احتفت الدورة السابعة لمهرجان بعيونهن ضمن برمجتها الثرية والمتفردة في تصوراتها بالسينمائي المصري يسري نصر الله، الذي حل ضيفا على المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" مترئسا لجنة التحكيم وحاضرا عبر "ماستر كلاس" موجهة لمحبي الفن السابع والشغوفين بسينما تدعو للتفكير وتبحث في الإنسان والذاكرة والراهن بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.
محطات ملهمة في مسيرة يسري نصر الله ترجمت خلال لقائه مع جمهور وضيوف مهرجان "بعيونهن" ورقات من تاريخنا العربي المعاصر من وجهة نظر مخرج أتقن صناعة سينما بديلة محفورة في الذاكرة (سرقات صيفية، مرسيدس، باب الشمس بجزأيه، احكي يا شهر زاد، بعد الموقعة…)، جوهرها وعي عميق بدور السينما في التغيير والتوعية.
ولئن كانت وستظل السينما في حياة يسري نصر الله فعل حب، إلا أن عشقه لهذا العالم البصري كان جادا، ملتزما ومتمردا يسخر من الواقع ويقطع مع إملاءاته، يواجه السلطة بأنواعها (الأبوية، السياسية والدينية..) ويفكك "طلاسمها" بشجاعة طفل أدرك مبكرا بشاعة العالم ومع ذلك واجهه "بخفة دم" وشغف بالسينما… وإنسانية ترفض منطق الإيديولوجيات وصراعات الساسة والأعراف…
المدرسة الألمانية، التخلي عن الدراسة الأكاديمية للسينما، السفر إلى بيروت والعمل ناقدا سينمائيا في جريدة "السفير" - والسفر كان بدافع قصة حب - تدريس أطفال المخيمات، ثم العودة للقاهرة والعمل مع يوسف شاهين.. هي محطات شكلت جانبا مفصليا من مشوار يسري نصر الله الفني والإنساني، يرويها المخرج المصري للحضور في مهرجان "بعيونهن" دون ملل رغم أن هذه القصص طالما رددها وسُئل عنها كثيرا في حواراته، يحب يسري نصر الله الحديث عن ذكرياته بين لبنان ومصر وشغفه بالصناعة كاتبا كان أو سينمائيا..
لم يخف يسري نصر الله علاقته المتوترة بوالده وعالم أسرته "الإقطاعي" والصراع مع حكم عبد الناصر ويُحاور بعمق هذه الرموز، قاطعا مع التبعية بكل أبعادها، لا يتخذ من السياسة مادة لأفلامه أو يخلق شخوصا بدافع سياسي موجه، فهو يؤمن بقدرة السينما على رواية الواقع وتحولاته بصريا عاكسا وصفته السحرية الخاصة، قصص مستوحاة من خبايا المجتمع الغارق في اضطراباته، ولكن نكهة التمرد الساخرة والمفعمة بالأمل والبهجة تلوّن مشاهده دون أن تفقده عمق المعنى والفكر والرسالة.
وتحدث يسري نصر الله مطولا عن تجربته مع الكاتب اللبناني الراحل إلياس خوري وعبر عن فخره باقتباس روايته "باب الشمس" مفسرا منهجه في التعامل مع النص الأدبي وكيفية تحويله للشاشة عبر لغة سينمائية تختلف في قواعدها عن عالم الأدب، وذلك دون أن يخون النص الأصلي ويخدم في الآن نفسه الفكرة البصرية للعمل.
لقاء يسري نصر الله مع محبي السينما في المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" ارتكز أساسا حول سينما المخرج المصري وشخصيات أفلامه النسائية، وعاد في السياق على تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمد الوهابي على صورة المرأة في السينما، فلم تعد القصص تكتب للمرأة البطلة وإنما هي الهامش في شخصيات الأم والأخت والزوجة والعشيقة، وشدد يسري نصر الله أن هذا التهميش للمرأة في مضامين السينما ساهم في تراجع هذه الصناعة الفنية والثقافية.
وأكد يسري نصر الله أن المرأة ليست ملحقا وصوتها العالي أو تمردها يمنحها تميزا، ويرفض تعامل السينما معها بعيدا عن كونها شخصية درامية كاملة تؤخذ بجدية بعيدا عن منطق "النضالية" و"النسوية"، وإنما لأن هذا منطق السينما والفن والفكر القائم على قيم إنسانية.
ولم يخل الحديث مع يسري نصر الله عن يوسف شاهين الذي وصفه بالمدرسة التي أدخلته عالم السينما حين عمل معه لثلاث سنوات مساعد مخرج على فيلم "بونابرت" ليكون فيلمه الطويل الأول "سرقات صيفية" خطوته الأولى في المشهد السينمائي المصري والدولي عبر بوابة مهرجان "كان" السينمائي، ومنحه الفيلم بطاقة اعتماده لدى النقاد وأهل المهنة والجمهور الباحث عن هذه النوعية من السينما.
يعامل يسري نصر الله أبطال أفلامه بحب كبير.. هكذا تحدث عنهم، فالعمل الجماعي من منظوره هو سر خروج عمل جيد، وإذ لم يحب الممثل الشخصية التي يجسدها كما المخرج، إذ لم يكن محبا لشخوصه بما فيها الشريرة، لن ينجح في الوصول إلى وجدان الجمهور.
وفي هذا الإطار ذكر يسري نصر الله تجربته مع منى زكي في "احكي يا شهرزاد" وكيف تمردت عبر الفيلم على شخصياتها النمطية، كما أشار إلى رفضها فيلم "جنينة أسماك" وتعامله في هذا العمل مع هند صبري التي كان لها رؤية مختلفة عن منى زكي لفيلم "جنينة أسماك".
يسري نصر الله كان متفاعلا في ماستر كلاس خصص للاحتفاء بمسيرته في الدورة السابعة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" يوم الثلاثاء 6 أكتوبر الحالي بنابل، وأدارت الحوار الصحفية عبير العقربي، وعكس المشهد تلاقيا بين مختلف الأجيال في هذه الفعالية التي ترجمت بدورها نضج المهرجان وتميزه في المشهد السينمائي الوطني والدولي، فقد استضاف مخرجا طالما تعامل مع المرأة في أفلامه بالكثير من الحب والاعتزاز ودون أحكام على غرار مختلف شخصياته الرجالية، وقدم سينما تتناقش قضايا المرأة العربية بوعي عميق.
نجلاء قموع
نابل - الصباح
احتفت الدورة السابعة لمهرجان بعيونهن ضمن برمجتها الثرية والمتفردة في تصوراتها بالسينمائي المصري يسري نصر الله، الذي حل ضيفا على المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" مترئسا لجنة التحكيم وحاضرا عبر "ماستر كلاس" موجهة لمحبي الفن السابع والشغوفين بسينما تدعو للتفكير وتبحث في الإنسان والذاكرة والراهن بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.
محطات ملهمة في مسيرة يسري نصر الله ترجمت خلال لقائه مع جمهور وضيوف مهرجان "بعيونهن" ورقات من تاريخنا العربي المعاصر من وجهة نظر مخرج أتقن صناعة سينما بديلة محفورة في الذاكرة (سرقات صيفية، مرسيدس، باب الشمس بجزأيه، احكي يا شهر زاد، بعد الموقعة…)، جوهرها وعي عميق بدور السينما في التغيير والتوعية.
ولئن كانت وستظل السينما في حياة يسري نصر الله فعل حب، إلا أن عشقه لهذا العالم البصري كان جادا، ملتزما ومتمردا يسخر من الواقع ويقطع مع إملاءاته، يواجه السلطة بأنواعها (الأبوية، السياسية والدينية..) ويفكك "طلاسمها" بشجاعة طفل أدرك مبكرا بشاعة العالم ومع ذلك واجهه "بخفة دم" وشغف بالسينما… وإنسانية ترفض منطق الإيديولوجيات وصراعات الساسة والأعراف…
المدرسة الألمانية، التخلي عن الدراسة الأكاديمية للسينما، السفر إلى بيروت والعمل ناقدا سينمائيا في جريدة "السفير" - والسفر كان بدافع قصة حب - تدريس أطفال المخيمات، ثم العودة للقاهرة والعمل مع يوسف شاهين.. هي محطات شكلت جانبا مفصليا من مشوار يسري نصر الله الفني والإنساني، يرويها المخرج المصري للحضور في مهرجان "بعيونهن" دون ملل رغم أن هذه القصص طالما رددها وسُئل عنها كثيرا في حواراته، يحب يسري نصر الله الحديث عن ذكرياته بين لبنان ومصر وشغفه بالصناعة كاتبا كان أو سينمائيا..
لم يخف يسري نصر الله علاقته المتوترة بوالده وعالم أسرته "الإقطاعي" والصراع مع حكم عبد الناصر ويُحاور بعمق هذه الرموز، قاطعا مع التبعية بكل أبعادها، لا يتخذ من السياسة مادة لأفلامه أو يخلق شخوصا بدافع سياسي موجه، فهو يؤمن بقدرة السينما على رواية الواقع وتحولاته بصريا عاكسا وصفته السحرية الخاصة، قصص مستوحاة من خبايا المجتمع الغارق في اضطراباته، ولكن نكهة التمرد الساخرة والمفعمة بالأمل والبهجة تلوّن مشاهده دون أن تفقده عمق المعنى والفكر والرسالة.
وتحدث يسري نصر الله مطولا عن تجربته مع الكاتب اللبناني الراحل إلياس خوري وعبر عن فخره باقتباس روايته "باب الشمس" مفسرا منهجه في التعامل مع النص الأدبي وكيفية تحويله للشاشة عبر لغة سينمائية تختلف في قواعدها عن عالم الأدب، وذلك دون أن يخون النص الأصلي ويخدم في الآن نفسه الفكرة البصرية للعمل.
لقاء يسري نصر الله مع محبي السينما في المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" ارتكز أساسا حول سينما المخرج المصري وشخصيات أفلامه النسائية، وعاد في السياق على تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمد الوهابي على صورة المرأة في السينما، فلم تعد القصص تكتب للمرأة البطلة وإنما هي الهامش في شخصيات الأم والأخت والزوجة والعشيقة، وشدد يسري نصر الله أن هذا التهميش للمرأة في مضامين السينما ساهم في تراجع هذه الصناعة الفنية والثقافية.
وأكد يسري نصر الله أن المرأة ليست ملحقا وصوتها العالي أو تمردها يمنحها تميزا، ويرفض تعامل السينما معها بعيدا عن كونها شخصية درامية كاملة تؤخذ بجدية بعيدا عن منطق "النضالية" و"النسوية"، وإنما لأن هذا منطق السينما والفن والفكر القائم على قيم إنسانية.
ولم يخل الحديث مع يسري نصر الله عن يوسف شاهين الذي وصفه بالمدرسة التي أدخلته عالم السينما حين عمل معه لثلاث سنوات مساعد مخرج على فيلم "بونابرت" ليكون فيلمه الطويل الأول "سرقات صيفية" خطوته الأولى في المشهد السينمائي المصري والدولي عبر بوابة مهرجان "كان" السينمائي، ومنحه الفيلم بطاقة اعتماده لدى النقاد وأهل المهنة والجمهور الباحث عن هذه النوعية من السينما.
يعامل يسري نصر الله أبطال أفلامه بحب كبير.. هكذا تحدث عنهم، فالعمل الجماعي من منظوره هو سر خروج عمل جيد، وإذ لم يحب الممثل الشخصية التي يجسدها كما المخرج، إذ لم يكن محبا لشخوصه بما فيها الشريرة، لن ينجح في الوصول إلى وجدان الجمهور.
وفي هذا الإطار ذكر يسري نصر الله تجربته مع منى زكي في "احكي يا شهرزاد" وكيف تمردت عبر الفيلم على شخصياتها النمطية، كما أشار إلى رفضها فيلم "جنينة أسماك" وتعامله في هذا العمل مع هند صبري التي كان لها رؤية مختلفة عن منى زكي لفيلم "جنينة أسماك".
يسري نصر الله كان متفاعلا في ماستر كلاس خصص للاحتفاء بمسيرته في الدورة السابعة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن" يوم الثلاثاء 6 أكتوبر الحالي بنابل، وأدارت الحوار الصحفية عبير العقربي، وعكس المشهد تلاقيا بين مختلف الأجيال في هذه الفعالية التي ترجمت بدورها نضج المهرجان وتميزه في المشهد السينمائي الوطني والدولي، فقد استضاف مخرجا طالما تعامل مع المرأة في أفلامه بالكثير من الحب والاعتزاز ودون أحكام على غرار مختلف شخصياته الرجالية، وقدم سينما تتناقش قضايا المرأة العربية بوعي عميق.