تراهن تونس على تطوير منظومة تمويل الصادرات وتعزيز آليات التأمين والمرافقة المالية، من أجل دعم تنافسية المؤسسات التصديرية وتثمين المنتجات الفلاحية والغذائية في الأسواق العالمية، وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور، اللذان سجّلا نتائج إيجابية خلال موسم 2025-2026. وفي هذا الإطار، أكد وزير التجارة وتنمية الصادرات، سمير عبيد، خلال افتتاح اليوم الإعلامي المخصّص لتمويل صادرات زيت الزيتون والتمور، المنعقد أمس بمقر المجلس البنكي والمالي، أن توفير التمويل الملائم في التوقيت المناسب أصبح شرطا أساسيا لمواكبة تطور الصادرات الوطنية وتحويل الفرص التجارية المتاحة إلى عمليات تصدير مستدامة ذات قيمة مضافة أعلى.
وشدّد الوزير على أن نجاح المنظومة التصديرية لا يرتبط بجودة المنتجات وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية فحسب، بل يتطلب أيضا توفير الموارد المالية الضرورية لتمويل مختلف مراحل النشاط، من الإنتاج والتحويل إلى التخزين والتعبئة والنقل والتسويق، فضلا عن تأمين المعاملات التجارية والتحكّم في المخاطر المالية. واعتبر أن المرحلة الحالية تستوجب تعزيز الشراكة بين القطاع البنكي والمالي والمنتجين والمحوّلين والمصدّرين، وتطوير حلول تمويلية تستجيب لخصوصيات نشاطهم وحاجياتهم الفعلية.
الصادرات الغذائية تحقق فائضا تجاريا بـ919.8 مليون دينار
تؤكد المؤشرات المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026 أهمية الصادرات الغذائية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التوازنات التجارية، إذ بلغ فائض الميزان التجاري الغذائي 919.8 مليون دينار، فيما وصلت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 116.3 بالمائة، بالتوازي مع ارتفاع قيمة الصادرات الغذائية بنسبة 19.9 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025.
ويستأثر زيت الزيتون بنصيب مهم من هذه الصادرات، إذ بلغت نسبته 61 بالمائة من إجمالي قيمتها إلى موفّى سبتمبر 2026، مقابل 9.4 بالمائة للتمور. وتعكس هذه الأرقام المكانة الاستراتيجية للمنتوجين ضمن منظومة التصدير الوطنية، ودورهما في دعم موارد البلاد من العملة الأجنبية وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية.
وفي قطاع زيت الزيتون، تجاوزت الكميات المصدّرة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من موسم 2025-2026، الممتدة من نوفمبر 2025 إلى أكتوبر 2026، 399.4 ألف طن، بقيمة ناهزت 5.016 مليارات دينار، مسجّلة ارتفاعا بنسبة 48.7 بالمائة في الكميات و39.4 بالمائة في القيمة مقارنة بالموسم السابق.
وقد ساهمت هذه النتائج في تعزيز موقع تونس ضمن أبرز البلدان المصدّرة لزيت الزيتون عالميا، باعتبارها أول مصدّر خارج الاتحاد الأوروبي وثاني مصدّر عالمي بعد إسبانيا، وفق المعطيات المقدّمة خلال اللقاء. كما مثّل زيت الزيتون البكر الممتاز نحو 90 بالمائة من إجمالي الكميات المصدّرة، بما يعكس جودة المنتوج التونسي وقدرته على المنافسة.
غير أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من تصدير المادة الأولية إلى مزيد تثمينها محليا، خاصة أن زيت الزيتون المعلّب لا يمثل سوى نحو 15 بالمائة من الكميات المصدّرة. ويستدعي ذلك تعزيز الاستثمار في التحويل والتعبئة والتغليف والترويج، وتطوير العلامات التجارية التونسية، بما يتيح تحقيق عائدات أكبر من كل وحدة يتم تصديرها.
أما قطاع التمور، فقد تجاوزت قيمة صادراته، للمرة الأولى، عتبة المليار دينار، لتبلغ أكثر من 1.011 مليار دينار، مقابل 882.7 مليون دينار خلال الموسم السابق. كما ارتفعت الكميات المصدّرة إلى نحو 159.4 ألف طن، مقابل 138.3 ألف طن.
وتصل التمور التونسية إلى نحو 86 دولة عبر مختلف القارات، وهو ما يعكس اتساع حضورها الدولي وتنامي فرصها التجارية. ويظل تنويع الأسواق وتطوير أساليب التعبئة والترويج وتحسين شروط النفاذ إلى الوجهات الواعدة من أبرز الأولويات لضمان استدامة هذا النمو.
تعزيز التمويل بالتوازي مع تنويع الأسواق
من جهتها، أكدت درة البرجي، المديرة العامة للتجارة الخارجية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات، أن تنظيم اليوم الإعلامي بالتعاون مع المجلس البنكي والمالي يهدف إلى التعريف بآليات التمويل المتاحة لفائدة مصدّري زيت الزيتون والتمور، وتعزيز التواصل بين المؤسسات البنكية والمهنيين، بما يساعد على تحديد التسهيلات المالية التي يمكن توظيفها لدعم مختلف مراحل النشاط التصديري.
وأوضحت أن هذه المبادرة تندرج ضمن الاستعداد للموسم التصديري الحالي، إثر سلسلة من الاجتماعات التي خُصّصت لتقييم نتائج الموسم الفارط والإعداد للموسم الجديد، بمشاركة المؤسسات البنكية وممثلي القطاع المهني. وقد أفضت هذه اللقاءات إلى التعرّف على عدد من الآليات والتسهيلات المالية التي يمكن الاستفادة منها لتمويل التحويل والترويج والتصدير.
وشدّدت البرجي على أن التطلعات لا تقتصر على المحافظة على مستويات التمويل الحالية، بل تتجه نحو تعزيزها، بالنظر إلى النتائج الإيجابية التي حققتها صادرات زيت الزيتون والتمور. كما أكدت أن توفير التمويل ينبغي أن يتكامل مع الجهود الترويجية الرامية إلى توسيع الأسواق وتنويع الوجهات التصديرية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تنظيم مهمة استكشافية إلى السنغال، بهدف التعرّف على فرص جديدة للتبادل التجاري وتعزيز حضور المنتجات التونسية في الأسواق الإفريقية. وأكدت أن التوجه نحو أسواق جديدة يندرج ضمن استراتيجية ترمي إلى الحد من التركّز على وجهات تصديرية محدودة، مع مواصلة توسيع حضور المنتجات التونسية في إفريقيا وآسيا والأمريكيتين، وتحسين النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والبريطانية.
البنوك مستعدة لتعزيز مرافقة المصدّرين
وفي ما يتعلق بالدور الذي يضطلع به القطاع البنكي والمالي، أكد ناجي الغندري، رئيس المجلس البنكي والمالي، استعداد المؤسسات البنكية لمواصلة مرافقة المصدّرين والفاعلين الاقتصاديين في قطاعي زيت الزيتون والتمور، من خلال توفير التمويلات اللازمة للموسم التصديري وتطوير آليات جديدة تستجيب لخصوصيات النشاط.
وأفاد الغندري بأن التمويلات الموجّهة إلى قطاع زيت الزيتون بلغت نحو 3.2 مليارات دينار، مشيرا إلى أن تحديد الحاجيات التمويلية للموسم الحالي يظل مرتبطا بتوفر معطيات دقيقة بشأن حجم الصابة ومتطلبات الإنتاج والتصدير.
وأوضح أن القطاع البنكي والمالي مستعد لتعزيز قدرته التمويلية كلما اقتضت الحاجة ذلك، سواء لدعم عمليات التصدير أو لتمويل الاستثمارات في المعاصر وتطوير قدراتها الإنتاجية. كما أشار إلى أن المؤسسات البنكية تعمل على تحديد حاجيات أصحاب المعاصر والمهنيين من خلال التواصل المباشر والزيارات الميدانية، بما يسمح بتوفير حلول أكثر ملاءمة للواقع الاقتصادي للقطاع.
وفي ما يتعلق بإمكانية تطوير منتجات مالية جديدة، بيّن الغندري أن العمل متواصل لتحديد آليات تمويل تستجيب لاحتياجات المصدّرين، بالتشاور مع المهنيين، خاصة في ما يتعلق بتغطية المخاطر المالية ومخاطر تقلبات أسعار الصرف.
وشدّد على أهمية مرافقة المؤسسات في مختلف مراحل نشاطها، من الإنتاج وجني المحاصيل إلى التسويق والتصدير، بما يساعدها على تحسين التخطيط المالي والحد من المخاطر والاستجابة لمتطلبات الأسواق الخارجية.
كما أبرز أهمية التوجه نحو تصدير زيت الزيتون المعلّب والمنتجات المحوّلة، وتوسيع عمليات التسويق على امتداد السنة بدلا من الاقتصار على فترة الحملة، بما يعزز تثمين المنتوج الوطني ويرفع القيمة المضافة والعائدات من العملة الصعبة.
تأمين المصدّرين ضد مخاطر عدم الخلاص
لا يقتصر دعم الصادرات على توفير التمويلات البنكية، بل يشمل أيضا تأمين المعاملات التجارية الخارجية والحد من مخاطر عدم خلاص المستحقات. وفي هذا الإطار، أكدت نابغة نيفر إدريس، الرئيسة المديرة العامة للشركة التونسية لتأمين التجارة الخارجية «COTUNACE»، أن المصدّرين التونسيين يحتاجون إلى التمويل بقدر حاجتهم إلى التأمين، بالنظر إلى المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المشترين الأجانب واحتمالات التأخر في سداد المستحقات أو عدم خلاصها.
وأوضحت أن الشركة، التي تضطلع بهذا الدور منذ أربعين عاما، تعمل على تأمين المصدّرين ضد مخاطر عدم الدفع، من خلال خدمات موجّهة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة والكبيرة، بما يساعدها على ممارسة نشاطها التجاري في ظروف أكثر اطمئنانا.
وبيّنت أن تدخل الشركة يقوم على جانبين أساسيين؛ يتمثل الأول في مساعدة المصدّر على التعرّف على الوضعية المالية للمشتري الأجنبي قبل إتمام عملية البيع، بما يتيح له تقييم المخاطر واتخاذ قرارات تجارية أكثر أمانا. أما الجانب الثاني، فيتعلق بالتعويض عن المستحقات غير المدفوعة وفق شروط عقد التأمين، مع تولّي الشركة العمل على استرجاع المبالغ من المشترين الذين لم يفوا بالتزاماتهم.
وأضافت أن هذه الآلية تساهم في حماية المؤسسات من التداعيات المالية لعدم الخلاص، وتساعدها على المحافظة على سيولتها ومواصلة نشاطها والوفاء بالتزاماتها، بدلا من تحمّل الخسائر بمفردها.
وأفادت المتحدثة بأن «كوتوناس» تؤمّن مختلف المبيعات الموجّهة من تونس إلى الخارج، وتساند المؤسسات المصدّرة في مواجهة المخاطر التجارية المرتبطة بعدم استخلاص قيمة البضائع المصدّرة، بما يعزز الثقة في المعاملات الدولية ويدعم قدرة المؤسسات على التوسع في الأسواق الخارجية.
توفير حلول تمويلية مرنة وميسّرة لفائدة المؤسسات
تبرز الحاجة إلى تطوير آليات التمويل والتأمين بالنظر إلى الطبيعة الموسمية لإنتاج زيت الزيتون والتمور، وما تفرضه من تعبئة موارد مالية كبيرة خلال فترات محددة، في حين تتطلب عمليات البيع والتصدير آجالا إضافية قبل استخلاص العائدات.
وتتحمل المؤسسات، خلال هذه الفترة، تكاليف الإنتاج والتحويل والتخزين والتعبئة والنقل، فضلا عن المصاريف المرتبطة بالتسويق واستيفاء متطلبات الجودة والسلامة. كما تواجه تحديات متصلة بتقلبات أسعار الصرف والمخاطر التجارية الدولية وتأخر خلاص بعض المستحقات، وهي عوامل قد تؤثر في سيولتها المالية وقدرتها على تمويل دورات إنتاج جديدة.
ومن هذا المنطلق، شدّد وزير التجارة وتنمية الصادرات على أهمية توفير حلول تمويلية مرنة وميسّرة لفائدة المؤسسات، ولا سيما الصغرى والمتوسطة، بما يتلاءم مع قدراتها المالية وخصوصيات نشاطها، ويساعدها على الاستثمار في التجهيزات والتكنولوجيا والتعبئة والتسويق.
كما أكد ضرورة اعتماد مقاربة تمويلية متكاملة ترافق المؤسسة في مختلف مراحل نشاطها، من الإنتاج والتحويل إلى التخزين والتعبئة والتسويق والتصدير، وتدعم قدرتها على التخطيط والاستثمار وإدارة المخاطر.
الترويج وإصلاح منظومة دعم الصادرات
تواصل وزارة التجارة وتنمية الصادرات تعزيز الترويج للمنتجات التونسية بالخارج، عبر إعداد برامج ترويجية تشاركية، وتكثيف المشاركة في المعارض الدولية واللقاءات المهنية، واستقطاب الوفود التجارية، بما يدعم النفاذ إلى الأسواق الخارجية والاستفادة من الاتفاقيات التجارية وفتح أسواق جديدة.
كما تعمل الوزارة على مرافقة المؤسسات التصديرية، خاصة الصغرى والمتوسطة، وتيسير نفاذها إلى الأسواق والتمويل، بالتوازي مع إصلاح منظومة دعم الصادرات ومراجعة تدخلات صندوق النهوض بالصادرات، لتحسين نجاعة الدعم والاستجابة لحاجيات المؤسسات.
نحو منظومة تصديرية أكثر قيمة واستدامة
تؤكد نتائج قطاعي زيت الزيتون والتمور أهمية تعزيز حضور تونس عالميا، وهو ما يستوجب تجاوز الصعوبات التمويلية، وتطوير التحويل والتعبئة، وتحسين الترويج، وتنويع الأسواق، وتوسيع قاعدة المؤسسات المصدّرة.
ويُعدّ التكامل بين التمويل والتأمين والترويج ركيزة أساسية لدعم المؤسسات في مواجهة مخاطر عدم الخلاص وتقلبات الأسواق، وتحفيزها على تطوير منتجاتها وتوسيع نشاطها الخارجي.
ومن المنتظر أن يساهم اليوم الإعلامي في تعزيز التنسيق بين القطاع البنكي والمالي والمهنيين والمصدّرين، وتطوير حلول عملية تدعم تنافسية زيت الزيتون والتمور التونسية، وتعزز موارد البلاد من العملة الأجنبية، بما يدفع نحو منظومة تصديرية أكثر تنوعا وقيمة مضافة.
جهاد الكلبوسي
الصباح – تونس
تراهن تونس على تطوير منظومة تمويل الصادرات وتعزيز آليات التأمين والمرافقة المالية، من أجل دعم تنافسية المؤسسات التصديرية وتثمين المنتجات الفلاحية والغذائية في الأسواق العالمية، وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور، اللذان سجّلا نتائج إيجابية خلال موسم 2025-2026. وفي هذا الإطار، أكد وزير التجارة وتنمية الصادرات، سمير عبيد، خلال افتتاح اليوم الإعلامي المخصّص لتمويل صادرات زيت الزيتون والتمور، المنعقد أمس بمقر المجلس البنكي والمالي، أن توفير التمويل الملائم في التوقيت المناسب أصبح شرطا أساسيا لمواكبة تطور الصادرات الوطنية وتحويل الفرص التجارية المتاحة إلى عمليات تصدير مستدامة ذات قيمة مضافة أعلى.
وشدّد الوزير على أن نجاح المنظومة التصديرية لا يرتبط بجودة المنتجات وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية فحسب، بل يتطلب أيضا توفير الموارد المالية الضرورية لتمويل مختلف مراحل النشاط، من الإنتاج والتحويل إلى التخزين والتعبئة والنقل والتسويق، فضلا عن تأمين المعاملات التجارية والتحكّم في المخاطر المالية. واعتبر أن المرحلة الحالية تستوجب تعزيز الشراكة بين القطاع البنكي والمالي والمنتجين والمحوّلين والمصدّرين، وتطوير حلول تمويلية تستجيب لخصوصيات نشاطهم وحاجياتهم الفعلية.
الصادرات الغذائية تحقق فائضا تجاريا بـ919.8 مليون دينار
تؤكد المؤشرات المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026 أهمية الصادرات الغذائية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التوازنات التجارية، إذ بلغ فائض الميزان التجاري الغذائي 919.8 مليون دينار، فيما وصلت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 116.3 بالمائة، بالتوازي مع ارتفاع قيمة الصادرات الغذائية بنسبة 19.9 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2025.
ويستأثر زيت الزيتون بنصيب مهم من هذه الصادرات، إذ بلغت نسبته 61 بالمائة من إجمالي قيمتها إلى موفّى سبتمبر 2026، مقابل 9.4 بالمائة للتمور. وتعكس هذه الأرقام المكانة الاستراتيجية للمنتوجين ضمن منظومة التصدير الوطنية، ودورهما في دعم موارد البلاد من العملة الأجنبية وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية.
وفي قطاع زيت الزيتون، تجاوزت الكميات المصدّرة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من موسم 2025-2026، الممتدة من نوفمبر 2025 إلى أكتوبر 2026، 399.4 ألف طن، بقيمة ناهزت 5.016 مليارات دينار، مسجّلة ارتفاعا بنسبة 48.7 بالمائة في الكميات و39.4 بالمائة في القيمة مقارنة بالموسم السابق.
وقد ساهمت هذه النتائج في تعزيز موقع تونس ضمن أبرز البلدان المصدّرة لزيت الزيتون عالميا، باعتبارها أول مصدّر خارج الاتحاد الأوروبي وثاني مصدّر عالمي بعد إسبانيا، وفق المعطيات المقدّمة خلال اللقاء. كما مثّل زيت الزيتون البكر الممتاز نحو 90 بالمائة من إجمالي الكميات المصدّرة، بما يعكس جودة المنتوج التونسي وقدرته على المنافسة.
غير أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من تصدير المادة الأولية إلى مزيد تثمينها محليا، خاصة أن زيت الزيتون المعلّب لا يمثل سوى نحو 15 بالمائة من الكميات المصدّرة. ويستدعي ذلك تعزيز الاستثمار في التحويل والتعبئة والتغليف والترويج، وتطوير العلامات التجارية التونسية، بما يتيح تحقيق عائدات أكبر من كل وحدة يتم تصديرها.
أما قطاع التمور، فقد تجاوزت قيمة صادراته، للمرة الأولى، عتبة المليار دينار، لتبلغ أكثر من 1.011 مليار دينار، مقابل 882.7 مليون دينار خلال الموسم السابق. كما ارتفعت الكميات المصدّرة إلى نحو 159.4 ألف طن، مقابل 138.3 ألف طن.
وتصل التمور التونسية إلى نحو 86 دولة عبر مختلف القارات، وهو ما يعكس اتساع حضورها الدولي وتنامي فرصها التجارية. ويظل تنويع الأسواق وتطوير أساليب التعبئة والترويج وتحسين شروط النفاذ إلى الوجهات الواعدة من أبرز الأولويات لضمان استدامة هذا النمو.
تعزيز التمويل بالتوازي مع تنويع الأسواق
من جهتها، أكدت درة البرجي، المديرة العامة للتجارة الخارجية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات، أن تنظيم اليوم الإعلامي بالتعاون مع المجلس البنكي والمالي يهدف إلى التعريف بآليات التمويل المتاحة لفائدة مصدّري زيت الزيتون والتمور، وتعزيز التواصل بين المؤسسات البنكية والمهنيين، بما يساعد على تحديد التسهيلات المالية التي يمكن توظيفها لدعم مختلف مراحل النشاط التصديري.
وأوضحت أن هذه المبادرة تندرج ضمن الاستعداد للموسم التصديري الحالي، إثر سلسلة من الاجتماعات التي خُصّصت لتقييم نتائج الموسم الفارط والإعداد للموسم الجديد، بمشاركة المؤسسات البنكية وممثلي القطاع المهني. وقد أفضت هذه اللقاءات إلى التعرّف على عدد من الآليات والتسهيلات المالية التي يمكن الاستفادة منها لتمويل التحويل والترويج والتصدير.
وشدّدت البرجي على أن التطلعات لا تقتصر على المحافظة على مستويات التمويل الحالية، بل تتجه نحو تعزيزها، بالنظر إلى النتائج الإيجابية التي حققتها صادرات زيت الزيتون والتمور. كما أكدت أن توفير التمويل ينبغي أن يتكامل مع الجهود الترويجية الرامية إلى توسيع الأسواق وتنويع الوجهات التصديرية.
وفي هذا السياق، أشارت إلى تنظيم مهمة استكشافية إلى السنغال، بهدف التعرّف على فرص جديدة للتبادل التجاري وتعزيز حضور المنتجات التونسية في الأسواق الإفريقية. وأكدت أن التوجه نحو أسواق جديدة يندرج ضمن استراتيجية ترمي إلى الحد من التركّز على وجهات تصديرية محدودة، مع مواصلة توسيع حضور المنتجات التونسية في إفريقيا وآسيا والأمريكيتين، وتحسين النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والبريطانية.
البنوك مستعدة لتعزيز مرافقة المصدّرين
وفي ما يتعلق بالدور الذي يضطلع به القطاع البنكي والمالي، أكد ناجي الغندري، رئيس المجلس البنكي والمالي، استعداد المؤسسات البنكية لمواصلة مرافقة المصدّرين والفاعلين الاقتصاديين في قطاعي زيت الزيتون والتمور، من خلال توفير التمويلات اللازمة للموسم التصديري وتطوير آليات جديدة تستجيب لخصوصيات النشاط.
وأفاد الغندري بأن التمويلات الموجّهة إلى قطاع زيت الزيتون بلغت نحو 3.2 مليارات دينار، مشيرا إلى أن تحديد الحاجيات التمويلية للموسم الحالي يظل مرتبطا بتوفر معطيات دقيقة بشأن حجم الصابة ومتطلبات الإنتاج والتصدير.
وأوضح أن القطاع البنكي والمالي مستعد لتعزيز قدرته التمويلية كلما اقتضت الحاجة ذلك، سواء لدعم عمليات التصدير أو لتمويل الاستثمارات في المعاصر وتطوير قدراتها الإنتاجية. كما أشار إلى أن المؤسسات البنكية تعمل على تحديد حاجيات أصحاب المعاصر والمهنيين من خلال التواصل المباشر والزيارات الميدانية، بما يسمح بتوفير حلول أكثر ملاءمة للواقع الاقتصادي للقطاع.
وفي ما يتعلق بإمكانية تطوير منتجات مالية جديدة، بيّن الغندري أن العمل متواصل لتحديد آليات تمويل تستجيب لاحتياجات المصدّرين، بالتشاور مع المهنيين، خاصة في ما يتعلق بتغطية المخاطر المالية ومخاطر تقلبات أسعار الصرف.
وشدّد على أهمية مرافقة المؤسسات في مختلف مراحل نشاطها، من الإنتاج وجني المحاصيل إلى التسويق والتصدير، بما يساعدها على تحسين التخطيط المالي والحد من المخاطر والاستجابة لمتطلبات الأسواق الخارجية.
كما أبرز أهمية التوجه نحو تصدير زيت الزيتون المعلّب والمنتجات المحوّلة، وتوسيع عمليات التسويق على امتداد السنة بدلا من الاقتصار على فترة الحملة، بما يعزز تثمين المنتوج الوطني ويرفع القيمة المضافة والعائدات من العملة الصعبة.
تأمين المصدّرين ضد مخاطر عدم الخلاص
لا يقتصر دعم الصادرات على توفير التمويلات البنكية، بل يشمل أيضا تأمين المعاملات التجارية الخارجية والحد من مخاطر عدم خلاص المستحقات. وفي هذا الإطار، أكدت نابغة نيفر إدريس، الرئيسة المديرة العامة للشركة التونسية لتأمين التجارة الخارجية «COTUNACE»، أن المصدّرين التونسيين يحتاجون إلى التمويل بقدر حاجتهم إلى التأمين، بالنظر إلى المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المشترين الأجانب واحتمالات التأخر في سداد المستحقات أو عدم خلاصها.
وأوضحت أن الشركة، التي تضطلع بهذا الدور منذ أربعين عاما، تعمل على تأمين المصدّرين ضد مخاطر عدم الدفع، من خلال خدمات موجّهة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة والكبيرة، بما يساعدها على ممارسة نشاطها التجاري في ظروف أكثر اطمئنانا.
وبيّنت أن تدخل الشركة يقوم على جانبين أساسيين؛ يتمثل الأول في مساعدة المصدّر على التعرّف على الوضعية المالية للمشتري الأجنبي قبل إتمام عملية البيع، بما يتيح له تقييم المخاطر واتخاذ قرارات تجارية أكثر أمانا. أما الجانب الثاني، فيتعلق بالتعويض عن المستحقات غير المدفوعة وفق شروط عقد التأمين، مع تولّي الشركة العمل على استرجاع المبالغ من المشترين الذين لم يفوا بالتزاماتهم.
وأضافت أن هذه الآلية تساهم في حماية المؤسسات من التداعيات المالية لعدم الخلاص، وتساعدها على المحافظة على سيولتها ومواصلة نشاطها والوفاء بالتزاماتها، بدلا من تحمّل الخسائر بمفردها.
وأفادت المتحدثة بأن «كوتوناس» تؤمّن مختلف المبيعات الموجّهة من تونس إلى الخارج، وتساند المؤسسات المصدّرة في مواجهة المخاطر التجارية المرتبطة بعدم استخلاص قيمة البضائع المصدّرة، بما يعزز الثقة في المعاملات الدولية ويدعم قدرة المؤسسات على التوسع في الأسواق الخارجية.
توفير حلول تمويلية مرنة وميسّرة لفائدة المؤسسات
تبرز الحاجة إلى تطوير آليات التمويل والتأمين بالنظر إلى الطبيعة الموسمية لإنتاج زيت الزيتون والتمور، وما تفرضه من تعبئة موارد مالية كبيرة خلال فترات محددة، في حين تتطلب عمليات البيع والتصدير آجالا إضافية قبل استخلاص العائدات.
وتتحمل المؤسسات، خلال هذه الفترة، تكاليف الإنتاج والتحويل والتخزين والتعبئة والنقل، فضلا عن المصاريف المرتبطة بالتسويق واستيفاء متطلبات الجودة والسلامة. كما تواجه تحديات متصلة بتقلبات أسعار الصرف والمخاطر التجارية الدولية وتأخر خلاص بعض المستحقات، وهي عوامل قد تؤثر في سيولتها المالية وقدرتها على تمويل دورات إنتاج جديدة.
ومن هذا المنطلق، شدّد وزير التجارة وتنمية الصادرات على أهمية توفير حلول تمويلية مرنة وميسّرة لفائدة المؤسسات، ولا سيما الصغرى والمتوسطة، بما يتلاءم مع قدراتها المالية وخصوصيات نشاطها، ويساعدها على الاستثمار في التجهيزات والتكنولوجيا والتعبئة والتسويق.
كما أكد ضرورة اعتماد مقاربة تمويلية متكاملة ترافق المؤسسة في مختلف مراحل نشاطها، من الإنتاج والتحويل إلى التخزين والتعبئة والتسويق والتصدير، وتدعم قدرتها على التخطيط والاستثمار وإدارة المخاطر.
الترويج وإصلاح منظومة دعم الصادرات
تواصل وزارة التجارة وتنمية الصادرات تعزيز الترويج للمنتجات التونسية بالخارج، عبر إعداد برامج ترويجية تشاركية، وتكثيف المشاركة في المعارض الدولية واللقاءات المهنية، واستقطاب الوفود التجارية، بما يدعم النفاذ إلى الأسواق الخارجية والاستفادة من الاتفاقيات التجارية وفتح أسواق جديدة.
كما تعمل الوزارة على مرافقة المؤسسات التصديرية، خاصة الصغرى والمتوسطة، وتيسير نفاذها إلى الأسواق والتمويل، بالتوازي مع إصلاح منظومة دعم الصادرات ومراجعة تدخلات صندوق النهوض بالصادرات، لتحسين نجاعة الدعم والاستجابة لحاجيات المؤسسات.
نحو منظومة تصديرية أكثر قيمة واستدامة
تؤكد نتائج قطاعي زيت الزيتون والتمور أهمية تعزيز حضور تونس عالميا، وهو ما يستوجب تجاوز الصعوبات التمويلية، وتطوير التحويل والتعبئة، وتحسين الترويج، وتنويع الأسواق، وتوسيع قاعدة المؤسسات المصدّرة.
ويُعدّ التكامل بين التمويل والتأمين والترويج ركيزة أساسية لدعم المؤسسات في مواجهة مخاطر عدم الخلاص وتقلبات الأسواق، وتحفيزها على تطوير منتجاتها وتوسيع نشاطها الخارجي.
ومن المنتظر أن يساهم اليوم الإعلامي في تعزيز التنسيق بين القطاع البنكي والمالي والمهنيين والمصدّرين، وتطوير حلول عملية تدعم تنافسية زيت الزيتون والتمور التونسية، وتعزز موارد البلاد من العملة الأجنبية، بما يدفع نحو منظومة تصديرية أكثر تنوعا وقيمة مضافة.