تم بعد 7/11/1987 تسويق فكرة أساسية في وسائل الإعلام التونسية التابعة للنظام والقريبة منه مفادها أن تونس عاشت حالة من الركود الاقتصادي وضعت البلاد أمام مخاطر كبيرة كانت ستؤدي إلى إفلاسها وانهيار الدولة نتيجة حالة الوهن التي عرفتها مجسمة في شخص الرئيس العجوز الحبيب بورقيبة الذي واصلت التلفزة التونسية وبقية وسائل الإعلام سنة 1987 وما بعدها عرض صوره وهو شيخ مقعد تقريبا يجد صعوبة كبيرة في النطق فما بالك بإدارة البلاد، والهدف من ذلك إبراز لحظة تولي زين العابدين بن علي الحكم بأنها مشروع إنقاذ للدولة التونسية وللشعب التونسي ككل .
وبناء على ذلك كان الحاكم الجديد أمام حتمية تغيير المنوال التنموي التونسي والسياسة الاقتصادية التي اعتمدها بورقيبة، فماهي الملامح العامة لهذه السياسة الاقتصادية فترة حكم بورقيبة؟
مرّ النموذج التنموي في تونس ما بعد الاستقلال بعديد المراحل أولها مرحلة ما بعد الاستقلال وكان شعارها الأساسي تونسة الاقتصاد التونسي بعد أن ظل لعقود مرتبطا بالاقتصاد الفرنسي، وقد تولى هذه المهمة الوزير الهادي نويرة الذي تولى مهام اقتصادية في حكومات ما بعد الاستقلال كما ساهم في تأسيس البنك المركزي التونسي باعتباره السلطة السيادية المالية للدولة وليتولى إدارته فيما بعد لسنوات عديدة، وكانت هذه الفترة التي امتدت من الاستقلال سنة 1956 إلى حدود 1961 فترة يعتبرها بعض المؤرخين فترة الاقتصاد الليبرالي التي لم تنجح في خلق نموذج اقتصادي يراعي خصوصيات المجتمع التونسي ولم يحقق نجاحات تذكر عدا التونسة، فنسبة النمو السنوي لم تتجاوز في الفترة الممتدة من 1959 إلى 1962 نسبة 3.5 بالمائة وهي نسبة ضعيفة لبلد يتطلب بناؤه نسب نمو أعلى بكثير، لتأتي بعد ذلك فترة التعاضذ وصعود نجم الوزير الذي أشرف على عديد الوزارات أحمد بن صالح، وقد عرفت سياسة التعاضد نسقا تصاعديا بعد صدور القانون عدد 19 لسنة 1963. بن صالح عرف التعاضد في شهادته التي نشرتها مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالقول "لقد تمّ تصور التعاضدية على أنها فضاء جديد، ومجتمع جديد لا ينبغي أن يكون فيه من يَسحق ومن يُسحق ". إلا أن البعض من الباحثين يذهبون إلى أن الهدف من تجربة التعاضد التي تجندت وسائل الإعلام التونسية للتعريف بها وتسويقها من خلال حصص إذاعية وبرامج تلفزية خاصة بعد تأسيس التلفزة التونسية سنة 1966 والتي قال عنها بورقيبة عند تدشينها "باش تخليني ندخل كل دار تونسية" وهو ما يعني أنها أداة دعائية، يذهبون إلى أن الهدف منها أساسا إخراس كل صوت معارض لبورقيبة بعد محاولة الانقلاب عليه سنة 1962 وما تلاها من حلّ للحزب الشيوعي التونسي لتتوج بمؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أعلن نفسه حزبا وحيدا وحزبا للدولة التونسية .
تجربة التعاضد بمحاسنها ومساوئها ستعرف نهايتها في أواخر سنة 1969 ليتولى بعدها الوزير الهادي نويرة منصب الوزير الأول ويعتمد منوالا تنمويا أقرب إلى الليبرالية تحت غطاء ما يعرف بالاشتراكية السويدية التي عبر بورقيبة في أكثر من مناسبة عن إعجابها بها، وهي محاولة للتوفيق بين النموذج الاقتصادي الليبرالي والنموذج الاجتماعي الاقتصادي مع احترام الحريات الفردية والجماعية وإرساء نموذج ديمقراطي وهو ما لم يتحقق في تونس بعد أن تم في 27 ديسمبر 1974 تعديل الدستور وإعلان الرئيس الحبيب بورقيبة رئيسا مدى الحياة، لتدخل البلاد في صراعات سياسية وقرارات اقتصادية غير شعبية كان من نتائجها عديد الانتفاضات الشعبية كان محركها الرئيسي الاتحاد العام التونسي للشغل .
هذا الإرث الثقيل وظفه النظام الجديد بالتركيز إعلاميا على الجوانب السلبية فيه ليقدم نفسه منقذا للبلاد والعباد من خلال نموذج اقتصادي ومنوال تنموي جديد اعتمد أساسا على سردية الطبقة الوسطى من خلال مقولات تلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي والمعجزة التونسية وفرادة التجربة التونسية. فشرع النظام الجديد في التأسيس لسياسة اقتصادية جديدة اعتمدت النموذج الليبرالي مع خوصصة عدد من المؤسسات العمومية وعقد اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي .
يكتبها: محمد معمري
تم بعد 7/11/1987 تسويق فكرة أساسية في وسائل الإعلام التونسية التابعة للنظام والقريبة منه مفادها أن تونس عاشت حالة من الركود الاقتصادي وضعت البلاد أمام مخاطر كبيرة كانت ستؤدي إلى إفلاسها وانهيار الدولة نتيجة حالة الوهن التي عرفتها مجسمة في شخص الرئيس العجوز الحبيب بورقيبة الذي واصلت التلفزة التونسية وبقية وسائل الإعلام سنة 1987 وما بعدها عرض صوره وهو شيخ مقعد تقريبا يجد صعوبة كبيرة في النطق فما بالك بإدارة البلاد، والهدف من ذلك إبراز لحظة تولي زين العابدين بن علي الحكم بأنها مشروع إنقاذ للدولة التونسية وللشعب التونسي ككل .
وبناء على ذلك كان الحاكم الجديد أمام حتمية تغيير المنوال التنموي التونسي والسياسة الاقتصادية التي اعتمدها بورقيبة، فماهي الملامح العامة لهذه السياسة الاقتصادية فترة حكم بورقيبة؟
مرّ النموذج التنموي في تونس ما بعد الاستقلال بعديد المراحل أولها مرحلة ما بعد الاستقلال وكان شعارها الأساسي تونسة الاقتصاد التونسي بعد أن ظل لعقود مرتبطا بالاقتصاد الفرنسي، وقد تولى هذه المهمة الوزير الهادي نويرة الذي تولى مهام اقتصادية في حكومات ما بعد الاستقلال كما ساهم في تأسيس البنك المركزي التونسي باعتباره السلطة السيادية المالية للدولة وليتولى إدارته فيما بعد لسنوات عديدة، وكانت هذه الفترة التي امتدت من الاستقلال سنة 1956 إلى حدود 1961 فترة يعتبرها بعض المؤرخين فترة الاقتصاد الليبرالي التي لم تنجح في خلق نموذج اقتصادي يراعي خصوصيات المجتمع التونسي ولم يحقق نجاحات تذكر عدا التونسة، فنسبة النمو السنوي لم تتجاوز في الفترة الممتدة من 1959 إلى 1962 نسبة 3.5 بالمائة وهي نسبة ضعيفة لبلد يتطلب بناؤه نسب نمو أعلى بكثير، لتأتي بعد ذلك فترة التعاضذ وصعود نجم الوزير الذي أشرف على عديد الوزارات أحمد بن صالح، وقد عرفت سياسة التعاضد نسقا تصاعديا بعد صدور القانون عدد 19 لسنة 1963. بن صالح عرف التعاضد في شهادته التي نشرتها مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بالقول "لقد تمّ تصور التعاضدية على أنها فضاء جديد، ومجتمع جديد لا ينبغي أن يكون فيه من يَسحق ومن يُسحق ". إلا أن البعض من الباحثين يذهبون إلى أن الهدف من تجربة التعاضد التي تجندت وسائل الإعلام التونسية للتعريف بها وتسويقها من خلال حصص إذاعية وبرامج تلفزية خاصة بعد تأسيس التلفزة التونسية سنة 1966 والتي قال عنها بورقيبة عند تدشينها "باش تخليني ندخل كل دار تونسية" وهو ما يعني أنها أداة دعائية، يذهبون إلى أن الهدف منها أساسا إخراس كل صوت معارض لبورقيبة بعد محاولة الانقلاب عليه سنة 1962 وما تلاها من حلّ للحزب الشيوعي التونسي لتتوج بمؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أعلن نفسه حزبا وحيدا وحزبا للدولة التونسية .
تجربة التعاضد بمحاسنها ومساوئها ستعرف نهايتها في أواخر سنة 1969 ليتولى بعدها الوزير الهادي نويرة منصب الوزير الأول ويعتمد منوالا تنمويا أقرب إلى الليبرالية تحت غطاء ما يعرف بالاشتراكية السويدية التي عبر بورقيبة في أكثر من مناسبة عن إعجابها بها، وهي محاولة للتوفيق بين النموذج الاقتصادي الليبرالي والنموذج الاجتماعي الاقتصادي مع احترام الحريات الفردية والجماعية وإرساء نموذج ديمقراطي وهو ما لم يتحقق في تونس بعد أن تم في 27 ديسمبر 1974 تعديل الدستور وإعلان الرئيس الحبيب بورقيبة رئيسا مدى الحياة، لتدخل البلاد في صراعات سياسية وقرارات اقتصادية غير شعبية كان من نتائجها عديد الانتفاضات الشعبية كان محركها الرئيسي الاتحاد العام التونسي للشغل .
هذا الإرث الثقيل وظفه النظام الجديد بالتركيز إعلاميا على الجوانب السلبية فيه ليقدم نفسه منقذا للبلاد والعباد من خلال نموذج اقتصادي ومنوال تنموي جديد اعتمد أساسا على سردية الطبقة الوسطى من خلال مقولات تلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي والمعجزة التونسية وفرادة التجربة التونسية. فشرع النظام الجديد في التأسيس لسياسة اقتصادية جديدة اعتمدت النموذج الليبرالي مع خوصصة عدد من المؤسسات العمومية وعقد اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي .