-الباحثة نوال الدريسي لـ"الصباح": فوز عبد الرحمن السيد توجه جديد في سلوك الناخب الأمريكي الذي أصبح يهتم بما يُعرف في دراسات السلوك السياسي بـ"الاختيار العقلاني"
تونس-الصباح
مُني الحزب الجمهوري، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بهزيمة واسعة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بعد نجاح الديمقراطيين في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. وفسّر ترامب هذه النتيجة بغياب اسمه عن بطاقات الاقتراع، في وقت تطرح فيه الخسارة تساؤلات بشأن قدرته على حشد الناخبين لصالح مرشحي حزبه.
ووفق أحدث الحصيلة الواردة، فاز الديمقراطيون بـ240 مقعداً في مجلس النواب مقابل 147 مقعداً للجمهوريين، فيما لا تزال نتائج 48 دائرة معلقة.
ولم تقتصر مكاسب الديمقراطيين على المستوى الاتحادي، بل امتدت إلى عدد من الولايات، حيث نجح الحزب في انتزاع مناصب حكام كانت تحت سيطرة الجمهوريين لسنوات. وتفتح هذه النتائج الباب أمام مراجعة داخل الحزب الجمهوري لأسباب التراجع، ومدى تأثير حضور ترامب السياسي في خيارات الناخبين خلال هذه الانتخابات.
وجرت الانتخابات في سياق دولي وإقليمي متوتر، في مقدمته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، وهي تطورات امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي، بما في ذلك المنطقة العربية.
وإلى جانب البعد الاقتصادي، فرضت الحرب حالة من الترقب السياسي والأمني في المنطقة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة التوازنات الإقليمية ودور القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يتابع كثيرون في المنطقة، ومن بينهم التونسيون، ما إذا كانت نتائج الانتخابات الأمريكية ستؤثر في مقاربة واشنطن لهذه الملفات.
وترى الأستاذة الجامعية والباحثة المتحصلة على دكتوراه في العلاقات الدولية، اختصاص سياسة خارجية أمريكية في الشرق الأوسط، الدكتورة نوال الدريسي، في حوار لـ"الصباح"، أن الدول العربية يمكنها أن تستفيد، نظرياً، من وجود أصوات ذات أصول عربية داخل الكونغرس.
وتوضح الباحثة أن "السؤال الملح هو كيف ستحصل الاستفادة، باعتبار أن المسألة تنطوي على تحد كبير، لأن تلك الأصوات تعمل داخل نظام ديمقراطي تحكمه أعراف ونواميس وقوانين محددة، وهي عملياً في خدمة المواطن الأمريكي أولاً. لكن هذا لا يُقصي فرضية أن تلك الأصوات داخل الكونغرس يمكن لها أن تؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة اقتصادياً ودبلوماسيا، وذلك بتأسيس شبكات تعاون ومصالح مشتركة. كما يمكن لتلك الأصوات تكوين مجموعات ضغط قادرة على التأثير الإيجابي في علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي على المدى المتوسط والطويل".
هل تتغير بتغير موازين الكونغرس؟
بشأن ما إذا كان فوز الديمقراطيين يمكن أن يرتبط بتغيير في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، أم أن السياسة الخارجية تظل في الغالب بيد الإدارة التنفيذية أكثر منها بيد الكونغرس، تشير الباحثة إلى أن "السياسة الخارجية الأمريكية هي سياسة مؤسساتية ومنهجية، ولا ترتبط بفوز شخص معين أو مجموعة من الأشخاص. فرئيس الولايات المتحدة نفسه محدود الصلاحيات، وعليه الرجوع إلى المؤسسات الدستورية لاتخاذ القرارات وتنفيذها. وينطبق الأمر ذاته على أعضاء مجلس الشيوخ وغيرهم من الفاعلين السياسيين؛ إذ لا يكمن القرار وتنفيذه في "الشخصنة"، بقدر ما يرتبط بتكامل المؤسسات الدستورية وتفاعلها، وبسهر السلطات الثلاث على مراقبة بعضها بعضاً".
وتضيف أن "الكونغرس مؤسسة قوية وفاعلة، لكنه لا يحتكر سلطة اتخاذ القرار أو تنفيذه، بل يعمل ضمن منظومة دستورية متكاملة، قوامها احترام المؤسسات وعدم السماح للأشخاص، سواء في مجلس الشيوخ أو في مؤسسة الرئاسة، بالتصرف خارج الأطر القانونية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي".
عبدول السيد.. فوز تاريخي في مجلس الشيوخ
في خضم هذه التحولات، حقق الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول، فوزا تاريخيا بعد انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، إثر تغلبه على منافسه الجمهوري مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق والضابط السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ودخل روجرز السباق بدعم من الرئيس دونالد ترامب، وسعى إلى تصوير السيد، وهو أمريكي من أصل مصري ولد في ولاية ميشيغن، على أنه متطرف ديني.
وعبدول السيد، ابن مهاجريْن مصرييْن ومسؤول صحي سابق، خاض الانتخابات ببرنامج ركز على توسيع الرعاية الصحية، والحد من نفوذ الشركات الكبرى والتمويل السياسي، إلى جانب معارضته الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
وفي قراءتها لنتيجة فوزه، ترى الباحثة نوال الدريسي أن هذا الفوز يعكس أولاً أن "المشهد الانتخابي الأمريكي يعيش تحولاً جذرياً في السياسة الداخلية الأمريكية، وذلك لأن الحزب الجمهوري أصبح يتسم بتطرف حزبي-عقائدي منذ انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة. بمعنى أن الخط الإيديولوجي الجمهوري قد حاد عن مساره نتيجة تداخل المصالح الشخصية مع أهداف الحزب، وهو ما دفع الناخب الأمريكي، حتى الأكثر محافظة منه، إلى إعادة تقييمه لخياراته الانتخابية".
وتضيف: "ثانياً، تأثر الناخب الأمريكي بخطاب اجتماعي غير معهود يركز على الطبقات المهمشة، وقد برز هذا الخطاب من خلال تجربة عمدة نيويورك ممداني، المنحدر من أصول مسلمة. ففوز ممداني في سباق عمدة نيويورك، ونجاحه في استقطاب ناخبين من مختلف المشارب الأيديولوجية، قد مهّد الطريق، بصورة غير مباشرة، لفوز عبد الرحمن السيد".
وتتابع الباحثة: "ثالثاً، يمثل فوز عبد الرحمن السيد مؤشراً على توجه جديد في سلوك الناخب الأمريكي، الذي لم يعد يولي التحزب الأهمية ذاتها، بقدر ما أصبح يهتم بما يُعرف في دراسات السلوك السياسي بـ"الاختيار العقلاني".
ويعود المسار الانتخابي لعبدول السيد إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، التي جرت في 4 أوت الماضي، حين تمكن من الفوز على النائبة هايليستيفنز، المدعومة من قيادات حزبية، بفارق ضيق. وجاء ذلك رغم الإنفاق الكبير الذي استهدف حملته، قبل انتقاله إلى مواجهة الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة.
ولم تقتصر المنافسة بين المرشحين على اختلاف البرامج السياسية، بل امتدت إلى خلفية السيد الدينية ومواقفه من السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فقد واجه اتهامات بالتطرف والتعاطف مع الإرهاب، وهي اتهامات رفضها، فيما لم تقدم الجهات التي روجت لها أدلة تثبت ارتباطه بتنظيمات إرهابية.
الهُوية الدينية في قلب الحملة الانتخابية
برزت الهجمات المرتبطة بالخلفية المسلمة لعبدول السيد خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة. ففي 25 أكتوبر، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال تجمع انتخابي في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغن، المرشح الديمقراطي بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، ووصفه بأنه جهادي، داعياً الناخبين إلى منعه من الوصول إلى مجلس الشيوخ.
وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد وصف السيد، خلال تجمع انتخابي في ولاية ميشيغن يوم 31 أوت، بأنه "شرير للغاية"، في تصريحات جاءت ضمن سجال انتخابي تصاعدت فيه الاتهامات بشأن مواقفه السياسية وعلاقاته.
في المقابل، تمسك السيد بمواقفه الرافضة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وانتقد توجيه أموال دافعي الضرائب إلى تمويل الحروب، وهي مواقف وضعته في مواجهة مع مجموعات ضغط وشخصيات سياسية مؤيدة لإسرائيل.
وعن مدى تأثير الخلفية الدينية لعبدول السيد في فوزه، توضح الباحثة نوال الدريسي أنه "لا يمكن الجزم بأن الخلفية الدينية كانت العامل الحاسم في قلب موازين القوى وترجيح الكفة الديمقراطية على حساب الجمهوريين".
وتضيف أن الناخب الأمريكي، "رغم وجود خلفية دينية تؤثر في خياراته الاجتماعية، يظل فاعلاً عقلانياً، وفق ما أشرت إليه سابقاً في علاقة ذلك بمفهوم "الاختيار العقلاني"، علماً أن المسلمين في الولايات المتحدة لا يمثلون أغلبية".
وتشير الباحثة، في هذا السياق، إلى أنه "لهذا السبب، ولأسباب أخرى، يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية، خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقريباً، قد ركزت على دعم الحروب التي تخوضها إسرائيل في الشرق الأوسط، سواء ضد إيران أو غيرها. وهذا التوجه، في نظر الناخب الأمريكي، لا يمثل مجرد خطأ استراتيجي، بل يشكل أيضاً استنزافاً لثروات الولايات المتحدة ومدخراتها".
وتفسر الدكتورة نوال أن خطاب عبد الرحمن السيد، شأنه في ذلك شأن خطاب ممداني قبله، هو خطاب "واقعي"، رغم أنه اتخذ خلفية دينية غُلّف بها خطابه السياسي. وفي نهاية المطاف، اختار الناخب في ميشيغن الانحياز إلى من يخدم مصالحه الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما جعل الكفة تميل لصالح الديمقراطيين.
ولا تنظر الباحثة إلى انتخاب مسلم لأول مرة في مجلس الشيوخ باعتباره مسألة تمثيل ديني مباشرة، إذ تعتبر أن ذلك يكتسب أهمية كبيرة من حيث حضور الأقلية المسلمة في المؤسسة التشريعية، لكنها تؤكد أن المسألة في السياسة الداخلية الأمريكية أكثر تعقيداً.
وتقول في هذا الشأن إنه من المهم جداً انتخاب مسلم لأول مرة في مجلس الشيوخ، ليكون صوتاً للأقلية المسلمة، لكن "المسألة في السياسة الداخلية الأمريكية ليست بهذه البساطة؛ فالشخص الذي يقع انتخابه لا يمثل أقلية بعينها، بل يتحرك داخل منظومة انتخابية مكتملة المعالم. وبالتالي، فإن دفاعه عن الحقوق والحريات سيكون على أساس "المواطنة"، لا على أساس "الانتماء العقائدي".
وتوضح أن ذلك يعني أن "عبدول السيد سيبذل جهداً للدفاع عن حقوق المسلمين باعتبارهم أقلية، لكن ذلك سيكون في إطار الدفاع الشامل عن حقوق جميع المواطنين ودافعي الضرائب، بصرف النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو السياسية أو الدينية"، وفق رأي الباحثة.
الخلاف داخل الحزب الديمقراطي
لم تخلُ الانتخابات من خلافات داخل الحزب الديمقراطي، إذ زادت التباينات حدة قبل الانتخابات العامة، بعدما أعلنت المرشحة هايليستيفنز، التي خسرت الانتخابات التمهيدية أمام عبدول السيد، تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز قبل أيام من الاقتراع.
وجاء موقفها بعد خلاف مع حملة السيد بشأن مشاركتها في الفعاليات الانتخابية، في خطوة أثارت انتقادات داخل الحزب، وكشفت استمرار التباينات بين الجناحين التقدمي والوسطي، خصوصاً بشأن الموقف من إسرائيل ودور التمويل السياسي.
وأثار موقف ستيفنز مفاجأة لدى قيادات الحزب، خاصة أنه جاء في وقت كان فيه الديمقراطيون يسعون إلى توحيد صفوفهم خلف مرشحهم لمواجهة الجمهوريين.
وفي ردها على سؤال "الصباح" بشأن ما تعكسه النتيجة عن ميزان القوى بين الجناحين التقدمي والوسطي داخل الحزب الديمقراطي، ترى الباحثة نوال الدريسي أنه "نتيجة لتغوّل الحزب الجمهوري وهيمنته المستمرة على مجلس الشيوخ لفترة طويلة، اختار الحزب الديمقراطي، كما يتضح من خلال التوافق بين شقّيه التقدمي والوسطي، التخلي عن حالة التصادم المحموم بين أقصى يساره ووسطه، واعتماد أسلوب التوافق "الاستراتيجي" لكبح جماح الهيمنة الجمهورية على الكونغرس والرئاسة. وعليه، فإن هذا التوافق ليس توافقاً منهجياً بقدر ما هو توافق استراتيجي تفرضه ضرورات المرحلة السياسية".
مكاسب الديمقراطيين داخل الكونغرس
تطرح نتائج انتخابات التجديد النصفي تساؤلات بشأن انعكاساتها على ميزان القوى داخل المؤسسات الأمريكية، خصوصاً في ظل انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، وما يتيحه ذلك من أدوات رقابية وتشريعية في مواجهة الإدارة.
فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم صلاحيات مؤثرة، من بينها فتح تحقيقات بشأن قرارات البيت الأبيض، واستدعاء المسؤولين للاستجواب، ومراجعة الإنفاق العسكري، والتأثير في الميزانيات والتعيينات الحكومية.
وتبرز أهمية مجلس الشيوخ بصورة خاصة باعتباره الجهة المسؤولة عن المصادقة على التعيينات الرئاسية العليا والمعاهدات الدولية، فيما يضطلع مجلس النواب بدور أساسي في التشريع والإنفاق وإطلاق إجراءات العزل.
وفي هذا السياق، توجهت "الصباح" إلى الباحثة بالسؤال عن مدى قدرة عضو واحد في مجلس الشيوخ، يعارض الدعم العسكري لإسرائيل، على التأثير عملياً في القرار الأمريكي، وعن الأدوات التي يملكها داخل المجلس، سواء من خلال اللجان أو التصويت أو المبادرة التشريعية.
وتجيب الدكتورة نوال الدريسي: "إن الإجابة المختصرة هي أن عضواً واحداً في مجلس الشيوخ يمكن أن تكون له أهمية حاسمة في تغيير موازين القوى في حالة واحدة، وهي عندما يكون القرار موضع تأرجح، ويكون صوته هو الذي سيصنع الفارق، خاصة في نظام سياسي معقد مثل النظام الديمقراطي الأمريكي".
وتضيف:"وبالتالي، نعم، يمكن لعضو في مجلس الشيوخ أن يؤثر عملياً في معارضة تدخل عسكري إسرائيلي، لكن ذلك يظل مرتبطاً بما يُعرف بالـLobbying، أي نشاط جماعات الضغط، أو بما يمكن تسميته بـ"الاصطفاف" داخل المجلس، حتى تتمكن مجموعة ضغط معينة من استمالة الأغلبية والتأثير في القرار باتجاه معارضة العمليات العسكرية الإسرائيلية".
ويكتسب وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ أهمية تاريخية باعتباره أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، كما يأتي ضمن مكاسب أوسع حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، والتي مكنتهم، وفق النتائج الواردة، من استعادة السيطرة على الكونغرس بمجلسيه.
وتتجاوز دلالة هذا الفوز الجانب الرمزي المرتبط بتمثيل الأقلية المسلمة، لتشمل مواقف السيد من السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ودعوته إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لها، وانتقاده الحرب في غزة، إلى جانب برنامجه الداخلي الذي يتضمن توسيع الرعاية الصحية، وفرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات، والحد من نفوذ الشركات الكبرى.
وبين المكاسب الانتخابية والتحديات التي تفرضها طبيعة النظام السياسي الأمريكي، يبقى تأثير هذه النتائج مرتبطاً بمدى قدرة الديمقراطيين على توظيف أغلبيتهم داخل الكونغرس، وبمدى قدرتهم على تحويل مواقف مرشحيهم وتصريحاتهم الانتخابية إلى سياسات وقرارات فعلية.
بقلم: منال العابدي
-الباحثة نوال الدريسي لـ"الصباح": فوز عبد الرحمن السيد توجه جديد في سلوك الناخب الأمريكي الذي أصبح يهتم بما يُعرف في دراسات السلوك السياسي بـ"الاختيار العقلاني"
تونس-الصباح
مُني الحزب الجمهوري، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بهزيمة واسعة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بعد نجاح الديمقراطيين في السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. وفسّر ترامب هذه النتيجة بغياب اسمه عن بطاقات الاقتراع، في وقت تطرح فيه الخسارة تساؤلات بشأن قدرته على حشد الناخبين لصالح مرشحي حزبه.
ووفق أحدث الحصيلة الواردة، فاز الديمقراطيون بـ240 مقعداً في مجلس النواب مقابل 147 مقعداً للجمهوريين، فيما لا تزال نتائج 48 دائرة معلقة.
ولم تقتصر مكاسب الديمقراطيين على المستوى الاتحادي، بل امتدت إلى عدد من الولايات، حيث نجح الحزب في انتزاع مناصب حكام كانت تحت سيطرة الجمهوريين لسنوات. وتفتح هذه النتائج الباب أمام مراجعة داخل الحزب الجمهوري لأسباب التراجع، ومدى تأثير حضور ترامب السياسي في خيارات الناخبين خلال هذه الانتخابات.
وجرت الانتخابات في سياق دولي وإقليمي متوتر، في مقدمته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من اضطراب في أسواق الطاقة والملاحة، وهي تطورات امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي، بما في ذلك المنطقة العربية.
وإلى جانب البعد الاقتصادي، فرضت الحرب حالة من الترقب السياسي والأمني في المنطقة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة التوازنات الإقليمية ودور القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يتابع كثيرون في المنطقة، ومن بينهم التونسيون، ما إذا كانت نتائج الانتخابات الأمريكية ستؤثر في مقاربة واشنطن لهذه الملفات.
وترى الأستاذة الجامعية والباحثة المتحصلة على دكتوراه في العلاقات الدولية، اختصاص سياسة خارجية أمريكية في الشرق الأوسط، الدكتورة نوال الدريسي، في حوار لـ"الصباح"، أن الدول العربية يمكنها أن تستفيد، نظرياً، من وجود أصوات ذات أصول عربية داخل الكونغرس.
وتوضح الباحثة أن "السؤال الملح هو كيف ستحصل الاستفادة، باعتبار أن المسألة تنطوي على تحد كبير، لأن تلك الأصوات تعمل داخل نظام ديمقراطي تحكمه أعراف ونواميس وقوانين محددة، وهي عملياً في خدمة المواطن الأمريكي أولاً. لكن هذا لا يُقصي فرضية أن تلك الأصوات داخل الكونغرس يمكن لها أن تؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة اقتصادياً ودبلوماسيا، وذلك بتأسيس شبكات تعاون ومصالح مشتركة. كما يمكن لتلك الأصوات تكوين مجموعات ضغط قادرة على التأثير الإيجابي في علاقات الولايات المتحدة مع العالم العربي على المدى المتوسط والطويل".
هل تتغير بتغير موازين الكونغرس؟
بشأن ما إذا كان فوز الديمقراطيين يمكن أن يرتبط بتغيير في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، أم أن السياسة الخارجية تظل في الغالب بيد الإدارة التنفيذية أكثر منها بيد الكونغرس، تشير الباحثة إلى أن "السياسة الخارجية الأمريكية هي سياسة مؤسساتية ومنهجية، ولا ترتبط بفوز شخص معين أو مجموعة من الأشخاص. فرئيس الولايات المتحدة نفسه محدود الصلاحيات، وعليه الرجوع إلى المؤسسات الدستورية لاتخاذ القرارات وتنفيذها. وينطبق الأمر ذاته على أعضاء مجلس الشيوخ وغيرهم من الفاعلين السياسيين؛ إذ لا يكمن القرار وتنفيذه في "الشخصنة"، بقدر ما يرتبط بتكامل المؤسسات الدستورية وتفاعلها، وبسهر السلطات الثلاث على مراقبة بعضها بعضاً".
وتضيف أن "الكونغرس مؤسسة قوية وفاعلة، لكنه لا يحتكر سلطة اتخاذ القرار أو تنفيذه، بل يعمل ضمن منظومة دستورية متكاملة، قوامها احترام المؤسسات وعدم السماح للأشخاص، سواء في مجلس الشيوخ أو في مؤسسة الرئاسة، بالتصرف خارج الأطر القانونية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي".
عبدول السيد.. فوز تاريخي في مجلس الشيوخ
في خضم هذه التحولات، حقق الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول، فوزا تاريخيا بعد انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، إثر تغلبه على منافسه الجمهوري مايك روجرز، عضو الكونغرس السابق والضابط السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ودخل روجرز السباق بدعم من الرئيس دونالد ترامب، وسعى إلى تصوير السيد، وهو أمريكي من أصل مصري ولد في ولاية ميشيغن، على أنه متطرف ديني.
وعبدول السيد، ابن مهاجريْن مصرييْن ومسؤول صحي سابق، خاض الانتخابات ببرنامج ركز على توسيع الرعاية الصحية، والحد من نفوذ الشركات الكبرى والتمويل السياسي، إلى جانب معارضته الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
وفي قراءتها لنتيجة فوزه، ترى الباحثة نوال الدريسي أن هذا الفوز يعكس أولاً أن "المشهد الانتخابي الأمريكي يعيش تحولاً جذرياً في السياسة الداخلية الأمريكية، وذلك لأن الحزب الجمهوري أصبح يتسم بتطرف حزبي-عقائدي منذ انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة. بمعنى أن الخط الإيديولوجي الجمهوري قد حاد عن مساره نتيجة تداخل المصالح الشخصية مع أهداف الحزب، وهو ما دفع الناخب الأمريكي، حتى الأكثر محافظة منه، إلى إعادة تقييمه لخياراته الانتخابية".
وتضيف: "ثانياً، تأثر الناخب الأمريكي بخطاب اجتماعي غير معهود يركز على الطبقات المهمشة، وقد برز هذا الخطاب من خلال تجربة عمدة نيويورك ممداني، المنحدر من أصول مسلمة. ففوز ممداني في سباق عمدة نيويورك، ونجاحه في استقطاب ناخبين من مختلف المشارب الأيديولوجية، قد مهّد الطريق، بصورة غير مباشرة، لفوز عبد الرحمن السيد".
وتتابع الباحثة: "ثالثاً، يمثل فوز عبد الرحمن السيد مؤشراً على توجه جديد في سلوك الناخب الأمريكي، الذي لم يعد يولي التحزب الأهمية ذاتها، بقدر ما أصبح يهتم بما يُعرف في دراسات السلوك السياسي بـ"الاختيار العقلاني".
ويعود المسار الانتخابي لعبدول السيد إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، التي جرت في 4 أوت الماضي، حين تمكن من الفوز على النائبة هايليستيفنز، المدعومة من قيادات حزبية، بفارق ضيق. وجاء ذلك رغم الإنفاق الكبير الذي استهدف حملته، قبل انتقاله إلى مواجهة الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة.
ولم تقتصر المنافسة بين المرشحين على اختلاف البرامج السياسية، بل امتدت إلى خلفية السيد الدينية ومواقفه من السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فقد واجه اتهامات بالتطرف والتعاطف مع الإرهاب، وهي اتهامات رفضها، فيما لم تقدم الجهات التي روجت لها أدلة تثبت ارتباطه بتنظيمات إرهابية.
الهُوية الدينية في قلب الحملة الانتخابية
برزت الهجمات المرتبطة بالخلفية المسلمة لعبدول السيد خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة. ففي 25 أكتوبر، اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال تجمع انتخابي في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغن، المرشح الديمقراطي بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، ووصفه بأنه جهادي، داعياً الناخبين إلى منعه من الوصول إلى مجلس الشيوخ.
وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد وصف السيد، خلال تجمع انتخابي في ولاية ميشيغن يوم 31 أوت، بأنه "شرير للغاية"، في تصريحات جاءت ضمن سجال انتخابي تصاعدت فيه الاتهامات بشأن مواقفه السياسية وعلاقاته.
في المقابل، تمسك السيد بمواقفه الرافضة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وانتقد توجيه أموال دافعي الضرائب إلى تمويل الحروب، وهي مواقف وضعته في مواجهة مع مجموعات ضغط وشخصيات سياسية مؤيدة لإسرائيل.
وعن مدى تأثير الخلفية الدينية لعبدول السيد في فوزه، توضح الباحثة نوال الدريسي أنه "لا يمكن الجزم بأن الخلفية الدينية كانت العامل الحاسم في قلب موازين القوى وترجيح الكفة الديمقراطية على حساب الجمهوريين".
وتضيف أن الناخب الأمريكي، "رغم وجود خلفية دينية تؤثر في خياراته الاجتماعية، يظل فاعلاً عقلانياً، وفق ما أشرت إليه سابقاً في علاقة ذلك بمفهوم "الاختيار العقلاني"، علماً أن المسلمين في الولايات المتحدة لا يمثلون أغلبية".
وتشير الباحثة، في هذا السياق، إلى أنه "لهذا السبب، ولأسباب أخرى، يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية، خلال السنوات الثلاث الأخيرة تقريباً، قد ركزت على دعم الحروب التي تخوضها إسرائيل في الشرق الأوسط، سواء ضد إيران أو غيرها. وهذا التوجه، في نظر الناخب الأمريكي، لا يمثل مجرد خطأ استراتيجي، بل يشكل أيضاً استنزافاً لثروات الولايات المتحدة ومدخراتها".
وتفسر الدكتورة نوال أن خطاب عبد الرحمن السيد، شأنه في ذلك شأن خطاب ممداني قبله، هو خطاب "واقعي"، رغم أنه اتخذ خلفية دينية غُلّف بها خطابه السياسي. وفي نهاية المطاف، اختار الناخب في ميشيغن الانحياز إلى من يخدم مصالحه الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما جعل الكفة تميل لصالح الديمقراطيين.
ولا تنظر الباحثة إلى انتخاب مسلم لأول مرة في مجلس الشيوخ باعتباره مسألة تمثيل ديني مباشرة، إذ تعتبر أن ذلك يكتسب أهمية كبيرة من حيث حضور الأقلية المسلمة في المؤسسة التشريعية، لكنها تؤكد أن المسألة في السياسة الداخلية الأمريكية أكثر تعقيداً.
وتقول في هذا الشأن إنه من المهم جداً انتخاب مسلم لأول مرة في مجلس الشيوخ، ليكون صوتاً للأقلية المسلمة، لكن "المسألة في السياسة الداخلية الأمريكية ليست بهذه البساطة؛ فالشخص الذي يقع انتخابه لا يمثل أقلية بعينها، بل يتحرك داخل منظومة انتخابية مكتملة المعالم. وبالتالي، فإن دفاعه عن الحقوق والحريات سيكون على أساس "المواطنة"، لا على أساس "الانتماء العقائدي".
وتوضح أن ذلك يعني أن "عبدول السيد سيبذل جهداً للدفاع عن حقوق المسلمين باعتبارهم أقلية، لكن ذلك سيكون في إطار الدفاع الشامل عن حقوق جميع المواطنين ودافعي الضرائب، بصرف النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو السياسية أو الدينية"، وفق رأي الباحثة.
الخلاف داخل الحزب الديمقراطي
لم تخلُ الانتخابات من خلافات داخل الحزب الديمقراطي، إذ زادت التباينات حدة قبل الانتخابات العامة، بعدما أعلنت المرشحة هايليستيفنز، التي خسرت الانتخابات التمهيدية أمام عبدول السيد، تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز قبل أيام من الاقتراع.
وجاء موقفها بعد خلاف مع حملة السيد بشأن مشاركتها في الفعاليات الانتخابية، في خطوة أثارت انتقادات داخل الحزب، وكشفت استمرار التباينات بين الجناحين التقدمي والوسطي، خصوصاً بشأن الموقف من إسرائيل ودور التمويل السياسي.
وأثار موقف ستيفنز مفاجأة لدى قيادات الحزب، خاصة أنه جاء في وقت كان فيه الديمقراطيون يسعون إلى توحيد صفوفهم خلف مرشحهم لمواجهة الجمهوريين.
وفي ردها على سؤال "الصباح" بشأن ما تعكسه النتيجة عن ميزان القوى بين الجناحين التقدمي والوسطي داخل الحزب الديمقراطي، ترى الباحثة نوال الدريسي أنه "نتيجة لتغوّل الحزب الجمهوري وهيمنته المستمرة على مجلس الشيوخ لفترة طويلة، اختار الحزب الديمقراطي، كما يتضح من خلال التوافق بين شقّيه التقدمي والوسطي، التخلي عن حالة التصادم المحموم بين أقصى يساره ووسطه، واعتماد أسلوب التوافق "الاستراتيجي" لكبح جماح الهيمنة الجمهورية على الكونغرس والرئاسة. وعليه، فإن هذا التوافق ليس توافقاً منهجياً بقدر ما هو توافق استراتيجي تفرضه ضرورات المرحلة السياسية".
مكاسب الديمقراطيين داخل الكونغرس
تطرح نتائج انتخابات التجديد النصفي تساؤلات بشأن انعكاساتها على ميزان القوى داخل المؤسسات الأمريكية، خصوصاً في ظل انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، وما يتيحه ذلك من أدوات رقابية وتشريعية في مواجهة الإدارة.
فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم صلاحيات مؤثرة، من بينها فتح تحقيقات بشأن قرارات البيت الأبيض، واستدعاء المسؤولين للاستجواب، ومراجعة الإنفاق العسكري، والتأثير في الميزانيات والتعيينات الحكومية.
وتبرز أهمية مجلس الشيوخ بصورة خاصة باعتباره الجهة المسؤولة عن المصادقة على التعيينات الرئاسية العليا والمعاهدات الدولية، فيما يضطلع مجلس النواب بدور أساسي في التشريع والإنفاق وإطلاق إجراءات العزل.
وفي هذا السياق، توجهت "الصباح" إلى الباحثة بالسؤال عن مدى قدرة عضو واحد في مجلس الشيوخ، يعارض الدعم العسكري لإسرائيل، على التأثير عملياً في القرار الأمريكي، وعن الأدوات التي يملكها داخل المجلس، سواء من خلال اللجان أو التصويت أو المبادرة التشريعية.
وتجيب الدكتورة نوال الدريسي: "إن الإجابة المختصرة هي أن عضواً واحداً في مجلس الشيوخ يمكن أن تكون له أهمية حاسمة في تغيير موازين القوى في حالة واحدة، وهي عندما يكون القرار موضع تأرجح، ويكون صوته هو الذي سيصنع الفارق، خاصة في نظام سياسي معقد مثل النظام الديمقراطي الأمريكي".
وتضيف:"وبالتالي، نعم، يمكن لعضو في مجلس الشيوخ أن يؤثر عملياً في معارضة تدخل عسكري إسرائيلي، لكن ذلك يظل مرتبطاً بما يُعرف بالـLobbying، أي نشاط جماعات الضغط، أو بما يمكن تسميته بـ"الاصطفاف" داخل المجلس، حتى تتمكن مجموعة ضغط معينة من استمالة الأغلبية والتأثير في القرار باتجاه معارضة العمليات العسكرية الإسرائيلية".
ويكتسب وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ أهمية تاريخية باعتباره أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، كما يأتي ضمن مكاسب أوسع حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، والتي مكنتهم، وفق النتائج الواردة، من استعادة السيطرة على الكونغرس بمجلسيه.
وتتجاوز دلالة هذا الفوز الجانب الرمزي المرتبط بتمثيل الأقلية المسلمة، لتشمل مواقف السيد من السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، ودعوته إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لها، وانتقاده الحرب في غزة، إلى جانب برنامجه الداخلي الذي يتضمن توسيع الرعاية الصحية، وفرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات، والحد من نفوذ الشركات الكبرى.
وبين المكاسب الانتخابية والتحديات التي تفرضها طبيعة النظام السياسي الأمريكي، يبقى تأثير هذه النتائج مرتبطاً بمدى قدرة الديمقراطيين على توظيف أغلبيتهم داخل الكونغرس، وبمدى قدرتهم على تحويل مواقف مرشحيهم وتصريحاتهم الانتخابية إلى سياسات وقرارات فعلية.