إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ظل "أزمة" قرض الصندوق تونس تقترض 233 مليون دولار لتأمين أمنها الغذائي والطاقي

* خسائر بأكثر من 5 مليار دينار تضاف الى ميزانية الدولة لسنة 2022!

تونس- الصباح

أعلنت وزارة الاقتصاد والتخطيط، أول أمس، إن بنك الاستثمار الأوروبي وافق على قرض لتونس قيمته 220 مليون يورو (233 مليون دولار) بينها 150 مليون يورو مساعدات عاجلة للأمن الغذائي، وقرابة 74 مليون دولار لتعزيز الأمن الطاقي في البلاد، وذلك ضمن مساعي الدولة الهادفة لتامين حاجياتها من الغذاء والطاقة، في ظل الغموض الذي يرافق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض يناهز 2 مليار دولار.

وتعاني تونس منذ ظهور جائحة "كورونا"، وتعطل سلاسل التوريد بسبب الحرب شرق أوروبا، من أزمة مالية طاحنة نجم عنها نقص في العديد من السلع الغذائية الأساسية في الأسابيع القليلة الماضية.

وقال وزير الفلاحة محمود إلياس حمزة، في تصريحات إعلامية، إن القرض سيساعد البلاد على تأمين إمدادات منتظمة من القمح اللين.

وفي سياق الأزمة التضخمية التي أدت إلى تآكل القوة الشرائية للسكان، أبرمت تونس اتفاقية تمويل مع بنك الاستثمار الأوروبي، بهدف الحد من صعوبات الإمداد الغذائي، وتحسين توزيع الكهرباء في الدولة.

تعزيز الأمن الغذائي لتونس

وسيخصص الجزء الأكبر من هذا التمويل، والذي يبلغ حوالي 159 مليون دولار أمريكي، لتعزيز الأمن الغذائي للبلاد. وسيمكن ديوان الحبوب من تعزيز قدراته على توريد القمح اللين، فضلاً عن الرفع في القدرات اللوجستية لتونس في تخزين الحبوب.

وبحسب الحكومة، فإن هذا القرض جزء من برنامج الدعم الطارئ للأمن الغذائي في تونس. وسيساعد في تطوير قطاع المحاصيل الصالحة للزراعة، وتحديث التجهيزات الفلاحية.

أما الجزء الثاني وقيمته 74 مليون دولار فسيخصص للشركة التونسية للكهرباء والغاز، ويهدف إلى تعزيز برنامج الشركة التونسية للكهرباء والغاز لتطوير بنيتها التحتية الأساسية المرتبطة بتوسيع شبكة نقل وتوزيع الكهرباء. ويأتي هذا التمويل في سياق اقتصادي متوتر بالنسبة لتونس، التي كانت تحاول منذ عدة سنوات الخروج من أزمة تضخمت الآن بسبب ارتفاع أسعار السلع على نطاق عالمي.

وتأمل السلطات في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي امتدت لعدة أشهر، في الاستفادة من تمويل يقارب 2 مليار دولار أمريكي يهدف إلى استعادة الاستقرار الخارجي والمتعلق بالميزانية في البلاد، لتعزيز الحماية الاجتماعية، مع تعزيز القوة والاستدامة والشمول، وكذلك القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، إلا أن تواصل تأجيل ملف تونس، والحديث عن سحب الملف من جلسة التداول يطرح العديد من الاستفسارات حول البدائل التي يمكن اعتمادها، في ظل شح للسيولة المالية، وتراجع مخزون البلاد من العملة الصعبة ليصل إلى مستويات تبعث على القلق، أي حوالي 95 يوم توريد، مقارنة بحوالي 124 يوم توريد خلال نفس الفترة من العام الماضي.

الأسعار في نسق تصاعدي

وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 13٪ على مدار عام واحد، وتعزى هذه الزيادة بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 27.4٪ والبيض بنسبة 25٪ وزيوت الطعام بنسبة 21.8٪ والفواكه الطازجة بنسبة 18.2٪ ، والسلع والخدمات المصنعة على مدار عام ، بنسبة 9.4٪ نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة 10.4٪ ، ومنتجات الملابس بنسبة 10٪ ، ومنتجات الصيانة الروتينية المنزلية بنسبة 9.1٪. وبالنسبة للخدمات، تفسر زيادة الأسعار بنسبة 6.1٪ على أساس سنوي من خلال زيادة بنسبة 9.2٪ في أسعار خدمات المطاعم والمقاهي والفنادق. كما ارتفعت أسعار المنتجات المجانية (غير الخاضعة للرقابة) بنسبة 10.4٪ خلال عام واحد، وارتفعت أسعار المنتجات الخاضعة للرقابة بنسبة 5.2٪، في حين ارتفعت المنتجات الغذائية المجانية بنسبة 15.4٪ مقابل 0.5٪ للمنتجات الغذائية بالأسعار المنظمة.

تحذيرات من تعمق الأزمة

وكان صندوق النقد الدولي قد حذر في تقرير مطول، من ارتفاع وشيك في أسعار السلع والمواد الغذائية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع ظهور بعض مؤشرات تؤكد ارتفاع معدلات التضخم. وفيما تشير أحدث البيانات إلى انخفاض في تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية على مستوى العالم، ارتفعت في تونس بشكل "جنوني" خلال شهر واحد فقط، في حين من المتوقع أن يواجه المستهلكون على مستوى العالم موجة جديدة من ارتفاعات الأسعار مثلما حدث خلال العام الماضي، حين ارتفعت الأسعار في النهاية مرة أخرى.

وأشار التقرير إلى ارتفاع أسعار الشحن البحري وفقاً لمؤشر مقياس لتكاليف الشحن بنحو اثنتين إلى ثلاث مرات خلال الأشهر الـ12 الماضية. بينما أدى ارتفاع أسعار البنزين إلى ارتفاع تكلفة خدمات النقل البري. وسيؤدي ارتفاع تكاليف النقل في نهاية المطاف إلى زيادة تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية.

ورغم تطمينات المسؤولين بتوفر المواد الغذائية الأساسية، فإن أسعارها مازالت في ارتفاع، وبدأت انعكاساتها تظهر على جميع الدول منذ بداية العام الحالي، وارتفعت حدتها في الآونة الأخيرة، ما يستدعي في تونس اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمنع انفلات الأسعار، والتي تعد الخطر الأول لتسارع معدلات التضخم.

تدهور لافت في القدرة الشرائية

وفي تقرير حديث لمعهد الدراسات الإستراتيجية، أشار إلى أن "تونس شهدت خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2022 تدهورا واضحا للمقدرة الشرائية للفرد، مع تسجيل الميزان الغذائي لمؤشرات سلبية ازدادت حدتها بفعل الحرب في أوكرانيا". وحذر المعهد التونسي من خطورة الحرب شرق أوروبا، على الأمن الغذائي بالبلاد، مشيرا إلى "ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، لتجنب استفحال الأزمة التي توشك على الانفجار خلال النصف الثاني من العام الجاري والأشهر الأولى من عام 2023".

وأزاح تقرير المعهد النقاب عن حقيقة الوضع الغذائي في البلاد، لافتا إلى أن الوضع العالمي يهدد الأمن الغذائي للتونسيين، داعيا إلى مقاربات عاجلة للحد من انعكاسات الأزمة الاقتصادية الدولية على الأمن الغذائي للتونسيين، كما جدد خبراء الاقتصاد عقب التقرير الدعوة العاجلة إلى الانخراط في مبادرات لتقليص تداعيات أزمة ارتفاع الأسعار، والعمل على إشراك الفلاحين ومختلف الفاعلين في مجالات الزراعة في خطة وطنية، تهدف إلى التخفيف من حدة انعكاسات الأزمة على الوضع الغذائي.

مخزوننا لا يكفي شهرا من الاستهلاك

وتشير دراسة إستراتيجية حول الأمن الغذائي قدمها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع البرنامج الغذائي العالمي أن تونس احتلت المرتبة 53 من بين 113 دولة من حيث مؤشر الأمن الغذائي، وهي مرتبة متأخرة قياسا بإمكانيات تونس في المجال الفلاحي المهدورة وغير المستغلة (350 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية غير المستغلة بسبب النزاعات القانونية و100 ألف هكتار من أراضي أحباس و65 ألف هكتار أراضي دولية مستغلة بطرق غير شرعية..).

وأشارت الدراسة انه إذا ما تواصل التغافل أكثر على الملفات الحقيقية ومن بينها القطاع الفلاحي ووضع الفلاح والصعوبات التي تواجهه من تدنى لأسعار الإنتاج مقابل ارتفاع التكلفة وضعف قدرات التخزين وصعوبات التوزيع ومعضلة التهريب التي تهدد مجالات حيوية كالثروة الحيوانية، فإن بلادنا ستجد نفسها في وضع محرج وسيكلف ذلك أموالا طائلة لتوريد احتياجاتها، علما وأن الإنتاج الوطني من القمح اللين اقل من شهر استهلاك محلي، ويتم توريد 11 شهرا، فيما يغطي الشعير استهلاك قرابة 4 أشهر ويتم اللجوء للتوريد لتغطية النقص في باقي الأشهر، ويقدر حجم الواردات سنويا بـ 1.2 مليار دينار، فيما تؤكد الأرقام الرسمية أن المخزون الاستراتيجي للحبوب في تونس يقدر من 2 إلى 3 أشهر فقط.

تحذيرات جدية بخطورة المرحلة القادمة

ونبه عدد من خبراء الاقتصاد والمسؤولين بالدولة خلال النسخة 36 من أيام المؤسسة، المنعقدة الأسبوع الماضي، إلى خطورة الأوضاع الاقتصادية في العالم، وخاصة في حال تأخر حصول تونس على قرض من صندوق النقد الدولي، حيث أن جزءا كبيرا من حاجيات تونس من مادة القمح يتم إلى حد الآن تأمينه ضمن قروض ثنائية مع مؤسسات مالية مانحة، حيث تلجأ الدولة إلى الاقتراض لتامين مخزونها من القمح لبضعة أشهر، وهو ما يكلف ضغوطا مالية خارجية تسددها الدولة مضاعفة من سنة إلى أخرى، ما يعيق عمليات الإصلاح، وأيضا الاستثمار، ويستنزف من قدرات البلاد المالية.

ووفق ما أعلن عنه محافظ البنك المركزي، في آخر ظهور إعلامي له، فإن تونس تكبدت خسائر كبيرة بأكثر من 5 مليار دينار جراء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وجائحة كورونا، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات وتكاليف الشحن العالمية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الحبوب، وجل المواد الأولية، داعيا إلى ضرورة تكثيف الجهود لخلق الثروة، واستغلال جميع الفرص المتاحة التي من شانها أن تعزز القدرة المالية للدولة، معتبرا أن قرض صندوق النقد الدولي، وان تم، لا يكفي لتامين حاجيات تونس الطاقية والغذائية، في ظل ارتفاع كبير لمعدلات التضخم عالميا.

ويلف اليوم الغموض، حول قدرة تونس مستقبلا على تامين أمنها الغذائي والطاقي، خصوصا وان هامش التحرك يعد محدودا، ما تتوصل تونس إلى اتفاق رسمي مع صندوق النقد الدولي، يجيز لها تعبئة موارد مالية إضافية من المؤسسات المالية العالمية، وفي إطار التعاون الثنائي بين الدول.

* سفيان المهداوي 

في ظل "أزمة" قرض الصندوق تونس تقترض 233 مليون دولار لتأمين أمنها الغذائي والطاقي

* خسائر بأكثر من 5 مليار دينار تضاف الى ميزانية الدولة لسنة 2022!

تونس- الصباح

أعلنت وزارة الاقتصاد والتخطيط، أول أمس، إن بنك الاستثمار الأوروبي وافق على قرض لتونس قيمته 220 مليون يورو (233 مليون دولار) بينها 150 مليون يورو مساعدات عاجلة للأمن الغذائي، وقرابة 74 مليون دولار لتعزيز الأمن الطاقي في البلاد، وذلك ضمن مساعي الدولة الهادفة لتامين حاجياتها من الغذاء والطاقة، في ظل الغموض الذي يرافق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض يناهز 2 مليار دولار.

وتعاني تونس منذ ظهور جائحة "كورونا"، وتعطل سلاسل التوريد بسبب الحرب شرق أوروبا، من أزمة مالية طاحنة نجم عنها نقص في العديد من السلع الغذائية الأساسية في الأسابيع القليلة الماضية.

وقال وزير الفلاحة محمود إلياس حمزة، في تصريحات إعلامية، إن القرض سيساعد البلاد على تأمين إمدادات منتظمة من القمح اللين.

وفي سياق الأزمة التضخمية التي أدت إلى تآكل القوة الشرائية للسكان، أبرمت تونس اتفاقية تمويل مع بنك الاستثمار الأوروبي، بهدف الحد من صعوبات الإمداد الغذائي، وتحسين توزيع الكهرباء في الدولة.

تعزيز الأمن الغذائي لتونس

وسيخصص الجزء الأكبر من هذا التمويل، والذي يبلغ حوالي 159 مليون دولار أمريكي، لتعزيز الأمن الغذائي للبلاد. وسيمكن ديوان الحبوب من تعزيز قدراته على توريد القمح اللين، فضلاً عن الرفع في القدرات اللوجستية لتونس في تخزين الحبوب.

وبحسب الحكومة، فإن هذا القرض جزء من برنامج الدعم الطارئ للأمن الغذائي في تونس. وسيساعد في تطوير قطاع المحاصيل الصالحة للزراعة، وتحديث التجهيزات الفلاحية.

أما الجزء الثاني وقيمته 74 مليون دولار فسيخصص للشركة التونسية للكهرباء والغاز، ويهدف إلى تعزيز برنامج الشركة التونسية للكهرباء والغاز لتطوير بنيتها التحتية الأساسية المرتبطة بتوسيع شبكة نقل وتوزيع الكهرباء. ويأتي هذا التمويل في سياق اقتصادي متوتر بالنسبة لتونس، التي كانت تحاول منذ عدة سنوات الخروج من أزمة تضخمت الآن بسبب ارتفاع أسعار السلع على نطاق عالمي.

وتأمل السلطات في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي امتدت لعدة أشهر، في الاستفادة من تمويل يقارب 2 مليار دولار أمريكي يهدف إلى استعادة الاستقرار الخارجي والمتعلق بالميزانية في البلاد، لتعزيز الحماية الاجتماعية، مع تعزيز القوة والاستدامة والشمول، وكذلك القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، إلا أن تواصل تأجيل ملف تونس، والحديث عن سحب الملف من جلسة التداول يطرح العديد من الاستفسارات حول البدائل التي يمكن اعتمادها، في ظل شح للسيولة المالية، وتراجع مخزون البلاد من العملة الصعبة ليصل إلى مستويات تبعث على القلق، أي حوالي 95 يوم توريد، مقارنة بحوالي 124 يوم توريد خلال نفس الفترة من العام الماضي.

الأسعار في نسق تصاعدي

وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 13٪ على مدار عام واحد، وتعزى هذه الزيادة بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار الدواجن بنسبة 27.4٪ والبيض بنسبة 25٪ وزيوت الطعام بنسبة 21.8٪ والفواكه الطازجة بنسبة 18.2٪ ، والسلع والخدمات المصنعة على مدار عام ، بنسبة 9.4٪ نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة 10.4٪ ، ومنتجات الملابس بنسبة 10٪ ، ومنتجات الصيانة الروتينية المنزلية بنسبة 9.1٪. وبالنسبة للخدمات، تفسر زيادة الأسعار بنسبة 6.1٪ على أساس سنوي من خلال زيادة بنسبة 9.2٪ في أسعار خدمات المطاعم والمقاهي والفنادق. كما ارتفعت أسعار المنتجات المجانية (غير الخاضعة للرقابة) بنسبة 10.4٪ خلال عام واحد، وارتفعت أسعار المنتجات الخاضعة للرقابة بنسبة 5.2٪، في حين ارتفعت المنتجات الغذائية المجانية بنسبة 15.4٪ مقابل 0.5٪ للمنتجات الغذائية بالأسعار المنظمة.

تحذيرات من تعمق الأزمة

وكان صندوق النقد الدولي قد حذر في تقرير مطول، من ارتفاع وشيك في أسعار السلع والمواد الغذائية خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع ظهور بعض مؤشرات تؤكد ارتفاع معدلات التضخم. وفيما تشير أحدث البيانات إلى انخفاض في تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية على مستوى العالم، ارتفعت في تونس بشكل "جنوني" خلال شهر واحد فقط، في حين من المتوقع أن يواجه المستهلكون على مستوى العالم موجة جديدة من ارتفاعات الأسعار مثلما حدث خلال العام الماضي، حين ارتفعت الأسعار في النهاية مرة أخرى.

وأشار التقرير إلى ارتفاع أسعار الشحن البحري وفقاً لمؤشر مقياس لتكاليف الشحن بنحو اثنتين إلى ثلاث مرات خلال الأشهر الـ12 الماضية. بينما أدى ارتفاع أسعار البنزين إلى ارتفاع تكلفة خدمات النقل البري. وسيؤدي ارتفاع تكاليف النقل في نهاية المطاف إلى زيادة تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية.

ورغم تطمينات المسؤولين بتوفر المواد الغذائية الأساسية، فإن أسعارها مازالت في ارتفاع، وبدأت انعكاساتها تظهر على جميع الدول منذ بداية العام الحالي، وارتفعت حدتها في الآونة الأخيرة، ما يستدعي في تونس اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمنع انفلات الأسعار، والتي تعد الخطر الأول لتسارع معدلات التضخم.

تدهور لافت في القدرة الشرائية

وفي تقرير حديث لمعهد الدراسات الإستراتيجية، أشار إلى أن "تونس شهدت خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2022 تدهورا واضحا للمقدرة الشرائية للفرد، مع تسجيل الميزان الغذائي لمؤشرات سلبية ازدادت حدتها بفعل الحرب في أوكرانيا". وحذر المعهد التونسي من خطورة الحرب شرق أوروبا، على الأمن الغذائي بالبلاد، مشيرا إلى "ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، لتجنب استفحال الأزمة التي توشك على الانفجار خلال النصف الثاني من العام الجاري والأشهر الأولى من عام 2023".

وأزاح تقرير المعهد النقاب عن حقيقة الوضع الغذائي في البلاد، لافتا إلى أن الوضع العالمي يهدد الأمن الغذائي للتونسيين، داعيا إلى مقاربات عاجلة للحد من انعكاسات الأزمة الاقتصادية الدولية على الأمن الغذائي للتونسيين، كما جدد خبراء الاقتصاد عقب التقرير الدعوة العاجلة إلى الانخراط في مبادرات لتقليص تداعيات أزمة ارتفاع الأسعار، والعمل على إشراك الفلاحين ومختلف الفاعلين في مجالات الزراعة في خطة وطنية، تهدف إلى التخفيف من حدة انعكاسات الأزمة على الوضع الغذائي.

مخزوننا لا يكفي شهرا من الاستهلاك

وتشير دراسة إستراتيجية حول الأمن الغذائي قدمها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع البرنامج الغذائي العالمي أن تونس احتلت المرتبة 53 من بين 113 دولة من حيث مؤشر الأمن الغذائي، وهي مرتبة متأخرة قياسا بإمكانيات تونس في المجال الفلاحي المهدورة وغير المستغلة (350 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية غير المستغلة بسبب النزاعات القانونية و100 ألف هكتار من أراضي أحباس و65 ألف هكتار أراضي دولية مستغلة بطرق غير شرعية..).

وأشارت الدراسة انه إذا ما تواصل التغافل أكثر على الملفات الحقيقية ومن بينها القطاع الفلاحي ووضع الفلاح والصعوبات التي تواجهه من تدنى لأسعار الإنتاج مقابل ارتفاع التكلفة وضعف قدرات التخزين وصعوبات التوزيع ومعضلة التهريب التي تهدد مجالات حيوية كالثروة الحيوانية، فإن بلادنا ستجد نفسها في وضع محرج وسيكلف ذلك أموالا طائلة لتوريد احتياجاتها، علما وأن الإنتاج الوطني من القمح اللين اقل من شهر استهلاك محلي، ويتم توريد 11 شهرا، فيما يغطي الشعير استهلاك قرابة 4 أشهر ويتم اللجوء للتوريد لتغطية النقص في باقي الأشهر، ويقدر حجم الواردات سنويا بـ 1.2 مليار دينار، فيما تؤكد الأرقام الرسمية أن المخزون الاستراتيجي للحبوب في تونس يقدر من 2 إلى 3 أشهر فقط.

تحذيرات جدية بخطورة المرحلة القادمة

ونبه عدد من خبراء الاقتصاد والمسؤولين بالدولة خلال النسخة 36 من أيام المؤسسة، المنعقدة الأسبوع الماضي، إلى خطورة الأوضاع الاقتصادية في العالم، وخاصة في حال تأخر حصول تونس على قرض من صندوق النقد الدولي، حيث أن جزءا كبيرا من حاجيات تونس من مادة القمح يتم إلى حد الآن تأمينه ضمن قروض ثنائية مع مؤسسات مالية مانحة، حيث تلجأ الدولة إلى الاقتراض لتامين مخزونها من القمح لبضعة أشهر، وهو ما يكلف ضغوطا مالية خارجية تسددها الدولة مضاعفة من سنة إلى أخرى، ما يعيق عمليات الإصلاح، وأيضا الاستثمار، ويستنزف من قدرات البلاد المالية.

ووفق ما أعلن عنه محافظ البنك المركزي، في آخر ظهور إعلامي له، فإن تونس تكبدت خسائر كبيرة بأكثر من 5 مليار دينار جراء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وجائحة كورونا، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات وتكاليف الشحن العالمية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الحبوب، وجل المواد الأولية، داعيا إلى ضرورة تكثيف الجهود لخلق الثروة، واستغلال جميع الفرص المتاحة التي من شانها أن تعزز القدرة المالية للدولة، معتبرا أن قرض صندوق النقد الدولي، وان تم، لا يكفي لتامين حاجيات تونس الطاقية والغذائية، في ظل ارتفاع كبير لمعدلات التضخم عالميا.

ويلف اليوم الغموض، حول قدرة تونس مستقبلا على تامين أمنها الغذائي والطاقي، خصوصا وان هامش التحرك يعد محدودا، ما تتوصل تونس إلى اتفاق رسمي مع صندوق النقد الدولي، يجيز لها تعبئة موارد مالية إضافية من المؤسسات المالية العالمية، وفي إطار التعاون الثنائي بين الدول.

* سفيان المهداوي