إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس والعمل متعدد الأطراف..  خيار استراتيجي يتحول إلى شراكات ومشاريع

 

تونس – الصباح

يحتفي العالم يوم 24 أكتوبر الجاري بيوم الأمم المتحدة، وهي مناسبة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها العمل متعدد الأطراف في توجهات السياسة الخارجية التونسية، وما يرافق ذلك من حضور متنامٍ في مختلف المحافل والفضاءات الدولية.

ويترجم هذا الطرح بوضوح خيار رئيس الدولة قيس سعيد، الذي جعل من العمل متعدد الأطراف إحدى الآليات الأساسية لتحرك تونس خارجيا، انطلاقا من قناعة مفادها أن نجاعة الدولة وفاعليتها صلب المؤسسات والمنظمات الدولية يجب أن تتجاوز حدود المشاركة وتسجيل المواقف الضيقة، لتشكّل مساحة للدفاع عن السيادة الوطنية، وترسيخ ثوابت السياسة الخارجية، والانتصار لقضايا الشعوب العادلة، مع ضرورة بناء علاقات دولية تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

وضمن هذه المقاربة، اتسعت منظومة العمل متعدد الأطراف لتشمل قضايا ترتبط مباشرة بالأمن والتنمية ومستقبل الدول والمجتمعات، على غرار قضايا الهجرة والمناخ والمياه والأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا.

ويعكس هذا الاتساع، في جانب منه، التوجه الذي يتوخاه رئيس الدولة قيس سعيد، والقائم على اعتبار أن العلاقات الدولية تمثل، بالدرجة الأولى، فضاءً للتعاون وتبادل المصالح والخبرات.

وهو ما يفسر توجه تونس، على مدار السنوات الماضية، نحو تنويع شركائها وتوسيع دائرة علاقاتها، بما يسمح بتطوير مسارات جديدة للتعاون الثنائي والعمل متعدد الأطراف. غير أن الأهم هو أن هذا التوجه بدأ يُترجم إلى نتائج ومسارات تعاون تتعدد مجالاتها، بما يؤشر إلى أن الحضور الفاعل صلب المنظمات والمحافل الدولية يمكن أن يتحول إلى رافعة فعلية لخدمة المصالح الوطنية، وإعلاء صوت تونس، وترسيخ دورها في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

ومن هذا المنطلق، أقر رئيس الجمهورية قيس سعيد سنة 2025 سنة للعمل متعدد الأطراف، بما يعكس إدراكا لأهمية الحضور التونسي الفاعل داخل المنظمات الدولية والفضاءات التي تتيح للدول الدفاع عن مصالحها ومواقفها، إلى جانب المساهمة في صياغة المقاربات الجماعية بشأن مختلف القضايا المطروحة على الساحة الدولية. وقد وضع هذا الإقرار التعددية في صميم التحرك الخارجي للدولة، ودفع نحو تكثيف المشاركة في مختلف المحافل الدولية، وتوسيع دائرة التنسيق مع الدول والمنظمات، والتفاعل مع الملفات التي تحظى بأولوية على المستوى الدولي.

ويعكس اختيار سنة كاملة لهذا المسار رغبة في ترسيخ سياسة العمل المنظم والمتواصل، بحيث تصبح التعددية إطاراً جامعاً للتحرك الدبلوماسي. وهو ما جعل سنة 2025 محطة لتأكيد عدد من الثوابت التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد في مقاربته للعلاقات الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، والدفع نحو حلول سلمية للنزاعات، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي على قاعدة الندية والمصالح المشتركة.

وضمن هذا التمشي، لم ينقض العمل متعدد الأطراف بانتهاء سنة 2025، بل تعزز وتحول إلى مسار متواصل انعكست ملامحه في مجمل التحركات الدبلوماسية المكثفة، وفي تنوع الملفات والشراكات، بما يؤكد أن الهدف كان ترسيخ التعددية خياراً ثابتاً في تحرك تونس الخارجي. ولعل ما لمسناه لاحقاً من حراك في ملفات سياسية واقتصادية وتنموية يؤشر إلى أن هذا التوجه تحول من خيار معلن إلى ممارسة دبلوماسية أكثر حضوراً وفاعلية.

الأمم المتحدة.. فضاء لترسيخ الثوابت

يتمثل أحد أبرز أوجه مقاربة رئيس الدولة قيس سعيد للعمل متعدد الأطراف في توظيف المنابر الدولية لتثبيت الثوابت التي تقوم عليها السياسة الخارجية التونسية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، والتمسك بحق الشعوب في تقرير مصيرها، علاوة على الدفع نحو حلول سياسية للنزاعات بعيداً عن سياستي الإملاءات وفرض الأمر الواقع.

وقد تجلى هذا الطرح في تعاطي تونس مع عدد من القضايا الإقليمية والدولية، حيث لم يكن الخطاب الرسمي قائماً على الاصطفاف ضمن محاور بعينها بقدر ما كان يستند إلى مبدأ واضح، وهو الدفاع عن مبادئ القانون الدولي وتغليب منطق الحوار والتسويات السياسية.

وبذلك، بات المنبر الأممي بالنسبة إلى بلادنا مساحة لتأكيد ثوابت تونس، وليس مجرد منصة لعرض مواقفها فحسب، وهو ما يتماشى في جوهره مع الرهان الذي وضعته الدولة في أعلى هرمها.

القضية الفلسطينية.. حجر الأساس

تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تكشف طبيعة التوجه الذي يضبطه رئيس الدولة قيس سعيد للعمل متعدد الأطراف. فقد حافظت تونس على حضور القضية الفلسطينية ضمن تحركها الدبلوماسي، انطلاقاً من موقف يعتبر أن المسألة ليست ملفاً إقليمياً عابراً، وإنما قضية مرتبطة مباشرة بالعدالة الدولية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هذا المنطلق، مثّل الفضاء الأممي أحد أهم المجالات التي واصلت تونس من خلالها التأكيد على ضرورة وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني، وعلى أهمية تحرك المجتمع الدولي وتحمل مسؤولياته في حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.

وتتقاطع هذه المقاربة مع الرؤية التي يطرحها رئيس الدولة بشأن ضرورة أن تستعيد المؤسسات الدولية فاعليتها، وأن يكون القانون الدولي قاعدة مشتركة للجميع. وبالتالي، عكس حضور القضية الفلسطينية صلب تحرك تونس ضمن منظومة العمل متعدد الأطراف تمسكاً بأن تكون المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، فضاءً فعلياً للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب، وترجمة مبادئ القانون الدولي إلى مواقف وقرارات.

كما عكس هذا الحضور ثبات المقاربة التونسية التي تعتبر القضية الفلسطينية حجر الأساس، بوصفها قضية عدالة وحق، مؤكدة ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة.

تعدد الشراكات

لا ينفصل رهان رئيس الدولة قيس سعيد عن مقاربة سياسية للعلاقات الدولية تقوم على تنويع الشراكات وعدم انحصار تونس في دائرة واحدة، باعتبار أن التعددية تمنح الدولة هامشاً أكبر للتحرك، كما تتيح لها تطوير علاقاتها مع مختلف القوى والتجمعات الإقليمية والدولية على قاعدة الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.

وفي هذا السياق، تكشف التحركات الدبلوماسية خلال الفترة الأخيرة عن اتساع هذا الحضور، سواء عبر العلاقات مع الدول العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية، أو من خلال الانخراط في الفضاءات الدولية ومتعددة الأطراف.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن تونس حافظت على علاقاتها مع شركائها التقليديين، لكنها، في المقابل، انفتحت على مسارات وأطر جديدة للتعاون مع شركاء جدد، مما أفضى إلى فتح مجالات تعاون جديدة وتيسير بناء شراكات في الاقتصاد والتنمية والأمن والمناخ والعلوم والتكنولوجيا.

وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أن المجالات المرتبطة بالتنمية والمناخ والمياه والأمن الغذائي عززت تطور مقاربة تونس للعمل متعدد الأطراف، بالنظر إلى أن هذه الملفات لم تعد مسائل قطاعية منفصلة، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للدول.

وفي هذا الإطار، يندرج اهتمام تونس بالتعاون الدولي في مجالات المياه والتغيرات المناخية والفلاحة الذكية والأمن الغذائي ضمن تصور يقوم على الاستفادة من الخبرات الدولية والتكنولوجيا والتمويلات، مع الحفاظ على الأولويات الوطنية.

وقد باتت هذه المجالات حاضرة بقوة في أجندة التعاون التونسي مع عدد من الشركاء، وهو ما يعكس قدرة الدبلوماسية متعددة الأطراف على فتح قنوات وأطر تعاون جديدة.

الدبلوماسية الاقتصادية

وضمن هذا التمشي، تتجلى نتائج هذا التوجه بصورة واضحة في المجال الاقتصادي، حيث باتت السياسة الخارجية مطالبة بفتح مساحات جديدة أمام الاقتصاد الوطني للتعاون والاستثمار والنفاذ إلى الأسواق.

وفي هذا السياق، يربط رئيس الدولة قيس سعيد، في أكثر من مناسبة، بين استقلالية القرار الوطني وبناء اقتصاد قادر على الإنتاج وخلق الثروة، وهو ما يجعل الدبلوماسية الاقتصادية جزءاً من المعادلة الجديدة للسياسة الخارجية.

وبالتالي، فإن العمل متعدد الأطراف من شأنه أن يوفر لتونس منصات للتعريف بقدراتها، واستقطاب الاستثمارات، وتبادل الخبرات، وبناء مشاريع مشتركة في قطاعات استراتيجية، على غرار الطاقة والمياه والصناعات والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

غير أن الأهم هو أن هذا المسار ينسجم مع مقاربة تنويع الشركاء التي باتت اليوم إحدى توجهات السياسة الخارجية، بما يتيح البحث عن أسواق جديدة ومصادر جديدة للتكنولوجيا والتمويل والخبرة.

نتائج تُسجَّل

وبالعودة إلى ما ذكرناه سابقاً بخصوص رهان رئيس الدولة قيس سعيد على آلية العمل متعدد الأطراف، التي تعتبر اليوم خيار المرحلة، جدير بالذكر أن هذا التوجه بدأ يسفر عن ديناميكية على مستوى علاقات تونس الخارجية.

ويستمد هذا الطرح شرعيته من تعدد مجالات التعاون مع عدد من الدول، سواء كانت عربية أو إفريقية أو أوروبية أو آسيوية، بالتوازي مع تنامي الحضور التونسي صلب النقاشات الدولية المرتبطة بالهجرة والمناخ والتنمية، إلى جانب تحرك دبلوماسي أكثر كثافة في الفضاءات العربية والإفريقية والدولية.

كما أن عددا من الملفات التي كانت تُطرح في السابق ضمن إطار العلاقات الثنائية أصبحت اليوم مرتبطة بشبكة واسعة من التعاون الدولي، تشمل المؤسسات الأممية والمنظمات الدولية والدول الشريكة ومؤسسات التمويل والخبرة.

وقد أفضى ذلك إلى مشاريع فعلية أصبحت اليوم قيد الإنجاز في عدد من المجالات الحيوية، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو بالمشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والاقتصاد الأخضر والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. وتكشف هذه المشاريع، التي انتقلت من مستوى الاتفاقيات والتصورات إلى مرحلة التنفيذ، عن جانب عملي من ثمار الانفتاح على الشراكات متعددة الأطراف، وعن قدرة هذا المسار على تحويل التعاون الدولي إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

وبذلك، فإن العمل متعدد الأطراف الذي يراهن عليه اليوم رئيس الدولة قيس سعيد لم يعد يقتصر على الحضور في المحافل الدولية أو الدفاع عن المواقف والثوابت، وإنما بدأ يجد ترجمته أيضاً في مشاريع واستثمارات وبرامج قيد الإنجاز، بما يجعل الدبلوماسية اليوم أكثر التصاقاً بالأولويات الوطنية ومخططات التنمية، وأكثر قدرة على استقطاب الخبرات والتكنولوجيا والتمويلات الضرورية لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية للدولة.

وهو ما يؤكد أن التعددية، حين تقترن بإرادة سياسية واضحة وأولويات وطنية محددة، يمكن أن تتحول من فضاء لتنسيق المواقف إلى رافعة فعلية للإنجاز والتنمية.

وبالعودة إلى يوم الأمم المتحدة، الذي يوافق 24 أكتوبر من كل سنة، يبدو هذا التاريخ بالنسبة إلى تونس محطة للتوقف عند مسار كامل. فبعد سنوات من التحرك على أكثر من واجهة، تبدو التعددية بالنسبة إلى تونس خياراً متكاملاً يجمع بين الدفاع عن السيادة، والتمسك بالقانون الدولي، وتثبيت المواقف من القضايا العادلة، وتنويع الشركاء، وفتح أبواب التعاون الاقتصادي والتنموي.

منال حرزي

 

تونس والعمل متعدد الأطراف..   خيار استراتيجي يتحول إلى شراكات ومشاريع

 

تونس – الصباح

يحتفي العالم يوم 24 أكتوبر الجاري بيوم الأمم المتحدة، وهي مناسبة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها العمل متعدد الأطراف في توجهات السياسة الخارجية التونسية، وما يرافق ذلك من حضور متنامٍ في مختلف المحافل والفضاءات الدولية.

ويترجم هذا الطرح بوضوح خيار رئيس الدولة قيس سعيد، الذي جعل من العمل متعدد الأطراف إحدى الآليات الأساسية لتحرك تونس خارجيا، انطلاقا من قناعة مفادها أن نجاعة الدولة وفاعليتها صلب المؤسسات والمنظمات الدولية يجب أن تتجاوز حدود المشاركة وتسجيل المواقف الضيقة، لتشكّل مساحة للدفاع عن السيادة الوطنية، وترسيخ ثوابت السياسة الخارجية، والانتصار لقضايا الشعوب العادلة، مع ضرورة بناء علاقات دولية تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

وضمن هذه المقاربة، اتسعت منظومة العمل متعدد الأطراف لتشمل قضايا ترتبط مباشرة بالأمن والتنمية ومستقبل الدول والمجتمعات، على غرار قضايا الهجرة والمناخ والمياه والأمن الغذائي والطاقة والتكنولوجيا.

ويعكس هذا الاتساع، في جانب منه، التوجه الذي يتوخاه رئيس الدولة قيس سعيد، والقائم على اعتبار أن العلاقات الدولية تمثل، بالدرجة الأولى، فضاءً للتعاون وتبادل المصالح والخبرات.

وهو ما يفسر توجه تونس، على مدار السنوات الماضية، نحو تنويع شركائها وتوسيع دائرة علاقاتها، بما يسمح بتطوير مسارات جديدة للتعاون الثنائي والعمل متعدد الأطراف. غير أن الأهم هو أن هذا التوجه بدأ يُترجم إلى نتائج ومسارات تعاون تتعدد مجالاتها، بما يؤشر إلى أن الحضور الفاعل صلب المنظمات والمحافل الدولية يمكن أن يتحول إلى رافعة فعلية لخدمة المصالح الوطنية، وإعلاء صوت تونس، وترسيخ دورها في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

ومن هذا المنطلق، أقر رئيس الجمهورية قيس سعيد سنة 2025 سنة للعمل متعدد الأطراف، بما يعكس إدراكا لأهمية الحضور التونسي الفاعل داخل المنظمات الدولية والفضاءات التي تتيح للدول الدفاع عن مصالحها ومواقفها، إلى جانب المساهمة في صياغة المقاربات الجماعية بشأن مختلف القضايا المطروحة على الساحة الدولية. وقد وضع هذا الإقرار التعددية في صميم التحرك الخارجي للدولة، ودفع نحو تكثيف المشاركة في مختلف المحافل الدولية، وتوسيع دائرة التنسيق مع الدول والمنظمات، والتفاعل مع الملفات التي تحظى بأولوية على المستوى الدولي.

ويعكس اختيار سنة كاملة لهذا المسار رغبة في ترسيخ سياسة العمل المنظم والمتواصل، بحيث تصبح التعددية إطاراً جامعاً للتحرك الدبلوماسي. وهو ما جعل سنة 2025 محطة لتأكيد عدد من الثوابت التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد في مقاربته للعلاقات الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، والدفع نحو حلول سلمية للنزاعات، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي على قاعدة الندية والمصالح المشتركة.

وضمن هذا التمشي، لم ينقض العمل متعدد الأطراف بانتهاء سنة 2025، بل تعزز وتحول إلى مسار متواصل انعكست ملامحه في مجمل التحركات الدبلوماسية المكثفة، وفي تنوع الملفات والشراكات، بما يؤكد أن الهدف كان ترسيخ التعددية خياراً ثابتاً في تحرك تونس الخارجي. ولعل ما لمسناه لاحقاً من حراك في ملفات سياسية واقتصادية وتنموية يؤشر إلى أن هذا التوجه تحول من خيار معلن إلى ممارسة دبلوماسية أكثر حضوراً وفاعلية.

الأمم المتحدة.. فضاء لترسيخ الثوابت

يتمثل أحد أبرز أوجه مقاربة رئيس الدولة قيس سعيد للعمل متعدد الأطراف في توظيف المنابر الدولية لتثبيت الثوابت التي تقوم عليها السياسة الخارجية التونسية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، والتمسك بحق الشعوب في تقرير مصيرها، علاوة على الدفع نحو حلول سياسية للنزاعات بعيداً عن سياستي الإملاءات وفرض الأمر الواقع.

وقد تجلى هذا الطرح في تعاطي تونس مع عدد من القضايا الإقليمية والدولية، حيث لم يكن الخطاب الرسمي قائماً على الاصطفاف ضمن محاور بعينها بقدر ما كان يستند إلى مبدأ واضح، وهو الدفاع عن مبادئ القانون الدولي وتغليب منطق الحوار والتسويات السياسية.

وبذلك، بات المنبر الأممي بالنسبة إلى بلادنا مساحة لتأكيد ثوابت تونس، وليس مجرد منصة لعرض مواقفها فحسب، وهو ما يتماشى في جوهره مع الرهان الذي وضعته الدولة في أعلى هرمها.

القضية الفلسطينية.. حجر الأساس

تأتي القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تكشف طبيعة التوجه الذي يضبطه رئيس الدولة قيس سعيد للعمل متعدد الأطراف. فقد حافظت تونس على حضور القضية الفلسطينية ضمن تحركها الدبلوماسي، انطلاقاً من موقف يعتبر أن المسألة ليست ملفاً إقليمياً عابراً، وإنما قضية مرتبطة مباشرة بالعدالة الدولية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هذا المنطلق، مثّل الفضاء الأممي أحد أهم المجالات التي واصلت تونس من خلالها التأكيد على ضرورة وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني، وعلى أهمية تحرك المجتمع الدولي وتحمل مسؤولياته في حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.

وتتقاطع هذه المقاربة مع الرؤية التي يطرحها رئيس الدولة بشأن ضرورة أن تستعيد المؤسسات الدولية فاعليتها، وأن يكون القانون الدولي قاعدة مشتركة للجميع. وبالتالي، عكس حضور القضية الفلسطينية صلب تحرك تونس ضمن منظومة العمل متعدد الأطراف تمسكاً بأن تكون المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، فضاءً فعلياً للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب، وترجمة مبادئ القانون الدولي إلى مواقف وقرارات.

كما عكس هذا الحضور ثبات المقاربة التونسية التي تعتبر القضية الفلسطينية حجر الأساس، بوصفها قضية عدالة وحق، مؤكدة ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته في وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة.

تعدد الشراكات

لا ينفصل رهان رئيس الدولة قيس سعيد عن مقاربة سياسية للعلاقات الدولية تقوم على تنويع الشراكات وعدم انحصار تونس في دائرة واحدة، باعتبار أن التعددية تمنح الدولة هامشاً أكبر للتحرك، كما تتيح لها تطوير علاقاتها مع مختلف القوى والتجمعات الإقليمية والدولية على قاعدة الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.

وفي هذا السياق، تكشف التحركات الدبلوماسية خلال الفترة الأخيرة عن اتساع هذا الحضور، سواء عبر العلاقات مع الدول العربية والإفريقية والأوروبية والآسيوية، أو من خلال الانخراط في الفضاءات الدولية ومتعددة الأطراف.

وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن تونس حافظت على علاقاتها مع شركائها التقليديين، لكنها، في المقابل، انفتحت على مسارات وأطر جديدة للتعاون مع شركاء جدد، مما أفضى إلى فتح مجالات تعاون جديدة وتيسير بناء شراكات في الاقتصاد والتنمية والأمن والمناخ والعلوم والتكنولوجيا.

وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أن المجالات المرتبطة بالتنمية والمناخ والمياه والأمن الغذائي عززت تطور مقاربة تونس للعمل متعدد الأطراف، بالنظر إلى أن هذه الملفات لم تعد مسائل قطاعية منفصلة، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للدول.

وفي هذا الإطار، يندرج اهتمام تونس بالتعاون الدولي في مجالات المياه والتغيرات المناخية والفلاحة الذكية والأمن الغذائي ضمن تصور يقوم على الاستفادة من الخبرات الدولية والتكنولوجيا والتمويلات، مع الحفاظ على الأولويات الوطنية.

وقد باتت هذه المجالات حاضرة بقوة في أجندة التعاون التونسي مع عدد من الشركاء، وهو ما يعكس قدرة الدبلوماسية متعددة الأطراف على فتح قنوات وأطر تعاون جديدة.

الدبلوماسية الاقتصادية

وضمن هذا التمشي، تتجلى نتائج هذا التوجه بصورة واضحة في المجال الاقتصادي، حيث باتت السياسة الخارجية مطالبة بفتح مساحات جديدة أمام الاقتصاد الوطني للتعاون والاستثمار والنفاذ إلى الأسواق.

وفي هذا السياق، يربط رئيس الدولة قيس سعيد، في أكثر من مناسبة، بين استقلالية القرار الوطني وبناء اقتصاد قادر على الإنتاج وخلق الثروة، وهو ما يجعل الدبلوماسية الاقتصادية جزءاً من المعادلة الجديدة للسياسة الخارجية.

وبالتالي، فإن العمل متعدد الأطراف من شأنه أن يوفر لتونس منصات للتعريف بقدراتها، واستقطاب الاستثمارات، وتبادل الخبرات، وبناء مشاريع مشتركة في قطاعات استراتيجية، على غرار الطاقة والمياه والصناعات والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

غير أن الأهم هو أن هذا المسار ينسجم مع مقاربة تنويع الشركاء التي باتت اليوم إحدى توجهات السياسة الخارجية، بما يتيح البحث عن أسواق جديدة ومصادر جديدة للتكنولوجيا والتمويل والخبرة.

نتائج تُسجَّل

وبالعودة إلى ما ذكرناه سابقاً بخصوص رهان رئيس الدولة قيس سعيد على آلية العمل متعدد الأطراف، التي تعتبر اليوم خيار المرحلة، جدير بالذكر أن هذا التوجه بدأ يسفر عن ديناميكية على مستوى علاقات تونس الخارجية.

ويستمد هذا الطرح شرعيته من تعدد مجالات التعاون مع عدد من الدول، سواء كانت عربية أو إفريقية أو أوروبية أو آسيوية، بالتوازي مع تنامي الحضور التونسي صلب النقاشات الدولية المرتبطة بالهجرة والمناخ والتنمية، إلى جانب تحرك دبلوماسي أكثر كثافة في الفضاءات العربية والإفريقية والدولية.

كما أن عددا من الملفات التي كانت تُطرح في السابق ضمن إطار العلاقات الثنائية أصبحت اليوم مرتبطة بشبكة واسعة من التعاون الدولي، تشمل المؤسسات الأممية والمنظمات الدولية والدول الشريكة ومؤسسات التمويل والخبرة.

وقد أفضى ذلك إلى مشاريع فعلية أصبحت اليوم قيد الإنجاز في عدد من المجالات الحيوية، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية أو بالمشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والاقتصاد الأخضر والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. وتكشف هذه المشاريع، التي انتقلت من مستوى الاتفاقيات والتصورات إلى مرحلة التنفيذ، عن جانب عملي من ثمار الانفتاح على الشراكات متعددة الأطراف، وعن قدرة هذا المسار على تحويل التعاون الدولي إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

وبذلك، فإن العمل متعدد الأطراف الذي يراهن عليه اليوم رئيس الدولة قيس سعيد لم يعد يقتصر على الحضور في المحافل الدولية أو الدفاع عن المواقف والثوابت، وإنما بدأ يجد ترجمته أيضاً في مشاريع واستثمارات وبرامج قيد الإنجاز، بما يجعل الدبلوماسية اليوم أكثر التصاقاً بالأولويات الوطنية ومخططات التنمية، وأكثر قدرة على استقطاب الخبرات والتكنولوجيا والتمويلات الضرورية لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية للدولة.

وهو ما يؤكد أن التعددية، حين تقترن بإرادة سياسية واضحة وأولويات وطنية محددة، يمكن أن تتحول من فضاء لتنسيق المواقف إلى رافعة فعلية للإنجاز والتنمية.

وبالعودة إلى يوم الأمم المتحدة، الذي يوافق 24 أكتوبر من كل سنة، يبدو هذا التاريخ بالنسبة إلى تونس محطة للتوقف عند مسار كامل. فبعد سنوات من التحرك على أكثر من واجهة، تبدو التعددية بالنسبة إلى تونس خياراً متكاملاً يجمع بين الدفاع عن السيادة، والتمسك بالقانون الدولي، وتثبيت المواقف من القضايا العادلة، وتنويع الشركاء، وفتح أبواب التعاون الاقتصادي والتنموي.

منال حرزي