على إيقاعات الفنون الشعبية ووسط حضور جماهيري ورسمي بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي وعدد من ممثلي الهيئات الديبلوماسية، انطلقت مساء أمس السبت 3 أكتوبر الجاري بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي فعاليات الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية، في سهرة افتتاحية اختارت أن تجمع بين الموسيقى الحية واستحضار الذاكرة الفنية والتعريف بملامح التظاهرة، قبل أن تختتم بعرض «دندري» الذي يقوده عازف الدرامز والباحث التونسي محمد الخشناوي. حملت السهرة منذ بدايتها إشارات إلى حضور الموسيقى التونسية بمختلف تعبيراتها، وإلى رغبة في الجمع بين التجربة الفردية والعمل الجماعي، وبين الذاكرة الموسيقية وإعادة صياغتها في أشكال معاصرة.
وانطلقت أجواء الافتتاح بالنشيد الوطني التونسي، في مشهد رافقته مشاركة مترجمة لغة الإشارة التي حضرت ضمن مختلف مراحل السهرة، قبل أن تنتقل الأجواء مباشرة إلى الموسيقى مع الفنان نصر الدين شبلي. فقدّم عرضا رافقته فيه مجموعة من العازفين والراقصين، وإيقاعات الطبلة والبندير وعدد من الآلات الأخرى، في أداء منح بداية السهرة إيقاعا حيا وحضورا بصريا واضحا، وفتح منذ اللحظات الأولى المجال أمام الموسيقى باعتبارها اللغة الأساسية لهذا الموعد.
وبين الإيقاع والحركة، انتقلت السهرة إلى تقديم صورتها العامة، حيث تولى الإعلامي كريم بن عمر تنشيط الافتتاح والترحيب بالحاضرين، قبل أن يصعد المدير الفني لأيام قرطاج الموسيقية منذر فلاح إلى الخشبة لإلقاء كلمته. وكانت هذه الكلمة محطة أساسية لتقديم الرؤية الفنية التي تقف وراء الدورة الجديدة، وما يرتبط بها من اختيارات وتوجهات، في افتتاح أرادت من خلاله إدارة التظاهرة أن تضع الموسيقى في مركز المشهد، وأن تمنح الفنانين والتجارب الجديدة مساحة للحضور والتعبير.
وفي هذا السياق، أكد الفلاح أن المهرجان تطور من تظاهرة فنية ذات طابع عربي إفريقي إلى فضاء مهني يجمع الفنانين وصناع الموسيقى من تونس والمغرب العربي والعالم العربي وإفريقيا والمتوسط، مع انفتاح أكبر على الشراكات الدولية ومشاركة أكثر من 15 دولة في الدورة الحالية. وأوضح أن الصالون المهني يحتل موقعا متقدما بعرض هذه الدورة من خلال 26 عرضا مختارا، بما يتيح للفنانين تقديم مشاريعهم أمام المهنيين ومديري المهرجانات.
كما أعلن عن مبادرة «أيام قرطاج الموسيقية في الجهات»، التي تشمل اختيار ثلاثة مشاريع فنية ومرافقتها بعد الدورة عبر تنظيم جولات في الجهات التونسية.
وفي هذا السياق، أوضح أن «الفنان الناشئ» لا يعني بالضرورة فنانا مبتدئا، بل قد يكون صاحب تجربة طويلة يخوض للمرة الأولى مشروعا شخصيا، مؤكدا أن المهرجان يسعى إلى منح هذه المشاريع فرصا للتعريف بها وفتح آفاق جديدة أمام أصحابها داخل تونس وخارجها.
ومن الموسيقى الجماعية إلى التجربة الفردية، أخذ الناي مكانه في السهرة من خلال مشاركة العازف أحمد ليثيم، رفقة عازف الغيتار أيمن بن عطية، حيث تقدم ليثيم ليتحدث عن قصته مع الموسيقى، قبل أن يترجم هذه التجربة بالعزف على آلة الناي، في تواصل مباشر مع الحضور داخل القاعة. ولم تكن الفقرة قائمة على العزف وحده، بل حملت جانبا من الحكاية الشخصية للفنان، بما جعل الآلة الموسيقية امتدادا لتجربته وطريقته في التواصل مع المتلقي.
ولم تأت هذه التقديمات منفصلة عن الجانب الفني، بل اندمجت في بناء الافتتاح الذي يتنقل بين الموسيقى والصورة والكلمة، لتقدم للحضور بعضا من ملامح العمل الذي يقف خلف العروض والأنشطة الموسيقية.
وعلى الشاشة، منحت الصور المصاحبة جانبا آخر من أجواء أيام قرطاج الموسيقية، قبل أن تستعيد الخشبة حضورها الموسيقي مع غيث الجويني وسامي بن سعيد اللذان استعادا الراحل ياسر الجرادي بأغنيته «نرجعلك ديما» في صدارة المشهد. فتحدثت أيضا عن تجربته، في فقرة قصيرة حافظت على الطابع الحي للسهرة، وواصلت تقديم التنوع في الآلات والتجارب التي اختارت إدارة المهرجان حضورها في ليلة الافتتاح.
وفي قلب هذا المشهد، حضرت الذاكرة الموسيقية التونسية من خلال تكريم الموسيقار الراحل محمد القرفي، فقد خصصت أيام قرطاج الموسيقية فقرة لاستحضار مسيرته بعرض شريط وثائقي تناول محطات من تجربته الفنية. وجاء هذا التكريم ليمنح السهرة بعدا آخر، يربط الاحتفاء بالتجارب الحاضرة باستعادة أسماء ومسارات ساهمت في تشكيل المشهد الموسيقي التونسي.
وفي نهاية الجزء الرسمي، تم تقديم جانب من حفلات أيام قرطاج الموسيقية عبر مادة مصورة، قبل أن يتهيأ المسرح للعرض الذي اختير ليكون خاتمة السهرة. وهنا انتقل الافتتاح من تقديم التجارب والأسماء إلى تجربة فنية تحمل في حد ذاتها اشتغالا على الذاكرة الموسيقية، من خلال مشروع «دندري» الذي يقوده الدكتور محمد الخشناوي.
ويأتي «دندري» ثمرة مسار بحثي وفني اشتغل خلاله الخشناوي على موروث السطمبالي، وهو مسار يعود إلى سنة 2015، وينطلق من محاولة الاقتراب من هذا الموروث الموسيقي والاشتغال على عناصره وإعادة تقديمها ضمن رؤية مختلفة. وفي هذا المشروع، لا يقتصر التعامل مع السطمبالي على استعادة ما هو موجود، وإنما يقوم على إعادة صياغته موسيقيا وفتح حوار بين إيقاعاته وآلاته وبين أنماط موسيقية حديثة.
وحضرت في العرض آلات مرتبطة بالموروث السطمبالي، وفي مقدمتها القمبري والشقاشق، إلى جانب المعلمين محمد الجويني وبلحسن ميهوب، فيما تتقاطع هذه العناصر مع الجاز والروك. ومن خلال هذا اللقاء، يبحث «دندري» عن صيغة موسيقية جديدة لا تلغي جذور المادة التي ينطلق منها، وإنما تمنحها إمكانية أخرى للحضور أمام جمهور معاصر.
ويكتسب هذا الاشتغال أهمية من كون السطمبالي ليس مجرد لون موسيقي، بل جزء من ذاكرة ثقافية وفنية ذات امتدادات إفريقية في تونس وشمال إفريقيا. ولذلك فإن إعادة قراءته موسيقيا تضع المشروع أمام أكثر من سؤال، من بينها كيفية التعامل مع الموروث حين ينتقل من فضائه التقليدي إلى فضاء العرض المعاصر، وكيف يمكن الحفاظ على مكوناته الأساسية مع منحه إمكانات جديدة للتعبير.
ولذلك لم يأت اختيار «دندري» لختام الافتتاح منفصلا عن بقية مكونات السهرة، بل بدا امتدادا لفكرة حضرت في أكثر من محطة، وهي الجمع بين الذاكرة والتجديد، وبين الموسيقى باعتبارها تراثا والموسيقى باعتبارها مجالا مفتوحا للتجريب. فالعرض الذي يقوده محمد الخشناوي لا يقدم السطمبالي باعتباره مادة محفوظة في الماضي، وإنما يحاول أن يفتح أمامه مسارا جديدا، مستفيدا من الجاز والروك ومن إمكانات الموسيقى المعاصرة.
وهكذا جاءت سهرة افتتاح الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية أقرب إلى لوحة موسيقية متعددة الأصوات، تبدأ من النشيد الوطني والإيقاعات التونسية، وتمر عبر تجارب فردية في العزف، وتتوقف عند تكريم اسم من الذاكرة الموسيقية، قبل أن تنتهي عند مشروع يشتغل على التراث من زاوية مختلفة. وبين هذه العناصر، حافظت الموسيقى على موقعها في قلب السهرة، فيما منحت الكلمة والصورة والتكريم المشهد أبعاده الأخرى.
إيمان عبد اللطيف
تونس - الصباح
على إيقاعات الفنون الشعبية ووسط حضور جماهيري ورسمي بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي وعدد من ممثلي الهيئات الديبلوماسية، انطلقت مساء أمس السبت 3 أكتوبر الجاري بمسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي فعاليات الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية، في سهرة افتتاحية اختارت أن تجمع بين الموسيقى الحية واستحضار الذاكرة الفنية والتعريف بملامح التظاهرة، قبل أن تختتم بعرض «دندري» الذي يقوده عازف الدرامز والباحث التونسي محمد الخشناوي. حملت السهرة منذ بدايتها إشارات إلى حضور الموسيقى التونسية بمختلف تعبيراتها، وإلى رغبة في الجمع بين التجربة الفردية والعمل الجماعي، وبين الذاكرة الموسيقية وإعادة صياغتها في أشكال معاصرة.
وانطلقت أجواء الافتتاح بالنشيد الوطني التونسي، في مشهد رافقته مشاركة مترجمة لغة الإشارة التي حضرت ضمن مختلف مراحل السهرة، قبل أن تنتقل الأجواء مباشرة إلى الموسيقى مع الفنان نصر الدين شبلي. فقدّم عرضا رافقته فيه مجموعة من العازفين والراقصين، وإيقاعات الطبلة والبندير وعدد من الآلات الأخرى، في أداء منح بداية السهرة إيقاعا حيا وحضورا بصريا واضحا، وفتح منذ اللحظات الأولى المجال أمام الموسيقى باعتبارها اللغة الأساسية لهذا الموعد.
وبين الإيقاع والحركة، انتقلت السهرة إلى تقديم صورتها العامة، حيث تولى الإعلامي كريم بن عمر تنشيط الافتتاح والترحيب بالحاضرين، قبل أن يصعد المدير الفني لأيام قرطاج الموسيقية منذر فلاح إلى الخشبة لإلقاء كلمته. وكانت هذه الكلمة محطة أساسية لتقديم الرؤية الفنية التي تقف وراء الدورة الجديدة، وما يرتبط بها من اختيارات وتوجهات، في افتتاح أرادت من خلاله إدارة التظاهرة أن تضع الموسيقى في مركز المشهد، وأن تمنح الفنانين والتجارب الجديدة مساحة للحضور والتعبير.
وفي هذا السياق، أكد الفلاح أن المهرجان تطور من تظاهرة فنية ذات طابع عربي إفريقي إلى فضاء مهني يجمع الفنانين وصناع الموسيقى من تونس والمغرب العربي والعالم العربي وإفريقيا والمتوسط، مع انفتاح أكبر على الشراكات الدولية ومشاركة أكثر من 15 دولة في الدورة الحالية. وأوضح أن الصالون المهني يحتل موقعا متقدما بعرض هذه الدورة من خلال 26 عرضا مختارا، بما يتيح للفنانين تقديم مشاريعهم أمام المهنيين ومديري المهرجانات.
كما أعلن عن مبادرة «أيام قرطاج الموسيقية في الجهات»، التي تشمل اختيار ثلاثة مشاريع فنية ومرافقتها بعد الدورة عبر تنظيم جولات في الجهات التونسية.
وفي هذا السياق، أوضح أن «الفنان الناشئ» لا يعني بالضرورة فنانا مبتدئا، بل قد يكون صاحب تجربة طويلة يخوض للمرة الأولى مشروعا شخصيا، مؤكدا أن المهرجان يسعى إلى منح هذه المشاريع فرصا للتعريف بها وفتح آفاق جديدة أمام أصحابها داخل تونس وخارجها.
ومن الموسيقى الجماعية إلى التجربة الفردية، أخذ الناي مكانه في السهرة من خلال مشاركة العازف أحمد ليثيم، رفقة عازف الغيتار أيمن بن عطية، حيث تقدم ليثيم ليتحدث عن قصته مع الموسيقى، قبل أن يترجم هذه التجربة بالعزف على آلة الناي، في تواصل مباشر مع الحضور داخل القاعة. ولم تكن الفقرة قائمة على العزف وحده، بل حملت جانبا من الحكاية الشخصية للفنان، بما جعل الآلة الموسيقية امتدادا لتجربته وطريقته في التواصل مع المتلقي.
ولم تأت هذه التقديمات منفصلة عن الجانب الفني، بل اندمجت في بناء الافتتاح الذي يتنقل بين الموسيقى والصورة والكلمة، لتقدم للحضور بعضا من ملامح العمل الذي يقف خلف العروض والأنشطة الموسيقية.
وعلى الشاشة، منحت الصور المصاحبة جانبا آخر من أجواء أيام قرطاج الموسيقية، قبل أن تستعيد الخشبة حضورها الموسيقي مع غيث الجويني وسامي بن سعيد اللذان استعادا الراحل ياسر الجرادي بأغنيته «نرجعلك ديما» في صدارة المشهد. فتحدثت أيضا عن تجربته، في فقرة قصيرة حافظت على الطابع الحي للسهرة، وواصلت تقديم التنوع في الآلات والتجارب التي اختارت إدارة المهرجان حضورها في ليلة الافتتاح.
وفي قلب هذا المشهد، حضرت الذاكرة الموسيقية التونسية من خلال تكريم الموسيقار الراحل محمد القرفي، فقد خصصت أيام قرطاج الموسيقية فقرة لاستحضار مسيرته بعرض شريط وثائقي تناول محطات من تجربته الفنية. وجاء هذا التكريم ليمنح السهرة بعدا آخر، يربط الاحتفاء بالتجارب الحاضرة باستعادة أسماء ومسارات ساهمت في تشكيل المشهد الموسيقي التونسي.
وفي نهاية الجزء الرسمي، تم تقديم جانب من حفلات أيام قرطاج الموسيقية عبر مادة مصورة، قبل أن يتهيأ المسرح للعرض الذي اختير ليكون خاتمة السهرة. وهنا انتقل الافتتاح من تقديم التجارب والأسماء إلى تجربة فنية تحمل في حد ذاتها اشتغالا على الذاكرة الموسيقية، من خلال مشروع «دندري» الذي يقوده الدكتور محمد الخشناوي.
ويأتي «دندري» ثمرة مسار بحثي وفني اشتغل خلاله الخشناوي على موروث السطمبالي، وهو مسار يعود إلى سنة 2015، وينطلق من محاولة الاقتراب من هذا الموروث الموسيقي والاشتغال على عناصره وإعادة تقديمها ضمن رؤية مختلفة. وفي هذا المشروع، لا يقتصر التعامل مع السطمبالي على استعادة ما هو موجود، وإنما يقوم على إعادة صياغته موسيقيا وفتح حوار بين إيقاعاته وآلاته وبين أنماط موسيقية حديثة.
وحضرت في العرض آلات مرتبطة بالموروث السطمبالي، وفي مقدمتها القمبري والشقاشق، إلى جانب المعلمين محمد الجويني وبلحسن ميهوب، فيما تتقاطع هذه العناصر مع الجاز والروك. ومن خلال هذا اللقاء، يبحث «دندري» عن صيغة موسيقية جديدة لا تلغي جذور المادة التي ينطلق منها، وإنما تمنحها إمكانية أخرى للحضور أمام جمهور معاصر.
ويكتسب هذا الاشتغال أهمية من كون السطمبالي ليس مجرد لون موسيقي، بل جزء من ذاكرة ثقافية وفنية ذات امتدادات إفريقية في تونس وشمال إفريقيا. ولذلك فإن إعادة قراءته موسيقيا تضع المشروع أمام أكثر من سؤال، من بينها كيفية التعامل مع الموروث حين ينتقل من فضائه التقليدي إلى فضاء العرض المعاصر، وكيف يمكن الحفاظ على مكوناته الأساسية مع منحه إمكانات جديدة للتعبير.
ولذلك لم يأت اختيار «دندري» لختام الافتتاح منفصلا عن بقية مكونات السهرة، بل بدا امتدادا لفكرة حضرت في أكثر من محطة، وهي الجمع بين الذاكرة والتجديد، وبين الموسيقى باعتبارها تراثا والموسيقى باعتبارها مجالا مفتوحا للتجريب. فالعرض الذي يقوده محمد الخشناوي لا يقدم السطمبالي باعتباره مادة محفوظة في الماضي، وإنما يحاول أن يفتح أمامه مسارا جديدا، مستفيدا من الجاز والروك ومن إمكانات الموسيقى المعاصرة.
وهكذا جاءت سهرة افتتاح الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية أقرب إلى لوحة موسيقية متعددة الأصوات، تبدأ من النشيد الوطني والإيقاعات التونسية، وتمر عبر تجارب فردية في العزف، وتتوقف عند تكريم اسم من الذاكرة الموسيقية، قبل أن تنتهي عند مشروع يشتغل على التراث من زاوية مختلفة. وبين هذه العناصر، حافظت الموسيقى على موقعها في قلب السهرة، فيما منحت الكلمة والصورة والتكريم المشهد أبعاده الأخرى.