لا يُقاس نجاح صادرات زيت الزيتون التونسي بحجم الكميات المصدّرة فحسب، بل أيضا بقيمة العائدات التي تحققها، ومدى استفادة الاقتصاد الوطني من مختلف مراحل الإنتاج والتسويق. فارتفاع حجم الصادرات لا يعني بالضرورة تحسّن المردودية الاقتصادية بالوتيرة نفسها، خاصة في ظل تقلب الأسعار العالمية واختلاف أساليب التسويق والتصدير.
وتبرز أهمية هذه المسألة عند النظر إلى واقع القطاع في تونس، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على إيجاد أسواق لتصريف الإنتاج، بل أصبح يتمثل أيضا في تحقيق عائد اقتصادي أكبر وأكثر استقرارا من هذه الثروة الفلاحية.
وفي هذا السياق، تطرح المقارنة بين تصدير الزيت السائب وتطوير صادرات الزيت المعلّب سؤالا جوهريا حول قدرة تونس على استثمار مكانتها بوصفها أحد أبرز منتجي زيت الزيتون في العالم، بما يضمن عائدات أفضل ويوسّع القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء نتائج الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026، التي تكشف عن تفاوت بين تطور الكميات المصدّرة وقيمة العائدات. فقد بلغت صادرات زيت الزيتون التونسي، خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2025 إلى نهاية أوت 2026، نحو 381.2 ألف طن، بقيمة 4.7804 مليارات دينار، وفق بيانات المرصد الوطني للفلاحة.
وسجّلت الكميات المصدّرة ارتفاعا بنسبة 50.8 %، مقابل زيادة في العائدات بنسبة 41.2 %، مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.
ويشير هذا الفارق إلى أن نمو حجم الصادرات تجاوز نمو قيمتها الإجمالية، ما يجعل تقييم أداء القطاع مرتبطا ليس بالكميات المصدّرة وحدها، بل أيضا بتطور الأسعار وتركيبة المنتجات والأسواق.
وتكشف تركيبة الصادرات عن جانب آخر من المعادلة، إذ استحوذ الزيت السائب على 85.5 % من الكميات المصدّرة، مقابل 14.5 % للزيت المعلّب. ومع ذلك، ساهم الصنف المعلّب بنحو 19.3 % من إجمالي العائدات.
وتؤكد هذه الأرقام وجود تفاوت في متوسط قيمة التصدير بين الصنفين، لكنها لا تسمح بمفردها بتحديد أيهما أكثر ربحية، لأن المقارنة الدقيقة تستوجب احتساب تكاليف الإنتاج والتخزين والتعبئة والنقل والتسويق والتمويل، فضلا عن المخاطر التجارية التي يتحملها كل طرف.
معادلة التصدير لا تُختزل في حجم المبيعات
في اقتصاد يعتمد على الصادرات الفلاحية لتوفير العملة الأجنبية وتحريك النشاط الاقتصادي في المناطق المنتجة، تمثل الكميات المباعة مؤشرا مهما، لكنها ليست المؤشر الوحيد لنجاعة القطاع. فقد ترتفع الصادرات دون أن تتحسن المردودية بالوتيرة نفسها، خصوصا عندما تتغير الأسعار الدولية أو ترتفع تكاليف الإنتاج والتجميع والتمويل.
ومن هنا، يقتضي تقييم أداء قطاع زيت الزيتون التمييز بين ثلاثة مستويات: قيمة الصادرات المسجّلة عند البيع، والربح الذي تحققه المؤسسات بعد احتساب تكاليفها، والقيمة المضافة التي تتولد داخل الاقتصاد التونسي عبر مختلف مراحل الإنتاج والتحويل والخدمات المرتبطة بالقطاع.
ويُعدّ هذا التمييز ضروريا لتجنب الاستنتاج بأن كل فارق في سعر البيع بين الزيت السائب والمعلّب يمثل مكسبا ضائعا. فالسعر الأعلى للمنتج المعلّب قد يعكس كلفة العبوة والتصميم والنقل والتوزيع والترويج، كما قد يتضمن عائدا تجاريا مرتبطا بالعلامة التجارية والوصول إلى المستهلك النهائي. ولا يمكن تحديد الجزء الذي تستطيع المؤسسات التونسية الاستفادة منه إلا من خلال تحليل اقتصادي يأخذ هذه العناصر مجتمعة في الاعتبار.
غير أن ذلك لا يقلل من أهمية السؤال المتعلق بمحدودية حضور المؤسسات المحلية في المراحل المتقدمة من سلسلة القيمة. فكل نشاط يمكن إنجازه محليا بصورة تنافسية، من التعبئة والتصنيف إلى الخدمات الفنية والتسويق، يمثل فرصة محتملة لتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع، شريطة أن تكون كلفته وعائداته متناسبتين مع متطلبات السوق.
الزيت السائب.. قوة تصديرية تحتاج إلى إدارة أفضل
يؤدي الزيت السائب دورا أساسيا في منظومة التصدير التونسية، لأنه يتيح تصريف كميات كبيرة ويقلّص الحاجة إلى الاستثمار المباشر في شبكات التوزيع الدولية، كما يفتح المجال أمام المؤسسات التي لا تمتلك الموارد اللازمة لبناء علامات تجارية خاصة بها في الأسواق الخارجية.
وتزداد أهمية هذا النموذج عندما تستوجب المحاصيل تصريفا سريعا، أو عندما تحتاج المؤسسات إلى السيولة للوفاء بالتزاماتها تجاه الفلاحين والموردين. لذلك، فإن الدعوة إلى تقليص صادرات الزيت السائب بصورة آلية قد لا تخدم مصالح القطاع إذا لم تراعِ قدرات التخزين والتمويل وحاجات المنتجين والمصدّرين.
غير أن الإبقاء على دور الزيت السائب لا يعني التعامل مع شروط بيعه باعتبارها معطى ثابتا لا يمكن تغييره، فالمردودية تتأثر بقدرة البائع على الاطلاع على الأسعار المتاحة وتقييم عروض المشترين، وضبط المواصفات الفنية للمنتج، وتحديد شروط الدفع والتسليم وتوزيع المخاطر بين الأطراف المتعاقدة.
وتحتاج المؤسسات التونسية إلى أدوات تجارية ومعلوماتية أكثر تطورا، تتيح لها مقارنة العروض وفق السوق والجودة وموعد التسليم وشروط التمويل. كما يمكن أن يساعد تجميع الكميات وفق معايير واضحة، متى سمحت طبيعة المؤسسات والمنتجات بذلك، على توفير عروض أكثر انتظاما وتجانسا، بما يعزز فرص التفاوض بشأن عقود مستقرة.
ولا تعني هذه الإجراءات ضمان الحصول على أسعار أعلى في جميع الحالات، لكنها تتيح اتخاذ القرارات على أساس معطيات اقتصادية أوضح، بدلا من الاعتماد المفرط على العروض الظرفية وضغط السيولة.
الجودة التونسية تحتاج إلى ترجمة تجارية
تُظهر أهمية زيت الزيتون البكر الممتاز ضمن الصادرات التونسية أن المسألة لا تتعلق بمجرد تصريف مادة أولية منخفضة المواصفات. فقد مثّلت هذه الفئة 83.5 % من إجمالي الكميات المصدّرة خلال الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026، وفق البيانات المنشورة عن المرصد الوطني للفلاحة.
لكن امتلاك منتج ذي جودة مرتفعة لا يضمن في حد ذاته تحقيق أفضل عائد تجاري ممكن، فالجودة تصبح عنصرا مؤثرا في التفاوض عندما تكون قابلة للإثبات والتحقق، ويُحافَظ عليها أثناء التخزين والنقل، ويُقدَّم المنتج للمشتري وفق مواصفات دقيقة وموثوقة.
وهنا تبرز أهمية تطوير منظومة متكاملة تشمل التحاليل المخبرية، والتتبّع، ومراقبة ظروف الحفظ، والتصنيف وفق الخصائص الفنية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الفلاحين وأصحاب المعاصر والمصدّرين والهياكل المختصة.
ومن شأن هذه المنظومة أن تساعد على تحسين قابلية المنتج التونسي للتمييز التجاري، وتوفير معطيات أدق عند التفاوض بشأن الأسعار، والحد من المخاطر التي قد تنتج عن تراجع الجودة بين مرحلة الإنتاج وموعد التسليم.
كما أن إتاحة الخدمات الفنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة بأسعار مناسبة من شأنها توسيع قاعدة المستفيدين من هذه الإمكانات، بدلا من أن تظل الاستفادة منها مرتبطة بقدرات عدد محدود من المؤسسات.
الزيت المعلّب..الاستثمار في السوق لا في العبوة فقط
لا ينبغي النظر إلى تطوير صادرات الزيت المعلّب باعتباره عملية صناعية تقتصر على وضع الزيت في عبوات تحمل اسما تجاريا. فالتعبئة تمثل جزءا من منظومة أوسع تشمل تحديد الأسواق المستهدفة، وفهم سلوك المستهلك، وضبط مواصفات المنتج، وبناء شبكات التوزيع، وتعزيز الثقة في العلامة التجارية.
وتتطلب هذه المنظومة استثمارات قد تكون مرتفعة، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تحتاج إلى تمويل المخزون، وتحمل مصاريف النقل والترويج، والالتزام بمتطلبات الأسواق الخارجية، وانتظار آجال تحصيل مستحقاتها.
ولا يكفي تشجيع زيادة الكميات المعلّبة أو منح حوافز مرتبطة بحجم الإنتاج وحده، بل يتعين تقييم المشاريع وفق قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي مستدام، مع مراعاة تكاليف النفاذ إلى الأسواق، وهوامش التوزيع، ومخاطر عدم تصريف المخزون، والقدرة على ضمان استمرارية التزويد.
ويمكن أن تتجه المساندة العمومية نحو تحسين النفاذ إلى التمويل، وتوفير خدمات التأهيل الفني والتسويقي، وتيسير المشاركة في المعارض المهنية، ودعم الدراسات المتعلقة بالأسواق المستهدفة. كما يمكن أن يتيح التعاون بين المؤسسات تقاسم بعض التكاليف، متى توفرت مصالح تجارية مشتركة وإمكانات فعلية للتنسيق.
والهدف ليس استبدال نموذج تصديري بآخر، بل بناء خيارات تجارية إضافية تمنح المؤسسات التونسية مرونة أكبر، وتتيح لها اختيار الصيغة الأنسب بحسب طبيعة المنتج وحجم المؤسسة والسوق المستهدفة.
تنويع الأسواق يبدأ من فهم الطلب
يمثل تنويع الأسواق والوجهات التجارية عنصرا مهما في إدارة المخاطر، خصوصا عندما تتأثر المبيعات بتقلبات الأسعار أو التغيرات في الطلب أو الشروط التجارية في أسواق محددة. غير أن التنويع لا يتحقق بمجرد إضافة أسماء دول جديدة إلى قائمة المشترين، بل يتطلب فهما دقيقا لحاجات كل سوق وتكاليف النفاذ إليها.
وتشمل هذه العملية دراسة متطلبات الجودة والتوسيم، والتكاليف اللوجستية، وطبيعة المنافسة، وقنوات التوزيع، وقدرة المستهلكين على استيعاب المنتجات المعروضة. كما تقتضي بناء علاقات تجارية مستمرة، بدلا من الاقتصار على الصفقات الموسمية.
ويمكن أن تتكامل هذه المقاربة مع تطوير المنتجات المعلّبة والمتخصصة، بما يسمح بتكييف العرض التونسي مع اختلاف احتياجات الأسواق. لكن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على المحافظة على الجودة، وتقديم أسعار تنافسية، وتأمين كميات منتظمة، وإدارة تكاليفها بكفاءة.
من سياسة دعم الصادرات إلى سياسة قياس المردودية الاقتصادية
يتطلب تطوير صادرات زيت الزيتون الانتقال من سياسة تركز أساسا على دعم التصدير وزيادة حجم المبيعات في الأسواق الخارجية إلى مقاربة أوسع تقيس المردودية الاقتصادية الفعلية للقطاع. ولا يقتصر هذا التقييم على كميات الزيت المصدّرة وقيمة العائدات المحققة، بل يشمل أيضا معدل سعر الطن حسب السوق والصنف، وكلفة التخزين والتمويل، وتركيبة المشترين، وتطور صادرات الزيت المعلّب، ومدى استقرار العلاقات التجارية مع الحرفاء في الأسواق الخارجية.
ويكتسي التمييز بين القيمة الإجمالية للصادرات والقيمة المضافة المتولدة محليا أهمية خاصة في هذا السياق. فقيمة الصادرات تعكس إجمالي المبيعات في الأسواق الخارجية، في حين تبرز القيمة المضافة الثروة التي يساهم النشاط الاقتصادي في إنتاجها داخل البلاد. ويقتضي احتساب هذه الأخيرة تحديد مختلف الأنشطة والخدمات المنجزة محليا، من الإنتاج والتحويل والتعليب إلى النقل والتخزين والتسويق، مع اعتماد منهجية واضحة تمنع الخلط بين قيمة المبيعات والمساهمة الاقتصادية الفعلية للقطاع.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتماد منظومة مؤشرات اقتصادية تسمح بتقييم نتائج سياسة التصدير بصورة دورية، وتوفر أساسا لإعداد برنامج عمل مشترك بين الهياكل المعنية بالفلاحة والتجارة والتصدير والتمويل والجودة.
كما يقتضي تحسين نجاعة الدعم مراعاة اختلاف أوضاع المؤسسات المصدّرة وقدراتها المالية والتجارية، بدلا من اعتماد مقاربة موحدة لجميع المتدخلين. فالتوجه نحو تصدير الزيت المعلّب، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته، كما لا يمكن اعتبار تقليص صادرات الزيت السائب مكسبا اقتصاديا تلقائيا، إذ يتوقف الاختيار بين الصيغتين على كلفة الإنتاج والتعليب والتسويق، والأسعار المحققة، وهوامش الربح، وقدرة المؤسسة على النفاذ إلى الأسواق والمحافظة على حرفائها.
الرهان الحقيقي.. تحسين العائد من كل طن
يملك زيت الزيتون التونسي مقومات مهمة لتعزيز حضوره في الأسواق العالمية، لكن تحويل هذه المقومات إلى مردودية اقتصادية أكبر يتطلب تجاوز المقاربة التي تجعل حجم الصادرات المعيار الأساسي للنجاح.
فالزيت السائب سيظل مكوّنا مهما في تصريف الإنتاج وتوفير العائدات، في حين يمكن للزيت المعلّب والعلامات التجارية التونسية أن يوسّعا فرص المشاركة في أنشطة إضافية ضمن سلسلة القيمة. وبين النموذجين، تظل الأولوية لتحسين جودة القرارات التجارية، وإدارة المخاطر، وتعزيز القدرة التفاوضية، وتطوير الخدمات والأنشطة التي يمكن إنجازها محليا بكفاءة.
وعليه، فإن التحدي الذي تواجهه تونس لا يتمثل في تصدير كميات أكبر من زيت الزيتون فحسب، ولا في تحويل أكبر قدر ممكن منها إلى عبوات، بل في بناء منظومة قادرة على تحقيق أفضل مردودية اقتصادية ممكنة من مواردها الفلاحية.
فنجاح القطاع لا يُقاس بحجم الزيت الذي يغادر الموانئ فقط، بل بقدرته على توفير عائدات أكثر استقرارا، وتحسين مداخيل مختلف المتدخلين، وتوسيع الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز موقع المؤسسات التونسية في سوق عالمية تتنافس فيها المنتجات والجودة والعلامات التجارية وشروط التوزيع في آن واحد.
المكلّف بقطاع المواد الفلاحية والصناعات الغذائية بمركز النهوض بالصادرات لـ«الصباح»: زيت الزيتون التونسي المعلّب.. قيمة مضافة وفرص واعدة لتعزيز الحضور في الأسواق العالمية
أكد عبد الرزاق المؤدب، المسؤول بالإدارة المركزية لمقاربة ودراسة الأسواق، والمكلّف بقطاع المواد الفلاحية والصناعات الغذائية بمركز النهوض بالصادرات، في تصريح لـ«الصباح»، أن زيت الزيتون التونسي المعلّب يمثل رافعة استراتيجية لتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية، باعتباره وسيلة للحفاظ على الهوية التونسية للمنتوج وضمان عائدات مالية أعلى مقارنة بتصدير زيت الزيتون السائب، فضلا عن مساهمته في دفع التنمية الاقتصادية بالمناطق المنتجة.
وأوضح المؤدب أن القيمة الاقتصادية لزيت الزيتون المعلّب تفوق، وفق تقديراته، قيمة زيت الزيتون السائب بأربعة أضعاف، وهو ما يجعل التوجه نحو التصدير المعلّب خيارا استراتيجيا من شأنه تعزيز القيمة المضافة للمنتوج الوطني وتحسين مردودية الصادرات التونسية.
أسواق آسيوية وأمريكية واعدة
وفي ما يتعلق بالأسواق الخارجية، أشار المؤدب إلى توفر إمكانات هامة لتطوير صادرات زيت الزيتون التونسي نحو الأسواق الآسيوية، وخاصة الهند والصين، مؤكدا ضرورة تكثيف العمل على هذه الوجهات واستثمار الفرص المتاحة فيها، بما يتيح تعزيز القدرة التنافسية للمنتوج التونسي والعمل على إزالة المعاليم الجمركية المفروضة على المنتجات الفلاحية والزراعية، بما يدعم نفاذها إلى هذه الأسواق.
كما تطرق إلى أهمية السوق الأمريكية، التي تحتل المرتبة الثانية بعد السوق الأوروبية من حيث توريد زيت الزيتون التونسي، داعيا إلى توسيع الجهود الترويجية والتصديرية لتشمل مختلف بلدان القارة الأمريكية، وعدم الاقتصار على الأسواق التقليدية، بما يسمح بتعزيز حضور المنتوج التونسي في أسواق جديدة، على غرار الأرجنتين والمكسيك والبرازيل.
استراتيجية وطنية لدعم تصدير الزيت المعلّب
وفي سياق متصل، أوضح المؤدب أن الدولة وضعت استراتيجية تهدف إلى الترفيع في نسبة صادرات زيت الزيتون المعلّب، من خلال إحداث آليات دعم مخصصة لهذا الصنف من الصادرات، من بينها صندوق النهوض بزيت الزيتون المعلّب على مستوى وزارة الصناعة، وذلك بهدف تشجيع المؤسسات المصدّرة على تطوير عمليات التعليب وتعزيز القيمة المضافة للمنتوج التونسي.
وأضاف أن مركز النهوض بالصادرات يضطلع بدور هام في مرافقة المؤسسات التونسية وتيسير نفاذها إلى الأسواق الخارجية، من خلال برامج وآليات دعم تستهدف صادرات زيت الزيتون، سواء المعلّب منها أو السائب.
وتشمل هذه الآليات، وفق المعطيات المقدّمة، دعم تكاليف الشحن البحري بنسبة تصل إلى 50 بالمائة، في شكل منح، إلى جانب تغطية 70 بالمائة من تكاليف الشحن الجوي، فضلا عن منح لفائدة الشركات المصدّرة تتراوح بين 40 و50 بالمائة من كلفة عمليات الترويج، بما يساعدها على تعزيز حضورها التجاري في الأسواق الخارجية وتوسيع قاعدة حرفائها.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مساعٍ ترمي إلى تطوير صادرات زيت الزيتون التونسي، والانتقال تدريجيا نحو تصدير منتوجات ذات قيمة مضافة أعلى، بما يعزز عائدات البلاد من العملة الأجنبية ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الإنتاج.
جهاد الكلبوسي
تونس – الصباح
لا يُقاس نجاح صادرات زيت الزيتون التونسي بحجم الكميات المصدّرة فحسب، بل أيضا بقيمة العائدات التي تحققها، ومدى استفادة الاقتصاد الوطني من مختلف مراحل الإنتاج والتسويق. فارتفاع حجم الصادرات لا يعني بالضرورة تحسّن المردودية الاقتصادية بالوتيرة نفسها، خاصة في ظل تقلب الأسعار العالمية واختلاف أساليب التسويق والتصدير.
وتبرز أهمية هذه المسألة عند النظر إلى واقع القطاع في تونس، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على إيجاد أسواق لتصريف الإنتاج، بل أصبح يتمثل أيضا في تحقيق عائد اقتصادي أكبر وأكثر استقرارا من هذه الثروة الفلاحية.
وفي هذا السياق، تطرح المقارنة بين تصدير الزيت السائب وتطوير صادرات الزيت المعلّب سؤالا جوهريا حول قدرة تونس على استثمار مكانتها بوصفها أحد أبرز منتجي زيت الزيتون في العالم، بما يضمن عائدات أفضل ويوسّع القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ضوء نتائج الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026، التي تكشف عن تفاوت بين تطور الكميات المصدّرة وقيمة العائدات. فقد بلغت صادرات زيت الزيتون التونسي، خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2025 إلى نهاية أوت 2026، نحو 381.2 ألف طن، بقيمة 4.7804 مليارات دينار، وفق بيانات المرصد الوطني للفلاحة.
وسجّلت الكميات المصدّرة ارتفاعا بنسبة 50.8 %، مقابل زيادة في العائدات بنسبة 41.2 %، مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.
ويشير هذا الفارق إلى أن نمو حجم الصادرات تجاوز نمو قيمتها الإجمالية، ما يجعل تقييم أداء القطاع مرتبطا ليس بالكميات المصدّرة وحدها، بل أيضا بتطور الأسعار وتركيبة المنتجات والأسواق.
وتكشف تركيبة الصادرات عن جانب آخر من المعادلة، إذ استحوذ الزيت السائب على 85.5 % من الكميات المصدّرة، مقابل 14.5 % للزيت المعلّب. ومع ذلك، ساهم الصنف المعلّب بنحو 19.3 % من إجمالي العائدات.
وتؤكد هذه الأرقام وجود تفاوت في متوسط قيمة التصدير بين الصنفين، لكنها لا تسمح بمفردها بتحديد أيهما أكثر ربحية، لأن المقارنة الدقيقة تستوجب احتساب تكاليف الإنتاج والتخزين والتعبئة والنقل والتسويق والتمويل، فضلا عن المخاطر التجارية التي يتحملها كل طرف.
معادلة التصدير لا تُختزل في حجم المبيعات
في اقتصاد يعتمد على الصادرات الفلاحية لتوفير العملة الأجنبية وتحريك النشاط الاقتصادي في المناطق المنتجة، تمثل الكميات المباعة مؤشرا مهما، لكنها ليست المؤشر الوحيد لنجاعة القطاع. فقد ترتفع الصادرات دون أن تتحسن المردودية بالوتيرة نفسها، خصوصا عندما تتغير الأسعار الدولية أو ترتفع تكاليف الإنتاج والتجميع والتمويل.
ومن هنا، يقتضي تقييم أداء قطاع زيت الزيتون التمييز بين ثلاثة مستويات: قيمة الصادرات المسجّلة عند البيع، والربح الذي تحققه المؤسسات بعد احتساب تكاليفها، والقيمة المضافة التي تتولد داخل الاقتصاد التونسي عبر مختلف مراحل الإنتاج والتحويل والخدمات المرتبطة بالقطاع.
ويُعدّ هذا التمييز ضروريا لتجنب الاستنتاج بأن كل فارق في سعر البيع بين الزيت السائب والمعلّب يمثل مكسبا ضائعا. فالسعر الأعلى للمنتج المعلّب قد يعكس كلفة العبوة والتصميم والنقل والتوزيع والترويج، كما قد يتضمن عائدا تجاريا مرتبطا بالعلامة التجارية والوصول إلى المستهلك النهائي. ولا يمكن تحديد الجزء الذي تستطيع المؤسسات التونسية الاستفادة منه إلا من خلال تحليل اقتصادي يأخذ هذه العناصر مجتمعة في الاعتبار.
غير أن ذلك لا يقلل من أهمية السؤال المتعلق بمحدودية حضور المؤسسات المحلية في المراحل المتقدمة من سلسلة القيمة. فكل نشاط يمكن إنجازه محليا بصورة تنافسية، من التعبئة والتصنيف إلى الخدمات الفنية والتسويق، يمثل فرصة محتملة لتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع، شريطة أن تكون كلفته وعائداته متناسبتين مع متطلبات السوق.
الزيت السائب.. قوة تصديرية تحتاج إلى إدارة أفضل
يؤدي الزيت السائب دورا أساسيا في منظومة التصدير التونسية، لأنه يتيح تصريف كميات كبيرة ويقلّص الحاجة إلى الاستثمار المباشر في شبكات التوزيع الدولية، كما يفتح المجال أمام المؤسسات التي لا تمتلك الموارد اللازمة لبناء علامات تجارية خاصة بها في الأسواق الخارجية.
وتزداد أهمية هذا النموذج عندما تستوجب المحاصيل تصريفا سريعا، أو عندما تحتاج المؤسسات إلى السيولة للوفاء بالتزاماتها تجاه الفلاحين والموردين. لذلك، فإن الدعوة إلى تقليص صادرات الزيت السائب بصورة آلية قد لا تخدم مصالح القطاع إذا لم تراعِ قدرات التخزين والتمويل وحاجات المنتجين والمصدّرين.
غير أن الإبقاء على دور الزيت السائب لا يعني التعامل مع شروط بيعه باعتبارها معطى ثابتا لا يمكن تغييره، فالمردودية تتأثر بقدرة البائع على الاطلاع على الأسعار المتاحة وتقييم عروض المشترين، وضبط المواصفات الفنية للمنتج، وتحديد شروط الدفع والتسليم وتوزيع المخاطر بين الأطراف المتعاقدة.
وتحتاج المؤسسات التونسية إلى أدوات تجارية ومعلوماتية أكثر تطورا، تتيح لها مقارنة العروض وفق السوق والجودة وموعد التسليم وشروط التمويل. كما يمكن أن يساعد تجميع الكميات وفق معايير واضحة، متى سمحت طبيعة المؤسسات والمنتجات بذلك، على توفير عروض أكثر انتظاما وتجانسا، بما يعزز فرص التفاوض بشأن عقود مستقرة.
ولا تعني هذه الإجراءات ضمان الحصول على أسعار أعلى في جميع الحالات، لكنها تتيح اتخاذ القرارات على أساس معطيات اقتصادية أوضح، بدلا من الاعتماد المفرط على العروض الظرفية وضغط السيولة.
الجودة التونسية تحتاج إلى ترجمة تجارية
تُظهر أهمية زيت الزيتون البكر الممتاز ضمن الصادرات التونسية أن المسألة لا تتعلق بمجرد تصريف مادة أولية منخفضة المواصفات. فقد مثّلت هذه الفئة 83.5 % من إجمالي الكميات المصدّرة خلال الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026، وفق البيانات المنشورة عن المرصد الوطني للفلاحة.
لكن امتلاك منتج ذي جودة مرتفعة لا يضمن في حد ذاته تحقيق أفضل عائد تجاري ممكن، فالجودة تصبح عنصرا مؤثرا في التفاوض عندما تكون قابلة للإثبات والتحقق، ويُحافَظ عليها أثناء التخزين والنقل، ويُقدَّم المنتج للمشتري وفق مواصفات دقيقة وموثوقة.
وهنا تبرز أهمية تطوير منظومة متكاملة تشمل التحاليل المخبرية، والتتبّع، ومراقبة ظروف الحفظ، والتصنيف وفق الخصائص الفنية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الفلاحين وأصحاب المعاصر والمصدّرين والهياكل المختصة.
ومن شأن هذه المنظومة أن تساعد على تحسين قابلية المنتج التونسي للتمييز التجاري، وتوفير معطيات أدق عند التفاوض بشأن الأسعار، والحد من المخاطر التي قد تنتج عن تراجع الجودة بين مرحلة الإنتاج وموعد التسليم.
كما أن إتاحة الخدمات الفنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة بأسعار مناسبة من شأنها توسيع قاعدة المستفيدين من هذه الإمكانات، بدلا من أن تظل الاستفادة منها مرتبطة بقدرات عدد محدود من المؤسسات.
الزيت المعلّب..الاستثمار في السوق لا في العبوة فقط
لا ينبغي النظر إلى تطوير صادرات الزيت المعلّب باعتباره عملية صناعية تقتصر على وضع الزيت في عبوات تحمل اسما تجاريا. فالتعبئة تمثل جزءا من منظومة أوسع تشمل تحديد الأسواق المستهدفة، وفهم سلوك المستهلك، وضبط مواصفات المنتج، وبناء شبكات التوزيع، وتعزيز الثقة في العلامة التجارية.
وتتطلب هذه المنظومة استثمارات قد تكون مرتفعة، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تحتاج إلى تمويل المخزون، وتحمل مصاريف النقل والترويج، والالتزام بمتطلبات الأسواق الخارجية، وانتظار آجال تحصيل مستحقاتها.
ولا يكفي تشجيع زيادة الكميات المعلّبة أو منح حوافز مرتبطة بحجم الإنتاج وحده، بل يتعين تقييم المشاريع وفق قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي مستدام، مع مراعاة تكاليف النفاذ إلى الأسواق، وهوامش التوزيع، ومخاطر عدم تصريف المخزون، والقدرة على ضمان استمرارية التزويد.
ويمكن أن تتجه المساندة العمومية نحو تحسين النفاذ إلى التمويل، وتوفير خدمات التأهيل الفني والتسويقي، وتيسير المشاركة في المعارض المهنية، ودعم الدراسات المتعلقة بالأسواق المستهدفة. كما يمكن أن يتيح التعاون بين المؤسسات تقاسم بعض التكاليف، متى توفرت مصالح تجارية مشتركة وإمكانات فعلية للتنسيق.
والهدف ليس استبدال نموذج تصديري بآخر، بل بناء خيارات تجارية إضافية تمنح المؤسسات التونسية مرونة أكبر، وتتيح لها اختيار الصيغة الأنسب بحسب طبيعة المنتج وحجم المؤسسة والسوق المستهدفة.
تنويع الأسواق يبدأ من فهم الطلب
يمثل تنويع الأسواق والوجهات التجارية عنصرا مهما في إدارة المخاطر، خصوصا عندما تتأثر المبيعات بتقلبات الأسعار أو التغيرات في الطلب أو الشروط التجارية في أسواق محددة. غير أن التنويع لا يتحقق بمجرد إضافة أسماء دول جديدة إلى قائمة المشترين، بل يتطلب فهما دقيقا لحاجات كل سوق وتكاليف النفاذ إليها.
وتشمل هذه العملية دراسة متطلبات الجودة والتوسيم، والتكاليف اللوجستية، وطبيعة المنافسة، وقنوات التوزيع، وقدرة المستهلكين على استيعاب المنتجات المعروضة. كما تقتضي بناء علاقات تجارية مستمرة، بدلا من الاقتصار على الصفقات الموسمية.
ويمكن أن تتكامل هذه المقاربة مع تطوير المنتجات المعلّبة والمتخصصة، بما يسمح بتكييف العرض التونسي مع اختلاف احتياجات الأسواق. لكن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على المحافظة على الجودة، وتقديم أسعار تنافسية، وتأمين كميات منتظمة، وإدارة تكاليفها بكفاءة.
من سياسة دعم الصادرات إلى سياسة قياس المردودية الاقتصادية
يتطلب تطوير صادرات زيت الزيتون الانتقال من سياسة تركز أساسا على دعم التصدير وزيادة حجم المبيعات في الأسواق الخارجية إلى مقاربة أوسع تقيس المردودية الاقتصادية الفعلية للقطاع. ولا يقتصر هذا التقييم على كميات الزيت المصدّرة وقيمة العائدات المحققة، بل يشمل أيضا معدل سعر الطن حسب السوق والصنف، وكلفة التخزين والتمويل، وتركيبة المشترين، وتطور صادرات الزيت المعلّب، ومدى استقرار العلاقات التجارية مع الحرفاء في الأسواق الخارجية.
ويكتسي التمييز بين القيمة الإجمالية للصادرات والقيمة المضافة المتولدة محليا أهمية خاصة في هذا السياق. فقيمة الصادرات تعكس إجمالي المبيعات في الأسواق الخارجية، في حين تبرز القيمة المضافة الثروة التي يساهم النشاط الاقتصادي في إنتاجها داخل البلاد. ويقتضي احتساب هذه الأخيرة تحديد مختلف الأنشطة والخدمات المنجزة محليا، من الإنتاج والتحويل والتعليب إلى النقل والتخزين والتسويق، مع اعتماد منهجية واضحة تمنع الخلط بين قيمة المبيعات والمساهمة الاقتصادية الفعلية للقطاع.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتماد منظومة مؤشرات اقتصادية تسمح بتقييم نتائج سياسة التصدير بصورة دورية، وتوفر أساسا لإعداد برنامج عمل مشترك بين الهياكل المعنية بالفلاحة والتجارة والتصدير والتمويل والجودة.
كما يقتضي تحسين نجاعة الدعم مراعاة اختلاف أوضاع المؤسسات المصدّرة وقدراتها المالية والتجارية، بدلا من اعتماد مقاربة موحدة لجميع المتدخلين. فالتوجه نحو تصدير الزيت المعلّب، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته، كما لا يمكن اعتبار تقليص صادرات الزيت السائب مكسبا اقتصاديا تلقائيا، إذ يتوقف الاختيار بين الصيغتين على كلفة الإنتاج والتعليب والتسويق، والأسعار المحققة، وهوامش الربح، وقدرة المؤسسة على النفاذ إلى الأسواق والمحافظة على حرفائها.
الرهان الحقيقي.. تحسين العائد من كل طن
يملك زيت الزيتون التونسي مقومات مهمة لتعزيز حضوره في الأسواق العالمية، لكن تحويل هذه المقومات إلى مردودية اقتصادية أكبر يتطلب تجاوز المقاربة التي تجعل حجم الصادرات المعيار الأساسي للنجاح.
فالزيت السائب سيظل مكوّنا مهما في تصريف الإنتاج وتوفير العائدات، في حين يمكن للزيت المعلّب والعلامات التجارية التونسية أن يوسّعا فرص المشاركة في أنشطة إضافية ضمن سلسلة القيمة. وبين النموذجين، تظل الأولوية لتحسين جودة القرارات التجارية، وإدارة المخاطر، وتعزيز القدرة التفاوضية، وتطوير الخدمات والأنشطة التي يمكن إنجازها محليا بكفاءة.
وعليه، فإن التحدي الذي تواجهه تونس لا يتمثل في تصدير كميات أكبر من زيت الزيتون فحسب، ولا في تحويل أكبر قدر ممكن منها إلى عبوات، بل في بناء منظومة قادرة على تحقيق أفضل مردودية اقتصادية ممكنة من مواردها الفلاحية.
فنجاح القطاع لا يُقاس بحجم الزيت الذي يغادر الموانئ فقط، بل بقدرته على توفير عائدات أكثر استقرارا، وتحسين مداخيل مختلف المتدخلين، وتوسيع الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز موقع المؤسسات التونسية في سوق عالمية تتنافس فيها المنتجات والجودة والعلامات التجارية وشروط التوزيع في آن واحد.
المكلّف بقطاع المواد الفلاحية والصناعات الغذائية بمركز النهوض بالصادرات لـ«الصباح»: زيت الزيتون التونسي المعلّب.. قيمة مضافة وفرص واعدة لتعزيز الحضور في الأسواق العالمية
أكد عبد الرزاق المؤدب، المسؤول بالإدارة المركزية لمقاربة ودراسة الأسواق، والمكلّف بقطاع المواد الفلاحية والصناعات الغذائية بمركز النهوض بالصادرات، في تصريح لـ«الصباح»، أن زيت الزيتون التونسي المعلّب يمثل رافعة استراتيجية لتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية، باعتباره وسيلة للحفاظ على الهوية التونسية للمنتوج وضمان عائدات مالية أعلى مقارنة بتصدير زيت الزيتون السائب، فضلا عن مساهمته في دفع التنمية الاقتصادية بالمناطق المنتجة.
وأوضح المؤدب أن القيمة الاقتصادية لزيت الزيتون المعلّب تفوق، وفق تقديراته، قيمة زيت الزيتون السائب بأربعة أضعاف، وهو ما يجعل التوجه نحو التصدير المعلّب خيارا استراتيجيا من شأنه تعزيز القيمة المضافة للمنتوج الوطني وتحسين مردودية الصادرات التونسية.
أسواق آسيوية وأمريكية واعدة
وفي ما يتعلق بالأسواق الخارجية، أشار المؤدب إلى توفر إمكانات هامة لتطوير صادرات زيت الزيتون التونسي نحو الأسواق الآسيوية، وخاصة الهند والصين، مؤكدا ضرورة تكثيف العمل على هذه الوجهات واستثمار الفرص المتاحة فيها، بما يتيح تعزيز القدرة التنافسية للمنتوج التونسي والعمل على إزالة المعاليم الجمركية المفروضة على المنتجات الفلاحية والزراعية، بما يدعم نفاذها إلى هذه الأسواق.
كما تطرق إلى أهمية السوق الأمريكية، التي تحتل المرتبة الثانية بعد السوق الأوروبية من حيث توريد زيت الزيتون التونسي، داعيا إلى توسيع الجهود الترويجية والتصديرية لتشمل مختلف بلدان القارة الأمريكية، وعدم الاقتصار على الأسواق التقليدية، بما يسمح بتعزيز حضور المنتوج التونسي في أسواق جديدة، على غرار الأرجنتين والمكسيك والبرازيل.
استراتيجية وطنية لدعم تصدير الزيت المعلّب
وفي سياق متصل، أوضح المؤدب أن الدولة وضعت استراتيجية تهدف إلى الترفيع في نسبة صادرات زيت الزيتون المعلّب، من خلال إحداث آليات دعم مخصصة لهذا الصنف من الصادرات، من بينها صندوق النهوض بزيت الزيتون المعلّب على مستوى وزارة الصناعة، وذلك بهدف تشجيع المؤسسات المصدّرة على تطوير عمليات التعليب وتعزيز القيمة المضافة للمنتوج التونسي.
وأضاف أن مركز النهوض بالصادرات يضطلع بدور هام في مرافقة المؤسسات التونسية وتيسير نفاذها إلى الأسواق الخارجية، من خلال برامج وآليات دعم تستهدف صادرات زيت الزيتون، سواء المعلّب منها أو السائب.
وتشمل هذه الآليات، وفق المعطيات المقدّمة، دعم تكاليف الشحن البحري بنسبة تصل إلى 50 بالمائة، في شكل منح، إلى جانب تغطية 70 بالمائة من تكاليف الشحن الجوي، فضلا عن منح لفائدة الشركات المصدّرة تتراوح بين 40 و50 بالمائة من كلفة عمليات الترويج، بما يساعدها على تعزيز حضورها التجاري في الأسواق الخارجية وتوسيع قاعدة حرفائها.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مساعٍ ترمي إلى تطوير صادرات زيت الزيتون التونسي، والانتقال تدريجيا نحو تصدير منتوجات ذات قيمة مضافة أعلى، بما يعزز عائدات البلاد من العملة الأجنبية ويدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الإنتاج.