إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الصباح": تونس مطالبة بالانتقال من تمويل إحداث المؤسسات إلى تمويل نموّها وابتكارها وتصديرها

رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الصباح":

تونس مطالبة بالانتقال من تمويل إحداث المؤسسات إلى تمويل نموّها وابتكارها وتصديرها

 

- توقعات بتحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير بين 8 % و12 % سنة 2027.

- المؤسسات الصغرى والمتوسطة قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي.

- بدلا من تصدير المادة الخام فقط، يجب خلق سلسلة قيمة عبر البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية.

- السوق الأوروبية تبقى أساسية، وهناك فرص مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج والأسواق الإفريقية.

- نقترح تغيير الفلسفة الاقتصادية من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، من الإحداث والبقاء إلى النمو والابتكار والتصدير.

- يجب العمل على إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين.

 

تونس – الصباح

تُعوّل تونس، ضمن منظومتها الصناعية، على النهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين، في ظل ما يتوفر في هذا القطاع من إمكانيات وقطاعات تصديرية واعدة. وفي هذا الإطار، أفاد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، مهدي بربوش، في حوار لـ«الصباح»، بأن هذا الصنف من المؤسسات يمثل قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي، مشيرا إلى توقعات بتحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير، يتراوح بين 8 % و12 % سنة 2027.

واعتبر بربوش أن السوق الأوروبية تظل أساسية، غير أن هناك فرصا مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، إلى جانب الأسواق الإفريقية.

ودعا إلى تغيير الفلسفة الاقتصادية، من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، بدءا من الإحداث والبقاء، مرورا بالنمو والابتكار، وصولا إلى التصدير. كما شدّد على ضرورة إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين. وبدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، دعا إلى إرساء سلسلة قيمة متكاملة حولها، تشمل البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية، إلى جانب التسويق الإلكتروني والتصدير، بالتوازي مع إصلاح منظومة المهن.

 

*ما تقييمكم لواقع المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين في تونس اليوم؟

نحن أمام نسيج اقتصادي ضخم من حيث العدد، لكنه لم يبلغ بعد كامل قدرته على خلق القيمة المضافة والتشغيل والتصدير.

فقد بلغ عدد المؤسسات الخاصة سنة 2024 حوالي 836,808 مؤسسات، مقابل 824,593 مؤسسة سنة 2023، من بينها 94,680 مؤسسة تنشط في القطاع الصناعي، و339,162 مؤسسة في قطاع التجارة وإصلاح السيارات والدراجات النارية.

وهذا يؤكد أن المؤسسة الخاصة، وخاصة المؤسسة الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ليست قطاعا هامشيا، بل تمثل قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي.

إلا أنه يُلاحظ أن بلادنا تمتلك قاعدة واسعة جدا من المؤسسات والمبادرات الفردية، في حين تبقى نسبة مهمة منها محدودة الحجم، وضعيفة التمويل، وتعاني أيضا من ضعف على مستوى الرقمنة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية. لذلك، يجب الانتقال من طرح سؤال: كم مؤسسة نُحدث؟ إلى سؤال آخر أكثر أهمية: كم مؤسسة نساعدها على البقاء والنمو والابتكار والتصدير؟

 

*هل يمكن للمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن تؤدي دورا فاعلا في الصناعة الذكية 4.0؟

بالتأكيد، فالصناعة 4.0 ليست حكرا على المصانع الكبرى، إذ تستطيع المؤسسة الصغيرة اعتماد الرقمنة تدريجيا، من خلال برامج إدارة المخزون والإنتاج، وأنظمة تخطيط موارد المؤسسة (ERP)، والتصميم والتصنيع بمساعدة الحاسوب، والتجارة الإلكترونية، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتتبع الرقمي للمنتجات، والصيانة الذكية، وربط المعدات.

وأقترح خلال المرحلة المقبلة إطلاق تصور وطني تحت عنوان «PME 4.0»، أي برنامج خاص لمساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الانتقال الرقمي والصناعي على مراحل، وبحسب حجم كل مؤسسة.

ولدينا رسميا 94,680 مؤسسة خاصة تنشط في القطاع الصناعي، وبالتالي فإن رقمنة جزء مهم من هذا النسيج يمكن أن تكون لها آثار مباشرة على الإنتاجية والتنافسية والجودة والتصدير.

لا نريد أن تبقى الصناعة 4.0 مجرد شعار، في حين لا تزال المؤسسة الصغيرة تدير مخزونها وفواتيرها وإنتاجها بوسائل تقليدية.

 

*كيف تساهم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيون في دفع الابتكار والتجديد والإبداع وروح المبادرة؟

لا يقتصر مفهوم الابتكار على اختراع آلة أو تكنولوجيا جديدة، فالحرفي الذي يأخذ منتجا تقليديا تونسيا ويعيد تصميمه وتغليفه ليصبح قابلا للتسويق في باريس أو دبي أو نيويورك هو أيضا مبتكر.

كما أن المؤسسة الصغيرة التي تحوّل زيت الزيتون أو الزيوت الأساسية أو النباتات العطرية التونسية إلى مستحضرات تجميل ذات قيمة مضافة أعلى هي مؤسسة مبتكرة. وينطبق الأمر ذاته على الشاب الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية لبيع منتج تونسي في الأسواق الخارجية.

وتتميز المؤسسات الصغيرة بقربها من المستهلك وبقدرتها على تغيير المنتج وتطوير أساليب التسويق بسرعة أكبر. ولذلك، فإن هدفنا كجامعة هو الانتقال من الحرفي المنتج إلى الحرفي المبتكر والمصدّر، ومن المؤسسة التي تبحث فقط عن السوق المحلية إلى المؤسسة التي تفكر في السوق الدولية منذ انطلاقها.

 

*ماهي القطاعات الواعدة والجديدة التي يمكن للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الاستثمار فيها؟

هناك مجموعة واسعة من القطاعات الواعدة، لا سيما مستحضرات التجميل الطبيعية، والزيوت الأساسية والنباتية، والنباتات العطرية والطبية، والمنتجات البيولوجية، والصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، والصناعات التقليدية ذات التصميم الحديث، والتغليف، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والاقتصاد الأخضر والدائري، إضافة إلى بعض المكونات الصناعية والتكنولوجية.

فصناعة مستحضرات التجميل الطبيعية يمكن أن تصبح قطاعا تصديريا مهما بالنسبة إلى تونس.

والدليل على ذلك مشاركة تونس للمرة الثانية، في مارس 2026، في معرض «COSMOPROF Worldwide Bologna»، الذي يُعدّ أحد أكبر المعارض الدولية لصناعة مستحضرات التجميل.

وقد شاركت ست مؤسسات تونسية في المعرض، عارضة مستحضرات تجميل طبيعية وزيوتا أساسية ونباتية ومياها زهرية، وهو ما يمثل فرصة اقتصادية حقيقية بالنسبة إلينا.

كما تمتلك تونس زيت الزيتون والزيوت النباتية والزيوت الأساسية والنباتات العطرية والمياه الزهرية، إلى جانب الخبرة البشرية.

وبدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، يجب أن نعمل على خلق سلسلة قيمة متكاملة حولها، من خلال البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية، إلى جانب التسويق الإلكتروني والتصدير.

 

*ماهي الأسواق الخارجية التي يجب أن تتوجه إليها هذه القطاعات؟

تظل السوق الأوروبية أساسية. فخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، استحوذ الاتحاد الأوروبي على 70.2 % من إجمالي الصادرات التونسية.

لكن الجامعة ترى أن المؤسسة التونسية يجب ألا تحصر رؤيتها في أوروبا فقط، إذ توجد فرص مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، إلى جانب الأسواق الإفريقية.

ويجب أن يكون اختيار الأسواق قائما على طبيعة المنتج. فمستحضرات التجميل الطبيعية، على سبيل المثال، يمكن توجيهها إلى أوروبا والخليج وأسواق إفريقية مختارة، في حين يمكن لمنتجات أخرى أن تجد فرصا أكبر في ليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء.

ونحن نرفض فكرة التصدير العشوائي، ونريد منتجا محددا لسوق محددة، بناء على دراسة للمواصفات، وخطة تسويقية، وشريك للتوزيع.

 

*كيف تقيّمون مشروع قانون المالية لسنة 2027 فيما يتعلق بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين؟*

هناك توجه ضمن المشروع يستحق التثمين، باعتباره يهدف إلى دعم الاستثمار والمؤسسة، لكننا نرى أن المطلوب يتجاوز بعض الإجراءات المتفرقة.

فالمهم ليس فقط تمويل إحداث مؤسسة جديدة، بل أيضا المحافظة على المؤسسات القائمة وإنقاذها ومساعدتها على النمو.

فهناك مؤسسات لديها أسواق وحرفاء وعمال وآلات، لكنها قد تدخل في أزمة بسبب نقص السيولة أو الديون أو التأخر في استخلاص مستحقاتها.

لذلك، قدمت الجامعة جملة من المقترحات ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، من بينها إرساء مفهوم المؤسسة المنضبطة جبائيا، وتطوير آليات المقاصة بين مستحقات المؤسسة لدى الدولة وديونها تجاهها، وتحسين تمويل رأس المال المتداول، ودعم المؤسسات الجديدة خلال سنواتها الأولى، وتشجيع الطلبة المبادرين، وتسهيل التمويل للمشاريع الصغيرة.

كما ندافع عن إرساء علامة «صُنع في تونس» لتعزيز المنتوج الوطني وتحويل المنشأ التونسي إلى قيمة تجارية وتسويقية في الداخل والخارج.

 

*فيم تتمثل الصعوبات التي تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين؟

يمكن تلخيص الصعوبات في التمويل والسيولة ورأس المال المتداول، وارتفاع كلفة المواد الأولية والطاقة، والضغط الجبائي والاجتماعي، وصعوبة النفاذ إلى القروض، وطول بعض الإجراءات الإدارية، وضعف الرقمنة، وارتفاع كلفة الحصول على شهادات الجودة والمطابقة اللازمة للتصدير، إضافة إلى محدودية الإمكانيات المخصصة للتصميم والتغليف والتسويق الدولي.

كما أن المؤسسة الصغيرة لا تستطيع بمفردها تحمّل جميع تكاليف المشاركة في المعارض الدولية، ودراسة الأسواق، والحصول على شهادات المطابقة، والإشهار، والنقل والتوزيع.

ولهذا، نقترح تغيير الفلسفة الاقتصادية، من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، بدءا من الإحداث والبقاء، وصولا إلى النمو والابتكار والتصدير.

 

*إلى أي مدى تُعاضد جامعتكم جهود المؤسسات والحرفيين في مجالات التسويق والتكوين والتوجه نحو أسواق جديدة؟

يتمثل دورنا في أن نكون حلقة وصل بين المؤسسة والفرص المتاحة، ونعمل في هذا الاتجاه على التكوين وتطوير المهارات، وتنظيم الملتقيات والندوات القطاعية، وفتح النقاش حول القطاعات الجديدة، وربط المؤسسات بالخبرات والأسواق، وتشجيع المشاركة في التظاهرات المهنية، ومساعدة الحرفيين وأصحاب المؤسسات على فهم التحولات الرقمية والتجارية.

وخلال المرحلة المقبلة، سنولي أولوية أكبر للقطاعات ذات القيمة المضافة، مثل مستحضرات التجميل، والصناعات التقليدية الحديثة، والمنتجات الطبيعية، والصناعات الغذائية، والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والصناعات ذات المحتوى التكنولوجي.

 

*ماهو برنامج الجامعة لسنة 2027؟

نريد أن تكون سنة 2027 سنة المؤسسة المنتجة والمبتكرة والمصدّرة. وسيرتكز برنامج الجامعة على رقمنة المؤسسات والانتقال نحو «PME 4.0»، والتكوين والتأهيل، وتنظيم لقاءات قطاعية حول المجالات الواعدة، ومرافقة المؤسسات في مجال التصدير والتجارة الإلكترونية، وتشجيع العلامات التجارية التونسية، وربط الحرفيين بالمصممين والجامعات ومراكز البحث، وتشجيع الشباب والنساء على المبادرة، والدفاع عن المؤسسات التي تواجه صعوبات.

كما سنواصل تقديم المقترحات التشريعية والجبائية والاقتصادية إلى مؤسسات الدولة.

لكن سنة 2027 يجب أن تحمل بالنسبة إلينا أيضا إصلاحا مؤسساتيا أعمق، يتمثل في إطلاق مشروع وطني لإصلاح منظومة المهن في تونس.

 

*ماهو مشروع الجامعة لإصلاح منظومة المهن؟ ولماذا تعتبرونه مرتبطا بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة؟

نقترح إطلاق المشروع الوطني لإصلاح منظومة المهن في تونس ومراقبتها. فالهيئات المهنية ضرورية لتنظيم المهن والمحافظة على الكفاءة وأخلاقيات الممارسة، لكن الاستقلالية المهنية يجب أن تقابلها حوكمة ورقابة ومساءلة، بما يضمن حماية الجمهور وحقوق المهنيين في الوقت نفسه.

وقد درسنا عددا من التجارب الدولية، ونعتبر أن تجربة مقاطعة كيبيك في كندا تستحق الاهتمام، دون أن يعني ذلك استنساخها حرفيا. ويعود النظام المهني الحديث في كيبيك، في ركائزه الحالية، إلى سنة 1973، مع دخول قانون المهن (Code des professions) حيز التطبيق.

واليوم، تظهر مهن جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والجمال والتجميل والصناعات الإبداعية والاقتصاد الأخضر وغيرها. وإزاء هذه التحولات، يجب طرح جملة من الأسئلة: ما طبيعة النشاط؟ وما مخاطره؟ وما الكفاءة المطلوبة؟ وما الجهة المختصة قانونا بمراقبته؟

ونقترح فتح نقاش وطني حول إحداث الهيئة الوطنية العليا للمهن.

 

*ماذا عن توقعاتكم لنمو صادرات المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين سنة 2027؟

تتمثل تقديرات الجامعة وأهدافها الاستشرافية لسنة 2027 في تحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير، يتراوح بين 8 % و12 %. ونعتبر أن هذا الهدف واقعي، شريطة تحسين التمويل والمطابقة والتسويق والرقمنة والنفاذ إلى الأسواق.

ويجب أن ننتج محليا جزءا أكبر مما نستورده، وأن نرفع نسبة القيمة المضافة المحلية ضمن صادراتنا.

ولهذا، نقترح العمل خلال سنة 2027 على إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين، يسمح للدولة والمنظمات المهنية بمعرفة عدد المؤسسات المصدّرة، وقيمة صادراتها، وطبيعة منتجاتها، ووجهاتها، وتوزيعها الجهوي، ومواطن الشغل التي توفرها، وحجم القيمة المضافة المحلية.

تمتلك تونس قاعدة حقيقية للانطلاق، من خلال العدد الكبير من المؤسسات الخاصة، كما تمتلك تقاليد حرفية وصناعية، وكفاءات بشرية، وموقعا جغرافيا استراتيجيا، وقربا من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

لكننا نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير، إذ لا نريد اقتصادا تكون فيه المؤسسة الصغيرة مطالبة فقط بالصمود أمام الصعوبات، بل نريد مؤسسة تنتج وتبتكر وترقمن وتُشغّل وتُصدّر. كما لا نريد حرفيا يبقى أسير السوق المحلية، بل حرفيا مبتكرا يمتلك علامة تجارية ويسوّق منتوجه في مختلف أنحاء العالم.

درصاف اللموشي

 

رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الصباح": تونس مطالبة بالانتقال من تمويل إحداث المؤسسات إلى تمويل نموّها وابتكارها وتصديرها

رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لـ"الصباح":

تونس مطالبة بالانتقال من تمويل إحداث المؤسسات إلى تمويل نموّها وابتكارها وتصديرها

 

- توقعات بتحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير بين 8 % و12 % سنة 2027.

- المؤسسات الصغرى والمتوسطة قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي.

- بدلا من تصدير المادة الخام فقط، يجب خلق سلسلة قيمة عبر البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية.

- السوق الأوروبية تبقى أساسية، وهناك فرص مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج والأسواق الإفريقية.

- نقترح تغيير الفلسفة الاقتصادية من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، من الإحداث والبقاء إلى النمو والابتكار والتصدير.

- يجب العمل على إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين.

 

تونس – الصباح

تُعوّل تونس، ضمن منظومتها الصناعية، على النهوض بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين، في ظل ما يتوفر في هذا القطاع من إمكانيات وقطاعات تصديرية واعدة. وفي هذا الإطار، أفاد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، مهدي بربوش، في حوار لـ«الصباح»، بأن هذا الصنف من المؤسسات يمثل قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي، مشيرا إلى توقعات بتحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير، يتراوح بين 8 % و12 % سنة 2027.

واعتبر بربوش أن السوق الأوروبية تظل أساسية، غير أن هناك فرصا مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، إلى جانب الأسواق الإفريقية.

ودعا إلى تغيير الفلسفة الاقتصادية، من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، بدءا من الإحداث والبقاء، مرورا بالنمو والابتكار، وصولا إلى التصدير. كما شدّد على ضرورة إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين. وبدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، دعا إلى إرساء سلسلة قيمة متكاملة حولها، تشمل البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية، إلى جانب التسويق الإلكتروني والتصدير، بالتوازي مع إصلاح منظومة المهن.

 

*ما تقييمكم لواقع المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين في تونس اليوم؟

نحن أمام نسيج اقتصادي ضخم من حيث العدد، لكنه لم يبلغ بعد كامل قدرته على خلق القيمة المضافة والتشغيل والتصدير.

فقد بلغ عدد المؤسسات الخاصة سنة 2024 حوالي 836,808 مؤسسات، مقابل 824,593 مؤسسة سنة 2023، من بينها 94,680 مؤسسة تنشط في القطاع الصناعي، و339,162 مؤسسة في قطاع التجارة وإصلاح السيارات والدراجات النارية.

وهذا يؤكد أن المؤسسة الخاصة، وخاصة المؤسسة الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ليست قطاعا هامشيا، بل تمثل قاعدة أساسية للنسيج الاقتصادي التونسي.

إلا أنه يُلاحظ أن بلادنا تمتلك قاعدة واسعة جدا من المؤسسات والمبادرات الفردية، في حين تبقى نسبة مهمة منها محدودة الحجم، وضعيفة التمويل، وتعاني أيضا من ضعف على مستوى الرقمنة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية. لذلك، يجب الانتقال من طرح سؤال: كم مؤسسة نُحدث؟ إلى سؤال آخر أكثر أهمية: كم مؤسسة نساعدها على البقاء والنمو والابتكار والتصدير؟

 

*هل يمكن للمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن تؤدي دورا فاعلا في الصناعة الذكية 4.0؟

بالتأكيد، فالصناعة 4.0 ليست حكرا على المصانع الكبرى، إذ تستطيع المؤسسة الصغيرة اعتماد الرقمنة تدريجيا، من خلال برامج إدارة المخزون والإنتاج، وأنظمة تخطيط موارد المؤسسة (ERP)، والتصميم والتصنيع بمساعدة الحاسوب، والتجارة الإلكترونية، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتتبع الرقمي للمنتجات، والصيانة الذكية، وربط المعدات.

وأقترح خلال المرحلة المقبلة إطلاق تصور وطني تحت عنوان «PME 4.0»، أي برنامج خاص لمساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الانتقال الرقمي والصناعي على مراحل، وبحسب حجم كل مؤسسة.

ولدينا رسميا 94,680 مؤسسة خاصة تنشط في القطاع الصناعي، وبالتالي فإن رقمنة جزء مهم من هذا النسيج يمكن أن تكون لها آثار مباشرة على الإنتاجية والتنافسية والجودة والتصدير.

لا نريد أن تبقى الصناعة 4.0 مجرد شعار، في حين لا تزال المؤسسة الصغيرة تدير مخزونها وفواتيرها وإنتاجها بوسائل تقليدية.

 

*كيف تساهم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيون في دفع الابتكار والتجديد والإبداع وروح المبادرة؟

لا يقتصر مفهوم الابتكار على اختراع آلة أو تكنولوجيا جديدة، فالحرفي الذي يأخذ منتجا تقليديا تونسيا ويعيد تصميمه وتغليفه ليصبح قابلا للتسويق في باريس أو دبي أو نيويورك هو أيضا مبتكر.

كما أن المؤسسة الصغيرة التي تحوّل زيت الزيتون أو الزيوت الأساسية أو النباتات العطرية التونسية إلى مستحضرات تجميل ذات قيمة مضافة أعلى هي مؤسسة مبتكرة. وينطبق الأمر ذاته على الشاب الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية لبيع منتج تونسي في الأسواق الخارجية.

وتتميز المؤسسات الصغيرة بقربها من المستهلك وبقدرتها على تغيير المنتج وتطوير أساليب التسويق بسرعة أكبر. ولذلك، فإن هدفنا كجامعة هو الانتقال من الحرفي المنتج إلى الحرفي المبتكر والمصدّر، ومن المؤسسة التي تبحث فقط عن السوق المحلية إلى المؤسسة التي تفكر في السوق الدولية منذ انطلاقها.

 

*ماهي القطاعات الواعدة والجديدة التي يمكن للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الاستثمار فيها؟

هناك مجموعة واسعة من القطاعات الواعدة، لا سيما مستحضرات التجميل الطبيعية، والزيوت الأساسية والنباتية، والنباتات العطرية والطبية، والمنتجات البيولوجية، والصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، والصناعات التقليدية ذات التصميم الحديث، والتغليف، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والاقتصاد الأخضر والدائري، إضافة إلى بعض المكونات الصناعية والتكنولوجية.

فصناعة مستحضرات التجميل الطبيعية يمكن أن تصبح قطاعا تصديريا مهما بالنسبة إلى تونس.

والدليل على ذلك مشاركة تونس للمرة الثانية، في مارس 2026، في معرض «COSMOPROF Worldwide Bologna»، الذي يُعدّ أحد أكبر المعارض الدولية لصناعة مستحضرات التجميل.

وقد شاركت ست مؤسسات تونسية في المعرض، عارضة مستحضرات تجميل طبيعية وزيوتا أساسية ونباتية ومياها زهرية، وهو ما يمثل فرصة اقتصادية حقيقية بالنسبة إلينا.

كما تمتلك تونس زيت الزيتون والزيوت النباتية والزيوت الأساسية والنباتات العطرية والمياه الزهرية، إلى جانب الخبرة البشرية.

وبدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، يجب أن نعمل على خلق سلسلة قيمة متكاملة حولها، من خلال البحث والتطوير والتصنيع ومراقبة الجودة والتغليف وإحداث علامة تجارية تونسية، إلى جانب التسويق الإلكتروني والتصدير.

 

*ماهي الأسواق الخارجية التي يجب أن تتوجه إليها هذه القطاعات؟

تظل السوق الأوروبية أساسية. فخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، استحوذ الاتحاد الأوروبي على 70.2 % من إجمالي الصادرات التونسية.

لكن الجامعة ترى أن المؤسسة التونسية يجب ألا تحصر رؤيتها في أوروبا فقط، إذ توجد فرص مهمة في ليبيا والجزائر ودول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، إلى جانب الأسواق الإفريقية.

ويجب أن يكون اختيار الأسواق قائما على طبيعة المنتج. فمستحضرات التجميل الطبيعية، على سبيل المثال، يمكن توجيهها إلى أوروبا والخليج وأسواق إفريقية مختارة، في حين يمكن لمنتجات أخرى أن تجد فرصا أكبر في ليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء.

ونحن نرفض فكرة التصدير العشوائي، ونريد منتجا محددا لسوق محددة، بناء على دراسة للمواصفات، وخطة تسويقية، وشريك للتوزيع.

 

*كيف تقيّمون مشروع قانون المالية لسنة 2027 فيما يتعلق بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين؟*

هناك توجه ضمن المشروع يستحق التثمين، باعتباره يهدف إلى دعم الاستثمار والمؤسسة، لكننا نرى أن المطلوب يتجاوز بعض الإجراءات المتفرقة.

فالمهم ليس فقط تمويل إحداث مؤسسة جديدة، بل أيضا المحافظة على المؤسسات القائمة وإنقاذها ومساعدتها على النمو.

فهناك مؤسسات لديها أسواق وحرفاء وعمال وآلات، لكنها قد تدخل في أزمة بسبب نقص السيولة أو الديون أو التأخر في استخلاص مستحقاتها.

لذلك، قدمت الجامعة جملة من المقترحات ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، من بينها إرساء مفهوم المؤسسة المنضبطة جبائيا، وتطوير آليات المقاصة بين مستحقات المؤسسة لدى الدولة وديونها تجاهها، وتحسين تمويل رأس المال المتداول، ودعم المؤسسات الجديدة خلال سنواتها الأولى، وتشجيع الطلبة المبادرين، وتسهيل التمويل للمشاريع الصغيرة.

كما ندافع عن إرساء علامة «صُنع في تونس» لتعزيز المنتوج الوطني وتحويل المنشأ التونسي إلى قيمة تجارية وتسويقية في الداخل والخارج.

 

*فيم تتمثل الصعوبات التي تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين؟

يمكن تلخيص الصعوبات في التمويل والسيولة ورأس المال المتداول، وارتفاع كلفة المواد الأولية والطاقة، والضغط الجبائي والاجتماعي، وصعوبة النفاذ إلى القروض، وطول بعض الإجراءات الإدارية، وضعف الرقمنة، وارتفاع كلفة الحصول على شهادات الجودة والمطابقة اللازمة للتصدير، إضافة إلى محدودية الإمكانيات المخصصة للتصميم والتغليف والتسويق الدولي.

كما أن المؤسسة الصغيرة لا تستطيع بمفردها تحمّل جميع تكاليف المشاركة في المعارض الدولية، ودراسة الأسواق، والحصول على شهادات المطابقة، والإشهار، والنقل والتوزيع.

ولهذا، نقترح تغيير الفلسفة الاقتصادية، من تمويل إحداث المؤسسة فقط إلى تمويل دورة حياتها، بدءا من الإحداث والبقاء، وصولا إلى النمو والابتكار والتصدير.

 

*إلى أي مدى تُعاضد جامعتكم جهود المؤسسات والحرفيين في مجالات التسويق والتكوين والتوجه نحو أسواق جديدة؟

يتمثل دورنا في أن نكون حلقة وصل بين المؤسسة والفرص المتاحة، ونعمل في هذا الاتجاه على التكوين وتطوير المهارات، وتنظيم الملتقيات والندوات القطاعية، وفتح النقاش حول القطاعات الجديدة، وربط المؤسسات بالخبرات والأسواق، وتشجيع المشاركة في التظاهرات المهنية، ومساعدة الحرفيين وأصحاب المؤسسات على فهم التحولات الرقمية والتجارية.

وخلال المرحلة المقبلة، سنولي أولوية أكبر للقطاعات ذات القيمة المضافة، مثل مستحضرات التجميل، والصناعات التقليدية الحديثة، والمنتجات الطبيعية، والصناعات الغذائية، والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والصناعات ذات المحتوى التكنولوجي.

 

*ماهو برنامج الجامعة لسنة 2027؟

نريد أن تكون سنة 2027 سنة المؤسسة المنتجة والمبتكرة والمصدّرة. وسيرتكز برنامج الجامعة على رقمنة المؤسسات والانتقال نحو «PME 4.0»، والتكوين والتأهيل، وتنظيم لقاءات قطاعية حول المجالات الواعدة، ومرافقة المؤسسات في مجال التصدير والتجارة الإلكترونية، وتشجيع العلامات التجارية التونسية، وربط الحرفيين بالمصممين والجامعات ومراكز البحث، وتشجيع الشباب والنساء على المبادرة، والدفاع عن المؤسسات التي تواجه صعوبات.

كما سنواصل تقديم المقترحات التشريعية والجبائية والاقتصادية إلى مؤسسات الدولة.

لكن سنة 2027 يجب أن تحمل بالنسبة إلينا أيضا إصلاحا مؤسساتيا أعمق، يتمثل في إطلاق مشروع وطني لإصلاح منظومة المهن في تونس.

 

*ماهو مشروع الجامعة لإصلاح منظومة المهن؟ ولماذا تعتبرونه مرتبطا بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة؟

نقترح إطلاق المشروع الوطني لإصلاح منظومة المهن في تونس ومراقبتها. فالهيئات المهنية ضرورية لتنظيم المهن والمحافظة على الكفاءة وأخلاقيات الممارسة، لكن الاستقلالية المهنية يجب أن تقابلها حوكمة ورقابة ومساءلة، بما يضمن حماية الجمهور وحقوق المهنيين في الوقت نفسه.

وقد درسنا عددا من التجارب الدولية، ونعتبر أن تجربة مقاطعة كيبيك في كندا تستحق الاهتمام، دون أن يعني ذلك استنساخها حرفيا. ويعود النظام المهني الحديث في كيبيك، في ركائزه الحالية، إلى سنة 1973، مع دخول قانون المهن (Code des professions) حيز التطبيق.

واليوم، تظهر مهن جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والجمال والتجميل والصناعات الإبداعية والاقتصاد الأخضر وغيرها. وإزاء هذه التحولات، يجب طرح جملة من الأسئلة: ما طبيعة النشاط؟ وما مخاطره؟ وما الكفاءة المطلوبة؟ وما الجهة المختصة قانونا بمراقبته؟

ونقترح فتح نقاش وطني حول إحداث الهيئة الوطنية العليا للمهن.

 

*ماذا عن توقعاتكم لنمو صادرات المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين سنة 2027؟

تتمثل تقديرات الجامعة وأهدافها الاستشرافية لسنة 2027 في تحقيق نمو في صادرات المؤسسات الصغيرة والحرفيين المستهدفين بسياسات التصدير، يتراوح بين 8 % و12 %. ونعتبر أن هذا الهدف واقعي، شريطة تحسين التمويل والمطابقة والتسويق والرقمنة والنفاذ إلى الأسواق.

ويجب أن ننتج محليا جزءا أكبر مما نستورده، وأن نرفع نسبة القيمة المضافة المحلية ضمن صادراتنا.

ولهذا، نقترح العمل خلال سنة 2027 على إنشاء مرصد خاص بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين، يسمح للدولة والمنظمات المهنية بمعرفة عدد المؤسسات المصدّرة، وقيمة صادراتها، وطبيعة منتجاتها، ووجهاتها، وتوزيعها الجهوي، ومواطن الشغل التي توفرها، وحجم القيمة المضافة المحلية.

تمتلك تونس قاعدة حقيقية للانطلاق، من خلال العدد الكبير من المؤسسات الخاصة، كما تمتلك تقاليد حرفية وصناعية، وكفاءات بشرية، وموقعا جغرافيا استراتيجيا، وقربا من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

لكننا نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير، إذ لا نريد اقتصادا تكون فيه المؤسسة الصغيرة مطالبة فقط بالصمود أمام الصعوبات، بل نريد مؤسسة تنتج وتبتكر وترقمن وتُشغّل وتُصدّر. كما لا نريد حرفيا يبقى أسير السوق المحلية، بل حرفيا مبتكرا يمتلك علامة تجارية ويسوّق منتوجه في مختلف أنحاء العالم.

درصاف اللموشي