إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس واليابان تعززان شراكتهما الاقتصادية..  اتفاق استثماري مرتقب لاستقطاب رؤوس الأموال

 

تونس – الصباح

تتجه العلاقات الاقتصادية بين تونس واليابان نحو مرحلة جديدة من التعاون، عنوانها الأبرز تعزيز الإطار القانوني للاستثمار وتشجيع تدفق رؤوس الأموال بين البلدين، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بالشراكة الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر ارتباطا بالاستثمار والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا السياق، تستعد تونس واليابان لإبرام اتفاق ثنائي للاستثمار يهدف إلى تعزيز حماية المستثمرين وتوفير ضمانات أفضل للمتعاملين الاقتصاديين، بما من شأنه تحسين وضوح الإطار القانوني للاستثمارات ودعم الثقة المتبادلة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.

وأفادت المديرة العامة للاتفاقيات والمنازعات الدولية في مجال الاستثمار بوزارة الاقتصاد والتخطيط، أميرة كلاعي، بأن الاتفاق المرتقب من شأنه توفير ضمانات إضافية للمستثمرين والمساهمة في دفع تدفقات رؤوس الأموال بين تونس واليابان. وجاء ذلك خلال لقاء جمع، يوم الأربعاء الفارط، سفير اليابان بتونس، سايتو جون، بالمدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ورئيس الهيئة التونسية للاستثمار بالنيابة، جلال الطبيب، بمقر الوكالة، بحضور عدد من المسؤولين بوزارة الاقتصاد والهيئة التونسية للاستثمار ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي.

 

تحسين الاستقرار القانوني للاستثمارات وتعزيز الاستثمارات المتبادلة

ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن مسار من المفاوضات والتحضيرات التي امتدت خلال الفترة الماضية، إذ بدأت المفاوضات الرسمية بشأن اتفاقية الاستثمار بين تونس واليابان في جوان 2025، قبل أن تعلن تونس واليابان، في 10 أفريل 2026، التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن الاتفاقية. وأكدت اليابان، في حينه، أن الاتفاق يهدف إلى تحسين الاستقرار القانوني للاستثمارات وتعزيز الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، مع مواصلة العمل لاستكمال الإجراءات اللازمة لتوقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ.

ويمثل الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة الإعداد للإبرام محطة مهمة في مسار التعاون الاقتصادي بين تونس وطوكيو، باعتبار أن اتفاقيات الاستثمار الثنائية لا تقتصر وظيفتها على تشجيع الاستثمارات الجديدة، وإنما تسعى أيضا إلى توفير إطار قانوني أكثر وضوحا للاستثمارات القائمة والمستقبلية، بما يعزز قدرة المؤسسات على تقييم المخاطر واتخاذ قرارات استثمارية على أساس أكثر استقرارا ووضوحا.

وفي هذا الإطار، تكتسب مسألة حماية المستثمرين أهمية خاصة، لا سيما بالنسبة إلى الاستثمارات ذات الطابع الصناعي والتكنولوجي التي تتطلب عادة التزاما طويل الأمد ورؤوس أموال كبيرة وآفاقا زمنية ممتدة لاسترداد الاستثمارات. فكلما كان الإطار القانوني أكثر وضوحا واستقرارا، ازدادت قدرة المستثمرين على تقييم بيئة الأعمال، كما يمكن أن تتعزز قابلية إقامة مشاريع مشتركة وشراكات صناعية تستفيد من نقاط القوة التي يمتلكها كل طرف.

 

رمزية خاصة للعلاقات التونسية اليابانية

وتأتي هذه الديناميكية الاقتصادية في سنة ذات رمزية خاصة للعلاقات التونسية اليابانية، حيث يحتفل البلدان بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقد حرصت تونس واليابان خلال سنة 2026 على إحياء هذه المناسبة من خلال عدد من اللقاءات والأنشطة، بالتوازي مع الدفع باتجاه تطوير التعاون في مجالات اقتصادية واستثمارية جديدة. وتدرج وزارة الخارجية اليابانية اتفاق الاستثمار التونسي الياباني ضمن أبرز محطات التعاون الثنائي خلال هذه السنة، إلى جانب لقاءات رفيعة المستوى ومبادرات أخرى تعكس اتساع مجالات الشراكة بين البلدين.

ويستعد البلدان لتنظيم المنتدى التونسي الياباني خلال شهر ديسمبر المقبل، وهو موعد يراد له أن يكون محطة عملية لبحث فرص الاستثمار والتعاون بين المؤسسات الاقتصادية التونسية واليابانية. ومن المنتظر أن يشكل المنتدى مناسبة للتعريف بالمشاريع والفرص المتاحة في تونس، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين المستثمرين والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين من البلدين.

وفي هذا السياق، اقترح السفير الياباني سايتو جون أن يركز المنتدى على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، في مقدمتها الطاقات المتجددة ومكونات السيارات وتكنولوجيات المعلومات. ويعكس هذا التوجه طبيعة القطاعات التي يمكن أن تلتقي فيها حاجيات الاقتصاد التونسي مع الخبرات والتكنولوجيا والقدرات الاستثمارية اليابانية، خاصة في المجالات التي تتطلب مهارات تقنية وكفاءات بشرية قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.

 

الطاقات المتجددة.. مجال واعد لتعزيز التعاون

وتبرز الطاقات المتجددة، على وجه الخصوص، كأحد المجالات التي يمكن أن تحمل فرصا إضافية للتعاون، في ظل تنامي الاهتمام الدولي بالاستثمارات المرتبطة بالتحول الطاقي وخفض الانبعاثات. وقد شهد التعاون التونسي الياباني في هذا المجال تطورات عملية خلال سنة 2026، من بينها اختيار مشروع للطاقة الكهروضوئية بقدرة 130 ميغاواط في قابس للاستفادة من دعم ياباني في إطار آلية تبادل أرصدة الكربون، على أن ينفذ المشروع من قبل شركة ماروبيني اليابانية بالشراكة مع شركة فرنسية.

أما قطاع مكونات السيارات، فيمثل مجالا آخر يمكن أن يفتح أمام تونس فرصا لتعميق اندماجها في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، خصوصا بالنظر إلى موقعها القريب من الأسواق الأوروبية وتوفرها على قاعدة من المؤسسات والكفاءات العاملة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية. ويتيح توجيه الاستثمارات نحو المكونات ذات القيمة المضافة الأعلى إمكانية الانتقال من نموذج استثماري يقوم أساسا على الأنشطة كثيفة اليد العاملة إلى صناعات أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والهندسة والبحث والتطوير.

وينطبق الأمر نفسه على قطاع تكنولوجيات المعلومات، الذي أصبح من أبرز المجالات القادرة على خلق قيمة اقتصادية مرتفعة وتوفير وظائف تتطلب مستويات عالية من التأهيل. وتملك تونس قاعدة من الكفاءات في مجالات تكنولوجيات المعلومات والهندسة والخدمات الرقمية، وهو ما يمكن أن يشكل عنصر جذب للشركات اليابانية الراغبة في توسيع حضورها في الأسواق الإقليمية وربط أنشطتها بمراكز كفاءات قريبة من أوروبا وأفريقيا.

 

تونس.. موقع استراتيجي لجذب الاستثمارات اليابانية

وفي هذا الإطار، تسعى تونس إلى إبراز المقومات التي تجعل منها وجهة استثمارية قادرة على خدمة الشركات الباحثة عن موقع يجمع بين القرب من الأسواق الأوروبية والانفتاح على الفضاء الأفريقي. وقد دعا السفير الياباني تونس إلى تقديم هذه المزايا بشكل واضح خلال المنتدى، وخاصة الموقع الجغرافي لتونس بالنسبة إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والأسواق المجاورة، إلى جانب ما تتوفر عليه من كفاءات في عدد من القطاعات.

ويحمل الموقع الجغرافي لتونس أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمكن للمؤسسات اليابانية أن تنظر إلى السوق التونسية ليس فقط باعتبارها سوقا محلية، وإنما أيضا كمنصة يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق إقليمية متعددة. وتزداد أهمية هذا العامل بالنسبة إلى الصناعات الموجهة للتصدير، حيث يمثل القرب اللوجستي من الأسواق الأوروبية أحد العناصر التي يمكن أن تدخل في حسابات المستثمرين عند اختيار مواقع الإنتاج والتجميع والخدمات.

كما أن تعزيز الاستثمارات اليابانية في تونس يمكن أن يساهم، في حال تجسيد المشاريع، في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير المهارات المحلية، فضلا عن خلق فرص جديدة أمام المؤسسات التونسية للاندماج في شبكات التوريد المرتبطة بالشركات اليابانية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية، حيث لا يقاس أثر الاستثمار فقط بحجم رأس المال الذي يدخل إلى البلاد، وإنما أيضا بمدى قدرته على خلق قيمة مضافة محلية وتطوير القدرات الإنتاجية والتقنية للمؤسسات.

وتأتي هذه التوجهات في وقت تعمل فيه تونس على تحسين مناخ الأعمال وتطوير الإطار القانوني والمؤسسي للاستثمار. وتشير وثيقة صادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط إلى أن تونس تواصل العمل على إصلاح الإطار القانوني للاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الإحاطة بالمستثمرين والترويج للوجهة التونسية، إلى جانب تعزيز المشاركة في الاتفاقيات الثنائية والإقليمية ذات الصلة بالاستثمار.

 

تحسين القدرة التنافسية للوجهة التونسية

يمكن النظر إلى الاتفاق التونسي الياباني المرتقب باعتباره جزءا من مسار أوسع يرمي إلى تحسين القدرة التنافسية للوجهة التونسية من خلال توفير قدر أكبر من الوضوح القانوني للمستثمرين. فالمستثمر، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، يحتاج إلى معرفة القواعد التي تحكم استثماره والضمانات المتاحة له وآليات معالجة النزاعات المحتملة، وهي عناصر تؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

وتبرز أهمية الاتفاق كذلك في كونه يأتي في إطار علاقات ثنائية تمتلك رصيدا من التعاون الاقتصادي والتنموي. فقد شهدت السنوات الأخيرة مشاريع ومبادرات مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه، كما اكتسبت العلاقات الاقتصادية زخما إضافيا عقب استضافة تونس مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا «تيكاد 8» سنة 2022. وتواصل التعاون في عدد من المجالات خلال السنوات اللاحقة، بما في ذلك مشروع تحلية مياه البحر بصفاقس ومشاريع في مجال الطاقة المتجددة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن استقطاب استثمارات يابانية جديدة يمكن أن يخدم هدفا اقتصاديا أوسع يتمثل في تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي وتوجيه جزء أكبر منه نحو القطاعات المنتجة والمصدرة وذات المحتوى التكنولوجي المرتفع. أما بالنسبة إلى اليابان، فإن تعزيز حضور شركاتها في تونس يمكن أن يتيح الاستفادة من موقع البلاد وكفاءاتها وشبكة علاقاتها الاقتصادية مع محيطها الأوروبي والأفريقي.

ولا يقتصر نجاح الاتفاق، بطبيعة الحال، على توقيعه، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بمدى قدرة البلدين على تحويل الإطار القانوني الجديد إلى مشاريع واستثمارات فعلية. فالاتفاقية توفر الأرضية القانونية، لكن تحقيق النتائج الاقتصادية يتطلب مواصلة العمل على تبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومات للمستثمرين، وتحسين سرعة الخدمات، وربط فرص الاستثمار بمشاريع قابلة للتنفيذ، إلى جانب بناء قنوات اتصال دائمة بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين.

 

المنتدى التونسي الياباني في ديسمبر.. فرصة لترجمة الفرص إلى مشاريع

ومن المنتظر أن يشكل المنتدى التونسي الياباني في ديسمبر المقبل فرصة لاختبار هذه المقاربة على أرض الواقع، عبر الانتقال من عرض الإمكانات العامة إلى تقديم مشاريع وقطاعات محددة وفرص استثمار قابلة للتجسيد. كما يمكن أن يكون المنتدى فضاء لإقامة شراكات مباشرة بين المؤسسات، خاصة في الطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالسيارات وتكنولوجيات المعلومات، وهي القطاعات التي اقترح السفير الياباني التركيز عليها.

وفي هذا الإطار، اتفقت تونس واليابان على مواصلة العمل بشكل وثيق لتعزيز الروابط القائمة بين البلدين، بما يخدم مصالحهما المشتركة. ويعكس هذا الاتفاق رغبة مشتركة في جعل المرحلة المقبلة أكثر ارتباطا بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارية، خصوصا في ظل الاحتفال بسبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن العلاقات التونسية اليابانية تدخل بذلك مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متوازية: مسار دبلوماسي يحتفي بسبعين سنة من العلاقات، ومسار قانوني يتجه نحو استكمال اتفاقية الاستثمار، ومسار اقتصادي يسعى إلى تحديد قطاعات جديدة للتعاون واستقطاب مشاريع ذات قيمة مضافة مرتفعة.

إن الاتفاق الاستثماري المرتقب بين تونس واليابان لا يمثل مجرد إطار قانوني جديد لتنظيم الاستثمارات، بل يمكن أن يشكل إحدى الأدوات التي تساعد على بناء مرحلة أكثر عمقا في الشراكة الاقتصادية بين البلدين. فنجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل الضمانات القانونية إلى ثقة استثمارية، وتحويل الثقة إلى مشاريع، والمشاريع إلى قيمة مضافة وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا وتعزيز للقدرة التنافسية.

ومن شأن توطيد التعاون في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، إلى جانب الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لتونس وما تتوفر عليه من كفاءات، أن يفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات التونسية واليابانية على حد سواء، ويأتي المنتدى التونسي الياباني المرتقب في ديسمبر المقبل ليشكل محطة مهمة في هذا المسار، وفرصة لترجمة التوجهات المعلنة إلى شراكات ومشاريع اقتصادية ملموسة.

جهاد الكلبوسي

 

تونس واليابان تعززان شراكتهما الاقتصادية..   اتفاق استثماري مرتقب لاستقطاب رؤوس الأموال

 

تونس – الصباح

تتجه العلاقات الاقتصادية بين تونس واليابان نحو مرحلة جديدة من التعاون، عنوانها الأبرز تعزيز الإطار القانوني للاستثمار وتشجيع تدفق رؤوس الأموال بين البلدين، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بالشراكة الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر ارتباطا بالاستثمار والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا السياق، تستعد تونس واليابان لإبرام اتفاق ثنائي للاستثمار يهدف إلى تعزيز حماية المستثمرين وتوفير ضمانات أفضل للمتعاملين الاقتصاديين، بما من شأنه تحسين وضوح الإطار القانوني للاستثمارات ودعم الثقة المتبادلة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.

وأفادت المديرة العامة للاتفاقيات والمنازعات الدولية في مجال الاستثمار بوزارة الاقتصاد والتخطيط، أميرة كلاعي، بأن الاتفاق المرتقب من شأنه توفير ضمانات إضافية للمستثمرين والمساهمة في دفع تدفقات رؤوس الأموال بين تونس واليابان. وجاء ذلك خلال لقاء جمع، يوم الأربعاء الفارط، سفير اليابان بتونس، سايتو جون، بالمدير العام لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ورئيس الهيئة التونسية للاستثمار بالنيابة، جلال الطبيب، بمقر الوكالة، بحضور عدد من المسؤولين بوزارة الاقتصاد والهيئة التونسية للاستثمار ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي.

 

تحسين الاستقرار القانوني للاستثمارات وتعزيز الاستثمارات المتبادلة

ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن مسار من المفاوضات والتحضيرات التي امتدت خلال الفترة الماضية، إذ بدأت المفاوضات الرسمية بشأن اتفاقية الاستثمار بين تونس واليابان في جوان 2025، قبل أن تعلن تونس واليابان، في 10 أفريل 2026، التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن الاتفاقية. وأكدت اليابان، في حينه، أن الاتفاق يهدف إلى تحسين الاستقرار القانوني للاستثمارات وتعزيز الاستثمارات المتبادلة بين البلدين، مع مواصلة العمل لاستكمال الإجراءات اللازمة لتوقيع الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ.

ويمثل الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة الإعداد للإبرام محطة مهمة في مسار التعاون الاقتصادي بين تونس وطوكيو، باعتبار أن اتفاقيات الاستثمار الثنائية لا تقتصر وظيفتها على تشجيع الاستثمارات الجديدة، وإنما تسعى أيضا إلى توفير إطار قانوني أكثر وضوحا للاستثمارات القائمة والمستقبلية، بما يعزز قدرة المؤسسات على تقييم المخاطر واتخاذ قرارات استثمارية على أساس أكثر استقرارا ووضوحا.

وفي هذا الإطار، تكتسب مسألة حماية المستثمرين أهمية خاصة، لا سيما بالنسبة إلى الاستثمارات ذات الطابع الصناعي والتكنولوجي التي تتطلب عادة التزاما طويل الأمد ورؤوس أموال كبيرة وآفاقا زمنية ممتدة لاسترداد الاستثمارات. فكلما كان الإطار القانوني أكثر وضوحا واستقرارا، ازدادت قدرة المستثمرين على تقييم بيئة الأعمال، كما يمكن أن تتعزز قابلية إقامة مشاريع مشتركة وشراكات صناعية تستفيد من نقاط القوة التي يمتلكها كل طرف.

 

رمزية خاصة للعلاقات التونسية اليابانية

وتأتي هذه الديناميكية الاقتصادية في سنة ذات رمزية خاصة للعلاقات التونسية اليابانية، حيث يحتفل البلدان بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. وقد حرصت تونس واليابان خلال سنة 2026 على إحياء هذه المناسبة من خلال عدد من اللقاءات والأنشطة، بالتوازي مع الدفع باتجاه تطوير التعاون في مجالات اقتصادية واستثمارية جديدة. وتدرج وزارة الخارجية اليابانية اتفاق الاستثمار التونسي الياباني ضمن أبرز محطات التعاون الثنائي خلال هذه السنة، إلى جانب لقاءات رفيعة المستوى ومبادرات أخرى تعكس اتساع مجالات الشراكة بين البلدين.

ويستعد البلدان لتنظيم المنتدى التونسي الياباني خلال شهر ديسمبر المقبل، وهو موعد يراد له أن يكون محطة عملية لبحث فرص الاستثمار والتعاون بين المؤسسات الاقتصادية التونسية واليابانية. ومن المنتظر أن يشكل المنتدى مناسبة للتعريف بالمشاريع والفرص المتاحة في تونس، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين المستثمرين والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين من البلدين.

وفي هذا السياق، اقترح السفير الياباني سايتو جون أن يركز المنتدى على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، في مقدمتها الطاقات المتجددة ومكونات السيارات وتكنولوجيات المعلومات. ويعكس هذا التوجه طبيعة القطاعات التي يمكن أن تلتقي فيها حاجيات الاقتصاد التونسي مع الخبرات والتكنولوجيا والقدرات الاستثمارية اليابانية، خاصة في المجالات التي تتطلب مهارات تقنية وكفاءات بشرية قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.

 

الطاقات المتجددة.. مجال واعد لتعزيز التعاون

وتبرز الطاقات المتجددة، على وجه الخصوص، كأحد المجالات التي يمكن أن تحمل فرصا إضافية للتعاون، في ظل تنامي الاهتمام الدولي بالاستثمارات المرتبطة بالتحول الطاقي وخفض الانبعاثات. وقد شهد التعاون التونسي الياباني في هذا المجال تطورات عملية خلال سنة 2026، من بينها اختيار مشروع للطاقة الكهروضوئية بقدرة 130 ميغاواط في قابس للاستفادة من دعم ياباني في إطار آلية تبادل أرصدة الكربون، على أن ينفذ المشروع من قبل شركة ماروبيني اليابانية بالشراكة مع شركة فرنسية.

أما قطاع مكونات السيارات، فيمثل مجالا آخر يمكن أن يفتح أمام تونس فرصا لتعميق اندماجها في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، خصوصا بالنظر إلى موقعها القريب من الأسواق الأوروبية وتوفرها على قاعدة من المؤسسات والكفاءات العاملة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية. ويتيح توجيه الاستثمارات نحو المكونات ذات القيمة المضافة الأعلى إمكانية الانتقال من نموذج استثماري يقوم أساسا على الأنشطة كثيفة اليد العاملة إلى صناعات أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والهندسة والبحث والتطوير.

وينطبق الأمر نفسه على قطاع تكنولوجيات المعلومات، الذي أصبح من أبرز المجالات القادرة على خلق قيمة اقتصادية مرتفعة وتوفير وظائف تتطلب مستويات عالية من التأهيل. وتملك تونس قاعدة من الكفاءات في مجالات تكنولوجيات المعلومات والهندسة والخدمات الرقمية، وهو ما يمكن أن يشكل عنصر جذب للشركات اليابانية الراغبة في توسيع حضورها في الأسواق الإقليمية وربط أنشطتها بمراكز كفاءات قريبة من أوروبا وأفريقيا.

 

تونس.. موقع استراتيجي لجذب الاستثمارات اليابانية

وفي هذا الإطار، تسعى تونس إلى إبراز المقومات التي تجعل منها وجهة استثمارية قادرة على خدمة الشركات الباحثة عن موقع يجمع بين القرب من الأسواق الأوروبية والانفتاح على الفضاء الأفريقي. وقد دعا السفير الياباني تونس إلى تقديم هذه المزايا بشكل واضح خلال المنتدى، وخاصة الموقع الجغرافي لتونس بالنسبة إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والأسواق المجاورة، إلى جانب ما تتوفر عليه من كفاءات في عدد من القطاعات.

ويحمل الموقع الجغرافي لتونس أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يمكن للمؤسسات اليابانية أن تنظر إلى السوق التونسية ليس فقط باعتبارها سوقا محلية، وإنما أيضا كمنصة يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق إقليمية متعددة. وتزداد أهمية هذا العامل بالنسبة إلى الصناعات الموجهة للتصدير، حيث يمثل القرب اللوجستي من الأسواق الأوروبية أحد العناصر التي يمكن أن تدخل في حسابات المستثمرين عند اختيار مواقع الإنتاج والتجميع والخدمات.

كما أن تعزيز الاستثمارات اليابانية في تونس يمكن أن يساهم، في حال تجسيد المشاريع، في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير المهارات المحلية، فضلا عن خلق فرص جديدة أمام المؤسسات التونسية للاندماج في شبكات التوريد المرتبطة بالشركات اليابانية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية، حيث لا يقاس أثر الاستثمار فقط بحجم رأس المال الذي يدخل إلى البلاد، وإنما أيضا بمدى قدرته على خلق قيمة مضافة محلية وتطوير القدرات الإنتاجية والتقنية للمؤسسات.

وتأتي هذه التوجهات في وقت تعمل فيه تونس على تحسين مناخ الأعمال وتطوير الإطار القانوني والمؤسسي للاستثمار. وتشير وثيقة صادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط إلى أن تونس تواصل العمل على إصلاح الإطار القانوني للاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الإحاطة بالمستثمرين والترويج للوجهة التونسية، إلى جانب تعزيز المشاركة في الاتفاقيات الثنائية والإقليمية ذات الصلة بالاستثمار.

 

تحسين القدرة التنافسية للوجهة التونسية

يمكن النظر إلى الاتفاق التونسي الياباني المرتقب باعتباره جزءا من مسار أوسع يرمي إلى تحسين القدرة التنافسية للوجهة التونسية من خلال توفير قدر أكبر من الوضوح القانوني للمستثمرين. فالمستثمر، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، يحتاج إلى معرفة القواعد التي تحكم استثماره والضمانات المتاحة له وآليات معالجة النزاعات المحتملة، وهي عناصر تؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

وتبرز أهمية الاتفاق كذلك في كونه يأتي في إطار علاقات ثنائية تمتلك رصيدا من التعاون الاقتصادي والتنموي. فقد شهدت السنوات الأخيرة مشاريع ومبادرات مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه، كما اكتسبت العلاقات الاقتصادية زخما إضافيا عقب استضافة تونس مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا «تيكاد 8» سنة 2022. وتواصل التعاون في عدد من المجالات خلال السنوات اللاحقة، بما في ذلك مشروع تحلية مياه البحر بصفاقس ومشاريع في مجال الطاقة المتجددة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن استقطاب استثمارات يابانية جديدة يمكن أن يخدم هدفا اقتصاديا أوسع يتمثل في تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي وتوجيه جزء أكبر منه نحو القطاعات المنتجة والمصدرة وذات المحتوى التكنولوجي المرتفع. أما بالنسبة إلى اليابان، فإن تعزيز حضور شركاتها في تونس يمكن أن يتيح الاستفادة من موقع البلاد وكفاءاتها وشبكة علاقاتها الاقتصادية مع محيطها الأوروبي والأفريقي.

ولا يقتصر نجاح الاتفاق، بطبيعة الحال، على توقيعه، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بمدى قدرة البلدين على تحويل الإطار القانوني الجديد إلى مشاريع واستثمارات فعلية. فالاتفاقية توفر الأرضية القانونية، لكن تحقيق النتائج الاقتصادية يتطلب مواصلة العمل على تبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومات للمستثمرين، وتحسين سرعة الخدمات، وربط فرص الاستثمار بمشاريع قابلة للتنفيذ، إلى جانب بناء قنوات اتصال دائمة بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين.

 

المنتدى التونسي الياباني في ديسمبر.. فرصة لترجمة الفرص إلى مشاريع

ومن المنتظر أن يشكل المنتدى التونسي الياباني في ديسمبر المقبل فرصة لاختبار هذه المقاربة على أرض الواقع، عبر الانتقال من عرض الإمكانات العامة إلى تقديم مشاريع وقطاعات محددة وفرص استثمار قابلة للتجسيد. كما يمكن أن يكون المنتدى فضاء لإقامة شراكات مباشرة بين المؤسسات، خاصة في الطاقات المتجددة والصناعات المرتبطة بالسيارات وتكنولوجيات المعلومات، وهي القطاعات التي اقترح السفير الياباني التركيز عليها.

وفي هذا الإطار، اتفقت تونس واليابان على مواصلة العمل بشكل وثيق لتعزيز الروابط القائمة بين البلدين، بما يخدم مصالحهما المشتركة. ويعكس هذا الاتفاق رغبة مشتركة في جعل المرحلة المقبلة أكثر ارتباطا بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارية، خصوصا في ظل الاحتفال بسبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن العلاقات التونسية اليابانية تدخل بذلك مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متوازية: مسار دبلوماسي يحتفي بسبعين سنة من العلاقات، ومسار قانوني يتجه نحو استكمال اتفاقية الاستثمار، ومسار اقتصادي يسعى إلى تحديد قطاعات جديدة للتعاون واستقطاب مشاريع ذات قيمة مضافة مرتفعة.

إن الاتفاق الاستثماري المرتقب بين تونس واليابان لا يمثل مجرد إطار قانوني جديد لتنظيم الاستثمارات، بل يمكن أن يشكل إحدى الأدوات التي تساعد على بناء مرحلة أكثر عمقا في الشراكة الاقتصادية بين البلدين. فنجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل الضمانات القانونية إلى ثقة استثمارية، وتحويل الثقة إلى مشاريع، والمشاريع إلى قيمة مضافة وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا وتعزيز للقدرة التنافسية.

ومن شأن توطيد التعاون في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، إلى جانب الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لتونس وما تتوفر عليه من كفاءات، أن يفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات التونسية واليابانية على حد سواء، ويأتي المنتدى التونسي الياباني المرتقب في ديسمبر المقبل ليشكل محطة مهمة في هذا المسار، وفرصة لترجمة التوجهات المعلنة إلى شراكات ومشاريع اقتصادية ملموسة.

جهاد الكلبوسي