إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد تصويت تونس ضد ضم روسيا لمناطق أوكرانية.. جدل جديد حول "بوصلة" الدبلوماسية التونسية

تونس – الصباح

يطرح تصويت تونس ضدّ ضمّ روسيا لمناطق من أوكرانيا، بالجمعية العامة للأمم المتحدة أول أمس، سياسة الدولة الخارجية في ظل الجمهورية الجديدة، خاصة أمام تباين التصريحات والقراءات حول التغيرات التي ما انفكت تسجل منذ تغير منظومة الحكم سنة 2011 والتوجه إلى قطع سياسة تونس الخارجية مع ثوابت الدبلوماسية التي دأبت عليها الجمهورية التونسية في تاريخ تونس المعاصر منذ الاستقلال إلى غاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكانت سببا لنجاحها في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية والنأي بالدولة عن الانخراط في الصراعات الدولية لإقليمية عربية كانت أم عالمية. بما يؤكد محافظة بلادنا على نفس سياستها لعدة أسباب منها ما هو سياسي واقتصادي بالأساس وتكذيب ما تذهب له بعض القراءات بكون بلادنا ماضية في البحث عن تحالفات جديدة وروسيا تعد طرفا قويا وفاعلا فيها.

لتعرف المسألة تطورا منذ صعود رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد إلى الحكم بعد فوزه في انتخابات 2019، لاسيما أمام انتظارات البعض لدوره في عودة الجادة إلى هذه الدبلوماسية بعد أن عرفت منعرجات وتغييرات في العشرية التي سبقته، نتيجة اختيار المنظومة الحاكمة الزج بها في تبعية وخيارات الاصطفاف وراء محاور وتنظيمات لتقاطعها فيما هو "إيديولوجي تنظيمي" بحت، أجمعت عديد القراءات على أن تبعاتها على سياسة الدولة والمواطن جد وخيمة، وأنه ليس هناك أي موجب للدخول فيها لأنها خيارات غير مدروسة تؤكد الفهم والقراءة الخاطئة لسياسة الدولة والدبلوماسية على حد السواء.

لعل ما فتح المجال للخوض في تلك المسالة الصراع المسجل على الصلاحيات أساسا منها ما تعلق بالسياسية الخارجية للدولة في منظومة ما بعد 2019، ومحاولات رئيس البرلمان المنحل ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الاستئثار بهذا الدور مواصلة بناء وتوسيع قاعدة التحالفات السياسية التي انطلقت فيها منظومة الحكم التي يقودها حزبه منذ 2011 والتي كانت تنبني بالأساس على التقارب التنظيمي أكثر منه الدبلوماسي والاستراتيجي على غرار تركيا وقطر. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل دفع الغنوشي بالزج بالدبلوماسية التونسية إلى الدخول في النزاع الليبي بعد اختياره بصفته رئيس البرلمان سنة 2020 ليؤكد اصطفاف تونس وراء حكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج في نزاعها المسلح مع الشق الذي يقوده خليفة حفتر. وقد لاقى موقف الغنوشي استنكارا من عدة قوى سياسية وناشطين مدنيين في تونس على اعتبار أن ذلك يتنافى ومبدأ ودور تونس الذي يجب أن يكون عاملا لتوحيد الصف الليبي والدفع لإيجاد حلول تجمّع الفرقاء وليس العكس.

إذ شكلت سياسية تونس الخارجية محور جدل سياسي واسع لاسيما أن الموقف التونسي تجاه القضية الروسية الأوكرانية يأتي بعد استنكار المملكة المغربية لاستقبال تونس لرئيس جمهورية "البوليساريو" بمناسبة احتضان بلادنا القمة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي "تيكاد8" يومي 26 و27 أوت الماضي وما خلفته من جدل وتوظيف من قبل الأوساط السياسية التونسية وغيرها، المعارضة لسياسية رئيس الجمهورية قيس سعيد والمساهمة في تذكية الخلاف التونسي المغربي رغم تأكيد الجهات الرسمية في تونس على حيادها في ما يعرف بقضية الصحراء الغربية وعدم تدخلها في مسألة حلها موكول إلى طرفي النزاع دون سواهما خاصة أن تونس امتنعت عن التصويت في قضية نزاع الصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

ليكون لمشاركة إبراهيم غالي بشكل رسمي في قمة "تيكاد 8" منطلقا لاستنكار مغربي وتوظيف خصوم سعيد على اعتبار أنه محاولة رئيس الجمهورية الدخول في تحالفات جديدة وتوجه سياسة الدولة الخارجية إلى القطع مع الدبلوماسية النمطية لما قبل 2010 المتعارف عليها أو الجديدة التي عرفتها في الفترة التي تلتها. وذهبت القراءات الموضوعية أو التي لا تخلو من توظيف سياسي، إلى الخوض في تداعيات ذلك على الدولة لاسيما في ظل التغيرات التي يشهدها العالم ما بعد أزمة "كوفيد 19" ودور الأزمات الاقتصادية التي عرفها العالم على سياسات البلدان الخارجية واحتكام العملية إلى "براغماتية" الحاجة والمصلحة.

ويذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت الأربعاء بأغلبية ساحقة على إدانة ضم روسيا "غير القانوني" لأجزاء من أوكرانيا بعد أن استخدمت موسكو حق النقض ضد مشروع قرار مماثل في مجلس الأمن الدولي، ليضع موقف تونس الرافض بلادنا في نفس خط جل الدول العربية التي صوتت في الاتجاه ذاته أي "ضد"، فيما اختارت الجزائر والسودان الامتناع عن التصويت إلى جانب 33 دولة أخرى من بينها الصين والهند وجنوب إفريقيا وباكستان واعتمدت الجمعية العامة القرار بأغلبية 143 صوتا.

وسبق أن أثارت مسألة تقديم تونس مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في صائفة 2021، يتضمن الدعوة لجولة جديدة من التفاوض المباشر بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا بشأن النزاع القائم بين هذه البلدان حول "سد النهضة"، باعتبار أن تونس كانت تشغل العضو غير الدائم في مجلس الأمن عقد اجتماع في تلك الفترة، الكثير من الجدل لاسيما بعد استنكار الجانب الأثيوبي لموقف تونس من خلال ما تضمنه بيان وزارة الخارجية الأثيوبية الذي لاقى صدى واسعا في أوساط المعارضة في تونس بكون تونس "ارتكبت زلةً تاريخية" تقوض دورها كعضو مناوب في مجلس الأمن الدولي على مقعد إفريقي، وذهبت القراءات إلى انحياز تونس إلى الموقف المصري في هذه الأزمة.

ولعل ما يثير مخاوف الجميع بتغير سياسة تونس الخارجية هو استنكار سعيد في مناسبات عديدة لبقاء تونس وفية لحلفائها القدامى وتأكيده ضرورة تغيير الدولة لسياستها الخارجية والدخول في تحالفات جديدة تمليها المصلحة والتغيرات الإستراتيجية التي يشهدها العالم، وهو تقريبا الموقف الذي تتقاطع فيه معه بعض القوى السياسية الداعمة لمساره وآخرها ما تضمنه بيان مبادرة "لينتصر الشعب" عبر دعوته في النقطتين 13 و14 في بيانها الرسمي إلى "التوجه إلى كل البلدان والانفتاح على الآفاق العالمية الصاعدة على أساس التحرر التدريجي من التبعية وبناء الاحترام والتعاون، وإلى "عدم الانحياز" لأي جهة كانت.

ثم أن ما واجهته بلادنا من صعوبات وضغوط من قبل المانحين الدوليين في السنوات الأخيرة كان من العوامل التي دفعت سعيد لانتقاد هذه السياسيات ووصفها بـ"أمك صنافة"، اعتبرها البعض تأكيدا لتغيير سياسة سعيد للدبلوماسية التونسية مواصلة ما نفس سياسية العشرية الماضية خاصة أمام عدم الاستجابة للمطالب الداعية إلى ضرورة إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا التي تم قطعها في سنة 2012 بعد إعلان الرئيس المؤقت منصف المرزوقي في فيفري من نفس السنة عن قطع العلاقات التونسية مع سوريا واحتضان بلادنا لمؤتمر أصدقاء سوريا رغم الاستنكار الواسع لذلك القرار الذي كان منعرجا حساما في تثبيت تغيير سياسة تونس الخارجية في تلك المرحلة.

نزيهة الغضباني

بعد تصويت تونس ضد ضم روسيا لمناطق أوكرانية.. جدل جديد حول "بوصلة" الدبلوماسية التونسية

تونس – الصباح

يطرح تصويت تونس ضدّ ضمّ روسيا لمناطق من أوكرانيا، بالجمعية العامة للأمم المتحدة أول أمس، سياسة الدولة الخارجية في ظل الجمهورية الجديدة، خاصة أمام تباين التصريحات والقراءات حول التغيرات التي ما انفكت تسجل منذ تغير منظومة الحكم سنة 2011 والتوجه إلى قطع سياسة تونس الخارجية مع ثوابت الدبلوماسية التي دأبت عليها الجمهورية التونسية في تاريخ تونس المعاصر منذ الاستقلال إلى غاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكانت سببا لنجاحها في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية والنأي بالدولة عن الانخراط في الصراعات الدولية لإقليمية عربية كانت أم عالمية. بما يؤكد محافظة بلادنا على نفس سياستها لعدة أسباب منها ما هو سياسي واقتصادي بالأساس وتكذيب ما تذهب له بعض القراءات بكون بلادنا ماضية في البحث عن تحالفات جديدة وروسيا تعد طرفا قويا وفاعلا فيها.

لتعرف المسألة تطورا منذ صعود رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد إلى الحكم بعد فوزه في انتخابات 2019، لاسيما أمام انتظارات البعض لدوره في عودة الجادة إلى هذه الدبلوماسية بعد أن عرفت منعرجات وتغييرات في العشرية التي سبقته، نتيجة اختيار المنظومة الحاكمة الزج بها في تبعية وخيارات الاصطفاف وراء محاور وتنظيمات لتقاطعها فيما هو "إيديولوجي تنظيمي" بحت، أجمعت عديد القراءات على أن تبعاتها على سياسة الدولة والمواطن جد وخيمة، وأنه ليس هناك أي موجب للدخول فيها لأنها خيارات غير مدروسة تؤكد الفهم والقراءة الخاطئة لسياسة الدولة والدبلوماسية على حد السواء.

لعل ما فتح المجال للخوض في تلك المسالة الصراع المسجل على الصلاحيات أساسا منها ما تعلق بالسياسية الخارجية للدولة في منظومة ما بعد 2019، ومحاولات رئيس البرلمان المنحل ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الاستئثار بهذا الدور مواصلة بناء وتوسيع قاعدة التحالفات السياسية التي انطلقت فيها منظومة الحكم التي يقودها حزبه منذ 2011 والتي كانت تنبني بالأساس على التقارب التنظيمي أكثر منه الدبلوماسي والاستراتيجي على غرار تركيا وقطر. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل دفع الغنوشي بالزج بالدبلوماسية التونسية إلى الدخول في النزاع الليبي بعد اختياره بصفته رئيس البرلمان سنة 2020 ليؤكد اصطفاف تونس وراء حكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج في نزاعها المسلح مع الشق الذي يقوده خليفة حفتر. وقد لاقى موقف الغنوشي استنكارا من عدة قوى سياسية وناشطين مدنيين في تونس على اعتبار أن ذلك يتنافى ومبدأ ودور تونس الذي يجب أن يكون عاملا لتوحيد الصف الليبي والدفع لإيجاد حلول تجمّع الفرقاء وليس العكس.

إذ شكلت سياسية تونس الخارجية محور جدل سياسي واسع لاسيما أن الموقف التونسي تجاه القضية الروسية الأوكرانية يأتي بعد استنكار المملكة المغربية لاستقبال تونس لرئيس جمهورية "البوليساريو" بمناسبة احتضان بلادنا القمة الثامنة لمنتدى التعاون الياباني الإفريقي "تيكاد8" يومي 26 و27 أوت الماضي وما خلفته من جدل وتوظيف من قبل الأوساط السياسية التونسية وغيرها، المعارضة لسياسية رئيس الجمهورية قيس سعيد والمساهمة في تذكية الخلاف التونسي المغربي رغم تأكيد الجهات الرسمية في تونس على حيادها في ما يعرف بقضية الصحراء الغربية وعدم تدخلها في مسألة حلها موكول إلى طرفي النزاع دون سواهما خاصة أن تونس امتنعت عن التصويت في قضية نزاع الصحراء الغربية في أكتوبر 2021.

ليكون لمشاركة إبراهيم غالي بشكل رسمي في قمة "تيكاد 8" منطلقا لاستنكار مغربي وتوظيف خصوم سعيد على اعتبار أنه محاولة رئيس الجمهورية الدخول في تحالفات جديدة وتوجه سياسة الدولة الخارجية إلى القطع مع الدبلوماسية النمطية لما قبل 2010 المتعارف عليها أو الجديدة التي عرفتها في الفترة التي تلتها. وذهبت القراءات الموضوعية أو التي لا تخلو من توظيف سياسي، إلى الخوض في تداعيات ذلك على الدولة لاسيما في ظل التغيرات التي يشهدها العالم ما بعد أزمة "كوفيد 19" ودور الأزمات الاقتصادية التي عرفها العالم على سياسات البلدان الخارجية واحتكام العملية إلى "براغماتية" الحاجة والمصلحة.

ويذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت الأربعاء بأغلبية ساحقة على إدانة ضم روسيا "غير القانوني" لأجزاء من أوكرانيا بعد أن استخدمت موسكو حق النقض ضد مشروع قرار مماثل في مجلس الأمن الدولي، ليضع موقف تونس الرافض بلادنا في نفس خط جل الدول العربية التي صوتت في الاتجاه ذاته أي "ضد"، فيما اختارت الجزائر والسودان الامتناع عن التصويت إلى جانب 33 دولة أخرى من بينها الصين والهند وجنوب إفريقيا وباكستان واعتمدت الجمعية العامة القرار بأغلبية 143 صوتا.

وسبق أن أثارت مسألة تقديم تونس مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي في صائفة 2021، يتضمن الدعوة لجولة جديدة من التفاوض المباشر بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا بشأن النزاع القائم بين هذه البلدان حول "سد النهضة"، باعتبار أن تونس كانت تشغل العضو غير الدائم في مجلس الأمن عقد اجتماع في تلك الفترة، الكثير من الجدل لاسيما بعد استنكار الجانب الأثيوبي لموقف تونس من خلال ما تضمنه بيان وزارة الخارجية الأثيوبية الذي لاقى صدى واسعا في أوساط المعارضة في تونس بكون تونس "ارتكبت زلةً تاريخية" تقوض دورها كعضو مناوب في مجلس الأمن الدولي على مقعد إفريقي، وذهبت القراءات إلى انحياز تونس إلى الموقف المصري في هذه الأزمة.

ولعل ما يثير مخاوف الجميع بتغير سياسة تونس الخارجية هو استنكار سعيد في مناسبات عديدة لبقاء تونس وفية لحلفائها القدامى وتأكيده ضرورة تغيير الدولة لسياستها الخارجية والدخول في تحالفات جديدة تمليها المصلحة والتغيرات الإستراتيجية التي يشهدها العالم، وهو تقريبا الموقف الذي تتقاطع فيه معه بعض القوى السياسية الداعمة لمساره وآخرها ما تضمنه بيان مبادرة "لينتصر الشعب" عبر دعوته في النقطتين 13 و14 في بيانها الرسمي إلى "التوجه إلى كل البلدان والانفتاح على الآفاق العالمية الصاعدة على أساس التحرر التدريجي من التبعية وبناء الاحترام والتعاون، وإلى "عدم الانحياز" لأي جهة كانت.

ثم أن ما واجهته بلادنا من صعوبات وضغوط من قبل المانحين الدوليين في السنوات الأخيرة كان من العوامل التي دفعت سعيد لانتقاد هذه السياسيات ووصفها بـ"أمك صنافة"، اعتبرها البعض تأكيدا لتغيير سياسة سعيد للدبلوماسية التونسية مواصلة ما نفس سياسية العشرية الماضية خاصة أمام عدم الاستجابة للمطالب الداعية إلى ضرورة إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا التي تم قطعها في سنة 2012 بعد إعلان الرئيس المؤقت منصف المرزوقي في فيفري من نفس السنة عن قطع العلاقات التونسية مع سوريا واحتضان بلادنا لمؤتمر أصدقاء سوريا رغم الاستنكار الواسع لذلك القرار الذي كان منعرجا حساما في تثبيت تغيير سياسة تونس الخارجية في تلك المرحلة.

نزيهة الغضباني