تبدو الحياة التشكيلية في تونس صامتة، باهتة وخالية من المتابعات الجادة سواء كان ذلك من طرف أهل القرار أو من خلال اهتمام الجماهير.. بل تبدو للمراقب الخارجي عنصرا غائبا في الواقع الثقافي رغم أنها شهدت ظهور مدارس ومؤسسات فنية قبل العديد من البلدان العربية.. بل كانت مؤثرة في تجارب فنية اوروبية رائدة..
وما من شك أن عدم استقرار الحال وظهور الكثير من النقائص والعوائق التي طالت الأروقة والفنانين التشكيليين على حد السواء يرجع بالأساس إلى الكثير من الأسباب على غرار ندرة النصوص النقدية التي كانت وراء الفجوة القائمة بين الفنان والمتلقي جماليا وماديا طيلة عقود.. كذلك عدم ظهور برامج إذاعية أو تلفزية يؤمنها مختصون في المجال كي تعم الفائدة ويستشعر المتلقي مدى أهمية الفن التشكيلي من حيث الارتقاء بالذائقة.. فضلا عن غياب استراتيجية واضحة لضمان حقوق الفنانين وإرغامهم على الرضوخ لقرارات لجنة الشراءات.. اللجنة المتهمة بالمحاباة وعدم الإنصاف...
"الصباح" اتصلت بثلة من الفنانين التشكيلين وأصحاب اروقة للاستفسار حول مشاكل القطاع وكيفية النهوض به.. فكان التحقيق التالي:
إعداد:وليد عبداللاوي
علي الزنايدي لـ"الصباح": المتحف الحالي هو عبارة عن متحف زائفلأن مقوماته لا تتوافق مع الموجود
في حديث حول لجنة الشراءات بين الفنان التشكيلي علي الزنايدي أنه من غير المعقول ضخ مليار و800 مليون لفائدة لجنة لشراء "الغث والسمين" لتترك جل الأعمال الفنية في المتحف دون ان تحصل الإفادة.ليضيف: "نحن كتشكيليين ندرك جيدا أن علاقات المحاباة والعلاقات العائلية والمحسوبية مكرسة لدى اللجنة.. كما أنه ليس من الضروري شراء لوحات ليست في المستوى ولرسامين مبتدئين.. ذلك أن السؤال الذي يطرح نفسه: لم لا يقع دعم الفنان من خلال إثراء ورشته وتمكينه من أدوات عمل أو منحه اقامة للاطلاع على متاحف خارج البلاد... خاصة وأن اللجنة في غالب الأحيان تشتري لوحات بآلاف الدنانير.. ممارسات أرى أنها مغالطة بدليل أن أصحابها حين تضيق بهم السبل المادية يبيعون لوحاتهم بأبخس الأثمان..
في ذات السياق اقترح محدثنا علي الزنايدي إنهاء الغاء لجنة الشراءات نهائيا وتكوين لجنة كل ستة أشهر مهمتها الدعم من خلال شراء مقتنيات لصالح فنان تشكيلي "غير متوفر" أو فنان ظُلم انتهكت حقوقه .. الى جانب محاورة فنانين شبان وبسط مقترحاتهم وكل رأي يهم القطاع.. ثم ليس ضروريا أن يعرض اي فنان في اروقة الفنون التشكيلية، باستطاعته عرض أعماله في أي مكان يريد...
من جهة أخرى وفي إطار الحديث على العدد المهول من اللوحات الموجودة منذ نهاية القرن العشرين الى الوقت الراهن أكد الزنايدي أنه لا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام 13000 لوحة موجودة في المتحفخاصة وأنه يتم شراء كل سنة قرابة 2000 لوحة.. فضلا عن تنظيم اتحاد الفنون التشكيلية لستة أوسبعة معارض سنويا..
أما الأدهى والأمر فإن الاجر الادنى المضمون" السميغ "400 د في حين يتجاوز ثمن العديد من اللوحات 10000د!!
تونس تفتقر إلى متحف
وأنا شخصيا بما أنني في قطاع الفنون التشكيلية منذ نصف قرن حاولت مع الكثير من وزراء الثقافة إنشاء متحف ولم يمتثلوا وماهو موجود الآن هو شبه متحف في ظل عدم وجود مرمم ولا "أرشيفيست" ولا "كونسرفاتور".. ثم إن المكلفين لا يفقهون معنى الفن (sens de l'art) .. وكان المفترض أن يدشن سنة 2017 والتيكاد مؤخرا حالت دون انطلاقه.. ومن المؤسف حقا أن تونس باستثناء بلدان العالم تفتقر إلى متحف فنون تشكيلية.. حتى بورونديا أنشأت متحفا!
تونس تفتقر إلى متحف لأن الحكومة ووزارة الثقافة غير مهتمتين بالفنون التشكيلية.. تدعمان الرقص والمسرح والغناء والسينما والمهرجانات التي تضخ في خزائنها ملايين الدنانير .. لأنها أساليب ناجحة من حيث الإلهاء وشد انتباه الجمهور عكس معارض الفنون التشكيلية "الصامتة" والتي تشكو من عملية الترويج في التلفزة.. ولئن يقع من حين إلى آخر استدعاء فنان فغالبا ما تكون الأسئلة أمية تعكس بالضرورة مدى أهمية القطاع من عدمها..
السؤال المحوري بالنسبة لي هو : "أحنا الفن حاجتنا بيه وإلا لا.. أحنا حاجتنا بحرفيين باهين.."طبعا لا في ظل وجود 13 معهدا عاليا وعشرات الدكاترة سنويا.. كما يجب الانتباه وإيقاف نزيف الاستيراد من تركيا والصين لأنه أضر بالمبدع التونسي وبمسار العمل الفني..
متاحف جهوية
من مظاهر الإشكاليات الاخرى التي تطال الفنون التشكيلية في تونس هو أن بلادنا تنقصها المتاحف الجهوية .. حتى المتاحف الأثرية الكثير منها أغلق أو سُرق .. "تونس في انهيار تام.. التراث والموروث الحضاري يطلق صيحة فزع وينشد "وقفة رجل واحد" .. ذلك أنه لا يوجد وزراء أكفاء همهم مستقبل البلاد "يمشي وزير ويجي وزير" ودار لقمان على حالها.. لماذا لا يتم إنشاء نواد بالتنسيق مع وزارة التربية.. أين نوادي الفن مثلما كان في حمام الانف مع الحبيب شبيل وغيره ..
ما نشهده الآن وباختصار هو انهيار الفكر.. المعرفة.. والقيم.. إذن ماذا ننتظر من بلد يعيش وضعا متأزما؟ من المؤكد أن واقعنا سينعكس على الفن.. "وقتها يقلك آشنعملو بيه؟!" ..
ولا أخفيك اني توليت منصب إدارة الفنون التشكيلية في التسعينات لكن سرعان ما انسحبت لأني لاحظت ان الكثير من الاموال تصرف في مسائل فيها الكثير من المحاباة كان بالأحرى أن يقع بواسطتها دعم المسائل التي من شأنها أن تضفي نفسا جديدا في قطاع الفنون التشكيلية وتؤسس لبرنامج معاصر.
محمد العايب للصباح: فتور العلاقات مع الديبلوماسيين ومع الأجانب المهتمين بالمشهد الثقافي ومع الإعلام عمق الأزمة
صاحب فضاء "عين" بالضاحية الشمالية محمد العايب، وفي إطار الحديث عن الإشكاليات التي يتعرض إليها قطاع الفن التشكيلي أكد غياب دمج التلاميذ في النشاط الثقافي وهي مسألة تتطلب المراجعة والتمحيص بالتنسيق مع وزارة التربية ووزارة الثقافة لأنه من غير المعقول أن "لا يزور التلاميذ الفضاءات مرة على الاقل خلال شهر أو شهرين.." كما يقترح الفنان الفوتوغرافي محمد العايب الدخول مجانا إلى أن يتم استرجاع النوادي في المعاهد مثلما كان الأمر بالنسبة للشبيبة المدرسية سابقا سواء من خلال تأطير الأساتذة أو أصحاب شهائد جامعية واختصاصات متنوعة عاطلين عن العمل.. محدثنا يرى أن هذا المقترح من شأنه أن يثري مجال التعليم في تونس وتصبح الفنون عامة قريبة من مخيلة التلميذ وذائقته "وهذا هام جدا"..
أما بالنسبة للطلبة خريجي معاهد الفنون الجميلة يقول صاحب عين " فلا حدث ولا حرج .. إذ من غير المعقول ألا يكونوا ميدانيين لأن محاورة فنان بإحدى المعارض على عين المكان والاطلاع على أهم الاعمال والتقنيات المستعملة في اعتقادي هام وهام جدا بل كفيل بأن يساهم في اتساع السوق وتتطور حاجيات الزائرين، لا أن يؤبن الفنان التشكيلي بنص بعد وفاته.. على غرار الفنان عمار، السهيلي، القرجي..
ما ينقصنا في القطاع حسب محمد العايب "جمهور يحس" .. ما يتطلب التأسيس والتكوين للحس الفني لأنه لا يمكن أن يكون تلقائيا..
معارض إلكترونية؟
وعن عزوف الكثيرين عن زيارة فضاءات الفن التشكيلي واعتماد المعارض الالكترونية سواء كان ذلك من طرف فنانين أو أصحاب معارض للربح المادي فحسب، استنكر الفنان محمد العايب ذلك لأن لقاء الفنان المباشر مع الجمهور يبقى الأساس وإلا سيصبح القطاع عبارة عنصناعة وهم الفنان الوحيد هو الماديات .. ذلك أن الثقافة حسب محدثنا لا تكمن في مثل هكذا ممارسات ثم "إن الفنان المحترم لا يمكن أن يكون خلف الكاميرا بل يجب أن يواجه الجمهور ويتحدث معه"..
وفي سؤالنا عن وضعية الفنون التشكيلية عامة اليوم بعيدا عن كل المقترحات السالف ذكرها كطريق لإنقاذ القطاع نوه محدثنا الى "أننا اصبحنا نعيش حالة "صمود أكثر منه عمل ومردودية" لكني أقول : يجب أن نقاوم كي نبقى".
للأسف قبل 14جانفي كانت لنا علاقات وطيدة مع الديبلوماسية ومع الأجانب المهتمين بالمشهد الثقافي فضلا عن التغطية الاعلامية الملازمة لكل العروض..
اما اليوم وفي ظل عدم الاستقرار السياسي من المرجح أن يستمر الوضع على ما عليه لسنوات أخرى.. والأجيال الصاعدة هي الضحية الأولى جراء الاستهتار وعدم الاكتراث بما آلت اليه الساحة الثقافية..
ويواصل محدثنا قائلا: الفنون التشكيلية والفنون عامة يجب أن تبرمج بدءا من التعليم الأساسي إلى الباكالوريا.. الغاية ليس أن يصبح التلميذ فنانا أو رساما بل الهدف من ذلك تأثير الموسيقى والمسرح وغيرها من الفنون على تكوين ونفسية المتلقي.. وهو ما يجب أن يدركه البيداغوجيون اليوم لأن المهندس والاستاذ والقاضي في غياب الموهبة" la passion"من الصعب أن يكون شخصا متزنا وأن يصبح صالحا في المجتمع...
الفنان التشكيلي عباس بوخبزة للصباح:آلاف اللوحات موجودة في المتحف.. ألأنها تستحق ان تكون هناك أم لأن الدولة هي من اشترت الأعمال؟!!
في مستهل حديثه بين الفنان التشكيلي عباس بوخبزة أن تونس تفتقر إلى سوق ومقايسس علميةبمعنى "انك لا تستطيع أن تميز بين أعمال المبدعين أو دونهم من حيث القيمة الفنية والمادية لا سيما أن السوق التونسية ليس لها أثر في السوق العالمية وأسوق لك مثال في ذات السياق: اشتريت لوحات في ساندريو بباريس أغلى لوحة ب900 اورو بينما في تونس ثمن اللوحات باهظ جدا.
في تونس من اقتنت منه لجنة الشراءات ستودع أعماله في المتحف والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: آلاف اللوحات موجودة في المتحف. ألأنها تستحق ان تكون هناك أو لأن الدولة هي من اشترت الأعمال؟
كما نوّه محدثنا إلى إشكال آخر وهو الحالة الاجتماعية "للفنان التشكيلي والتي تختلف عن نظيره بأوروبا.. "في فرنسا مثلا تستطيع أن تتمتع بالتغطية الاجتماعيةعكس تونس أين يجبر الفنان على بيع أعماله بأثمان لا تتوافق والقيمة الفنية كي يستطيع أن يكابد مصاريفه اليومية"..
الإشكال الآخر حسب عباس بوخبزة هو أن الفنان التشكيلي عامة في تونس لا يتبنى مشروعا على المدى الطويل.. لا يتبنى الطريقة المثلى لإنجاز أعمال فنية راقية وفي نفس الوقت تستجيب لمتطلبات مختلف الأسواق ف "من يسعى مثلا لإنجاز أغنية ينعتها بالتجارية.. نقول له غير صحيح وتوصيفك خاطئ ذلك أن أغاني أم كلثوم وعبد الحليم على سبيل المثال كانت تجارية وظلت خالدة إلى يوم الناس هذا و"حديثنا قياس" في ما يخص الفن التشكيلي.. "
في نفس السياق وفي إطار الحديث عن العوائق التي تطال هذا الفن تمت الاشارة إلى ندرة المختصين في النقد الفني لأننا لم نشهد تصالحا مع الأجيال، الأمر الذي تسبب في تغلغل الانانية التي حالت دون تأطير وإعانة فنانين موهوبين من طرف تشكيليين مشهورين وأصحاب تجارب ثرية..ويضيف عباس بوخبزة قائلا: "بالنسبة لي أرى أنه كان من الأجدر أن تبرمج مادة الفنون الجميلة قبل الباكالوريا..والقطع مع إسناد بطاقة الاحتراف واعتبار ان الموهبة هي الأساس.. ذلك أنني شخصياعصامي التكوين لكن كانت لي تجارب مهمة مع أكبر الرسامين بفرنسا لأن أحدهم اكتشف موهبتي ودعمني.. الأمر يختلف عن واقعنا في ظل الأكادميات السائدة والني "لا تغني ولا تسمن جوع".. ثم لا ننسى أن أغلبية الفضاءات في تونس لها نزعة تجارية، النجاح بالنسبة لأصحابها يتعلق بنسبة المبيعات.."
وهو ما جعل الكثير منهم ينساق وراء المعارض الإلكترونية لربح الأموال عن بعدوبأقل مجهود.. عباس بوخبزة كان له رأي في هذه المسألة قائلا: " يجب أن تعاش الثقافة في الواقع لا في العالم الافتراضي "لانو الشيخة" حين تتحدث مع الرسام وتتأمل في مختلف الأعمال.. نفس الشيء بالنسبة لأي عمل فني سواء كان مسرحا أو سينما..
كذلك عدم مساهمة رجال الأعمال مثل برنار فيلو في فرنسا اوالشركات الوطنية الكبرى على غرار الشركات المختصة في صنع السيارات بألمانيا في دعم الفضاءات والتأسيس لصناعة الفنون..
الفنانة التشكيلية جميلة عاشور صباح:الإدارة التونسية هي المسؤولة عن تأخير خلاص التشكيليين وليس لجنة الشراءات
عن إشكالية انتظار تشكيليين - ينشطون داخل فضاءات خاصة- خلاص مستحقاتهم المالية، بينت الفنانة جميلة عاشور(صاحبة رواق) أن العقلية السائدة والمهيمنة على القطاع هي عقلية إدارية متخلفة ومريضة قائمة على ما اسمته ب "التمهطيل"، مثل الإدارات التونسية.. ذلك ان مدة الانتظار وصلت مؤخرا الى قرابة سنة كاملة دون مستحقات ".. ليجد التشكيلي نفسه أمام عوائق مادية وإحباط ملازم جراء لامبالاة وزارة المالية ووزارة الثقافة، مما يحول دون التفكير في مشاريع فنية بصفة منتظمة وإنتاج أعمال أخرى..
وفي سؤالنا عن نقائص القطاع، دور لجنة الشراءات في دعم الفنانين وهل أنها تعتمد المحاباة عند اقتناء اللوحات، قالت محدثتنا: " هذه اللجنة المتكونة من اثني عشر عنصرا ( الثقافة، المالية، الرابطة..) تقريبا لا علاقة لها بالمشاكل القائمة وفي غنى عن دور وزارتي المالية والثقافة، لا سيما أنها تتشكل كل ستة أشهر مهمتها تقتصر على شراء لوحات ثم ضمها إلى المتحف..
ذلك ان المقاييس المعتمدة في اقتناء اللوحات عادة ما تأخذ بعين الاعتبار مواطن الجمال في العمل من حيث تناسق الألوان والموضوع المطروح فضلا عن قيمتها الفنية التي تخول لها أن تصبح رمزا ثمينا في تاريخ الفن التشكيلي التونسي"...
لتضيف في ذات السياق: " إن كان العيب في لجنة الشراءات وان هناك انتقادات لاذعة تطالها، عن أي لجنة سنسلط الضوء والحال أنها تتغير باستمرار؟!..ثم إنها مقيدة بميزانية محدودة للغاية (قرابة مليون دينار) وهو مبلغ غير كاف لإرضاء جميع التشكيليين".. لا سيما أن القطاع يضم قرابة 10500 عمل فني متفاوتة من حيث القيمة الفنية..
أما فيما يخص المنصات الالكترونية وإقامة معارض فنية افتراضية وهي سياسة عمل يرغب العديد من التشكيليين انتهاجها للربح المادي والخروج من دائرة الخصاصة وتجاوز عنصر المماطلة، بينت الفنانة جميلة عاشور أن " العديد من وزراء الثقافة كانوا على وشك تفعيل هذا الإجراء لكن تم التراجع عنه باعتبار أن كل اللوحات التي ستعرض في معارض افتراضية هي عبارة عن "سرقة" أعمال من التراث الوطني.. بالنسبة لي لا أرى مانعا من تشجيع المواهب الصاعدة على غرار العديد من البلدان العربية وخاصة في ما يتعلق بالفن المعاصر.. بل سيفتح العديد من الأبواب على أهم المعارض في العالم..
الفنان التشكيلي أمين الشوالي للصباح: الدولة لا تريد انتهاج سبل الوصول الى المتاحف العالمية..
الفنان امين الشوالي صاحب معرض "volupté" والعديد من المعارض الأخرى التي أثثت مسيرة زاخرة طيلة ثلاثة عقود كان لنا معه لقاء للحديث عن مشاكل القطاع وأهم الأفكار التي يمكن أن يدلي بها للنهوض بقطاع مريض على الرغم من أنه يبدو في الظاهر أنه بخير..
بدا محدثنا مستاء وهو يقول: " لجنة الشراءات اشترت مني مرتين فقط.. ولم تزرني في خمسين عرضا.. ما لاحظته خلال الزيارات التي تعد على أصابع اليد أن عناصر اللجنة رغم اختلافهم وتغيير الفريق كل ستة أشهر، غلبت عليهم المحاباة وتبجيل من تجمعهم به علاقة زمالة أو قرابةبدليل أن معرضي الأخير بفضاء كاليستي لم يتصلوا بي بحجة أن أبواب اقتناء اللوحات اغلقت وان الأموال نفدت.. أعتقد أنها ممارسات من أجل الهيمنة والاستفادة من ميزانية هذه اللجنة والحال أنها من المفروض جُعلت من أجل دعم الفنان التشكيلي التونسي وتشجيعه من خلال الاقتناء لفائدة أرشيف الدولة التونسية لا إهانتهم سواء من خلال التأخير في خلاص المستحقات المالية طيلة أشهر أو عدم اقتناء الأعمال.. ثم لسائل أن يسأل لماذا لا يقع خلاص اصحاب الأروقة على حدا ثم خلاص التشكيليين؟! حتى تتضح الرؤية ويعم النظام.."
من جهة أخرى استنكر الفنان أمين الشوالي بشدة طريقة الخلاص والتي في غالب الأحيان "تكون بالتقسيط الممل ما يجعل التشكيلي يشعر بالإهانة والازدراء" مواصلا: اتمنى ان يتم الاستغناء عن لجنة الشراءات واستبدالها بلجنة قارة تتكون من خيرة الفنانين التشكيليين شعارها الانضباط والعدل وعدم المحاباة في عملية الاقتناء.."
اما عن الانفتاح على الاسواق العالمية فقد اقترح أمين الشوالي"ضرورة إنشاء مواقع خاصة بالتشكيليين من طرف وزارة المالية يستطيع الفنان من خلالها تصدير منتوجاته دون الخوض في سياسات عمل بالية قد تقضي على آمال الكثيرين.والمسؤولون على بينة من المداخيل، لا الالتجاء إلى البنك المركزي والتقيد بإجراءات إدارية معقدة.. الغريب هنا أن الدولة لا تريد انتهاج طرق الوصول الى المتاحف العالمية وجني الكثير من الأموال.. والحال أن الكثير من البلدان لديها سوق محلي من خلال الأروقة والفضاءات وسوق خارجية منفتحة على أهم المعارض العالمية.. يعني الأمر ليس "بدعة". ثم إن الفضاءات المحلية بدورها تستطيع أن تخوض تلك التجربة.. وبالتالي ينقص الضغط على وزارة المالية ووزارة الثقافة".
تونس-الصباح
تبدو الحياة التشكيلية في تونس صامتة، باهتة وخالية من المتابعات الجادة سواء كان ذلك من طرف أهل القرار أو من خلال اهتمام الجماهير.. بل تبدو للمراقب الخارجي عنصرا غائبا في الواقع الثقافي رغم أنها شهدت ظهور مدارس ومؤسسات فنية قبل العديد من البلدان العربية.. بل كانت مؤثرة في تجارب فنية اوروبية رائدة..
وما من شك أن عدم استقرار الحال وظهور الكثير من النقائص والعوائق التي طالت الأروقة والفنانين التشكيليين على حد السواء يرجع بالأساس إلى الكثير من الأسباب على غرار ندرة النصوص النقدية التي كانت وراء الفجوة القائمة بين الفنان والمتلقي جماليا وماديا طيلة عقود.. كذلك عدم ظهور برامج إذاعية أو تلفزية يؤمنها مختصون في المجال كي تعم الفائدة ويستشعر المتلقي مدى أهمية الفن التشكيلي من حيث الارتقاء بالذائقة.. فضلا عن غياب استراتيجية واضحة لضمان حقوق الفنانين وإرغامهم على الرضوخ لقرارات لجنة الشراءات.. اللجنة المتهمة بالمحاباة وعدم الإنصاف...
"الصباح" اتصلت بثلة من الفنانين التشكيلين وأصحاب اروقة للاستفسار حول مشاكل القطاع وكيفية النهوض به.. فكان التحقيق التالي:
إعداد:وليد عبداللاوي
علي الزنايدي لـ"الصباح": المتحف الحالي هو عبارة عن متحف زائفلأن مقوماته لا تتوافق مع الموجود
في حديث حول لجنة الشراءات بين الفنان التشكيلي علي الزنايدي أنه من غير المعقول ضخ مليار و800 مليون لفائدة لجنة لشراء "الغث والسمين" لتترك جل الأعمال الفنية في المتحف دون ان تحصل الإفادة.ليضيف: "نحن كتشكيليين ندرك جيدا أن علاقات المحاباة والعلاقات العائلية والمحسوبية مكرسة لدى اللجنة.. كما أنه ليس من الضروري شراء لوحات ليست في المستوى ولرسامين مبتدئين.. ذلك أن السؤال الذي يطرح نفسه: لم لا يقع دعم الفنان من خلال إثراء ورشته وتمكينه من أدوات عمل أو منحه اقامة للاطلاع على متاحف خارج البلاد... خاصة وأن اللجنة في غالب الأحيان تشتري لوحات بآلاف الدنانير.. ممارسات أرى أنها مغالطة بدليل أن أصحابها حين تضيق بهم السبل المادية يبيعون لوحاتهم بأبخس الأثمان..
في ذات السياق اقترح محدثنا علي الزنايدي إنهاء الغاء لجنة الشراءات نهائيا وتكوين لجنة كل ستة أشهر مهمتها الدعم من خلال شراء مقتنيات لصالح فنان تشكيلي "غير متوفر" أو فنان ظُلم انتهكت حقوقه .. الى جانب محاورة فنانين شبان وبسط مقترحاتهم وكل رأي يهم القطاع.. ثم ليس ضروريا أن يعرض اي فنان في اروقة الفنون التشكيلية، باستطاعته عرض أعماله في أي مكان يريد...
من جهة أخرى وفي إطار الحديث على العدد المهول من اللوحات الموجودة منذ نهاية القرن العشرين الى الوقت الراهن أكد الزنايدي أنه لا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام 13000 لوحة موجودة في المتحفخاصة وأنه يتم شراء كل سنة قرابة 2000 لوحة.. فضلا عن تنظيم اتحاد الفنون التشكيلية لستة أوسبعة معارض سنويا..
أما الأدهى والأمر فإن الاجر الادنى المضمون" السميغ "400 د في حين يتجاوز ثمن العديد من اللوحات 10000د!!
تونس تفتقر إلى متحف
وأنا شخصيا بما أنني في قطاع الفنون التشكيلية منذ نصف قرن حاولت مع الكثير من وزراء الثقافة إنشاء متحف ولم يمتثلوا وماهو موجود الآن هو شبه متحف في ظل عدم وجود مرمم ولا "أرشيفيست" ولا "كونسرفاتور".. ثم إن المكلفين لا يفقهون معنى الفن (sens de l'art) .. وكان المفترض أن يدشن سنة 2017 والتيكاد مؤخرا حالت دون انطلاقه.. ومن المؤسف حقا أن تونس باستثناء بلدان العالم تفتقر إلى متحف فنون تشكيلية.. حتى بورونديا أنشأت متحفا!
تونس تفتقر إلى متحف لأن الحكومة ووزارة الثقافة غير مهتمتين بالفنون التشكيلية.. تدعمان الرقص والمسرح والغناء والسينما والمهرجانات التي تضخ في خزائنها ملايين الدنانير .. لأنها أساليب ناجحة من حيث الإلهاء وشد انتباه الجمهور عكس معارض الفنون التشكيلية "الصامتة" والتي تشكو من عملية الترويج في التلفزة.. ولئن يقع من حين إلى آخر استدعاء فنان فغالبا ما تكون الأسئلة أمية تعكس بالضرورة مدى أهمية القطاع من عدمها..
السؤال المحوري بالنسبة لي هو : "أحنا الفن حاجتنا بيه وإلا لا.. أحنا حاجتنا بحرفيين باهين.."طبعا لا في ظل وجود 13 معهدا عاليا وعشرات الدكاترة سنويا.. كما يجب الانتباه وإيقاف نزيف الاستيراد من تركيا والصين لأنه أضر بالمبدع التونسي وبمسار العمل الفني..
متاحف جهوية
من مظاهر الإشكاليات الاخرى التي تطال الفنون التشكيلية في تونس هو أن بلادنا تنقصها المتاحف الجهوية .. حتى المتاحف الأثرية الكثير منها أغلق أو سُرق .. "تونس في انهيار تام.. التراث والموروث الحضاري يطلق صيحة فزع وينشد "وقفة رجل واحد" .. ذلك أنه لا يوجد وزراء أكفاء همهم مستقبل البلاد "يمشي وزير ويجي وزير" ودار لقمان على حالها.. لماذا لا يتم إنشاء نواد بالتنسيق مع وزارة التربية.. أين نوادي الفن مثلما كان في حمام الانف مع الحبيب شبيل وغيره ..
ما نشهده الآن وباختصار هو انهيار الفكر.. المعرفة.. والقيم.. إذن ماذا ننتظر من بلد يعيش وضعا متأزما؟ من المؤكد أن واقعنا سينعكس على الفن.. "وقتها يقلك آشنعملو بيه؟!" ..
ولا أخفيك اني توليت منصب إدارة الفنون التشكيلية في التسعينات لكن سرعان ما انسحبت لأني لاحظت ان الكثير من الاموال تصرف في مسائل فيها الكثير من المحاباة كان بالأحرى أن يقع بواسطتها دعم المسائل التي من شأنها أن تضفي نفسا جديدا في قطاع الفنون التشكيلية وتؤسس لبرنامج معاصر.
محمد العايب للصباح: فتور العلاقات مع الديبلوماسيين ومع الأجانب المهتمين بالمشهد الثقافي ومع الإعلام عمق الأزمة
صاحب فضاء "عين" بالضاحية الشمالية محمد العايب، وفي إطار الحديث عن الإشكاليات التي يتعرض إليها قطاع الفن التشكيلي أكد غياب دمج التلاميذ في النشاط الثقافي وهي مسألة تتطلب المراجعة والتمحيص بالتنسيق مع وزارة التربية ووزارة الثقافة لأنه من غير المعقول أن "لا يزور التلاميذ الفضاءات مرة على الاقل خلال شهر أو شهرين.." كما يقترح الفنان الفوتوغرافي محمد العايب الدخول مجانا إلى أن يتم استرجاع النوادي في المعاهد مثلما كان الأمر بالنسبة للشبيبة المدرسية سابقا سواء من خلال تأطير الأساتذة أو أصحاب شهائد جامعية واختصاصات متنوعة عاطلين عن العمل.. محدثنا يرى أن هذا المقترح من شأنه أن يثري مجال التعليم في تونس وتصبح الفنون عامة قريبة من مخيلة التلميذ وذائقته "وهذا هام جدا"..
أما بالنسبة للطلبة خريجي معاهد الفنون الجميلة يقول صاحب عين " فلا حدث ولا حرج .. إذ من غير المعقول ألا يكونوا ميدانيين لأن محاورة فنان بإحدى المعارض على عين المكان والاطلاع على أهم الاعمال والتقنيات المستعملة في اعتقادي هام وهام جدا بل كفيل بأن يساهم في اتساع السوق وتتطور حاجيات الزائرين، لا أن يؤبن الفنان التشكيلي بنص بعد وفاته.. على غرار الفنان عمار، السهيلي، القرجي..
ما ينقصنا في القطاع حسب محمد العايب "جمهور يحس" .. ما يتطلب التأسيس والتكوين للحس الفني لأنه لا يمكن أن يكون تلقائيا..
معارض إلكترونية؟
وعن عزوف الكثيرين عن زيارة فضاءات الفن التشكيلي واعتماد المعارض الالكترونية سواء كان ذلك من طرف فنانين أو أصحاب معارض للربح المادي فحسب، استنكر الفنان محمد العايب ذلك لأن لقاء الفنان المباشر مع الجمهور يبقى الأساس وإلا سيصبح القطاع عبارة عنصناعة وهم الفنان الوحيد هو الماديات .. ذلك أن الثقافة حسب محدثنا لا تكمن في مثل هكذا ممارسات ثم "إن الفنان المحترم لا يمكن أن يكون خلف الكاميرا بل يجب أن يواجه الجمهور ويتحدث معه"..
وفي سؤالنا عن وضعية الفنون التشكيلية عامة اليوم بعيدا عن كل المقترحات السالف ذكرها كطريق لإنقاذ القطاع نوه محدثنا الى "أننا اصبحنا نعيش حالة "صمود أكثر منه عمل ومردودية" لكني أقول : يجب أن نقاوم كي نبقى".
للأسف قبل 14جانفي كانت لنا علاقات وطيدة مع الديبلوماسية ومع الأجانب المهتمين بالمشهد الثقافي فضلا عن التغطية الاعلامية الملازمة لكل العروض..
اما اليوم وفي ظل عدم الاستقرار السياسي من المرجح أن يستمر الوضع على ما عليه لسنوات أخرى.. والأجيال الصاعدة هي الضحية الأولى جراء الاستهتار وعدم الاكتراث بما آلت اليه الساحة الثقافية..
ويواصل محدثنا قائلا: الفنون التشكيلية والفنون عامة يجب أن تبرمج بدءا من التعليم الأساسي إلى الباكالوريا.. الغاية ليس أن يصبح التلميذ فنانا أو رساما بل الهدف من ذلك تأثير الموسيقى والمسرح وغيرها من الفنون على تكوين ونفسية المتلقي.. وهو ما يجب أن يدركه البيداغوجيون اليوم لأن المهندس والاستاذ والقاضي في غياب الموهبة" la passion"من الصعب أن يكون شخصا متزنا وأن يصبح صالحا في المجتمع...
الفنان التشكيلي عباس بوخبزة للصباح:آلاف اللوحات موجودة في المتحف.. ألأنها تستحق ان تكون هناك أم لأن الدولة هي من اشترت الأعمال؟!!
في مستهل حديثه بين الفنان التشكيلي عباس بوخبزة أن تونس تفتقر إلى سوق ومقايسس علميةبمعنى "انك لا تستطيع أن تميز بين أعمال المبدعين أو دونهم من حيث القيمة الفنية والمادية لا سيما أن السوق التونسية ليس لها أثر في السوق العالمية وأسوق لك مثال في ذات السياق: اشتريت لوحات في ساندريو بباريس أغلى لوحة ب900 اورو بينما في تونس ثمن اللوحات باهظ جدا.
في تونس من اقتنت منه لجنة الشراءات ستودع أعماله في المتحف والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: آلاف اللوحات موجودة في المتحف. ألأنها تستحق ان تكون هناك أو لأن الدولة هي من اشترت الأعمال؟
كما نوّه محدثنا إلى إشكال آخر وهو الحالة الاجتماعية "للفنان التشكيلي والتي تختلف عن نظيره بأوروبا.. "في فرنسا مثلا تستطيع أن تتمتع بالتغطية الاجتماعيةعكس تونس أين يجبر الفنان على بيع أعماله بأثمان لا تتوافق والقيمة الفنية كي يستطيع أن يكابد مصاريفه اليومية"..
الإشكال الآخر حسب عباس بوخبزة هو أن الفنان التشكيلي عامة في تونس لا يتبنى مشروعا على المدى الطويل.. لا يتبنى الطريقة المثلى لإنجاز أعمال فنية راقية وفي نفس الوقت تستجيب لمتطلبات مختلف الأسواق ف "من يسعى مثلا لإنجاز أغنية ينعتها بالتجارية.. نقول له غير صحيح وتوصيفك خاطئ ذلك أن أغاني أم كلثوم وعبد الحليم على سبيل المثال كانت تجارية وظلت خالدة إلى يوم الناس هذا و"حديثنا قياس" في ما يخص الفن التشكيلي.. "
في نفس السياق وفي إطار الحديث عن العوائق التي تطال هذا الفن تمت الاشارة إلى ندرة المختصين في النقد الفني لأننا لم نشهد تصالحا مع الأجيال، الأمر الذي تسبب في تغلغل الانانية التي حالت دون تأطير وإعانة فنانين موهوبين من طرف تشكيليين مشهورين وأصحاب تجارب ثرية..ويضيف عباس بوخبزة قائلا: "بالنسبة لي أرى أنه كان من الأجدر أن تبرمج مادة الفنون الجميلة قبل الباكالوريا..والقطع مع إسناد بطاقة الاحتراف واعتبار ان الموهبة هي الأساس.. ذلك أنني شخصياعصامي التكوين لكن كانت لي تجارب مهمة مع أكبر الرسامين بفرنسا لأن أحدهم اكتشف موهبتي ودعمني.. الأمر يختلف عن واقعنا في ظل الأكادميات السائدة والني "لا تغني ولا تسمن جوع".. ثم لا ننسى أن أغلبية الفضاءات في تونس لها نزعة تجارية، النجاح بالنسبة لأصحابها يتعلق بنسبة المبيعات.."
وهو ما جعل الكثير منهم ينساق وراء المعارض الإلكترونية لربح الأموال عن بعدوبأقل مجهود.. عباس بوخبزة كان له رأي في هذه المسألة قائلا: " يجب أن تعاش الثقافة في الواقع لا في العالم الافتراضي "لانو الشيخة" حين تتحدث مع الرسام وتتأمل في مختلف الأعمال.. نفس الشيء بالنسبة لأي عمل فني سواء كان مسرحا أو سينما..
كذلك عدم مساهمة رجال الأعمال مثل برنار فيلو في فرنسا اوالشركات الوطنية الكبرى على غرار الشركات المختصة في صنع السيارات بألمانيا في دعم الفضاءات والتأسيس لصناعة الفنون..
الفنانة التشكيلية جميلة عاشور صباح:الإدارة التونسية هي المسؤولة عن تأخير خلاص التشكيليين وليس لجنة الشراءات
عن إشكالية انتظار تشكيليين - ينشطون داخل فضاءات خاصة- خلاص مستحقاتهم المالية، بينت الفنانة جميلة عاشور(صاحبة رواق) أن العقلية السائدة والمهيمنة على القطاع هي عقلية إدارية متخلفة ومريضة قائمة على ما اسمته ب "التمهطيل"، مثل الإدارات التونسية.. ذلك ان مدة الانتظار وصلت مؤخرا الى قرابة سنة كاملة دون مستحقات ".. ليجد التشكيلي نفسه أمام عوائق مادية وإحباط ملازم جراء لامبالاة وزارة المالية ووزارة الثقافة، مما يحول دون التفكير في مشاريع فنية بصفة منتظمة وإنتاج أعمال أخرى..
وفي سؤالنا عن نقائص القطاع، دور لجنة الشراءات في دعم الفنانين وهل أنها تعتمد المحاباة عند اقتناء اللوحات، قالت محدثتنا: " هذه اللجنة المتكونة من اثني عشر عنصرا ( الثقافة، المالية، الرابطة..) تقريبا لا علاقة لها بالمشاكل القائمة وفي غنى عن دور وزارتي المالية والثقافة، لا سيما أنها تتشكل كل ستة أشهر مهمتها تقتصر على شراء لوحات ثم ضمها إلى المتحف..
ذلك ان المقاييس المعتمدة في اقتناء اللوحات عادة ما تأخذ بعين الاعتبار مواطن الجمال في العمل من حيث تناسق الألوان والموضوع المطروح فضلا عن قيمتها الفنية التي تخول لها أن تصبح رمزا ثمينا في تاريخ الفن التشكيلي التونسي"...
لتضيف في ذات السياق: " إن كان العيب في لجنة الشراءات وان هناك انتقادات لاذعة تطالها، عن أي لجنة سنسلط الضوء والحال أنها تتغير باستمرار؟!..ثم إنها مقيدة بميزانية محدودة للغاية (قرابة مليون دينار) وهو مبلغ غير كاف لإرضاء جميع التشكيليين".. لا سيما أن القطاع يضم قرابة 10500 عمل فني متفاوتة من حيث القيمة الفنية..
أما فيما يخص المنصات الالكترونية وإقامة معارض فنية افتراضية وهي سياسة عمل يرغب العديد من التشكيليين انتهاجها للربح المادي والخروج من دائرة الخصاصة وتجاوز عنصر المماطلة، بينت الفنانة جميلة عاشور أن " العديد من وزراء الثقافة كانوا على وشك تفعيل هذا الإجراء لكن تم التراجع عنه باعتبار أن كل اللوحات التي ستعرض في معارض افتراضية هي عبارة عن "سرقة" أعمال من التراث الوطني.. بالنسبة لي لا أرى مانعا من تشجيع المواهب الصاعدة على غرار العديد من البلدان العربية وخاصة في ما يتعلق بالفن المعاصر.. بل سيفتح العديد من الأبواب على أهم المعارض في العالم..
الفنان التشكيلي أمين الشوالي للصباح: الدولة لا تريد انتهاج سبل الوصول الى المتاحف العالمية..
الفنان امين الشوالي صاحب معرض "volupté" والعديد من المعارض الأخرى التي أثثت مسيرة زاخرة طيلة ثلاثة عقود كان لنا معه لقاء للحديث عن مشاكل القطاع وأهم الأفكار التي يمكن أن يدلي بها للنهوض بقطاع مريض على الرغم من أنه يبدو في الظاهر أنه بخير..
بدا محدثنا مستاء وهو يقول: " لجنة الشراءات اشترت مني مرتين فقط.. ولم تزرني في خمسين عرضا.. ما لاحظته خلال الزيارات التي تعد على أصابع اليد أن عناصر اللجنة رغم اختلافهم وتغيير الفريق كل ستة أشهر، غلبت عليهم المحاباة وتبجيل من تجمعهم به علاقة زمالة أو قرابةبدليل أن معرضي الأخير بفضاء كاليستي لم يتصلوا بي بحجة أن أبواب اقتناء اللوحات اغلقت وان الأموال نفدت.. أعتقد أنها ممارسات من أجل الهيمنة والاستفادة من ميزانية هذه اللجنة والحال أنها من المفروض جُعلت من أجل دعم الفنان التشكيلي التونسي وتشجيعه من خلال الاقتناء لفائدة أرشيف الدولة التونسية لا إهانتهم سواء من خلال التأخير في خلاص المستحقات المالية طيلة أشهر أو عدم اقتناء الأعمال.. ثم لسائل أن يسأل لماذا لا يقع خلاص اصحاب الأروقة على حدا ثم خلاص التشكيليين؟! حتى تتضح الرؤية ويعم النظام.."
من جهة أخرى استنكر الفنان أمين الشوالي بشدة طريقة الخلاص والتي في غالب الأحيان "تكون بالتقسيط الممل ما يجعل التشكيلي يشعر بالإهانة والازدراء" مواصلا: اتمنى ان يتم الاستغناء عن لجنة الشراءات واستبدالها بلجنة قارة تتكون من خيرة الفنانين التشكيليين شعارها الانضباط والعدل وعدم المحاباة في عملية الاقتناء.."
اما عن الانفتاح على الاسواق العالمية فقد اقترح أمين الشوالي"ضرورة إنشاء مواقع خاصة بالتشكيليين من طرف وزارة المالية يستطيع الفنان من خلالها تصدير منتوجاته دون الخوض في سياسات عمل بالية قد تقضي على آمال الكثيرين.والمسؤولون على بينة من المداخيل، لا الالتجاء إلى البنك المركزي والتقيد بإجراءات إدارية معقدة.. الغريب هنا أن الدولة لا تريد انتهاج طرق الوصول الى المتاحف العالمية وجني الكثير من الأموال.. والحال أن الكثير من البلدان لديها سوق محلي من خلال الأروقة والفضاءات وسوق خارجية منفتحة على أهم المعارض العالمية.. يعني الأمر ليس "بدعة". ثم إن الفضاءات المحلية بدورها تستطيع أن تخوض تلك التجربة.. وبالتالي ينقص الضغط على وزارة المالية ووزارة الثقافة".