كل خطوة نحو تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم تغذّي منسوب الأمل في إنقاذ المنظومة التربوية
تونس-الصباح
يُعتبر ملف إصلاح المنظومة التربوية من أبرز الرهانات الوطنية التي ترتبط بمستقبل تونس وبقدرتها على إعداد أجيال قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، باعتبار أن التربية والتعليم لا يمثلان مجرد مسار لاكتساب المعارف والمهارات، بل يشكلان أيضا أساسا لترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية والمساواة. فالمدرسة ليست فضاء للتدريس والتحصيل العلمي فحسب، وإنما مؤسسة اجتماعية وتربوية تضطلع بدور محوري في تكوين شخصية الناشئة، وتنمية قدراتهم، وفتح آفاق جديدة أمامهم، بما يجعل التعليم أحد أهم الأدوات لتحقيق الارتقاء الاجتماعي وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
ويقتضي بناء منظومة تربوية قادرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع إعادة النظر في جملة من المسائل المرتبطة بالحياة المدرسية، من البنية التحتية والنقل والأكل والإقامة بالمبيتات إلى الأنشطة الثقافية والتربوية، فضلا عن أهمية ترسيخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة منذ السنوات الأولى من التعليم. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل المدرسة فضاء جامعا تتوفر فيه فرص التعلم والتطور للجميع، ويمنح التلاميذ الإمكانات اللازمة لاكتشاف مواهبهم وتطوير معارفهم ومهاراتهم.
وفي هذا الإطار، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره إحدى المؤسسات الدستورية المرتبطة بمستقبل المنظومة التربوية، وما يطرحه هذا الملف من رهانات تتعلق بتكريس الحق في التعليم وضمان تكافؤ الفرص، بما يساهم في بناء مدرسة وطنية تستجيب لحاجيات الأجيال القادمة وتطلعات المجتمع.
أميرة الدريدي
وفي سياق الاهتمام بمستقبل المنظومة التربوية، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الخميس الماضي بقصر قرطاج، كلّا من وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، التي تولّت، بصفتها العضو الأكبر سنّا، الإشراف على الجلسة الافتتاحية للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، والكاتب العام للمجلس محمد علي البوغديري.
وتناول اللقاء أهمية هذا المجلس ومكانته ضمن البناء الدستوري، حيث أكد رئيس الجمهورية أن إقراره في الدستور، إثر الاستشارة الوطنية التي انتظمت قبل وضعه، لم يكن من قبيل الصدفة، مشيرا إلى أن هذا المجلس هو، وفق تعبيره، الوحيد من نوعه في العالم، وذلك إيمانا بأن التربية والتعليم جزء من الأمن القومي.
وشدّد رئيس الدولة على ضرورة وضع نظام تعليمي وطني يتمتع به الجميع على قدم المساواة، مؤكدا أهمية تلقين الناشئة مبادئ الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي.
كما توقف رئيس الجمهورية عند عدد من المحطات التاريخية التي عرفتها محاولات الإصلاح التربوي، معتبرا أنها لم تكن في جوهرها إصلاحا حقيقيا، بل كانت في أغلب الأحيان غير بريئة.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الدولة ضرورة إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، إلى جانب توفير النقل والأكل والإقامة بالمبيتات واللباس والمستلزمات المدرسية، بما يضمن حق جميع التلاميذ في التعليم ويوفر لهم الظروف الملائمة للتحصيل العلمي، وذلك بالتنسيق مع سائر الجهات المعنية.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أن تونس، التي أنجبت على امتداد تاريخها علماء أبهروا العالم، ستعجّ بالمزيد منهم من خلال إرساء نظام تعليمي وطني ديمقراطي ومتاح للجميع، يكرّس المساواة وتكافؤ الفرص، ويحوّل المبادئ الدستورية من مجرد نصوص إلى واقع محسوس وملموس.
وتطرح هذه التوجهات جملة من المسائل المتعلقة بمستقبل المدرسة، خاصة في ما يتصل بمدى قدرتها على ضمان تعليم جيد ومتاح للجميع، وتوفير الظروف الضرورية للنجاح، إلى جانب تطوير دورها في التنشئة والتربية على القيم.
كما تعيد هذه التوجهات التأكيد على أن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن يقتصر على جانب واحد، بل يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين البعد التعليمي والاجتماعي والثقافي، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرجوة من المدرسة الوطنية.
المدرسة العمومية وتحدي ضمان تكافؤ الفرص
تمثل المدرسة العمومية إحدى أهم المؤسسات التي تساهم في تحقيق الارتقاء الاجتماعي، باعتبارها الفضاء الذي يُفترض أن يمنح جميع الأطفال فرصة اكتساب المعارف وتطوير قدراتهم، مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية أو الاقتصادية. غير أن ضمان هذا الدور يظل مرتبطا بمدى توفر الظروف الملائمة للتعلم، وبقدرة المنظومة التربوية على الحد من العوامل التي قد تعيق التلاميذ عن مواصلة دراستهم أو تؤثر في نتائجهم. فالمساواة في التعليم لا تتحقق بمجرد توفير مقعد دراسي لكل طفل، وإنما تستوجب أيضا توفير الإمكانات التي تسمح له بالانتفاع الفعلي بهذا الحق.
كما يقتضي تكافؤ الفرص العمل على توفير ظروف متقاربة للتمدرس بين مختلف الجهات، مع إيلاء أهمية خاصة للمناطق والفئات التي تواجه صعوبات أكبر في النفاذ إلى الخدمات التعليمية، وخاصة الجهات الداخلية للبلاد.
ويظل تطوير المدرسة العمومية من أبرز المسائل المطروحة في هذا السياق، باعتبارها مؤسسة يُفترض أن تضمن حق الجميع في التعليم، وتوفر فرصا متساوية لاكتساب المعارف والمهارات.
ويُعتبر أيضا تعزيز الثقة في المدرسة العمومية ضرورة، إذ يستوجب ذلك تعزيز قدرتها على الاستجابة لانتظارات العائلات وتوفير تعليم يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية، دون التفريط في دورها الاجتماعي والتربوي. فالمطلوب اليوم في بلادنا مدرسة تجمع بين جودة التعليم والإنصاف، وتمنح التلاميذ فرصا حقيقية للنجاح والتقدم، بما يكرّس دورها في بناء المجتمع والحد من الفوارق.
وقد أكد رئيس الجمهورية ضرورة تلقين الناشئة مبادئ الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي، وهو ما يطرح أهمية إدماج هذه القيم في الحياة المدرسية وفي الممارسات التربوية اليومية. كما أن ترسيخ العدالة الاجتماعية داخل الفضاء المدرسي يرتبط بتكريس المساواة بين التلاميذ، وضمان عدم التمييز بينهم بسبب أوضاعهم الاجتماعية أو اختلاف إمكاناتهم.
ومن بين المسائل التي تستحق الاهتمام في إطار إصلاح المنظومة التربوية، تطوير الحياة المدرسية وتعزيز حضور الأنشطة الثقافية والفنية داخل المؤسسات التعليمية. فالمدرسة لا يمكن أن تقتصر على تقديم الدروس وإجراء الامتحانات، بل يُفترض أن تكون فضاء لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات وتشجيع التلاميذ على الإبداع والمشاركة.
كما أن إدماج الثقافة في الحياة المدرسية من شأنه أن يعزز دور المدرسة في بناء شخصية متوازنة، تجمع بين التحصيل العلمي والانفتاح على الفنون والمعارف، وتساعد التلميذ على اكتشاف إمكاناته وتطويرها.
المجلس الأعلى للتربية والتعليم ومستقبل المدرسة التونسية..
يطرح إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم أهمية التفكير في الخيارات الكبرى التي ينبغي أن تقوم عليها المنظومة التربوية، خاصة في ظل تعدد التحديات التي تواجه المدرسة التونسية والحاجة إلى تحديد ملامح الإصلاح خلال السنوات القادمة.
وقد شدّد رئيس الجمهورية على أن إقرار المجلس في الدستور يعكس المكانة التي تحتلها التربية والتعليم، باعتبارهما جزءا من الأمن القومي، حيث يحمل هذا التصور تأكيدا على أن مستقبل البلاد يرتبط بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، وتكوين أجيال تمتلك المعارف والمهارات الضرورية لمواجهة التحديات والمساهمة في التنمية.
وفي السياق نفسه، قال نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان، منير الكموني، في تصريح لـ«الصباح»، إن كل خطوة نحو تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم تغذّي منسوب الأمل في إنقاذ المنظومة التربوية، بعد عودة مدرسية صعبة وعطلة صيفية كارثية، وخاصة بعد تأكيد رئيس الجمهورية، بحضور رئيسة الجلسة الافتتاحية والكاتب العام، على عديد النقاط التي يراها محورية في الإصلاح المنشود، الذي يجب أن يكون شاملا ومستداما، وذلك بإرساء نظام تعليمي وطني ديمقراطي، متاح للجميع، يكرّس المساواة وتكافؤ الفرص.
وأضاف الكموني أن تأكيد رئيس الجمهورية ضرورة وضع نظام تعليمي وطني يتمتع به الجميع على قدم المساواة، وتشديده على ضرورة توفير النقل والأكل والإقامة بالمبيتات واللباس والمستلزمات المدرسية، بما يضمن حق جميع التلاميذ في التعليم ويوفر لهم ظروفا ملائمة للتحصيل العلمي، وذلك بالتنسيق مع سائر الجهات المعنية الأخرى، إلى جانب إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، يشير إلى أهم «رهانات» المنظومة التربوية، والمتمثلة في البنية التحتية والموارد البشرية والحياة المدرسية.
وأفاد نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان بأن "كل هذه المشاغل والأهداف هي التي عبّر عنها كل النواب في المجلس عامة، أو في لجنة التربية خاصة، وهي التي نسعى إلى إصلاحها ضمن إصلاح تربوي شامل يعطي التربية والتعليم المكانة التي تستحق".
واستدرك محدثنا بالقول إنه "لا بد من التأكيد على أن هذه التوجهات والأهداف النبيلة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل شراكة حقيقية ورؤية مشتركة وخطة مدروسة ومحطات تقييمية حقيقية، وبعد تشخيص موضوعي لكل النقائص والعقبات، وضبط الأولويات والحلول الضرورية ووضع آليات ممكنة التحقق".
كما أفاد محدثنا بأن الواقع التربوي اليوم، رغم قيمة المنجز وحجم الاستثمارات، فإنه ما زال يعاني بسبب تعثر بعض الخيارات وتردي البنية التحتية وخدمات النقل وغيرها.
وقال الكموني: «نحن، بصفتنا النيابية في لجنة التربية أو غيرها من اللجان، والمحكومين بضغط المهام التشريعية وتفاعل الوظيفة التنفيذية، نسعى إلى الإصلاح ما استطعنا، بالتنبيه إلى مواضع النقص واقتراح الحلول... ومنفتحون على الجميع لأننا نؤمن بأن التربية والتعليم شأن الجميع ومسؤولية المجتمع بأكمله».
أما بخصوص النوادي الثقافية ودورها في الحياة المدرسية، فقد أكد نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان أنه "يؤمن بأن النشاط الثقافي مكوّن أساسي في المنظومة التربوية، ولا بد من ضبط آليات الشراكة وفتح القنوات مع دور الثقافة والشباب ومؤسسات الطفولة والمنظمات والجمعيات ضمن رؤية مشتركة... وقد جرّبنا هذا الخيار المثمر خلال مسيرتي في مختلف المواقع، وتأكدنا من جدواه. المهم أن يكون في سياق منظومي يراعي الزمن المدرسي والفضاءات والموارد البشرية للمؤسسة التربوية وشركائها".
وعموما، فإن الرهان على إصلاح المنظومة التربوية هو، في جوهره، رهان على مستقبل تونس، باعتبار أن المدرسة تمثل إحدى أهم المؤسسات التي تساهم في إعداد الأجيال القادمة وتطوير قدراتها العلمية والفكرية والثقافية.
وبين التوجهات المعلنة والتحديات القائمة، يظل نجاح الإصلاح التربوي مرتبطا بمدى تحوله إلى نتائج ملموسة تساهم في تحسين جودة التعليم وتعزيز الثقة في المدرسة العمومية، وتفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقا أوسع، لتصبح المساواة وتكافؤ الفرص جزءا من واقع المؤسسات التعليمية، وتساهم في تحويل التربية والتعليم من مجرد حق دستوري إلى رافعة حقيقية للتنمية وبناء المستقبل.
*نائب رئيس لجنة التربية بالبرلمان لـ«الصباح»:
كل خطوة نحو تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم تغذّي منسوب الأمل في إنقاذ المنظومة التربوية
تونس-الصباح
يُعتبر ملف إصلاح المنظومة التربوية من أبرز الرهانات الوطنية التي ترتبط بمستقبل تونس وبقدرتها على إعداد أجيال قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، باعتبار أن التربية والتعليم لا يمثلان مجرد مسار لاكتساب المعارف والمهارات، بل يشكلان أيضا أساسا لترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية والمساواة. فالمدرسة ليست فضاء للتدريس والتحصيل العلمي فحسب، وإنما مؤسسة اجتماعية وتربوية تضطلع بدور محوري في تكوين شخصية الناشئة، وتنمية قدراتهم، وفتح آفاق جديدة أمامهم، بما يجعل التعليم أحد أهم الأدوات لتحقيق الارتقاء الاجتماعي وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
ويقتضي بناء منظومة تربوية قادرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع إعادة النظر في جملة من المسائل المرتبطة بالحياة المدرسية، من البنية التحتية والنقل والأكل والإقامة بالمبيتات إلى الأنشطة الثقافية والتربوية، فضلا عن أهمية ترسيخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة منذ السنوات الأولى من التعليم. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل المدرسة فضاء جامعا تتوفر فيه فرص التعلم والتطور للجميع، ويمنح التلاميذ الإمكانات اللازمة لاكتشاف مواهبهم وتطوير معارفهم ومهاراتهم.
وفي هذا الإطار، يبرز المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره إحدى المؤسسات الدستورية المرتبطة بمستقبل المنظومة التربوية، وما يطرحه هذا الملف من رهانات تتعلق بتكريس الحق في التعليم وضمان تكافؤ الفرص، بما يساهم في بناء مدرسة وطنية تستجيب لحاجيات الأجيال القادمة وتطلعات المجتمع.
أميرة الدريدي
وفي سياق الاهتمام بمستقبل المنظومة التربوية، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الخميس الماضي بقصر قرطاج، كلّا من وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، التي تولّت، بصفتها العضو الأكبر سنّا، الإشراف على الجلسة الافتتاحية للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، والكاتب العام للمجلس محمد علي البوغديري.
وتناول اللقاء أهمية هذا المجلس ومكانته ضمن البناء الدستوري، حيث أكد رئيس الجمهورية أن إقراره في الدستور، إثر الاستشارة الوطنية التي انتظمت قبل وضعه، لم يكن من قبيل الصدفة، مشيرا إلى أن هذا المجلس هو، وفق تعبيره، الوحيد من نوعه في العالم، وذلك إيمانا بأن التربية والتعليم جزء من الأمن القومي.
وشدّد رئيس الدولة على ضرورة وضع نظام تعليمي وطني يتمتع به الجميع على قدم المساواة، مؤكدا أهمية تلقين الناشئة مبادئ الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي.
كما توقف رئيس الجمهورية عند عدد من المحطات التاريخية التي عرفتها محاولات الإصلاح التربوي، معتبرا أنها لم تكن في جوهرها إصلاحا حقيقيا، بل كانت في أغلب الأحيان غير بريئة.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الدولة ضرورة إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، إلى جانب توفير النقل والأكل والإقامة بالمبيتات واللباس والمستلزمات المدرسية، بما يضمن حق جميع التلاميذ في التعليم ويوفر لهم الظروف الملائمة للتحصيل العلمي، وذلك بالتنسيق مع سائر الجهات المعنية.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أن تونس، التي أنجبت على امتداد تاريخها علماء أبهروا العالم، ستعجّ بالمزيد منهم من خلال إرساء نظام تعليمي وطني ديمقراطي ومتاح للجميع، يكرّس المساواة وتكافؤ الفرص، ويحوّل المبادئ الدستورية من مجرد نصوص إلى واقع محسوس وملموس.
وتطرح هذه التوجهات جملة من المسائل المتعلقة بمستقبل المدرسة، خاصة في ما يتصل بمدى قدرتها على ضمان تعليم جيد ومتاح للجميع، وتوفير الظروف الضرورية للنجاح، إلى جانب تطوير دورها في التنشئة والتربية على القيم.
كما تعيد هذه التوجهات التأكيد على أن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن أن يقتصر على جانب واحد، بل يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين البعد التعليمي والاجتماعي والثقافي، بما يسمح بتحقيق الأهداف المرجوة من المدرسة الوطنية.
المدرسة العمومية وتحدي ضمان تكافؤ الفرص
تمثل المدرسة العمومية إحدى أهم المؤسسات التي تساهم في تحقيق الارتقاء الاجتماعي، باعتبارها الفضاء الذي يُفترض أن يمنح جميع الأطفال فرصة اكتساب المعارف وتطوير قدراتهم، مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية أو الاقتصادية. غير أن ضمان هذا الدور يظل مرتبطا بمدى توفر الظروف الملائمة للتعلم، وبقدرة المنظومة التربوية على الحد من العوامل التي قد تعيق التلاميذ عن مواصلة دراستهم أو تؤثر في نتائجهم. فالمساواة في التعليم لا تتحقق بمجرد توفير مقعد دراسي لكل طفل، وإنما تستوجب أيضا توفير الإمكانات التي تسمح له بالانتفاع الفعلي بهذا الحق.
كما يقتضي تكافؤ الفرص العمل على توفير ظروف متقاربة للتمدرس بين مختلف الجهات، مع إيلاء أهمية خاصة للمناطق والفئات التي تواجه صعوبات أكبر في النفاذ إلى الخدمات التعليمية، وخاصة الجهات الداخلية للبلاد.
ويظل تطوير المدرسة العمومية من أبرز المسائل المطروحة في هذا السياق، باعتبارها مؤسسة يُفترض أن تضمن حق الجميع في التعليم، وتوفر فرصا متساوية لاكتساب المعارف والمهارات.
ويُعتبر أيضا تعزيز الثقة في المدرسة العمومية ضرورة، إذ يستوجب ذلك تعزيز قدرتها على الاستجابة لانتظارات العائلات وتوفير تعليم يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية، دون التفريط في دورها الاجتماعي والتربوي. فالمطلوب اليوم في بلادنا مدرسة تجمع بين جودة التعليم والإنصاف، وتمنح التلاميذ فرصا حقيقية للنجاح والتقدم، بما يكرّس دورها في بناء المجتمع والحد من الفوارق.
وقد أكد رئيس الجمهورية ضرورة تلقين الناشئة مبادئ الحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي، وهو ما يطرح أهمية إدماج هذه القيم في الحياة المدرسية وفي الممارسات التربوية اليومية. كما أن ترسيخ العدالة الاجتماعية داخل الفضاء المدرسي يرتبط بتكريس المساواة بين التلاميذ، وضمان عدم التمييز بينهم بسبب أوضاعهم الاجتماعية أو اختلاف إمكاناتهم.
ومن بين المسائل التي تستحق الاهتمام في إطار إصلاح المنظومة التربوية، تطوير الحياة المدرسية وتعزيز حضور الأنشطة الثقافية والفنية داخل المؤسسات التعليمية. فالمدرسة لا يمكن أن تقتصر على تقديم الدروس وإجراء الامتحانات، بل يُفترض أن تكون فضاء لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات وتشجيع التلاميذ على الإبداع والمشاركة.
كما أن إدماج الثقافة في الحياة المدرسية من شأنه أن يعزز دور المدرسة في بناء شخصية متوازنة، تجمع بين التحصيل العلمي والانفتاح على الفنون والمعارف، وتساعد التلميذ على اكتشاف إمكاناته وتطويرها.
المجلس الأعلى للتربية والتعليم ومستقبل المدرسة التونسية..
يطرح إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم أهمية التفكير في الخيارات الكبرى التي ينبغي أن تقوم عليها المنظومة التربوية، خاصة في ظل تعدد التحديات التي تواجه المدرسة التونسية والحاجة إلى تحديد ملامح الإصلاح خلال السنوات القادمة.
وقد شدّد رئيس الجمهورية على أن إقرار المجلس في الدستور يعكس المكانة التي تحتلها التربية والتعليم، باعتبارهما جزءا من الأمن القومي، حيث يحمل هذا التصور تأكيدا على أن مستقبل البلاد يرتبط بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، وتكوين أجيال تمتلك المعارف والمهارات الضرورية لمواجهة التحديات والمساهمة في التنمية.
وفي السياق نفسه، قال نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان، منير الكموني، في تصريح لـ«الصباح»، إن كل خطوة نحو تفعيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم تغذّي منسوب الأمل في إنقاذ المنظومة التربوية، بعد عودة مدرسية صعبة وعطلة صيفية كارثية، وخاصة بعد تأكيد رئيس الجمهورية، بحضور رئيسة الجلسة الافتتاحية والكاتب العام، على عديد النقاط التي يراها محورية في الإصلاح المنشود، الذي يجب أن يكون شاملا ومستداما، وذلك بإرساء نظام تعليمي وطني ديمقراطي، متاح للجميع، يكرّس المساواة وتكافؤ الفرص.
وأضاف الكموني أن تأكيد رئيس الجمهورية ضرورة وضع نظام تعليمي وطني يتمتع به الجميع على قدم المساواة، وتشديده على ضرورة توفير النقل والأكل والإقامة بالمبيتات واللباس والمستلزمات المدرسية، بما يضمن حق جميع التلاميذ في التعليم ويوفر لهم ظروفا ملائمة للتحصيل العلمي، وذلك بالتنسيق مع سائر الجهات المعنية الأخرى، إلى جانب إحداث نوادٍ ثقافية بمختلف المؤسسات التعليمية، يشير إلى أهم «رهانات» المنظومة التربوية، والمتمثلة في البنية التحتية والموارد البشرية والحياة المدرسية.
وأفاد نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان بأن "كل هذه المشاغل والأهداف هي التي عبّر عنها كل النواب في المجلس عامة، أو في لجنة التربية خاصة، وهي التي نسعى إلى إصلاحها ضمن إصلاح تربوي شامل يعطي التربية والتعليم المكانة التي تستحق".
واستدرك محدثنا بالقول إنه "لا بد من التأكيد على أن هذه التوجهات والأهداف النبيلة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل شراكة حقيقية ورؤية مشتركة وخطة مدروسة ومحطات تقييمية حقيقية، وبعد تشخيص موضوعي لكل النقائص والعقبات، وضبط الأولويات والحلول الضرورية ووضع آليات ممكنة التحقق".
كما أفاد محدثنا بأن الواقع التربوي اليوم، رغم قيمة المنجز وحجم الاستثمارات، فإنه ما زال يعاني بسبب تعثر بعض الخيارات وتردي البنية التحتية وخدمات النقل وغيرها.
وقال الكموني: «نحن، بصفتنا النيابية في لجنة التربية أو غيرها من اللجان، والمحكومين بضغط المهام التشريعية وتفاعل الوظيفة التنفيذية، نسعى إلى الإصلاح ما استطعنا، بالتنبيه إلى مواضع النقص واقتراح الحلول... ومنفتحون على الجميع لأننا نؤمن بأن التربية والتعليم شأن الجميع ومسؤولية المجتمع بأكمله».
أما بخصوص النوادي الثقافية ودورها في الحياة المدرسية، فقد أكد نائب رئيس لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي بالبرلمان أنه "يؤمن بأن النشاط الثقافي مكوّن أساسي في المنظومة التربوية، ولا بد من ضبط آليات الشراكة وفتح القنوات مع دور الثقافة والشباب ومؤسسات الطفولة والمنظمات والجمعيات ضمن رؤية مشتركة... وقد جرّبنا هذا الخيار المثمر خلال مسيرتي في مختلف المواقع، وتأكدنا من جدواه. المهم أن يكون في سياق منظومي يراعي الزمن المدرسي والفضاءات والموارد البشرية للمؤسسة التربوية وشركائها".
وعموما، فإن الرهان على إصلاح المنظومة التربوية هو، في جوهره، رهان على مستقبل تونس، باعتبار أن المدرسة تمثل إحدى أهم المؤسسات التي تساهم في إعداد الأجيال القادمة وتطوير قدراتها العلمية والفكرية والثقافية.
وبين التوجهات المعلنة والتحديات القائمة، يظل نجاح الإصلاح التربوي مرتبطا بمدى تحوله إلى نتائج ملموسة تساهم في تحسين جودة التعليم وتعزيز الثقة في المدرسة العمومية، وتفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقا أوسع، لتصبح المساواة وتكافؤ الفرص جزءا من واقع المؤسسات التعليمية، وتساهم في تحويل التربية والتعليم من مجرد حق دستوري إلى رافعة حقيقية للتنمية وبناء المستقبل.