سوق الأدوية يبلغ 4.6 مليارات دينار.. ورهان على رفع الصادرات إلى 600 مليون دينار في أفق 2030
تونس – الصباح
تتجه تونس نحو مرحلة جديدة في تحديث صناعتها الدوائية، عنوانها الأبرز رقمنة الإجراءات الإدارية واعتماد الملف التقني الموحد الإلكتروني للدواء (e-CTD)، في مسار يستهدف تبسيط التعاملات وتسريع معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات الموجهة إلى المؤسسات الصناعية، بالتوازي مع دعم قدرتها على الابتكار والإنتاج والتصدير.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تندرج في إطار الاستراتيجية الصناعية والتجديد في أفق 2035، التي تضع الرقمنة والصناعة الذكية وتطوير تنافسية المؤسسات ضمن محاور أساسية لإعادة تموقع الصناعة التونسية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات التكنولوجية والتنظيمية العالمية.
الرقمنة رافعة لتنافسية الصناعة الدوائية
وأكد رئيس غرفة التجارة والصناعة بتونس، المنصف بن جمعة، خلال ندوة صحفية انتظمت أمس حول «الصناعة الصيدلانية التونسية – الانتقال إلى الملف الإلكتروني الفني الموحد e-CTD، الرقمنة والتنافسية المستدامة»، أن الصناعة الصيدلانية تمثل أحد القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بالنظر إلى دورها في تزويد السوق الوطنية بالأدوية وتوفير مواطن الشغل المختصة ودعم الصادرات، وتثمين الكفاءات والخبرات التونسية.
وشدد بن جمعة على أن التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع، ولا سيما على مستوى المتطلبات التنظيمية وتسريع النفاذ إلى الأسواق، تجعل من الرقمنة عاملًا أساسيًا لتحسين الأداء وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.
وأوضح أن اعتماد الملف التقني الموحد الإلكتروني e-CTD يمثل خطوة استراتيجية لتحديث المنظومة التنظيمية، باعتباره معيارًا معتمدًا دوليًا يساهم في تحسين تتبع الملفات وإدارة المعطيات وتسريع عمليات التقييم واتخاذ القرار.
وأكد في السياق ذاته أهمية مرافقة المؤسسات الصيدلانية في هذا التحول، وتشجيع الابتكار والاستثمار واعتماد التكنولوجيات الحديثة، بما يعزز تنافسية الصناعة الدوائية التونسية ويدعم حضورها المستدام في الأسواق الدولية.
الرقمنة جزء من تحديث الصناعة
ومن جهتها، قالت منال حنفي، المكلفة بالصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية بوزارة الصناعة، إن رقمنة الإجراءات الإدارية المتعلقة بالصناعات الصيدلانية تمثل أحد المسارات المهمة لتحديث العلاقة بين الإدارة والمؤسسة وتحسين مناخ الأعمال.
وأوضحت أن وزارة الصناعة تعمل ضمن رؤية استراتيجية متكاملة لمواكبة التحولات التكنولوجية ودعم المؤسسات الصناعية في مسار الانتقال الرقمي، مشيرة إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن الاستراتيجية الصناعية والتجديد في أفق 2035، التي تجعل من التحول الرقمي وتطوير القدرة التنافسية للمؤسسات أولوية.
ومن شأن هذا المسار أن يساهم في تحسين الأداء والإنتاجية وتعزيز الابتكار والقدرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والدولية.
وتندرج في هذا الإطار المبادرة الوطنية للانتقال إلى الصناعة الذكية، التي أطلقتها وزارة الصناعة بالتعاون مع وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، باعتبارها إحدى الأدوات العملية لمواكبة المؤسسات في اعتماد الحلول الرقمية والتكنولوجيات الحديثة، وتطوير طرق الإنتاج والإدارة، والانتقال تدريجيًا نحو نماذج صناعية أكثر ذكاءً ومرونة.
ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الإنتاجي، بل يشمل أيضًا البيئة الإدارية والتنظيمية المحيطة بالمؤسسة، باعتبار أن تبسيط الإجراءات ورقمنة الخدمات وتقليص آجال معالجة الملفات أصبحت عناصر أساسية لتحسين مناخ الاستثمار ورفع تنافسية المؤسسة الصناعية.
صناعة استراتيجية بأرقام مهمة
ويأتي هذا التحول الرقمي في وقت يمثل فيه القطاع الدوائي أحد الفروع الصناعية ذات الأهمية الاستراتيجية في تونس.
وتقدر قيمة السوق الدوائية حسب ما جاء في مداخلة ثرية عرضتها ممثلة وزارة الصناعة بنحو 4.6 مليارات دينار، مقابل إنتاج محلي في حدود 2.8 مليار دينار، فيما يضم القطاع حوالي 48 مؤسسة صيدلانية مرخصة توفر نحو 8 آلاف موطن شغل.
وتغطي الصناعة المحلية أكثر من 60 بالمائة من السوق من حيث القيمة، مقابل أكثر من 75 بالمائة من حيث الكمية، بما يعكس تطور القدرة الإنتاجية المحلية خلال السنوات الأخيرة.
غير أن هذه المؤشرات لا تلغي استمرار عدد من التحديات، خاصة على مستوى المواد الأولية والمكونات الفعالة وبعض المنتجات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير البحث والتطوير وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية.
التصدير.. الرهان المقبل
يبقى التصدير من أبرز الملفات المطروحة أمام الصناعة الدوائية التونسية، في ظل الحاجة إلى توسيع الأسواق وتقليص الفجوة بين الصادرات والواردات.
ففي سنة 2025، بلغت صادرات الأدوية حوالي 313 مليون دينار، مقابل واردات بقيمة 1.866 مليار دينار، وهو ما يعكس اتساع هامش العمل المطلوب لتعزيز حضور المنتجات الدوائية التونسية في الأسواق الخارجية.
وتستحوذ فرنسا وليبيا على حصة مهمة من الصادرات، وهو ما يبرز الحاجة إلى تنويع الأسواق والبحث عن وجهات جديدة، خاصة في إفريقيا والعالم العربي والأسواق الأوروبية.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية رفع صادرات الأدوية إلى 600 مليون دينار في أفق سنة 2030، بالتوازي مع تطوير صادرات الأجهزة الطبية المعقمة، وخدمات الدراسات السريرية، ودراسات التكافؤ الحيوي.
الأجهزة الطبية.. مؤشر تصديري مختلف
وفي الوقت الذي لا تزال فيه صادرات الأدوية بحاجة إلى مزيد من الدفع، يقدم قطاع الأجهزة الطبية مؤشرات أكثر إيجابية على المستوى الخارجي.
فقد بلغت صادرات الأجهزة الطبية حوالي 706 ملايين دينار سنة 2025، مقابل واردات بقيمة 497 مليون دينار، بما جعل القطاع من الفروع الصناعية التي حققت فائضًا تجاريًا.
ويضم القطاع حوالي 37 مؤسسة توفر نحو 5200 موطن شغل، من بينها 11 مؤسسة متخصصة في الأجهزة الطبية المعقمة.
وتتجه الاستراتيجية إلى رفع عدد المؤسسات المتخصصة في الأجهزة الطبية المعقمة إلى 20 مؤسسة في أفق 2030، بما يسمح بتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز القدرة على التصدير.
التكنولوجيا الحيوية لرفع القيمة المضافة
ولا تتوقف رهانات الصناعة الدوائية عند زيادة حجم الإنتاج، بل تتجه أيضًا إلى تطوير تركيبتها التكنولوجية والانتقال إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
وتأتي الأدوية الحيوية والأدوية الحيوية المماثلة في مقدمة المجالات التي تراهن عليها تونس، إلى جانب المواد الأولية، ومواد التغليف، ودراسات التكافؤ الحيوي، والتجارب السريرية.
ويفترض هذا التوجه تطوير منظومة البحث والتطوير، وتعزيز العلاقة بين المؤسسات الصناعية والجامعات ومراكز البحث، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية.
وفي هذا السياق، يبرز قطب التكنولوجيا الحيوية بسيدي ثابت كأحد مكونات المنظومة التكنولوجية للصناعة الدوائية، من خلال الجمع بين البحث والتطوير والتكوين والإنتاج التطبيقي واحتضان المؤسسات الناشئة ونقل التكنولوجيا.
كما يمثل (Biotech 4.0 Center) أداة لمساعدة المؤسسات على الانتقال إلى الصناعة 4.0، عبر التشخيص والتكوين والمرافقة وإدماج الحلول الرقمية.
الرقمنة تحتاج إلى إصلاح الإجراءات
ويظل نجاح الرقمنة مرتبطًا أيضًا بتطوير الإطار التنظيمي والإداري المحيط بالصناعة الدوائية.
وتشمل الإصلاحات المطروحة تعزيز الوكالة الوطنية للأدوية ومواد الصحة، وإعادة تنظيم منظومة الأسعار والمراجعة والتعويض، وتحسين التزود العمومي بالأدوية، وتقليص آجال الحصول على تراخيص التسويق، وتحديث عملية تسجيل الأدوية.
وتكتسي هذه الإصلاحات أهمية خاصة، لأن الرقمنة تكون أكثر فعالية عندما ترافقها عملية تبسيط وإعادة تنظيم للإجراءات.
إن نجاح e-CTD لن يقاس فقط بإدخال التكنولوجيا إلى عملية إيداع الملفات، وإنما بمدى قدرة المنظومة الجديدة على تقليص الآجال، وتحسين التنسيق، وتوحيد المسارات، وتعزيز قابلية تتبع الملفات.
الاستثمار والتأهيل لمواكبة التحول
وتستند عملية تحديث الصناعة أيضًا إلى برامج دعم الاستثمار والتأهيل.
وفي إطار البرنامج الوطني لإعادة التأهيل والتأهيل الصناعي، تمت المصادقة على 56 برنامجًا لفائدة 30 مؤسسة صيدلانية، باستثمارات بلغت حوالي 511.6 مليون دينار، فيما بلغت المنح المسندة نحو 66.2 مليون دينار.
كما توفر آليات الاستثمار التكنولوجي ذات الأولوية دعمًا لاقتناء تجهيزات البحث والتطوير، والمختبرات، والبرمجيات، وأنظمة الإدارة، والمساعدة الفنية، وبراءات الاختراع والعلامات التجارية.
وتشكل هذه البرامج رافعة لمساعدة المؤسسات على تحديث أدواتها وتهيئة بنيتها التقنية والتنظيمية لاستيعاب التحول الرقمي.
e-CTD خطوة لتسريع تسجيل الأدوية
ومن الجانب المهني، يلتقي هذا التوجه مع انتظارات القطاع الدوائي، حيث أكد طارق حمامي، عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية، أن اعتماد نظام الملف التقني الموحد الإلكتروني e-CTD يمثل خطوة مهمة في مسار رقمنة صناعة الأدوية في تونس، باعتباره ينقل عملية إيداع الملفات من الصيغ التقليدية إلى منظومة إلكترونية موحدة تتلاءم مع التطورات التي تعرفها الصناعة الدوائية على المستوى الدولي.
وأوضح حمامي أن النظام الجديد، الذي أطلقته وزارة الصحة، يهدف إلى رقمنة الملفات المودعة لدى الجهة المختصة للحصول على رخص ترويج الأدوية، بما يسهل عمل المؤسسات في إعداد ملفاتها وإيداعها، وفي المقابل يحسن طرق معالجة الملفات ومراجعتها من قبل الجهة المختصة.
كما أشار عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية إلى أن صادرات الأدوية التونسية يُنتظر أن تبلغ خلال سنة 2026 حوالي 100 مليون أورو، أي ما يقارب 350 مليون دينار، مع توجه المنتجات نحو عدد من الأسواق الإفريقية والعربية، من بينها ليبيا وموريتانيا والسنغال وكوت ديفوار ومالي، إضافة إلى أسواق الخليج والعراق وبعض الأسواق الأوروبية.
وتكمن الأهمية العملية لهذا التحول، وفق حمامي، في تقليص آجال دراسة الملفات والحصول على شهادات الترويج، بما يمكن أن ينعكس على قدرة المؤسسات على إطلاق منتجاتها في السوق في آجال أكثر نجاعة.
ولا تتوقف أهمية e-CTD، حسب المتحدث، عند تحسين المسار الإداري، بل ترتبط أيضًا بتعزيز تنافسية الصناعة الدوائية التونسية، خاصة مع اعتماد عدد متزايد من الأسواق الدولية للأنظمة الإلكترونية الموحدة في معالجة ملفات تسجيل الأدوية.
وأشار حمامي إلى أن العمل بهذا النظام انطلق فعليًا، وأن المؤسسات الدوائية التونسية بدأت في الانخراط فيه، على أن يصبح اعتماد e-CTD إجباريًا بداية من 1 جانفي 2027، وهو ما يجعل الفترة الحالية مرحلة انتقالية مهمة أمام المؤسسات للاستعداد الفني والتنظيمي لهذا الموعد.
من رقمنة الملف إلى تحديث المنظومة
بين الرؤية الرسمية التي عرضتها منال حنفي، المكلفة بالصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية بوزارة الصناعة، وانتظارات القطاع التي عبّر عنها طارق حمامي، عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية، يبرز اتجاه مشترك نحو جعل الرقمنة جزءًا من عملية أوسع لتحديث الصناعة الدوائية التونسية.
بالنسبة إلى وزارة الصناعة، يمثل التحول الرقمي والصناعة الذكية وتبسيط الإجراءات أدوات لتحسين مناخ الأعمال ودعم المؤسسات. وبالنسبة إلى القطاع، يمثل اعتماد e-CTD فرصة لتحديث مسار تسجيل الأدوية، وتقليص آجال دراسة الملفات، ومواكبة المتطلبات التنظيمية الدولية.
وبذلك لا يتعلق الرهان برقمنة ملف إداري فحسب، وإنما بإعادة بناء مسار أكثر سرعة ووضوحًا وقابلية للتتبع، يخفف العبء عن المؤسسات ويتيح للإدارة معالجة الملفات بكفاءة أكبر.
وتبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، خاصة مع اقتراب موعد الإلزام باعتماد e-CTD بداية من سنة 2027، وارتفاع سقف الأهداف المتعلقة بالتصدير والاستثمار والتكنولوجيا الحيوية.
فالرهان بالنسبة إلى الصناعة الدوائية التونسية لم يعد يقتصر على الانتقال من الورقي إلى الرقمي، وإنما يتجه نحو بناء منظومة دوائية أكثر نجاعة وتنافسية وقدرة على الابتكار والتصدير، تجعل من الرقمنة والتكنولوجيا والجودة أدوات فعلية لتعزيز حضور الصناعة التونسية في الأسواق المحلية والإفريقية والأوروبية والدولية.
جهاد الكلبوسي
منير بن ابراهيم
سوق الأدوية يبلغ 4.6 مليارات دينار.. ورهان على رفع الصادرات إلى 600 مليون دينار في أفق 2030
تونس – الصباح
تتجه تونس نحو مرحلة جديدة في تحديث صناعتها الدوائية، عنوانها الأبرز رقمنة الإجراءات الإدارية واعتماد الملف التقني الموحد الإلكتروني للدواء (e-CTD)، في مسار يستهدف تبسيط التعاملات وتسريع معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات الموجهة إلى المؤسسات الصناعية، بالتوازي مع دعم قدرتها على الابتكار والإنتاج والتصدير.
ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية أوسع تندرج في إطار الاستراتيجية الصناعية والتجديد في أفق 2035، التي تضع الرقمنة والصناعة الذكية وتطوير تنافسية المؤسسات ضمن محاور أساسية لإعادة تموقع الصناعة التونسية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات التكنولوجية والتنظيمية العالمية.
الرقمنة رافعة لتنافسية الصناعة الدوائية
وأكد رئيس غرفة التجارة والصناعة بتونس، المنصف بن جمعة، خلال ندوة صحفية انتظمت أمس حول «الصناعة الصيدلانية التونسية – الانتقال إلى الملف الإلكتروني الفني الموحد e-CTD، الرقمنة والتنافسية المستدامة»، أن الصناعة الصيدلانية تمثل أحد القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بالنظر إلى دورها في تزويد السوق الوطنية بالأدوية وتوفير مواطن الشغل المختصة ودعم الصادرات، وتثمين الكفاءات والخبرات التونسية.
وشدد بن جمعة على أن التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع، ولا سيما على مستوى المتطلبات التنظيمية وتسريع النفاذ إلى الأسواق، تجعل من الرقمنة عاملًا أساسيًا لتحسين الأداء وتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات.
وأوضح أن اعتماد الملف التقني الموحد الإلكتروني e-CTD يمثل خطوة استراتيجية لتحديث المنظومة التنظيمية، باعتباره معيارًا معتمدًا دوليًا يساهم في تحسين تتبع الملفات وإدارة المعطيات وتسريع عمليات التقييم واتخاذ القرار.
وأكد في السياق ذاته أهمية مرافقة المؤسسات الصيدلانية في هذا التحول، وتشجيع الابتكار والاستثمار واعتماد التكنولوجيات الحديثة، بما يعزز تنافسية الصناعة الدوائية التونسية ويدعم حضورها المستدام في الأسواق الدولية.
الرقمنة جزء من تحديث الصناعة
ومن جهتها، قالت منال حنفي، المكلفة بالصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية بوزارة الصناعة، إن رقمنة الإجراءات الإدارية المتعلقة بالصناعات الصيدلانية تمثل أحد المسارات المهمة لتحديث العلاقة بين الإدارة والمؤسسة وتحسين مناخ الأعمال.
وأوضحت أن وزارة الصناعة تعمل ضمن رؤية استراتيجية متكاملة لمواكبة التحولات التكنولوجية ودعم المؤسسات الصناعية في مسار الانتقال الرقمي، مشيرة إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن الاستراتيجية الصناعية والتجديد في أفق 2035، التي تجعل من التحول الرقمي وتطوير القدرة التنافسية للمؤسسات أولوية.
ومن شأن هذا المسار أن يساهم في تحسين الأداء والإنتاجية وتعزيز الابتكار والقدرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والدولية.
وتندرج في هذا الإطار المبادرة الوطنية للانتقال إلى الصناعة الذكية، التي أطلقتها وزارة الصناعة بالتعاون مع وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، باعتبارها إحدى الأدوات العملية لمواكبة المؤسسات في اعتماد الحلول الرقمية والتكنولوجيات الحديثة، وتطوير طرق الإنتاج والإدارة، والانتقال تدريجيًا نحو نماذج صناعية أكثر ذكاءً ومرونة.
ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الإنتاجي، بل يشمل أيضًا البيئة الإدارية والتنظيمية المحيطة بالمؤسسة، باعتبار أن تبسيط الإجراءات ورقمنة الخدمات وتقليص آجال معالجة الملفات أصبحت عناصر أساسية لتحسين مناخ الاستثمار ورفع تنافسية المؤسسة الصناعية.
صناعة استراتيجية بأرقام مهمة
ويأتي هذا التحول الرقمي في وقت يمثل فيه القطاع الدوائي أحد الفروع الصناعية ذات الأهمية الاستراتيجية في تونس.
وتقدر قيمة السوق الدوائية حسب ما جاء في مداخلة ثرية عرضتها ممثلة وزارة الصناعة بنحو 4.6 مليارات دينار، مقابل إنتاج محلي في حدود 2.8 مليار دينار، فيما يضم القطاع حوالي 48 مؤسسة صيدلانية مرخصة توفر نحو 8 آلاف موطن شغل.
وتغطي الصناعة المحلية أكثر من 60 بالمائة من السوق من حيث القيمة، مقابل أكثر من 75 بالمائة من حيث الكمية، بما يعكس تطور القدرة الإنتاجية المحلية خلال السنوات الأخيرة.
غير أن هذه المؤشرات لا تلغي استمرار عدد من التحديات، خاصة على مستوى المواد الأولية والمكونات الفعالة وبعض المنتجات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير البحث والتطوير وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية.
التصدير.. الرهان المقبل
يبقى التصدير من أبرز الملفات المطروحة أمام الصناعة الدوائية التونسية، في ظل الحاجة إلى توسيع الأسواق وتقليص الفجوة بين الصادرات والواردات.
ففي سنة 2025، بلغت صادرات الأدوية حوالي 313 مليون دينار، مقابل واردات بقيمة 1.866 مليار دينار، وهو ما يعكس اتساع هامش العمل المطلوب لتعزيز حضور المنتجات الدوائية التونسية في الأسواق الخارجية.
وتستحوذ فرنسا وليبيا على حصة مهمة من الصادرات، وهو ما يبرز الحاجة إلى تنويع الأسواق والبحث عن وجهات جديدة، خاصة في إفريقيا والعالم العربي والأسواق الأوروبية.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية رفع صادرات الأدوية إلى 600 مليون دينار في أفق سنة 2030، بالتوازي مع تطوير صادرات الأجهزة الطبية المعقمة، وخدمات الدراسات السريرية، ودراسات التكافؤ الحيوي.
الأجهزة الطبية.. مؤشر تصديري مختلف
وفي الوقت الذي لا تزال فيه صادرات الأدوية بحاجة إلى مزيد من الدفع، يقدم قطاع الأجهزة الطبية مؤشرات أكثر إيجابية على المستوى الخارجي.
فقد بلغت صادرات الأجهزة الطبية حوالي 706 ملايين دينار سنة 2025، مقابل واردات بقيمة 497 مليون دينار، بما جعل القطاع من الفروع الصناعية التي حققت فائضًا تجاريًا.
ويضم القطاع حوالي 37 مؤسسة توفر نحو 5200 موطن شغل، من بينها 11 مؤسسة متخصصة في الأجهزة الطبية المعقمة.
وتتجه الاستراتيجية إلى رفع عدد المؤسسات المتخصصة في الأجهزة الطبية المعقمة إلى 20 مؤسسة في أفق 2030، بما يسمح بتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز القدرة على التصدير.
التكنولوجيا الحيوية لرفع القيمة المضافة
ولا تتوقف رهانات الصناعة الدوائية عند زيادة حجم الإنتاج، بل تتجه أيضًا إلى تطوير تركيبتها التكنولوجية والانتقال إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.
وتأتي الأدوية الحيوية والأدوية الحيوية المماثلة في مقدمة المجالات التي تراهن عليها تونس، إلى جانب المواد الأولية، ومواد التغليف، ودراسات التكافؤ الحيوي، والتجارب السريرية.
ويفترض هذا التوجه تطوير منظومة البحث والتطوير، وتعزيز العلاقة بين المؤسسات الصناعية والجامعات ومراكز البحث، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية.
وفي هذا السياق، يبرز قطب التكنولوجيا الحيوية بسيدي ثابت كأحد مكونات المنظومة التكنولوجية للصناعة الدوائية، من خلال الجمع بين البحث والتطوير والتكوين والإنتاج التطبيقي واحتضان المؤسسات الناشئة ونقل التكنولوجيا.
كما يمثل (Biotech 4.0 Center) أداة لمساعدة المؤسسات على الانتقال إلى الصناعة 4.0، عبر التشخيص والتكوين والمرافقة وإدماج الحلول الرقمية.
الرقمنة تحتاج إلى إصلاح الإجراءات
ويظل نجاح الرقمنة مرتبطًا أيضًا بتطوير الإطار التنظيمي والإداري المحيط بالصناعة الدوائية.
وتشمل الإصلاحات المطروحة تعزيز الوكالة الوطنية للأدوية ومواد الصحة، وإعادة تنظيم منظومة الأسعار والمراجعة والتعويض، وتحسين التزود العمومي بالأدوية، وتقليص آجال الحصول على تراخيص التسويق، وتحديث عملية تسجيل الأدوية.
وتكتسي هذه الإصلاحات أهمية خاصة، لأن الرقمنة تكون أكثر فعالية عندما ترافقها عملية تبسيط وإعادة تنظيم للإجراءات.
إن نجاح e-CTD لن يقاس فقط بإدخال التكنولوجيا إلى عملية إيداع الملفات، وإنما بمدى قدرة المنظومة الجديدة على تقليص الآجال، وتحسين التنسيق، وتوحيد المسارات، وتعزيز قابلية تتبع الملفات.
الاستثمار والتأهيل لمواكبة التحول
وتستند عملية تحديث الصناعة أيضًا إلى برامج دعم الاستثمار والتأهيل.
وفي إطار البرنامج الوطني لإعادة التأهيل والتأهيل الصناعي، تمت المصادقة على 56 برنامجًا لفائدة 30 مؤسسة صيدلانية، باستثمارات بلغت حوالي 511.6 مليون دينار، فيما بلغت المنح المسندة نحو 66.2 مليون دينار.
كما توفر آليات الاستثمار التكنولوجي ذات الأولوية دعمًا لاقتناء تجهيزات البحث والتطوير، والمختبرات، والبرمجيات، وأنظمة الإدارة، والمساعدة الفنية، وبراءات الاختراع والعلامات التجارية.
وتشكل هذه البرامج رافعة لمساعدة المؤسسات على تحديث أدواتها وتهيئة بنيتها التقنية والتنظيمية لاستيعاب التحول الرقمي.
e-CTD خطوة لتسريع تسجيل الأدوية
ومن الجانب المهني، يلتقي هذا التوجه مع انتظارات القطاع الدوائي، حيث أكد طارق حمامي، عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية، أن اعتماد نظام الملف التقني الموحد الإلكتروني e-CTD يمثل خطوة مهمة في مسار رقمنة صناعة الأدوية في تونس، باعتباره ينقل عملية إيداع الملفات من الصيغ التقليدية إلى منظومة إلكترونية موحدة تتلاءم مع التطورات التي تعرفها الصناعة الدوائية على المستوى الدولي.
وأوضح حمامي أن النظام الجديد، الذي أطلقته وزارة الصحة، يهدف إلى رقمنة الملفات المودعة لدى الجهة المختصة للحصول على رخص ترويج الأدوية، بما يسهل عمل المؤسسات في إعداد ملفاتها وإيداعها، وفي المقابل يحسن طرق معالجة الملفات ومراجعتها من قبل الجهة المختصة.
كما أشار عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية إلى أن صادرات الأدوية التونسية يُنتظر أن تبلغ خلال سنة 2026 حوالي 100 مليون أورو، أي ما يقارب 350 مليون دينار، مع توجه المنتجات نحو عدد من الأسواق الإفريقية والعربية، من بينها ليبيا وموريتانيا والسنغال وكوت ديفوار ومالي، إضافة إلى أسواق الخليج والعراق وبعض الأسواق الأوروبية.
وتكمن الأهمية العملية لهذا التحول، وفق حمامي، في تقليص آجال دراسة الملفات والحصول على شهادات الترويج، بما يمكن أن ينعكس على قدرة المؤسسات على إطلاق منتجاتها في السوق في آجال أكثر نجاعة.
ولا تتوقف أهمية e-CTD، حسب المتحدث، عند تحسين المسار الإداري، بل ترتبط أيضًا بتعزيز تنافسية الصناعة الدوائية التونسية، خاصة مع اعتماد عدد متزايد من الأسواق الدولية للأنظمة الإلكترونية الموحدة في معالجة ملفات تسجيل الأدوية.
وأشار حمامي إلى أن العمل بهذا النظام انطلق فعليًا، وأن المؤسسات الدوائية التونسية بدأت في الانخراط فيه، على أن يصبح اعتماد e-CTD إجباريًا بداية من 1 جانفي 2027، وهو ما يجعل الفترة الحالية مرحلة انتقالية مهمة أمام المؤسسات للاستعداد الفني والتنظيمي لهذا الموعد.
من رقمنة الملف إلى تحديث المنظومة
بين الرؤية الرسمية التي عرضتها منال حنفي، المكلفة بالصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية بوزارة الصناعة، وانتظارات القطاع التي عبّر عنها طارق حمامي، عضو الغرفة الوطنية لصناعة الأدوية، يبرز اتجاه مشترك نحو جعل الرقمنة جزءًا من عملية أوسع لتحديث الصناعة الدوائية التونسية.
بالنسبة إلى وزارة الصناعة، يمثل التحول الرقمي والصناعة الذكية وتبسيط الإجراءات أدوات لتحسين مناخ الأعمال ودعم المؤسسات. وبالنسبة إلى القطاع، يمثل اعتماد e-CTD فرصة لتحديث مسار تسجيل الأدوية، وتقليص آجال دراسة الملفات، ومواكبة المتطلبات التنظيمية الدولية.
وبذلك لا يتعلق الرهان برقمنة ملف إداري فحسب، وإنما بإعادة بناء مسار أكثر سرعة ووضوحًا وقابلية للتتبع، يخفف العبء عن المؤسسات ويتيح للإدارة معالجة الملفات بكفاءة أكبر.
وتبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، خاصة مع اقتراب موعد الإلزام باعتماد e-CTD بداية من سنة 2027، وارتفاع سقف الأهداف المتعلقة بالتصدير والاستثمار والتكنولوجيا الحيوية.
فالرهان بالنسبة إلى الصناعة الدوائية التونسية لم يعد يقتصر على الانتقال من الورقي إلى الرقمي، وإنما يتجه نحو بناء منظومة دوائية أكثر نجاعة وتنافسية وقدرة على الابتكار والتصدير، تجعل من الرقمنة والتكنولوجيا والجودة أدوات فعلية لتعزيز حضور الصناعة التونسية في الأسواق المحلية والإفريقية والأوروبية والدولية.