تشهد بلادنا موجة محمومة لارتفاع الأسعار بشكل متواتر وغير مدروس لم تعد كل الشرائح والطبقات الاجتماعية قادرة على مجاراة نسقه وأصبحت عاجزة على توفير أبسط ضروريات العيش، شمل المواد الاستهلاكية الأساسية من واللحوم والبيض والخضر والغلال والعجين والبقوليات إضافة إلى الأدوية والملابس واللوازم المدرسية فضلا عن الصعود الصاروخي المسجل في أسعار الوقود وقطع غيار السيارات ومواد البناء والعلف وغيرها من التجهيزات دون اعتبار ما يصنفه البعض في خانة "الكماليات"، ليكون لذلك تداعيات كبيرة على أسعار مشتقات بعض المواد على غرار الحليب والحلويات والمعلبات، وغيرها وذلك وسط صمت الجهات الرسمية.
وقد أطلقت عدة هياكل مختصة إضافة إلى عدد من المختصين في مجالات اقتصادية ومالية واجتماعية صيحات فزع تطالب الجهات الرسمية بضرورة التحرك لوضع حد للظاهرة تحسبا لتداعياتها السلبية على الاقتصاد والمعيشة والبناء الاجتماعي مستقبلا، على اعتبار أن الترفيع في الأسعار ليس الحل الأنجع للأزمات التي تمر بها البلاد وإنما هو يكشف عن عجز الجهات الرسمية على مجابهة الوضع وانسياقها وراء الحلول السهلة في حين أن الوضع يتطلب حلولا جذرية عبر اتخاذ قرارات آنية لعل أبرزها تجميد الأسعار والتوجه في نفس الآن إلى وضع برامج واستراتيجيات عملية آجلة بدءا بدفع الاستثمار في مجالات فلاحية وتعزيز الانتاجات والصناعات المحلية لتلافي قدر الإمكان الواردات وترشيد الاستهلاك في مستويات عديدة.
وقد نددت منظمات وهياكل حقوقية واجتماعية بخطر "الارتفاع المشط في الأسعار" على المستهلك أولا ما تشكله من تهديد لحياة نسبة كبيرة من الفئات الاجتماعية الهشة أصبحت مهددة بالفقر وسوء التغذية من ناحية وعلى الاقتصاد الوطني ثانية خاصة أمام تحرير أسعار أغلب المواد الاستهلاكية وخضوع مواد أخرى إلى "منطق السوق" الذي تحكمه لوبيات متمعشة من غياب القوانين وضعف الرقابة وهشاشتها في بعض الأحيان.
ولعل الملفت في هذا الوضع هو مساهمة حكومة بودن بشكل أو بآخر في استفحال هذه الأزمة من خلال موافقتها وقبولها لكل المقترحات المتعلقة بالزيادة في الأسعار التي ما انفكت تسجل إما بالجملة أو بشكل متواتر لكل القطاعات والمجالات، في ظل غياب بوادر الحلول وآليات الحكم في هذا الجانب في جميع القطاعات تقريبا، رغم دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد في عديد المناسبات إلى ضرورة وضع حد للزيادات في الأسعار والقضاء على الاحتكار باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في تذكية هذه الظاهرة نتيجة تسببها في نقص المواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية ونفاذها من الأسواق في فترات محددة. وقد تم إصدار المرسوم 14 الصادر في 20 مارس الماضي في الغرض ويتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة لتامين التزود المنتظم للسوق وتامين مسالك التوزيع ويهم أيضا أصحاب مخازن التبريد والتخزين فضلا عن العقوبات الزجرية في علاقة بالتجاوزات المسجلة في الاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار. في نفس السياق أكد حسام التويتي، مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات في حديث لإحدى وسائل الإعلام أن هذا المرسوم ساهم بعد أشهر من دخوله حيز التنفيذ في تراجع مظاهر الاحتكار والمضاربة في تونس بنسبة حوالي 30% .
لكن يبدو أن عجز سلطة الإشراف وعدم توجهها الجدي والعملي في التعاطي مع هذه الظاهرة المعضلة عبر ضبط منظومة وبرامج وآليات كفيلة بتنظيم العملية في ظل التغيرات التي يشهدها العالم وتداعيات الأزمات الصحية والاقتصادية والحروب الإقليمية والدولية على الاقتصاد الوطني، كانت من العوامل التي ساهمت في استفحال الظاهرة على نطاق وطني شامل، رغم التنديدات وصرخات الاستغاثة التي ما انفك يطلقها مواطنون أصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات العيش. ويكفي العودة كرونولوجيا لتتبع التحركات الاحتجاجية القطاعية وما يتبعها من زيادة في الأسعار بشكل يؤكد توجه سلطة الإشراف إلى الامتثال للمطالب القطاعية والموافقة على الترفيع في الأسعار كحل وحيد رغم تأكيد عديد الخبراء على تداعيات ذلك السلبية على المواطن والاقتصاد الوطني. ولعل آخر ما يتعلق بتحرك الاتحاد التونسي للتاكسي الفردي منذ أيام والذي أفضى بدوره إلى اتفاق مبدئي مع وزارتيْ النقل والتجارة وتنمية الصادرات على الترفيع في تسعيرة العداد من 540 مليمًا إلى دينار بالنسبة لسيارات التاكسي الفردي، وذلك وفق ما أكده فوزي الخبوشي، أمين اتحاد التاكسي الفردي على أن يتم تفعيل هذه الزيادة في فترة قريبة، دون مبالاة بتداعيات ذلك على المواطن لاسيما في ظل تدني خدمات النقل العمومي والجماعي وغياب إستراتيجية أو برنامج للنهوض بهذه النوعية من الخدمات التي تعد متردية جدا.
يأتي ذلك بعد نجاح تحرك مربي الدجاج في حصد موافقة سلطة الإشراف على الزيادة في سعر اللحوم البيضاء والبيض لتحقق أسعارها قفزة على نحو أصبحت أنها تضاهي أسعار اللحوم الحمراء. فيما تتواصل مطالب مربي الأبقار والفلاحين للترفيع في سعر اللحوم والحليب بتعلات وأسباب ومبررات ألفها الجميع منها ما هو واقعي ومنطقي ومنها ما يؤكد استسهال الجميع لموقف سلطة الإشراف وعجزها عن تقديم خيارات بديلة تراعي مصلحة المستهلك والفلاح والمنتج على حد السواء لتغلق بذلك باب الاجتهاد والعمل. وهو العامل الذي جعل مطالب الزيادات في الأسعار موسمية ودورية لكل القطاعات وفي كل المجالات. ليبقى السؤال المطروح ماذا بعد الزيادة في الأسعار في ظل غياب الحلول والخيارات البديلة؟
نزيهة الغضباني
تونس – الصباح
تشهد بلادنا موجة محمومة لارتفاع الأسعار بشكل متواتر وغير مدروس لم تعد كل الشرائح والطبقات الاجتماعية قادرة على مجاراة نسقه وأصبحت عاجزة على توفير أبسط ضروريات العيش، شمل المواد الاستهلاكية الأساسية من واللحوم والبيض والخضر والغلال والعجين والبقوليات إضافة إلى الأدوية والملابس واللوازم المدرسية فضلا عن الصعود الصاروخي المسجل في أسعار الوقود وقطع غيار السيارات ومواد البناء والعلف وغيرها من التجهيزات دون اعتبار ما يصنفه البعض في خانة "الكماليات"، ليكون لذلك تداعيات كبيرة على أسعار مشتقات بعض المواد على غرار الحليب والحلويات والمعلبات، وغيرها وذلك وسط صمت الجهات الرسمية.
وقد أطلقت عدة هياكل مختصة إضافة إلى عدد من المختصين في مجالات اقتصادية ومالية واجتماعية صيحات فزع تطالب الجهات الرسمية بضرورة التحرك لوضع حد للظاهرة تحسبا لتداعياتها السلبية على الاقتصاد والمعيشة والبناء الاجتماعي مستقبلا، على اعتبار أن الترفيع في الأسعار ليس الحل الأنجع للأزمات التي تمر بها البلاد وإنما هو يكشف عن عجز الجهات الرسمية على مجابهة الوضع وانسياقها وراء الحلول السهلة في حين أن الوضع يتطلب حلولا جذرية عبر اتخاذ قرارات آنية لعل أبرزها تجميد الأسعار والتوجه في نفس الآن إلى وضع برامج واستراتيجيات عملية آجلة بدءا بدفع الاستثمار في مجالات فلاحية وتعزيز الانتاجات والصناعات المحلية لتلافي قدر الإمكان الواردات وترشيد الاستهلاك في مستويات عديدة.
وقد نددت منظمات وهياكل حقوقية واجتماعية بخطر "الارتفاع المشط في الأسعار" على المستهلك أولا ما تشكله من تهديد لحياة نسبة كبيرة من الفئات الاجتماعية الهشة أصبحت مهددة بالفقر وسوء التغذية من ناحية وعلى الاقتصاد الوطني ثانية خاصة أمام تحرير أسعار أغلب المواد الاستهلاكية وخضوع مواد أخرى إلى "منطق السوق" الذي تحكمه لوبيات متمعشة من غياب القوانين وضعف الرقابة وهشاشتها في بعض الأحيان.
ولعل الملفت في هذا الوضع هو مساهمة حكومة بودن بشكل أو بآخر في استفحال هذه الأزمة من خلال موافقتها وقبولها لكل المقترحات المتعلقة بالزيادة في الأسعار التي ما انفكت تسجل إما بالجملة أو بشكل متواتر لكل القطاعات والمجالات، في ظل غياب بوادر الحلول وآليات الحكم في هذا الجانب في جميع القطاعات تقريبا، رغم دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد في عديد المناسبات إلى ضرورة وضع حد للزيادات في الأسعار والقضاء على الاحتكار باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في تذكية هذه الظاهرة نتيجة تسببها في نقص المواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية ونفاذها من الأسواق في فترات محددة. وقد تم إصدار المرسوم 14 الصادر في 20 مارس الماضي في الغرض ويتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة لتامين التزود المنتظم للسوق وتامين مسالك التوزيع ويهم أيضا أصحاب مخازن التبريد والتخزين فضلا عن العقوبات الزجرية في علاقة بالتجاوزات المسجلة في الاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار. في نفس السياق أكد حسام التويتي، مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات في حديث لإحدى وسائل الإعلام أن هذا المرسوم ساهم بعد أشهر من دخوله حيز التنفيذ في تراجع مظاهر الاحتكار والمضاربة في تونس بنسبة حوالي 30% .
لكن يبدو أن عجز سلطة الإشراف وعدم توجهها الجدي والعملي في التعاطي مع هذه الظاهرة المعضلة عبر ضبط منظومة وبرامج وآليات كفيلة بتنظيم العملية في ظل التغيرات التي يشهدها العالم وتداعيات الأزمات الصحية والاقتصادية والحروب الإقليمية والدولية على الاقتصاد الوطني، كانت من العوامل التي ساهمت في استفحال الظاهرة على نطاق وطني شامل، رغم التنديدات وصرخات الاستغاثة التي ما انفك يطلقها مواطنون أصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات العيش. ويكفي العودة كرونولوجيا لتتبع التحركات الاحتجاجية القطاعية وما يتبعها من زيادة في الأسعار بشكل يؤكد توجه سلطة الإشراف إلى الامتثال للمطالب القطاعية والموافقة على الترفيع في الأسعار كحل وحيد رغم تأكيد عديد الخبراء على تداعيات ذلك السلبية على المواطن والاقتصاد الوطني. ولعل آخر ما يتعلق بتحرك الاتحاد التونسي للتاكسي الفردي منذ أيام والذي أفضى بدوره إلى اتفاق مبدئي مع وزارتيْ النقل والتجارة وتنمية الصادرات على الترفيع في تسعيرة العداد من 540 مليمًا إلى دينار بالنسبة لسيارات التاكسي الفردي، وذلك وفق ما أكده فوزي الخبوشي، أمين اتحاد التاكسي الفردي على أن يتم تفعيل هذه الزيادة في فترة قريبة، دون مبالاة بتداعيات ذلك على المواطن لاسيما في ظل تدني خدمات النقل العمومي والجماعي وغياب إستراتيجية أو برنامج للنهوض بهذه النوعية من الخدمات التي تعد متردية جدا.
يأتي ذلك بعد نجاح تحرك مربي الدجاج في حصد موافقة سلطة الإشراف على الزيادة في سعر اللحوم البيضاء والبيض لتحقق أسعارها قفزة على نحو أصبحت أنها تضاهي أسعار اللحوم الحمراء. فيما تتواصل مطالب مربي الأبقار والفلاحين للترفيع في سعر اللحوم والحليب بتعلات وأسباب ومبررات ألفها الجميع منها ما هو واقعي ومنطقي ومنها ما يؤكد استسهال الجميع لموقف سلطة الإشراف وعجزها عن تقديم خيارات بديلة تراعي مصلحة المستهلك والفلاح والمنتج على حد السواء لتغلق بذلك باب الاجتهاد والعمل. وهو العامل الذي جعل مطالب الزيادات في الأسعار موسمية ودورية لكل القطاعات وفي كل المجالات. ليبقى السؤال المطروح ماذا بعد الزيادة في الأسعار في ظل غياب الحلول والخيارات البديلة؟