إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح المؤسسة الاقتصادية..  دعوة إلى تسريع التحول الرقمي وتعزيز الاستثمار  

 

-منصة تونسية لربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين.. فرصة لتحويل مشاريع التخرج إلى مؤسسات منتجة والحد من هجرة الكفاءات

 

تونس – الصباح

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة تقتصر على المؤسسات الناشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، بل أصبح عاملا مؤثرا في أساليب الإنتاج والتصرف والتسويق واتخاذ القرار، وعنصرا أساسيا في تعزيز الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية. وفي تونس، يطرح هذا التحول تحديًا حقيقيا أمام المؤسسات الاقتصادية، يتمثل في تجاوز الرقمنة التقليدية نحو نماذج عمل أكثر تطورا ومرونة، قادرة على استغلال البيانات وتوظيف الابتكار التكنولوجي لخلق القيمة وتحقيق النمو.

وفي هذا السياق، احتضن مقر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، يومًا إعلاميا بعنوان «التمكين الرقمي للمؤسسات التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي»، نُظّم بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور وشركة Wisdom Net، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن هياكل اقتصادية ومالية، إلى جانب خبراء وفاعلين في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

وتناول اللقاء سبل إدماج الذكاء الاصطناعي في صلب النشاط الاقتصادي، وتطوير أداء المؤسسات، وتعزيز الترابط بين أصحاب المشاريع وهياكل التمويل والاستثمار، فضلًا عن بحث التحديات التي تعترض المؤسسات التونسية في الانتقال إلى نماذج عمل رقمية أكثر ذكاءً ونجاعة، بما يمكّنها من مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

الذكاء الاصطناعي.. من التطور التكنولوجي إلى الخيار الاستراتيجي

أكد قيس السلامي، عضو المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ورئيس الجامعة الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد موجة تكنولوجية عابرة، بل أصبح تحولا عميقا يعيد تشكيل طرق العمل والإنتاج، ويؤثر في أساليب إدارة المؤسسات واتخاذ القرارات.

وشدد على ضرورة التعامل مع هذه التكنولوجيا باعتبارها خيارا استراتيجيا وأداة عملية لتحسين الأداء الاقتصادي للمؤسسات، لما تتيحه من فرص لخفض التكاليف، وتعزيز المبيعات، وتحسين عمليات الشراء، وتطوير إدارة الموارد، فضلًا عن تسريع معالجة المعلومات وتوفير معطيات تساعد المسؤولين على اتخاذ قرارات أكثر نجاعة.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق مكاسب مهمة من خلال إتمام المهام المتكررة والروتينية التي تستنزف جزءا من وقت العاملين والمسؤولين، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى.

وفي هذا الإطار، أشار السلامي إلى أن نحو 70 بالمائة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وفق تقديره، ترتبط بالمهام الروتينية. ففي المجال الصناعي، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد على الحد من فترات التوقف وتحسين سير الإنتاج، فيما تتيح في المجال المالي تطوير إدارة الخزينة ومتابعة عمليات الدفع، كما تسهم في قطاع النقل في تحسين المسارات وتنظيم عمليات الشحن.

وأضاف أن مديري الإنتاج والتجارة يقضون جزءا مهما من وقتهم في جمع المعلومات والتحقق منها وتنظيمها، في حين يمكن لتوظيف الذكاء الاصطناعي أن يخفف من هذا العبء، ويتيح لهم التركيز بصورة أكبر على تحليل المعطيات وتحسين العمليات واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.

غير أن تحقيق هذه المكاسب، وفق المتحدث، يقتضي من المؤسسات الانطلاق في تقييم احتياجاتها الفعلية، وتحديد العمليات التي يمكن تطويرها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع العمل على تنظيم البيانات وضمان جودتها وحمايتها، باعتبارها من أهم الشروط الضرورية لنجاح هذا التوجه.

تحول رقمي متواصل لمواكبة المنافسة

واعتبر السلامي أن التحول الرقمي لم يعد مشروعا محدودا ببداية ونهاية، بل أصبح مسارا متواصلا تفرضه سرعة التطور التكنولوجي وتغير متطلبات الأسواق، وهو ما يستوجب من المؤسسات مراجعة أساليب عملها وتطويرها باستمرار.

وشدد على أهمية الشروع في اعتماد الذكاء الاصطناعي في أقرب وقت، وفق مقاربة تدريجية ومنهجية تراعي خصوصية كل مؤسسة وإمكاناتها وأولوياتها، مؤكدا أن المؤسسات التي تنجح في تطوير مهارات مواردها البشرية وحسن توظيف هذه التكنولوجيا ستكون أقدر على المنافسة من المؤسسات التي تتأخر في مواكبة هذا التحول.

وفي ما يتعلق بمدى اعتماد الشركات التونسية للذكاء الاصطناعي، أوضح أن عددا منها شرع بالفعل في استخدام هذه التكنولوجيا، غير أن نسق انتشارها لا يزال بطيئًا مقارنة بوتيرة التطور العالمي. ورغم ذلك، أشار إلى تزايد الوعي لدى المؤسسات التونسية بأهمية الذكاء الاصطناعي وضرورة إدماجه في أنشطتها.

كما أبرز أن المؤسسات التونسية الناشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال تمتلك كفاءات قادرة على تطوير حلول في هذا المجال، وأن بعضها بدأ بالفعل في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن أنشطته وخدماته.

ولفت، في السياق ذاته، إلى ارتفاع نسبة المؤسسات الأوروبية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في مجال واحد على الأقل من أنشطتها، من 15 إلى 20 بالمائة، وفق الأرقام التي أشار إليها خلال اللقاء.

وحذر من أن المؤسسات التي لا تواكب هذا التطور قد تواجه مخاطر تراجع قدرتها التنافسية وفقدان فرص النمو والتوسع، في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وكلاء الذكاء الاصطناعي.. دعم القرار لا تعويض الكفاءات

من بين التطورات التي يُنتظر أن تعزز حضور الذكاء الاصطناعي في المؤسسات، أشار السلامي إلى تنامي استخدام ما يُعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي»، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المترابطة، والمساعدة على تحليل المعطيات وتقديم التوصيات ودعم اتخاذ القرار.

ومن المنتظر أن توفر هذه الأدوات إمكانات إضافية للمسؤولين عن الإنتاج والمشتريات والتصرف، من خلال تسريع معالجة المعلومات وتحسين القدرة على الاستجابة للمستجدات.

وأكد السلامي أن هذه الأنظمة لا تعني الاستغناء عن المسؤولين أو الكفاءات البشرية، بل تظل في حاجة إلى التوجيه والإشراف البشريين، مشددا على أن الهدف من استخدامها يتمثل في تحسين سير العمل، وتسريع إنجاز المهام، وتوفير المعطيات اللازمة لاتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.

كما أشار إلى أن المؤسسات الكبرى في تونس قطعت أشواطا أكبر من المؤسسات الصغرى والمتوسطة في اعتماد الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في مجالات التسويق والمبيعات. وهو ما يبرز أهمية توفير الدعم والمرافقة للمؤسسات الأصغر حجما، حتى تتمكن بدورها من الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.

التكوين والانخراط الجماعي شرطا النجاح

من جهته، أكد سليم جواد، المكلف بالبرامج في مؤسسة كونراد أديناور، ضرورة تعزيز قدرة المؤسسات التونسية على اكتشاف الفرص الاقتصادية والتكنولوجية المتاحة واستغلالها، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتحسين الأداء وتطوير نماذج العمل.

وأوضح أن الاستفادة من هذه الفرصة تقتضي وضع استراتيجية واضحة داخل كل مؤسسة، تحدد أهداف اعتماد الذكاء الاصطناعي ومجالات استخدامه، وتوفر للعاملين الأدوات اللازمة لتطوير مهاراتهم وتحسين أدائهم.

وشدد على أهمية انخراط مختلف الأطراف داخل المؤسسة في هذا المسار، من المسؤولين عن اتخاذ القرار إلى العاملين في مختلف المستويات، باعتبار أن نجاح التحول الرقمي لا يرتبط بتوفير التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب أيضًا تغيير أساليب العمل، وتعزيز التكوين، وترسيخ ثقافة الابتكار والتطوير المستمر.

ويبرز هذا التوجه أهمية الربط بين الاستثمار في الحلول التكنولوجية والاستثمار في رأس المال البشري، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة عملية ومستدامة، ويحوّل الإمكانات التقنية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

منصة لربط أصحاب المشاريع بالصناديق الاستثمارية

وفي جانب آخر، شهدت التظاهرة الإعلان عن إطلاق منصة تونسية تهدف إلى الربط بين أصحاب المشاريع والممولين، من داخل تونس وخارجها، عبر إتاحة التواصل المباشر مع الصناديق الاستثمارية المسجلة لديها، على أن تكون خدماتها مجانية خلال المرحلة الأولى.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشبكة الحكمة أن هذه المبادرة تسعى إلى دعم أصحاب المشاريع، والمساهمة في تحسين فرص تشغيل أصحاب الشهائد العليا، وتثمين مشاريع التخرج التي ينجزها الطلبة في مختلف الاختصاصات.

وأشار إلى أن هذه المشاريع تمثل ثمرة استثمار في الكفاءات والموارد الوطنية على امتداد المسار الدراسي، غير أن عددًا منها لا يجد طريقه إلى التنفيذ بسبب صعوبات التمويل ومحدودية فرص التواصل مع المستثمرين.

ومن هذا المنطلق، تعمل المنصة على تقريب أصحاب الأفكار والمشاريع من هياكل التمويل، وفتح المجال أمامهم لعرض مشاريعهم على مستثمرين وصناديق استثمارية، بما يساعد على تطويرها وتحويلها إلى مبادرات اقتصادية قابلة للإنجاز.

كما تهدف المبادرة إلى المساهمة في الحد من هجرة الشباب والكفاءات، من خلال توفير فرص أفضل لتثمين قدراتهم داخل تونس، وتعزيز الصلة بين الابتكار والتمويل وخلق مواطن الشغل، في سياق اقتصادي تزداد فيه أهمية التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة.

تسريع الاستثمار في الرقمنة لتعزيز تنافسية الاقتصاد

وتؤكد محاور اللقاء أن نجاح المؤسسات التونسية في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يظل مرتبطا بقدرتها على تجاوز الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية نحو بناء استراتيجية متكاملة تشمل تطوير البيانات، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين الحوكمة، وتوفير التمويل اللازم للتحول التكنولوجي.

كما أن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على المؤسسات الكبرى أو الشركات الناشطة في قطاع التكنولوجيا، بل يتطلب توفير الظروف الملائمة حتى تتمكن المؤسسات الصغرى والمتوسطة من الاستفادة من تطبيقاته، بما يعزز الإنتاجية، ويحد من التكاليف، ويفتح آفاقا جديدة للتطوير والاستثمار.

وتضمن برنامج التظاهرة جلسات حوارية تناولت محاور عدة، من بينها «نحو مؤسسة تونسية ذكية ومترابطة وتنافسية»، و«العقل الرقمي للمؤسسة التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي»، و«الرقمنة الذاتية للمؤسسة التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي». وركزت هذه الجلسات على الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتطوير أداء المؤسسات، إلى جانب التحديات المرتبطة باعتماده وشروط الاستفادة منه بفاعلية.

لم يعد التحول نحو الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية مؤجلة، بل أصبح خيارا اقتصاديا يرتبط بمستقبل المؤسسة وقدرتها على المنافسة والتوسع. وبين توفر الكفاءات الوطنية والحاجة إلى تعزيز الاستثمار والتكوين وتطوير البنية الرقمية، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى مشاريع منتجة وقيمة مضافة وفرص عمل، بما يدعم تنافسية المؤسسة التونسية ويسهم في دفع النمو الاقتصادي.

درصاف اللموشي

تصوير منير بن ابراهيم

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح المؤسسة الاقتصادية..   دعوة إلى تسريع التحول الرقمي وتعزيز الاستثمار   

 

-منصة تونسية لربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين.. فرصة لتحويل مشاريع التخرج إلى مؤسسات منتجة والحد من هجرة الكفاءات

 

تونس – الصباح

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة تقتصر على المؤسسات الناشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، بل أصبح عاملا مؤثرا في أساليب الإنتاج والتصرف والتسويق واتخاذ القرار، وعنصرا أساسيا في تعزيز الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية. وفي تونس، يطرح هذا التحول تحديًا حقيقيا أمام المؤسسات الاقتصادية، يتمثل في تجاوز الرقمنة التقليدية نحو نماذج عمل أكثر تطورا ومرونة، قادرة على استغلال البيانات وتوظيف الابتكار التكنولوجي لخلق القيمة وتحقيق النمو.

وفي هذا السياق، احتضن مقر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، يومًا إعلاميا بعنوان «التمكين الرقمي للمؤسسات التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي»، نُظّم بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور وشركة Wisdom Net، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن هياكل اقتصادية ومالية، إلى جانب خبراء وفاعلين في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

وتناول اللقاء سبل إدماج الذكاء الاصطناعي في صلب النشاط الاقتصادي، وتطوير أداء المؤسسات، وتعزيز الترابط بين أصحاب المشاريع وهياكل التمويل والاستثمار، فضلًا عن بحث التحديات التي تعترض المؤسسات التونسية في الانتقال إلى نماذج عمل رقمية أكثر ذكاءً ونجاعة، بما يمكّنها من مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

الذكاء الاصطناعي.. من التطور التكنولوجي إلى الخيار الاستراتيجي

أكد قيس السلامي، عضو المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ورئيس الجامعة الوطنية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد موجة تكنولوجية عابرة، بل أصبح تحولا عميقا يعيد تشكيل طرق العمل والإنتاج، ويؤثر في أساليب إدارة المؤسسات واتخاذ القرارات.

وشدد على ضرورة التعامل مع هذه التكنولوجيا باعتبارها خيارا استراتيجيا وأداة عملية لتحسين الأداء الاقتصادي للمؤسسات، لما تتيحه من فرص لخفض التكاليف، وتعزيز المبيعات، وتحسين عمليات الشراء، وتطوير إدارة الموارد، فضلًا عن تسريع معالجة المعلومات وتوفير معطيات تساعد المسؤولين على اتخاذ قرارات أكثر نجاعة.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق مكاسب مهمة من خلال إتمام المهام المتكررة والروتينية التي تستنزف جزءا من وقت العاملين والمسؤولين، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى.

وفي هذا الإطار، أشار السلامي إلى أن نحو 70 بالمائة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وفق تقديره، ترتبط بالمهام الروتينية. ففي المجال الصناعي، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تساعد على الحد من فترات التوقف وتحسين سير الإنتاج، فيما تتيح في المجال المالي تطوير إدارة الخزينة ومتابعة عمليات الدفع، كما تسهم في قطاع النقل في تحسين المسارات وتنظيم عمليات الشحن.

وأضاف أن مديري الإنتاج والتجارة يقضون جزءا مهما من وقتهم في جمع المعلومات والتحقق منها وتنظيمها، في حين يمكن لتوظيف الذكاء الاصطناعي أن يخفف من هذا العبء، ويتيح لهم التركيز بصورة أكبر على تحليل المعطيات وتحسين العمليات واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.

غير أن تحقيق هذه المكاسب، وفق المتحدث، يقتضي من المؤسسات الانطلاق في تقييم احتياجاتها الفعلية، وتحديد العمليات التي يمكن تطويرها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع العمل على تنظيم البيانات وضمان جودتها وحمايتها، باعتبارها من أهم الشروط الضرورية لنجاح هذا التوجه.

تحول رقمي متواصل لمواكبة المنافسة

واعتبر السلامي أن التحول الرقمي لم يعد مشروعا محدودا ببداية ونهاية، بل أصبح مسارا متواصلا تفرضه سرعة التطور التكنولوجي وتغير متطلبات الأسواق، وهو ما يستوجب من المؤسسات مراجعة أساليب عملها وتطويرها باستمرار.

وشدد على أهمية الشروع في اعتماد الذكاء الاصطناعي في أقرب وقت، وفق مقاربة تدريجية ومنهجية تراعي خصوصية كل مؤسسة وإمكاناتها وأولوياتها، مؤكدا أن المؤسسات التي تنجح في تطوير مهارات مواردها البشرية وحسن توظيف هذه التكنولوجيا ستكون أقدر على المنافسة من المؤسسات التي تتأخر في مواكبة هذا التحول.

وفي ما يتعلق بمدى اعتماد الشركات التونسية للذكاء الاصطناعي، أوضح أن عددا منها شرع بالفعل في استخدام هذه التكنولوجيا، غير أن نسق انتشارها لا يزال بطيئًا مقارنة بوتيرة التطور العالمي. ورغم ذلك، أشار إلى تزايد الوعي لدى المؤسسات التونسية بأهمية الذكاء الاصطناعي وضرورة إدماجه في أنشطتها.

كما أبرز أن المؤسسات التونسية الناشطة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال تمتلك كفاءات قادرة على تطوير حلول في هذا المجال، وأن بعضها بدأ بالفعل في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن أنشطته وخدماته.

ولفت، في السياق ذاته، إلى ارتفاع نسبة المؤسسات الأوروبية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في مجال واحد على الأقل من أنشطتها، من 15 إلى 20 بالمائة، وفق الأرقام التي أشار إليها خلال اللقاء.

وحذر من أن المؤسسات التي لا تواكب هذا التطور قد تواجه مخاطر تراجع قدرتها التنافسية وفقدان فرص النمو والتوسع، في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وكلاء الذكاء الاصطناعي.. دعم القرار لا تعويض الكفاءات

من بين التطورات التي يُنتظر أن تعزز حضور الذكاء الاصطناعي في المؤسسات، أشار السلامي إلى تنامي استخدام ما يُعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي»، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المترابطة، والمساعدة على تحليل المعطيات وتقديم التوصيات ودعم اتخاذ القرار.

ومن المنتظر أن توفر هذه الأدوات إمكانات إضافية للمسؤولين عن الإنتاج والمشتريات والتصرف، من خلال تسريع معالجة المعلومات وتحسين القدرة على الاستجابة للمستجدات.

وأكد السلامي أن هذه الأنظمة لا تعني الاستغناء عن المسؤولين أو الكفاءات البشرية، بل تظل في حاجة إلى التوجيه والإشراف البشريين، مشددا على أن الهدف من استخدامها يتمثل في تحسين سير العمل، وتسريع إنجاز المهام، وتوفير المعطيات اللازمة لاتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.

كما أشار إلى أن المؤسسات الكبرى في تونس قطعت أشواطا أكبر من المؤسسات الصغرى والمتوسطة في اعتماد الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في مجالات التسويق والمبيعات. وهو ما يبرز أهمية توفير الدعم والمرافقة للمؤسسات الأصغر حجما، حتى تتمكن بدورها من الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.

التكوين والانخراط الجماعي شرطا النجاح

من جهته، أكد سليم جواد، المكلف بالبرامج في مؤسسة كونراد أديناور، ضرورة تعزيز قدرة المؤسسات التونسية على اكتشاف الفرص الاقتصادية والتكنولوجية المتاحة واستغلالها، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتحسين الأداء وتطوير نماذج العمل.

وأوضح أن الاستفادة من هذه الفرصة تقتضي وضع استراتيجية واضحة داخل كل مؤسسة، تحدد أهداف اعتماد الذكاء الاصطناعي ومجالات استخدامه، وتوفر للعاملين الأدوات اللازمة لتطوير مهاراتهم وتحسين أدائهم.

وشدد على أهمية انخراط مختلف الأطراف داخل المؤسسة في هذا المسار، من المسؤولين عن اتخاذ القرار إلى العاملين في مختلف المستويات، باعتبار أن نجاح التحول الرقمي لا يرتبط بتوفير التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب أيضًا تغيير أساليب العمل، وتعزيز التكوين، وترسيخ ثقافة الابتكار والتطوير المستمر.

ويبرز هذا التوجه أهمية الربط بين الاستثمار في الحلول التكنولوجية والاستثمار في رأس المال البشري، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة عملية ومستدامة، ويحوّل الإمكانات التقنية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

منصة لربط أصحاب المشاريع بالصناديق الاستثمارية

وفي جانب آخر، شهدت التظاهرة الإعلان عن إطلاق منصة تونسية تهدف إلى الربط بين أصحاب المشاريع والممولين، من داخل تونس وخارجها، عبر إتاحة التواصل المباشر مع الصناديق الاستثمارية المسجلة لديها، على أن تكون خدماتها مجانية خلال المرحلة الأولى.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشبكة الحكمة أن هذه المبادرة تسعى إلى دعم أصحاب المشاريع، والمساهمة في تحسين فرص تشغيل أصحاب الشهائد العليا، وتثمين مشاريع التخرج التي ينجزها الطلبة في مختلف الاختصاصات.

وأشار إلى أن هذه المشاريع تمثل ثمرة استثمار في الكفاءات والموارد الوطنية على امتداد المسار الدراسي، غير أن عددًا منها لا يجد طريقه إلى التنفيذ بسبب صعوبات التمويل ومحدودية فرص التواصل مع المستثمرين.

ومن هذا المنطلق، تعمل المنصة على تقريب أصحاب الأفكار والمشاريع من هياكل التمويل، وفتح المجال أمامهم لعرض مشاريعهم على مستثمرين وصناديق استثمارية، بما يساعد على تطويرها وتحويلها إلى مبادرات اقتصادية قابلة للإنجاز.

كما تهدف المبادرة إلى المساهمة في الحد من هجرة الشباب والكفاءات، من خلال توفير فرص أفضل لتثمين قدراتهم داخل تونس، وتعزيز الصلة بين الابتكار والتمويل وخلق مواطن الشغل، في سياق اقتصادي تزداد فيه أهمية التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة.

تسريع الاستثمار في الرقمنة لتعزيز تنافسية الاقتصاد

وتؤكد محاور اللقاء أن نجاح المؤسسات التونسية في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يظل مرتبطا بقدرتها على تجاوز الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية نحو بناء استراتيجية متكاملة تشمل تطوير البيانات، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين الحوكمة، وتوفير التمويل اللازم للتحول التكنولوجي.

كما أن توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقتصر على المؤسسات الكبرى أو الشركات الناشطة في قطاع التكنولوجيا، بل يتطلب توفير الظروف الملائمة حتى تتمكن المؤسسات الصغرى والمتوسطة من الاستفادة من تطبيقاته، بما يعزز الإنتاجية، ويحد من التكاليف، ويفتح آفاقا جديدة للتطوير والاستثمار.

وتضمن برنامج التظاهرة جلسات حوارية تناولت محاور عدة، من بينها «نحو مؤسسة تونسية ذكية ومترابطة وتنافسية»، و«العقل الرقمي للمؤسسة التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي»، و«الرقمنة الذاتية للمؤسسة التونسية في عصر الذكاء الاصطناعي». وركزت هذه الجلسات على الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتطوير أداء المؤسسات، إلى جانب التحديات المرتبطة باعتماده وشروط الاستفادة منه بفاعلية.

لم يعد التحول نحو الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية مؤجلة، بل أصبح خيارا اقتصاديا يرتبط بمستقبل المؤسسة وقدرتها على المنافسة والتوسع. وبين توفر الكفاءات الوطنية والحاجة إلى تعزيز الاستثمار والتكوين وتطوير البنية الرقمية، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى مشاريع منتجة وقيمة مضافة وفرص عمل، بما يدعم تنافسية المؤسسة التونسية ويسهم في دفع النمو الاقتصادي.

درصاف اللموشي

تصوير منير بن ابراهيم