون م3، مقارنة بالسنة الماضية.
وقال الحبيب في تصريح لإذاعة "الجوهرة أف.أم"، "إنّ الأزمة الحالية متأتية من تواصل الجفاف لمدّة 3 سنوات متتالية، مضيفا أنّ إيرادات السدود، بلغت خلال الفترة الممتدة من 1 سبتمبر تاريخ انطلاق الموسم الفلاحي، إلى حدّ اليوم، 109 مليون م3".
التصحر يتهدد الأراضي التونسية
ونذكر أن وزارة البيئة أشارت، في بيانات نشرتها بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف إلى أن 75% من الأراضي التونسية مهددة بالتصحر وأنه يتم تسجيل سنة جافة كل ثلاث سنوات خاصة بمناطق الوسط والجنوب، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تؤثر بصفة مباشرة على الإنتاج الفلاحي كالزراعات الكبرى والزياتين وتربية الماشية.
وأكدت الوزارة أنها وضعت هدفا وطنيا لحماية 2.2 مليون هكتار من الأراضي من التدهور بحلول سنة 2030، من خلال تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية ذات العلاقة بالغابات والمحافظة على المياه والتربة والمناطق الرطبة وتنمية المراعي ومقاومة زحف الرمال والأنشطة الفلاحية المستدامة بمختلف المناطق والجهات.
وتوقعت دراسة، سابقة، لوزارة البيئة عن انعكاسات التغيّر المناخي على الاقتصاد أن تعاني تونس نقصاً حاداً في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتبلغ مليون هكتار فقط بحلول 2030.
رقمنة الشبكات المائية..
ومن جانبه كان المرصد التونسي للمياه اعتبر إن السياسات المائية المتبعة منذ عقود لازالت تتخبط في عديد الإشكاليات الهيكلية والصعوبات المتراكمة رغم التكاليف الباهظة التي تتكبدها المجموعة الوطنية في هذا القطاع، وعدم الالتزام بالخيارات الوطنية التي تراعي مصلحة المواطنين مخلّفة في أعقابها حالة من الغبن الاجتماعي خاصة في المناطق الداخلية للبلاد (2633 تبليغا مواطنيا عن مشكل متعلق بالمياه في سنة 2021).
كما اعتبر المرصد أن غياب إستراتيجية وطنية لتعبئة والتصرف في مواردنا المائية يعد إحدى العوامل الرئيسية في تشّكل أزمة العطش التي اجتاحت أغلب مناطق البلاد، إضافة إلى ضعف الإطار المؤسساتي الذي يغلب عليه التشتت والبيوقراطية في التعامل معه.
ودعا المرصد سابقا إلى الشروع في رقمنة كل الشبكات المائية بكل الجهات بالبلاد من أجل متابعة ومراقبة فعّالة لها إلى جانب فتح تدقيق جدي وشفاف حول عقود اللّزمات المسندة لشركات المياه المعلبة بالبلاد، وخاصة فيما يتعلق بقيمتها المالية والكميات المرخص لهم باستغلالها ومدى احترامهم لالتزاماتهم.
كما طالب المرصد بإخراج قطاع المياه من وزارة الفلاحة وإفراده بهيكل مستقل يجمع كل الهياكل المعنية بالماء بكل أشكاله ومصادره ودعم الدولة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه SONEDE ماديا وبشريا من أجل تعصير نشاطها وتطوير خدماتها العمومية المرتبطة بالماء الصالح للشراب.
جهاد الكلبوسي
تونس – الصباح
لم يكن تصنيف تونس تحت خط الفقر المائي بالمفاجئ في ظل انحباس الأمطار وتراجع نسبة امتلاء السدود هذا إلى جانب إطلاق صيحات فزع من قبل خبراء في المجال المائي منذ سنوات مطالبين سلط الإشراف بتغيير السياسات المائية التي لم تعد تواكب التغيرات المناخية.
وتعيش تونس منذ سنوات نقصا كبيرا في الأمطار هذا إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في انقطاع الماء خاصة في فصل الصيف يصل أحيانا في بعض الجهات إلى أسابيع وأحيانا لأشهر.
وفي هذا الخصوص أكد حسين الرحيلي الخبير في التنمية والتصرف في الموارد أن تونس تعيش منذ خمس سنوات جفاف، لكن لا يتم تذكر مشاكل نقص الماء إلا وقت انحباس الأمطار في حين أن بلادنا دخلت منذ سنة 1995 مرحلة الضغط المائي لكن لم يتم تغيير السياسيات المائية لان ملف المياه ليس موجودا في الضمير السياسي.
وذكر الرحيلي في حديثه لـ "الصباح" انه خلال شهري جويلية وأوت من صائفة 2021 شهدت ولايات سوسة والمنستير والمهدية انقطاعات للماء يومية من الساعة العاشرة ليلا إلى السادسة صباحا وامتدت هذه الانقطاعات 60 يوما، في حين لم يشهد أي نزل في الولايات الثلاث المذكورة أي انقطاع للماء خلال تلك الفترة.
وشدد الخبير في التنمية والتصرف في الموارد انه على ضرورة إعادة النظر في خارطة الإنتاج الفلاحي خاصة على مستوى المنتجات الفلاحية المستهلكة للماء والموجهة للتصدير مثل البرتقال الذي تصل كميات استهلاك البرتقالة الواحدة لثمانية لترات من المياه.
وعلق الرحيلي قائلا :"لقد تخلت الدولة عن الاستثمار في الماء في المقابل تقوم الشركة التونسية لتوزيع المياه بالترفيع في الأسعار لترشيد الاستهلاك الذي لم يتراجع بل على العكس سجل ارتفاعا"، مضيفا "اصبح من المتوقع في ظل الشح المائي الذي تعيشه تونس أن يتم فتح الماء لساعة فقط يوميا".
وأكد الخبير في التنمية والتصرف في المواد انه من الضروري فصل قطاع المياه عن وزارة الفلاحة لأنها اكبر مستهلك للماء بنسبة 77 بالمائة مع العلم أن تونس الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها وزارة للماء، مشيرا إلى أن أكثر من 350مليون متر مكعب من مياه التطهير تلقى في البحر والأودية وهي تصنف من المياه غير التقليدية ونسبة استغلالها لا تتعدى 10 بالمائة.
وفي نفس السياق اعتبر محدثنا أن المشكل في تونس ليس في تشكيل مجلس نواب بل في ماذا سيأكل التونسيون مستقبلا في ظل تخلي الدولة عن الاستثمار في الماء الذي يعد خدمة عمومية.
واعتبر الرحيلي أن الطبقة السياسية في تونس تعيش خارج التاريخ والجغرافيا مع العلم أن الماء أصبح قضية رأي عام اليوم خاصة بعد أن دخلت تونس مرحلة الشح المائي وتراجع نسبة امتلاء السدود.
تراجع نسبة امتلاء السدود
وكان المدير العام للتخطيط والتوازنات المائية بوزارة الفلاحة، حمّادي الحبيْب، قد أكد أنّ نسبة امتلاء السدود في حدود 28.6% بفارق 300 مليون م3، مقارنة بالسنة الماضية.
وقال الحبيب في تصريح لإذاعة "الجوهرة أف.أم"، "إنّ الأزمة الحالية متأتية من تواصل الجفاف لمدّة 3 سنوات متتالية، مضيفا أنّ إيرادات السدود، بلغت خلال الفترة الممتدة من 1 سبتمبر تاريخ انطلاق الموسم الفلاحي، إلى حدّ اليوم، 109 مليون م3".
التصحر يتهدد الأراضي التونسية
ونذكر أن وزارة البيئة أشارت، في بيانات نشرتها بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف إلى أن 75% من الأراضي التونسية مهددة بالتصحر وأنه يتم تسجيل سنة جافة كل ثلاث سنوات خاصة بمناطق الوسط والجنوب، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة تؤثر بصفة مباشرة على الإنتاج الفلاحي كالزراعات الكبرى والزياتين وتربية الماشية.
وأكدت الوزارة أنها وضعت هدفا وطنيا لحماية 2.2 مليون هكتار من الأراضي من التدهور بحلول سنة 2030، من خلال تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية ذات العلاقة بالغابات والمحافظة على المياه والتربة والمناطق الرطبة وتنمية المراعي ومقاومة زحف الرمال والأنشطة الفلاحية المستدامة بمختلف المناطق والجهات.
وتوقعت دراسة، سابقة، لوزارة البيئة عن انعكاسات التغيّر المناخي على الاقتصاد أن تعاني تونس نقصاً حاداً في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتبلغ مليون هكتار فقط بحلول 2030.
رقمنة الشبكات المائية..
ومن جانبه كان المرصد التونسي للمياه اعتبر إن السياسات المائية المتبعة منذ عقود لازالت تتخبط في عديد الإشكاليات الهيكلية والصعوبات المتراكمة رغم التكاليف الباهظة التي تتكبدها المجموعة الوطنية في هذا القطاع، وعدم الالتزام بالخيارات الوطنية التي تراعي مصلحة المواطنين مخلّفة في أعقابها حالة من الغبن الاجتماعي خاصة في المناطق الداخلية للبلاد (2633 تبليغا مواطنيا عن مشكل متعلق بالمياه في سنة 2021).
كما اعتبر المرصد أن غياب إستراتيجية وطنية لتعبئة والتصرف في مواردنا المائية يعد إحدى العوامل الرئيسية في تشّكل أزمة العطش التي اجتاحت أغلب مناطق البلاد، إضافة إلى ضعف الإطار المؤسساتي الذي يغلب عليه التشتت والبيوقراطية في التعامل معه.
ودعا المرصد سابقا إلى الشروع في رقمنة كل الشبكات المائية بكل الجهات بالبلاد من أجل متابعة ومراقبة فعّالة لها إلى جانب فتح تدقيق جدي وشفاف حول عقود اللّزمات المسندة لشركات المياه المعلبة بالبلاد، وخاصة فيما يتعلق بقيمتها المالية والكميات المرخص لهم باستغلالها ومدى احترامهم لالتزاماتهم.
كما طالب المرصد بإخراج قطاع المياه من وزارة الفلاحة وإفراده بهيكل مستقل يجمع كل الهياكل المعنية بالماء بكل أشكاله ومصادره ودعم الدولة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه SONEDE ماديا وبشريا من أجل تعصير نشاطها وتطوير خدماتها العمومية المرتبطة بالماء الصالح للشراب.