إصلاح المدرسة التونسية يبدأ بضمان تكافؤ الفرص وتعزيز دور الأولياء في بناء مدرسة عمومية ناجحة..
تونس ـ الصباح
يمثّل اليوم إصلاح المنظومة التربوية أحد أبرز الملفات المطروحة في تونس، في ظلّ التوجّه نحو إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وما يرافقه من انتظارات تتعلّق بمستقبل المدرسة العمومية ودورها في ضمان تعليم جيد وتكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
ويطرح هذا المسار جملة من الأسئلة بشأن واقع المدرسة التونسية، والصعوبات التي تواجه العائلات في تأمين التمدرس لأبنائها، إلى جانب ضرورة تطوير الحياة المدرسية وتعزيز الشراكة بين مختلف مكوّنات الأسرة التربوية.
وتتزايد أهمية هذه الملفات في ظلّ التحديات المرتبطة بالانقطاع المبكر عن الدراسة، وتفاوت فرص النجاح بين الجهات والفئات الاجتماعية، وارتفاع كلفة التمدرس والدروس الخصوصية. وهي مسائل تجعل من إصلاح المدرسة العمومية واستعادة دورها الاجتماعي والتعليمي أولوية تستوجب مقاربة شاملة تراعي مصلحة التلميذ وتستجيب لانتظارات الأولياء.
كما يطرح إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم، باعتباره مؤسسة ذات منزلة دستورية، تساؤلات حول دوره في تأطير الإصلاح التربوي وضمان استمراريته، ومدى قدرة مختلف الأطراف المعنية، وفي مقدّمتها الأولياء، على المساهمة في بلورة السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بالنهوض بالمنظومة التربوية.
وفي هذا الإطار، كان لـ«الصباح» حوار مع رضا الزهروني، رئيس الجمعية التونسية لأولياء التلاميذ، للوقوف على تقييمه لواقع المدرسة التونسية، وأبرز الإصلاحات المطلوبة لضمان تعليم جيد، ودور المرحلة الابتدائية في تحسين النتائج الدراسية، فضلًا عن أهمية إشراك الأولياء في صياغة مستقبل المدرسة التونسية وتفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم. وفي ما يلي نص الحوار:
حاورته: أميرة الدريدي
*بعد إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وفي ظلّ التوجّه نحو إصلاح المنظومة التربوية، كيف تقيّمون واقع المدرسة التونسية اليوم من وجهة نظر الأولياء والتلاميذ؟
راهنت قياداتنا السياسية، منذ الاستقلال، على التربية والتعليم والعلم والمعرفة لإرساء ثوابت دولة عصرية ومدنية متطوّرة في كل الميادين، وكانت النتائج في مستوى الآمال والرهانات والاستثمارات. غير أنّ إصلاحي 1991 و2002 عكسا منحى مسيرة مدرستنا في اتجاه التدنّي، ليتراجع أداؤها سنة بعد سنة. وهذا واقع يقرّ به كل المختصين والمعنيين بالشأن التربوي، وطنيًا ودوليًا.
وتتّضح معالم المأزق الذي تعيشه منظومتنا التربوية اليوم عندما نتوقّف بموضوعية ومسؤولية عند أهم مؤشراتها، ونقرأ انعكاساتها السلبية، وندرك درجة خطورتها العاجلة والآجلة على المتعلّم والعائلة والمصلحة الوطنية.
وقد أكّد تقريرا «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE»، المتعلقان بنتائج الدراسة الخاصة بـ«البرنامج الدولي لمتابعة الإضافة المعرفية عند التلاميذ PISA»، التي شاركت فيها بلادنا سنتي 2012 و2014، احتلال المدرسة التونسية المراتب الأخيرة مقارنة بالمدارس الأخرى. كما استنتج تقرير البنك الدولي لسنة 2020 إهدار قدرات رأس المال البشري التونسي، حيث يفقد الطفل التونسي حوالي 48 بالمائة من قدرته على الإنتاج في نهاية مساره الدراسي، مقارنة بما يمكنه تحقيقه لو تلقّى تعليمًا جيدًا وحظي بالرعاية الصحية الضرورية.
ويؤكّد تقرير وزارة التربية لسنة 2023 الانقطاع المبكر عن الدراسة لحوالي مائة ألف تلميذ كل سنة.
وتنهار، في المقابل، نسب النجاح الفعلية في الامتحانات الوطنية إلى أقل من 10 بالمائة في مناظرتَي «السيزيام» و«النوفيام»، وأقل من 20 بالمائة في امتحان الباكالوريا، داخل الفئة العمرية نفسها خلال السنة الفارطة. وفقدت المدرسة العمومية، منذ سنوات عديدة، قدرتها على ضمان حقّي مجانية التعليم والعدالة الاجتماعية، ولم تعد، بالتالي، مصعدا اجتماعيا؛ إذ أصبح النجاح اليوم مرتبطا أساسا بالوضعية الاجتماعية والمادية والثقافية للعائلة والجهة التي ينتمي إليها التلميذ، وبما يقدر عليه الأولياء من استثمار في الدروس الخصوصية، التي يتراوح رقم معاملاتها بين 1.5 و3 مليارات دينار، أو في المدارس الخاصة.
وقد أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد هذا الواقع عند إشرافه على يوم العلم في أوت 2023، بإقراره أنّ خريطة الفقر في تونس هي نفسها خريطة النجاح في الامتحانات الوطنية.
كما تؤكّد التقارير، من جهة أخرى، عزوف التلاميذ عن شعبة الرياضيات، التي لا تتجاوز نسبة المترشحين لها 6% من مجموع المترشحين لامتحان الباكالوريا لدورة جوان 2026، أي أقل من 2 بالمائة من التلاميذ المنتمين إلى الفئة العمرية نفسها.
ويُضاف إلى ذلك تنامي ظاهرة العنف المدرسي، وهجرة التعليم العمومي إلى التعليم الخاص، وتواتر أزمات التعليم العمومي، واتّساع حجم الفوارق المادية بين العائلات والجهات، وهي فوارق نسجّلها سنويا على مستوى خريطة النجاح في المناظرات الوطنية وأرقامها.
وتؤكّد كل هذه المؤشرات، ومن دون أي هامش للخطأ، درجة انهيار أداء المنظومة التربوية التونسية بمختلف مكوّناتها، وفشلها في تمكين المتعلّم من التحصيل الذي يؤهّله للنجاح في مشواره الدراسي، بما يضمن له بدوره النجاح في حياته.
*ماهي أبرز الإصلاحات التي تعتبرونها أولوية لضمان تعليم جيد يستجيب لانتظارات العائلات والتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة؟
كل ما يريده الولي هو إصلاحات تطمئنه على مستقبل ابنه وابنته، من خلال إرساء مدرسة عمومية مجانية تكون بالفعل مصعدًا اجتماعيًا لكل أبناء تونس وبناتها، أينما كانوا ومتى كانوا، وتضمن لهم تكافؤ الفرص بما تحمله هذه العبارة من معانٍ.
فالولي يصبو إلى إصلاح يرى من خلاله أملًا فعليًا في نجاح أبنائه بالمدرسة العمومية طيلة مسارهم الدراسي، ويوفّر عليه كلفة الدروس الخصوصية، ويجنّب أبناءه الإرهاق المعنوي والبدني، ويجعله مطمئنًا على سلامتهم البدنية والمعنوية، ويحميهم من مخاطر الطريق والسلوكيات السيئة.
* أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة ضمان المساواة وتكافؤ الفرص في التعليم، مع توفير النقل والأكل والإقامة. فإلى أي مدى تعكس هذه التوجّهات مشاغل الأولياء؟ وماهي أبرز الصعوبات التي ما تزال تواجه العائلات في تأمين التمدرس، خاصة في الجهات ذات الإمكانات المحدودة؟
ما يرتئيه الولي بالفعل هو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية عند استقباله وزيرة الشؤون الثقافية والكاتب العام للمجلس الأعلى للتربية والتعليم.
إنّه يريد مدرسة عمومية توفّر لتلاميذنا، وخاصة المنتمين منهم إلى العائلات محدودة الدخل، تكاليف النقل والأكل والإقامة واللباس والمستلزمات المدرسية. فنحن نعلم جيدًا أنّ المعدّل العام للدخل الشهري لا يتجاوز ألف دينار، ونعلم أيضًا أنّ نسبة الفقر في بلادنا تُقدّر بحوالي 18 بالمائة من مكوّنات المجتمع.
ونقف يوميا على تدهور القدرة الشرائية، وعلى ما يتطلّبه المسار الدراسي من مصاريف يومية، وخاصة العلاقة الكارثية بين النجاح والدروس الخصوصية. ونعلم أيضًا أنّ عديد العائلات تمتنع حتى عن تسجيل أطفالها بالمدرسة، وهو ما يتجلّى في تراجع نسبة التمدرس، في حين تضطر عائلات أخرى إلى إيقاف أبنائها عن الدراسة بسبب محدودية مواردها المادية.
*دعا رئيس الدولة إلى إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، إلى جانب تلقين مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي. كيف تنظرون إلى دور هذه التوجّهات في تطوير الحياة المدرسية وتحسين علاقة التلميذ بمحيطه التربوي؟
كنت دائما أؤكّد، منذ سنوات عديدة، ومن موقعي المتواضع، وفي كل مناسبة تتاح لي فيها فرصة الحديث عن إصلاح مدرستنا، أهمية الإسراع في الانطلاق بالمرحلة الابتدائية. فهذا شرط ضروري وغير قابل للمساومة لمن يريد بالفعل إيصال مشروع الإصلاح بأكمله إلى برّ الأمان.
فجلّ الدراسات ذات الصلة، إلى جانب آراء خبراء التربية، تؤكّد أنّ المرحلة الابتدائية تمثّل الركيزة المحدِّدة على الإطلاق، التي توجّه كامل المسار الدراسي. وهي المرحلة التي ستتحوّل بالتأكيد إلى طوق نجاة لمنظومتنا التربوية، وخاصة مدرستنا العمومية. ولا يعني ذلك إهمال بقية المراحل، التي تتطلّب بدورها تخطيطًا محكمًا في مختلف مراحل إصلاحها.
وقد أكّدت عديد المنظمات الناشطة في المجال التربوي، على غرار منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، إلى جانب عديد الدراسات المتقاطعة التي أنجزتها هياكل مختصّة، على غرار إدارة التقييم والتنبؤ والأداء في فرنسا وجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، أنّ الطفل، عندما يتقن مهارات القراءة والكتابة والحساب منذ البداية، ترتفع لديه، بشكل تصاعدي، احتمالات النجاح في بقية مراحل تعليمه، الإعدادي والثانوي ثم العالي.
وتؤكّد عديد الدراسات الأخرى، مثل الدراسة التي نشرها «المنتدى الوطني لسياسات وبرامج الطفولة المبكرة»، أنّ كل دولار (أو دينار تونسي) نحرص على حسن استثماره في تعليم الطفولة المبكرة يضمن قيمة مضافة تتراوح بين 4 و9 دولارات (أو ما بين 4 و9 دنانير بعملتنا)، وذلك طيلة الحياة المستقبلية للتلميذ.
وعلى الرغم من أنّ القيمة المضافة المذكورة ليست مادية ولا تستجيب لمنطق الاستثمار المالي بمفهومه المتداول، فإنّ مكاسب التعليم الابتدائي تكون عمومًا اقتصادية، وتتأتّى من المدّخرات الاجتماعية بمفهومها الشامل. فالمجموعة الوطنية والفرد يسجّلان ارتفاعا في مداخيلهما المستقبلية بفضل المكاسب التي يحقّقها الطفل الذي يمتلك قاعدة صلبة في القراءة والحساب، وهي قاعدة تؤهّله إلى متابعة دراسات أطول عندما تكون لديه الرغبة في ذلك، وإلى التكوين في مهن ذات قدرة تشغيلية عالية عندما يصبح كهلا.
ويُضاف إلى ذلك انخفاض كلفة معالجة الظواهر السلبية المرتبطة بالتربية، وهي الكلفة التي تتحمّلها المجموعة العامة بسبب رسوب التلاميذ المتكرّر وانقطاعهم المبكر عن الدراسة والعنف المدرسي والدروس الخصوصية، فضلًا عن انخفاض مستوى مصاريف النزاعات الاجتماعية والقضائية. فعادةً ما لا نرى التلميذ الذي ينطلق في مساره بتلقّي تعليم ابتدائي ممتاز يتعمّد اللجوء إلى طلب المساعدات الاجتماعية أو القيام بأعمال غير سليمة أو غير قانونية.
* ماهي الضمانات التي ترونها ضرورية حتى يكون الأولياء شركاء فعليين في إصلاح المنظومة التربوية وصياغة مستقبل المدرسة التونسية؟
نذكّر أولا بأنّ الفصل 52 من دستور 25 جويلية 2022 جعل الأولياء شركاء للدولة في كل ما يتعلّق بتربية الأبناء وتعليمهم وصحتهم ورعايتهم وكرامتهم.
ونذكّر أيضا بأنّ الفصل 47 من القانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002، المؤرّخ في 23 جويلية 2002، والمتعلّق بالتربية والتعليم المدرسي، ينصّ على أنّ الأسرة التربوية تتكوّن من إطار التدريس، وإطار الإشراف الإداري والبيداغوجي، ومرشدي الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، والمرشدين التربويين، والقيّمين، والأولياء، والتلاميذ، والجمعيات ذات العلاقة. وتضطلع هذه الأسرة بالمهام الموكولة إليها في نطاق الوظائف الأساسية للمدرسة، في كنف التعاون والتكامل.
يمكننا تصنيف الأولياء حسب تدرّج مستوياتهم التعليمية، وتنوّع مهنهم واختصاصاتهم، واختلاف انتماءاتهم الاجتماعية. وقد اعتدنا التعامل معهم، منذ سنوات، على هذا الأساس، متجاهلين في المقابل أنّ مصالحهم جميعًا تتلاقى في النهاية مع مصالح المنظومة التربوية عمومًا، والمدرسة العمومية بالخصوص، ومع متطلّبات تطوّر المجتمع ونموّه وأمنه واستقراره وازدهاره، والمتمثّلة في ضمان نجاح بناتهم وأبنائهم في مسارهم الدراسي.
وهو ما يدلّنا على الدور الأساسي والمحوري للولي عندما نريد بالفعل إنجاح العملية التربوية في كل مراحلها، على غرار ما هو معمول به في الأنظمة العالمية ذات الأداء المتميّز. فاستقالة الأولياء، أو تعمّد إقالتهم كما هو الحال اليوم ومنذ سنوات عديدة، كان وما يزال من بين الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تراجع مستويات أداء المدرسة التونسية، وخاصة المدرسة العمومية.
وهو ما يتطلّب ضمان تمثيل الأولياء صلب المجلس الأعلى للتربية والتعليم، بهدف المساهمة في بلورة السياسات والاستراتيجيات الهادفة إلى النهوض بالقطاع، وهو تمثيل معتمد في عديد الأنظمة التربوية المتميّزة.
ويتطلّب الأمر أيضا إرساء شراكة فاعلة وبنّاءة مع الأولياء، من خلال تفعيل مجالس المؤسسات التربوية، بهدف المساهمة في الرفع من أداء المنظومة على مستوى كل مدرسة ابتدائية ومدرسة إعدادية ومعهد ثانوي، وذلك من خلال تشجيع بعث جمعيات أولياء التلاميذ في كل مؤسسة تربوية، تشريعا وممارسة، على غرار ما هو معمول به في الأنظمة التربوية المتطوّرة.
فمثل هذه الجمعيات تبقى التنظيم الأمثل لتأطير الأولياء، بهدف الرفع من درجة وعيهم بواجباتهم وحقوقهم، عندما يتعلّق الأمر بانتخاب ممثّليهم في مجالس المؤسسات والمجلس الأعلى للتربية والتعليم.
ومن الضروري اليوم الوعي بأهمية التشجيع على إرساء شراكة بنّاءة بين جميع أعضاء الأسرة التربوية، خاصة عندما تُبنى على الثقة المتبادلة واحترام القوانين والأهداف والاختصاصات، لتتحوّل إلى ممارسات فعلية وتقاليد وطنية.
فسياسة الثقة تأتي بثمارها مهما طالت المدة ومهما كانت درجة الخطورة، في حين تبقى سياسة انعدام الثقة عديمة الثمار على الدوام.
والعائلة التربوية، من وجهة نظرنا، أشبه بمثلث متساوي الأضلاع، تحتلّ قممه الثلاث إطارات الإدارة والتسيير، وإطارات التدريس، والأولياء، فيما يحتلّ التلاميذ مركز ثقله. وكلّما اقتربت القمم من بعضها البعض، كان التلميذ هو المستفيد الأساسي، وكلّما ابتعدت القمم عن بعضها، أو حدث اختلال في مقاييس المثلث، كان التلميذ الأكثر تضرّرًا.
* نال المجلس الأعلى للتربية والتعليم منزلة دستورية، وفي انتظار تفعيل عمله ميدانيا، كيف تقرؤون هذا المسار؟ وماهو الدور المنتظر من جمعية الأولياء والتلاميذ في ترجمته إلى واقع ملموس؟
حدّد الفصل 135 من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 25 جويلية 2022 مهام المجلس الأعلى للتربية والتعليم كالآتي: "يتولّى المجلس الأعلى للتّربية والتّعليم إبداء الرّأي في الخطط الوطنيّة الكبرى في مجال التّربية والتّعليم والبحث العلميّ والتّكوين المهنيّ وآفاق التشغيل".
وأضاف الفصل 12 من المرسوم عدد 2 لسنة 2024، المؤرّخ في 16 سبتمبر 2024، والمتعلّق بتنظيم المجلس الأعلى للتربية والتعليم، أنّ هذا المجلس يُبدي رأيه وجوبًا في كل المسائل التي نصّ عليها الفصل 135 من الدستور.
ويُبدي المجلس أيضا رأيه وجوبا في المسائل التي يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم. كما يمكنه أن يتعهّد تلقائيًا بالمسائل ذات العلاقة باختصاصاته لإبداء الرأي بشأنها.
ومن هذا المنطلق، يجب التأكيد على أنّ مجال اهتمام المجلس يتجاوز الشأن التربوي ليشمل التعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، وعلى ضرورة استشارته عندما يتعلّق الأمر بالخطط الوطنية الكبرى في هذه المجالات.
ويُستنتج من مهام هذه المؤسسة الدستورية أنّها لن تقوم مقام الوزارات المعنية بالمجالات المذكورة أعلاه، وهي مطالبة وجوبًا باستشارته عندما يتعلّق الأمر بالسياسات العامة والخطط الكبرى الخاصة بها. ومن الضروري التذكير والوعي بأنّ مجالات اختصاصه تتخطّى حدود التربية والتعليم، وبالتالي فإنّ مهامه تتجاوز الجزئيات والتصرّف اليومي للوزارات المعنية.
وأعتقد أنّ من أوكد المسائل التي ستُطرح عليه في الوقت الحالي الإصلاح التربوي. أي إنّ تفعيل هذا المجلس، بعد إرسائه، سيمكّن من الخروج من أحادية القرار أو الاكتفاء بثنائية التعامل مع الطرف النقابي عندما يتعلّق الأمر بالشأن التربوي، وسيضمن بالتالي مأسسة عملية الإصلاح وتفادي الارتجال والحلول السطحية، وذلك عندما يتمّ بالفعل تكليف هذه المؤسسة بقيادة مشروع الإصلاح في كل مراحله، دراسةً وتنفيذًا ومتابعةً، في مرحلة أولى، ثمّ بتعهّدها بضمان دوام جودة أداء المدرسة التونسية في مرحلة ثانية.
والأولياء شركاء للدولة فيما يتعلّق بالتربية والتعليم، ومن الضروري أن يتمّ تمثيلهم في هذا المجلس عندما نبحث عن الجدوى القصوى للفعل التربوي.
إصلاح المدرسة التونسية يبدأ بضمان تكافؤ الفرص وتعزيز دور الأولياء في بناء مدرسة عمومية ناجحة..
تونس ـ الصباح
يمثّل اليوم إصلاح المنظومة التربوية أحد أبرز الملفات المطروحة في تونس، في ظلّ التوجّه نحو إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وما يرافقه من انتظارات تتعلّق بمستقبل المدرسة العمومية ودورها في ضمان تعليم جيد وتكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
ويطرح هذا المسار جملة من الأسئلة بشأن واقع المدرسة التونسية، والصعوبات التي تواجه العائلات في تأمين التمدرس لأبنائها، إلى جانب ضرورة تطوير الحياة المدرسية وتعزيز الشراكة بين مختلف مكوّنات الأسرة التربوية.
وتتزايد أهمية هذه الملفات في ظلّ التحديات المرتبطة بالانقطاع المبكر عن الدراسة، وتفاوت فرص النجاح بين الجهات والفئات الاجتماعية، وارتفاع كلفة التمدرس والدروس الخصوصية. وهي مسائل تجعل من إصلاح المدرسة العمومية واستعادة دورها الاجتماعي والتعليمي أولوية تستوجب مقاربة شاملة تراعي مصلحة التلميذ وتستجيب لانتظارات الأولياء.
كما يطرح إحداث المجلس الأعلى للتربية والتعليم، باعتباره مؤسسة ذات منزلة دستورية، تساؤلات حول دوره في تأطير الإصلاح التربوي وضمان استمراريته، ومدى قدرة مختلف الأطراف المعنية، وفي مقدّمتها الأولياء، على المساهمة في بلورة السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بالنهوض بالمنظومة التربوية.
وفي هذا الإطار، كان لـ«الصباح» حوار مع رضا الزهروني، رئيس الجمعية التونسية لأولياء التلاميذ، للوقوف على تقييمه لواقع المدرسة التونسية، وأبرز الإصلاحات المطلوبة لضمان تعليم جيد، ودور المرحلة الابتدائية في تحسين النتائج الدراسية، فضلًا عن أهمية إشراك الأولياء في صياغة مستقبل المدرسة التونسية وتفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم. وفي ما يلي نص الحوار:
حاورته: أميرة الدريدي
*بعد إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وفي ظلّ التوجّه نحو إصلاح المنظومة التربوية، كيف تقيّمون واقع المدرسة التونسية اليوم من وجهة نظر الأولياء والتلاميذ؟
راهنت قياداتنا السياسية، منذ الاستقلال، على التربية والتعليم والعلم والمعرفة لإرساء ثوابت دولة عصرية ومدنية متطوّرة في كل الميادين، وكانت النتائج في مستوى الآمال والرهانات والاستثمارات. غير أنّ إصلاحي 1991 و2002 عكسا منحى مسيرة مدرستنا في اتجاه التدنّي، ليتراجع أداؤها سنة بعد سنة. وهذا واقع يقرّ به كل المختصين والمعنيين بالشأن التربوي، وطنيًا ودوليًا.
وتتّضح معالم المأزق الذي تعيشه منظومتنا التربوية اليوم عندما نتوقّف بموضوعية ومسؤولية عند أهم مؤشراتها، ونقرأ انعكاساتها السلبية، وندرك درجة خطورتها العاجلة والآجلة على المتعلّم والعائلة والمصلحة الوطنية.
وقد أكّد تقريرا «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE»، المتعلقان بنتائج الدراسة الخاصة بـ«البرنامج الدولي لمتابعة الإضافة المعرفية عند التلاميذ PISA»، التي شاركت فيها بلادنا سنتي 2012 و2014، احتلال المدرسة التونسية المراتب الأخيرة مقارنة بالمدارس الأخرى. كما استنتج تقرير البنك الدولي لسنة 2020 إهدار قدرات رأس المال البشري التونسي، حيث يفقد الطفل التونسي حوالي 48 بالمائة من قدرته على الإنتاج في نهاية مساره الدراسي، مقارنة بما يمكنه تحقيقه لو تلقّى تعليمًا جيدًا وحظي بالرعاية الصحية الضرورية.
ويؤكّد تقرير وزارة التربية لسنة 2023 الانقطاع المبكر عن الدراسة لحوالي مائة ألف تلميذ كل سنة.
وتنهار، في المقابل، نسب النجاح الفعلية في الامتحانات الوطنية إلى أقل من 10 بالمائة في مناظرتَي «السيزيام» و«النوفيام»، وأقل من 20 بالمائة في امتحان الباكالوريا، داخل الفئة العمرية نفسها خلال السنة الفارطة. وفقدت المدرسة العمومية، منذ سنوات عديدة، قدرتها على ضمان حقّي مجانية التعليم والعدالة الاجتماعية، ولم تعد، بالتالي، مصعدا اجتماعيا؛ إذ أصبح النجاح اليوم مرتبطا أساسا بالوضعية الاجتماعية والمادية والثقافية للعائلة والجهة التي ينتمي إليها التلميذ، وبما يقدر عليه الأولياء من استثمار في الدروس الخصوصية، التي يتراوح رقم معاملاتها بين 1.5 و3 مليارات دينار، أو في المدارس الخاصة.
وقد أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد هذا الواقع عند إشرافه على يوم العلم في أوت 2023، بإقراره أنّ خريطة الفقر في تونس هي نفسها خريطة النجاح في الامتحانات الوطنية.
كما تؤكّد التقارير، من جهة أخرى، عزوف التلاميذ عن شعبة الرياضيات، التي لا تتجاوز نسبة المترشحين لها 6% من مجموع المترشحين لامتحان الباكالوريا لدورة جوان 2026، أي أقل من 2 بالمائة من التلاميذ المنتمين إلى الفئة العمرية نفسها.
ويُضاف إلى ذلك تنامي ظاهرة العنف المدرسي، وهجرة التعليم العمومي إلى التعليم الخاص، وتواتر أزمات التعليم العمومي، واتّساع حجم الفوارق المادية بين العائلات والجهات، وهي فوارق نسجّلها سنويا على مستوى خريطة النجاح في المناظرات الوطنية وأرقامها.
وتؤكّد كل هذه المؤشرات، ومن دون أي هامش للخطأ، درجة انهيار أداء المنظومة التربوية التونسية بمختلف مكوّناتها، وفشلها في تمكين المتعلّم من التحصيل الذي يؤهّله للنجاح في مشواره الدراسي، بما يضمن له بدوره النجاح في حياته.
*ماهي أبرز الإصلاحات التي تعتبرونها أولوية لضمان تعليم جيد يستجيب لانتظارات العائلات والتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة؟
كل ما يريده الولي هو إصلاحات تطمئنه على مستقبل ابنه وابنته، من خلال إرساء مدرسة عمومية مجانية تكون بالفعل مصعدًا اجتماعيًا لكل أبناء تونس وبناتها، أينما كانوا ومتى كانوا، وتضمن لهم تكافؤ الفرص بما تحمله هذه العبارة من معانٍ.
فالولي يصبو إلى إصلاح يرى من خلاله أملًا فعليًا في نجاح أبنائه بالمدرسة العمومية طيلة مسارهم الدراسي، ويوفّر عليه كلفة الدروس الخصوصية، ويجنّب أبناءه الإرهاق المعنوي والبدني، ويجعله مطمئنًا على سلامتهم البدنية والمعنوية، ويحميهم من مخاطر الطريق والسلوكيات السيئة.
* أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة ضمان المساواة وتكافؤ الفرص في التعليم، مع توفير النقل والأكل والإقامة. فإلى أي مدى تعكس هذه التوجّهات مشاغل الأولياء؟ وماهي أبرز الصعوبات التي ما تزال تواجه العائلات في تأمين التمدرس، خاصة في الجهات ذات الإمكانات المحدودة؟
ما يرتئيه الولي بالفعل هو ما عبّر عنه رئيس الجمهورية عند استقباله وزيرة الشؤون الثقافية والكاتب العام للمجلس الأعلى للتربية والتعليم.
إنّه يريد مدرسة عمومية توفّر لتلاميذنا، وخاصة المنتمين منهم إلى العائلات محدودة الدخل، تكاليف النقل والأكل والإقامة واللباس والمستلزمات المدرسية. فنحن نعلم جيدًا أنّ المعدّل العام للدخل الشهري لا يتجاوز ألف دينار، ونعلم أيضًا أنّ نسبة الفقر في بلادنا تُقدّر بحوالي 18 بالمائة من مكوّنات المجتمع.
ونقف يوميا على تدهور القدرة الشرائية، وعلى ما يتطلّبه المسار الدراسي من مصاريف يومية، وخاصة العلاقة الكارثية بين النجاح والدروس الخصوصية. ونعلم أيضًا أنّ عديد العائلات تمتنع حتى عن تسجيل أطفالها بالمدرسة، وهو ما يتجلّى في تراجع نسبة التمدرس، في حين تضطر عائلات أخرى إلى إيقاف أبنائها عن الدراسة بسبب محدودية مواردها المادية.
*دعا رئيس الدولة إلى إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، إلى جانب تلقين مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي. كيف تنظرون إلى دور هذه التوجّهات في تطوير الحياة المدرسية وتحسين علاقة التلميذ بمحيطه التربوي؟
كنت دائما أؤكّد، منذ سنوات عديدة، ومن موقعي المتواضع، وفي كل مناسبة تتاح لي فيها فرصة الحديث عن إصلاح مدرستنا، أهمية الإسراع في الانطلاق بالمرحلة الابتدائية. فهذا شرط ضروري وغير قابل للمساومة لمن يريد بالفعل إيصال مشروع الإصلاح بأكمله إلى برّ الأمان.
فجلّ الدراسات ذات الصلة، إلى جانب آراء خبراء التربية، تؤكّد أنّ المرحلة الابتدائية تمثّل الركيزة المحدِّدة على الإطلاق، التي توجّه كامل المسار الدراسي. وهي المرحلة التي ستتحوّل بالتأكيد إلى طوق نجاة لمنظومتنا التربوية، وخاصة مدرستنا العمومية. ولا يعني ذلك إهمال بقية المراحل، التي تتطلّب بدورها تخطيطًا محكمًا في مختلف مراحل إصلاحها.
وقد أكّدت عديد المنظمات الناشطة في المجال التربوي، على غرار منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، إلى جانب عديد الدراسات المتقاطعة التي أنجزتها هياكل مختصّة، على غرار إدارة التقييم والتنبؤ والأداء في فرنسا وجامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، أنّ الطفل، عندما يتقن مهارات القراءة والكتابة والحساب منذ البداية، ترتفع لديه، بشكل تصاعدي، احتمالات النجاح في بقية مراحل تعليمه، الإعدادي والثانوي ثم العالي.
وتؤكّد عديد الدراسات الأخرى، مثل الدراسة التي نشرها «المنتدى الوطني لسياسات وبرامج الطفولة المبكرة»، أنّ كل دولار (أو دينار تونسي) نحرص على حسن استثماره في تعليم الطفولة المبكرة يضمن قيمة مضافة تتراوح بين 4 و9 دولارات (أو ما بين 4 و9 دنانير بعملتنا)، وذلك طيلة الحياة المستقبلية للتلميذ.
وعلى الرغم من أنّ القيمة المضافة المذكورة ليست مادية ولا تستجيب لمنطق الاستثمار المالي بمفهومه المتداول، فإنّ مكاسب التعليم الابتدائي تكون عمومًا اقتصادية، وتتأتّى من المدّخرات الاجتماعية بمفهومها الشامل. فالمجموعة الوطنية والفرد يسجّلان ارتفاعا في مداخيلهما المستقبلية بفضل المكاسب التي يحقّقها الطفل الذي يمتلك قاعدة صلبة في القراءة والحساب، وهي قاعدة تؤهّله إلى متابعة دراسات أطول عندما تكون لديه الرغبة في ذلك، وإلى التكوين في مهن ذات قدرة تشغيلية عالية عندما يصبح كهلا.
ويُضاف إلى ذلك انخفاض كلفة معالجة الظواهر السلبية المرتبطة بالتربية، وهي الكلفة التي تتحمّلها المجموعة العامة بسبب رسوب التلاميذ المتكرّر وانقطاعهم المبكر عن الدراسة والعنف المدرسي والدروس الخصوصية، فضلًا عن انخفاض مستوى مصاريف النزاعات الاجتماعية والقضائية. فعادةً ما لا نرى التلميذ الذي ينطلق في مساره بتلقّي تعليم ابتدائي ممتاز يتعمّد اللجوء إلى طلب المساعدات الاجتماعية أو القيام بأعمال غير سليمة أو غير قانونية.
* ماهي الضمانات التي ترونها ضرورية حتى يكون الأولياء شركاء فعليين في إصلاح المنظومة التربوية وصياغة مستقبل المدرسة التونسية؟
نذكّر أولا بأنّ الفصل 52 من دستور 25 جويلية 2022 جعل الأولياء شركاء للدولة في كل ما يتعلّق بتربية الأبناء وتعليمهم وصحتهم ورعايتهم وكرامتهم.
ونذكّر أيضا بأنّ الفصل 47 من القانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002، المؤرّخ في 23 جويلية 2002، والمتعلّق بالتربية والتعليم المدرسي، ينصّ على أنّ الأسرة التربوية تتكوّن من إطار التدريس، وإطار الإشراف الإداري والبيداغوجي، ومرشدي الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، والمرشدين التربويين، والقيّمين، والأولياء، والتلاميذ، والجمعيات ذات العلاقة. وتضطلع هذه الأسرة بالمهام الموكولة إليها في نطاق الوظائف الأساسية للمدرسة، في كنف التعاون والتكامل.
يمكننا تصنيف الأولياء حسب تدرّج مستوياتهم التعليمية، وتنوّع مهنهم واختصاصاتهم، واختلاف انتماءاتهم الاجتماعية. وقد اعتدنا التعامل معهم، منذ سنوات، على هذا الأساس، متجاهلين في المقابل أنّ مصالحهم جميعًا تتلاقى في النهاية مع مصالح المنظومة التربوية عمومًا، والمدرسة العمومية بالخصوص، ومع متطلّبات تطوّر المجتمع ونموّه وأمنه واستقراره وازدهاره، والمتمثّلة في ضمان نجاح بناتهم وأبنائهم في مسارهم الدراسي.
وهو ما يدلّنا على الدور الأساسي والمحوري للولي عندما نريد بالفعل إنجاح العملية التربوية في كل مراحلها، على غرار ما هو معمول به في الأنظمة العالمية ذات الأداء المتميّز. فاستقالة الأولياء، أو تعمّد إقالتهم كما هو الحال اليوم ومنذ سنوات عديدة، كان وما يزال من بين الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تراجع مستويات أداء المدرسة التونسية، وخاصة المدرسة العمومية.
وهو ما يتطلّب ضمان تمثيل الأولياء صلب المجلس الأعلى للتربية والتعليم، بهدف المساهمة في بلورة السياسات والاستراتيجيات الهادفة إلى النهوض بالقطاع، وهو تمثيل معتمد في عديد الأنظمة التربوية المتميّزة.
ويتطلّب الأمر أيضا إرساء شراكة فاعلة وبنّاءة مع الأولياء، من خلال تفعيل مجالس المؤسسات التربوية، بهدف المساهمة في الرفع من أداء المنظومة على مستوى كل مدرسة ابتدائية ومدرسة إعدادية ومعهد ثانوي، وذلك من خلال تشجيع بعث جمعيات أولياء التلاميذ في كل مؤسسة تربوية، تشريعا وممارسة، على غرار ما هو معمول به في الأنظمة التربوية المتطوّرة.
فمثل هذه الجمعيات تبقى التنظيم الأمثل لتأطير الأولياء، بهدف الرفع من درجة وعيهم بواجباتهم وحقوقهم، عندما يتعلّق الأمر بانتخاب ممثّليهم في مجالس المؤسسات والمجلس الأعلى للتربية والتعليم.
ومن الضروري اليوم الوعي بأهمية التشجيع على إرساء شراكة بنّاءة بين جميع أعضاء الأسرة التربوية، خاصة عندما تُبنى على الثقة المتبادلة واحترام القوانين والأهداف والاختصاصات، لتتحوّل إلى ممارسات فعلية وتقاليد وطنية.
فسياسة الثقة تأتي بثمارها مهما طالت المدة ومهما كانت درجة الخطورة، في حين تبقى سياسة انعدام الثقة عديمة الثمار على الدوام.
والعائلة التربوية، من وجهة نظرنا، أشبه بمثلث متساوي الأضلاع، تحتلّ قممه الثلاث إطارات الإدارة والتسيير، وإطارات التدريس، والأولياء، فيما يحتلّ التلاميذ مركز ثقله. وكلّما اقتربت القمم من بعضها البعض، كان التلميذ هو المستفيد الأساسي، وكلّما ابتعدت القمم عن بعضها، أو حدث اختلال في مقاييس المثلث، كان التلميذ الأكثر تضرّرًا.
* نال المجلس الأعلى للتربية والتعليم منزلة دستورية، وفي انتظار تفعيل عمله ميدانيا، كيف تقرؤون هذا المسار؟ وماهو الدور المنتظر من جمعية الأولياء والتلاميذ في ترجمته إلى واقع ملموس؟
حدّد الفصل 135 من دستور الجمهورية التونسية الصادر في 25 جويلية 2022 مهام المجلس الأعلى للتربية والتعليم كالآتي: "يتولّى المجلس الأعلى للتّربية والتّعليم إبداء الرّأي في الخطط الوطنيّة الكبرى في مجال التّربية والتّعليم والبحث العلميّ والتّكوين المهنيّ وآفاق التشغيل".
وأضاف الفصل 12 من المرسوم عدد 2 لسنة 2024، المؤرّخ في 16 سبتمبر 2024، والمتعلّق بتنظيم المجلس الأعلى للتربية والتعليم، أنّ هذا المجلس يُبدي رأيه وجوبًا في كل المسائل التي نصّ عليها الفصل 135 من الدستور.
ويُبدي المجلس أيضا رأيه وجوبا في المسائل التي يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس نواب الشعب أو رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم. كما يمكنه أن يتعهّد تلقائيًا بالمسائل ذات العلاقة باختصاصاته لإبداء الرأي بشأنها.
ومن هذا المنطلق، يجب التأكيد على أنّ مجال اهتمام المجلس يتجاوز الشأن التربوي ليشمل التعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، وعلى ضرورة استشارته عندما يتعلّق الأمر بالخطط الوطنية الكبرى في هذه المجالات.
ويُستنتج من مهام هذه المؤسسة الدستورية أنّها لن تقوم مقام الوزارات المعنية بالمجالات المذكورة أعلاه، وهي مطالبة وجوبًا باستشارته عندما يتعلّق الأمر بالسياسات العامة والخطط الكبرى الخاصة بها. ومن الضروري التذكير والوعي بأنّ مجالات اختصاصه تتخطّى حدود التربية والتعليم، وبالتالي فإنّ مهامه تتجاوز الجزئيات والتصرّف اليومي للوزارات المعنية.
وأعتقد أنّ من أوكد المسائل التي ستُطرح عليه في الوقت الحالي الإصلاح التربوي. أي إنّ تفعيل هذا المجلس، بعد إرسائه، سيمكّن من الخروج من أحادية القرار أو الاكتفاء بثنائية التعامل مع الطرف النقابي عندما يتعلّق الأمر بالشأن التربوي، وسيضمن بالتالي مأسسة عملية الإصلاح وتفادي الارتجال والحلول السطحية، وذلك عندما يتمّ بالفعل تكليف هذه المؤسسة بقيادة مشروع الإصلاح في كل مراحله، دراسةً وتنفيذًا ومتابعةً، في مرحلة أولى، ثمّ بتعهّدها بضمان دوام جودة أداء المدرسة التونسية في مرحلة ثانية.
والأولياء شركاء للدولة فيما يتعلّق بالتربية والتعليم، ومن الضروري أن يتمّ تمثيلهم في هذا المجلس عندما نبحث عن الجدوى القصوى للفعل التربوي.