جدّدت تونس مؤخرا، على هامش أشغال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، تمسّكها بموقفها الثابت والرافض لأن تكون أرض توطين أو عبور للمهاجرين، مؤكدة في المقابل ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لملف الهجرة غير النظامية، تقوم على المسؤولية المشتركة واحترام سيادة الدول وكرامة الإنسان وحقوقه، إلى جانب التصدي لشبكات الاتجار بالبشر ومعالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة.
منال حرزي
ويأتي هذا الموقف منسجما مع الطرح الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في التعاطي مع ملف الهجرة، والذي يرتكز أساسا على حماية السيادة الوطنية ورفض تحويل تونس إلى فضاء لتوطين المهاجرين أو محطة دائمة للعبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، مع التشديد في المقابل على ضرورة إيجاد حلول عملية ومستدامة لهذه الظاهرة التي تتجاوز في أسبابها وتداعياتها حدود الدولة الواحدة.
فبالنسبة إلى تونس، لطالما كان الموقف الرسمي من معضلة الهجرة غير النظامية ثابتا وواضحا، حيث لا يمكن أن تختزل معالجة الظاهرة في جانبها الأمني فقط أو في تشديد الرقابة على الحدود، وإنما تقتضي مقاربة شاملة تعالج جذور الظاهرة وتتصدى لشبكات الاتجار بالبشر، وتدعم التنمية في بلدان المنشأ، هذا بالتوازي مع تعزيز أطر وقنوات الهجرة القانونية والآمنة.
وفي هذا السياق، جاء لقاء وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، مع المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، ليجدد التأكيد على هذا التوجه، وليتطرق في نفس الوقت إلى جانب آخر من المقاربة التونسية، يتعلق بالعودة الطوعية وإعادة الإدماج، باعتبارهما من المسارات العملية الناجعة التي يمكن أن تساهم في معالجة تداعيات الهجرة غير النظامية والانتقال من إدارة الظاهرة إلى البحث عن حلول أكثر استدامة لها.
وضمن هذه المقاربة، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد مسألة الهجرة غير النظامية ضمن إطار يقوم على حماية مصالح تونس، مع عدم تحملها بمفردها تبعات ظاهرة تتجاوز حدودها الوطنية والإقليمية.
وهذا الطرح لا يعني التنصل من المسؤولية الإنسانية والحقوقية، وإنما يؤشر في جوهره إلى رفض تونس القاطع أن تتحول إلى حلقة نهائية في مسار أزمة دولية وإقليمية معقدة، تبدأ غالبا من بلدان المنشأ، وتمر عبر شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنتهي بمحاولات عبور البحر الأبيض المتوسط.
ومن هنا، فإن رفض التوطين لا ينفصل عن رفض اختزال الهجرة في جانبها الأمني والزجري فقط، فحين تؤكد تونس ضرورة معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، فإنها تضع على طاولة النقاش قضايا التنمية والفقر والبطالة وعدم الاستقرار والصراعات وغياب الفرص، وهي عوامل تدفع آلاف الأشخاص إلى البحث عن مستقبل خارج بلدانهم الأصلية.
وفي هذا السياق، يتجلى الموقف الذي يؤكده رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، من ذلك أن تونس ليست أرض توطين وليست أيضا مجرد فضاء للعبور.
السيادة في قلب المعادلة
من جانب آخر، تحتل مسألة السيادة موقعا هاما في ملف الهجرة، بالنظر إلى تشابك المصالح الأوروبية والمتوسطية والإفريقية حول هذه المسألة.
فتونس، كما يتضح من مواقفها الرسمية، تسعى إلى تثبيت فكرة أن أي تعاون في مجال الهجرة يجب أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل، وأن تكون لكل دولة القدرة على تحديد سياساتها وترتيب أولوياتها، مع الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد الدولية وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة الدولة في أعلى هرمها إلى المسؤولية المشتركة، والتي تعني عمليا أن مواجهة الهجرة غير النظامية يجب أن تكون مسؤولية جماعية تشترك فيها بلدان المنشأ والعبور والمقصد، وأن تتحمل كل جهة نصيبها من المسؤولية في معالجة الظاهرة.
معالجة جذور الظاهرة
من بين أبرز عناصر المقاربة التي جددت تونس التأكيد عليها هو الانتقال من منطق إدارة الحدود إلى منطق معالجة جذور الهجرة.
فمكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب تظل ضرورية، باعتبار أن هذه الشبكات تستفيد من هشاشة المهاجرين وتحوّل حاجتهم إلى فرص للربح غير المشروع، غير أنه رغم أهمية تفكيك هذه الشبكات، إلا أن هذه الآلية لا تكفي وحدها للقضاء على الظاهرة.
ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية تتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، تعزيز التنمية في مناطق المنشأ وخلق فرص التشغيل ودعم الاستقرار، وتوسيع إمكانيات التنقل القانوني والآمن.
وفي هذا الإطار، تتجلى دعوة تونس إلى تعزيز قنوات الهجرة الشرعية كآلية هامة، بما أن فتح مسارات قانونية للهجرة يمكن أن يساهم في تقليص الاعتماد على شبكات التهريب، كما يسمح للدول الأوروبية بالاستفادة من حاجياتها إلى الكفاءات واليد العاملة، وللدول المصدرة للهجرة بالاستفادة من فرص قانونية ومنظمة لشبابها وكفاءاتها.
العودة الطوعية...
وفي هذا السياق، يبرز ملف العودة الطوعية وإعادة الإدماج باعتباره أحد المسارات التي تكتسب أهمية بالغة ضمن أطر تعاون تونس مع المنظمة الدولية للهجرة.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات التي تم استعراضها خلال لقاء وزير الخارجية مع المديرة العامة للمنظمة إلى استفادة 5077 مهاجرا غير نظامي من العودة الطوعية منذ غرة جانفي 2026، ليرتفع العدد الجملي للمستفيدين من هذه الآلية منذ إحداثها إلى 25351 مهاجرا غير نظامي، فضلا عن العائدين بصفة طوعية عبر الرحلات الجوية التجارية المنتظمة.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد لا يكتفي بالتأكيد على ضرورة العودة الطوعية، وإنما دعا في تصريحات سابقة إلى مضاعفة الجهود لتأمين هذا المسار وتسريع نسقه، معتبرا أن الأرقام المسجلة في عمليات الترحيل والعودة الطوعية لا تزال دون المستوى المطلوب لمعالجة الظاهرة بصورة نهائية.
ومن هذا المنطلق، تبرز دعوة رئيس الدولة إلى تكثيف التنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ومختلف الأطراف المعنية، حتى تصبح العودة الطوعية أكثر نجاعة وانتظاما، وتوفر للمهاجرين الراغبين في العودة إمكانية الرجوع إلى بلدانهم الأصلية في ظروف تحفظ كرامتهم، هذا بالتوازي مع العمل على إعادة إدماجهم بصورة مستدامة.
لا لإدارة الأزمة
يتضح أن موقف تونس من الهجرة غير النظامية لا يقف عند حدود رفض التوطين أو التشديد على السيادة، وإنما يتجه نحو إعادة ترتيب النقاش برمته.
فتونس لا تريد أن تكون مجرد نقطة في خريطة العبور المتوسطي، كما لا تريد أن تتحول إلى فضاء يستقبل تداعيات ظاهرة صنعتها عوامل إقليمية ودولية متشابكة. وفي المقابل، تؤكد تونس استعدادها للتعاون في مكافحة الاتجار بالبشر، وتنظيم العودة الطوعية، ودعم إعادة الإدماج، وفتح قنوات قانونية للهجرة، والمساهمة في معالجة الأسباب العميقة للظاهرة.
وهذه العناصر تجعل من المقاربة التونسية أكثر ارتباطا بالحلول العملية. فالدولة اليوم - واستنادا إلى مواقف وتصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد، وهي تؤكد رفض التوطين - لا تكتفي بإعلان موقف سياسي، وإنما تربطه بمسارات تعاون وبرامج وآليات قابلة للتنفيذ.
فعندما يجدد رئيس الجمهورية قيس سعيد موقف تونس من مسألة التوطين والهجرة غير النظامية، فإن ذلك يمثل أحد ثوابت السياسة التي تتعامل بها الدولة تجاه هذا الملف.
فالمقاربة التي تتبناها الدولة اليوم تقوم على محاولة تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانخراط في المسؤولية الدولية.
وفي هذا السياق، تصبح العودة الطوعية وإعادة الإدماج إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في تحويل هذا التوازن من خطاب إلى ممارسة، خصوصا عندما تكون العودة اختيارية ومصحوبة ببرامج تساعد المستفيدين على إعادة الاندماج في بلدانهم الأصلية، نحو سياسة هجرية أكثر توازنا.
ولئن تبقى التحديات كبيرة ومعقدة فيما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية، غير أن ما يتبلور من خلال موقف تونس هو محاولة تثبيت قاعدة جديدة في التعامل مع هذا الملف، مفادها أنه لا حلول مستدامة للهجرة غير النظامية من دون تنمية، ولا تعاون فعال من دون احترام السيادة، ولا معالجة حقيقية للظاهرة من دون التصدي لشبكات الاتجار بالبشر ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع إلى الهجرة.
وضمن هذا المسار، يواصل رئيس الجمهورية قيس سعيد الدفع نحو مقاربة تجعل من السيادة الوطنية والمسؤولية المشتركة والتنمية ركائز أساسية في التعامل مع ملف الهجرة، مع التأكيد على أن تونس، وهي ترفض أن تكون أرض توطين أو عبور، لا تغلق باب التعاون الدولي، وإنما تسعى إلى توجيهه نحو حلول عملية تحفظ كرامة الإنسان أولا وتحمي مصالح الدول ثانيا.
وتبقى العودة الطوعية وإعادة الإدماج، إلى جانب تعزيز قنوات الهجرة القانونية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، من أبرز المسارات التي يمكن أن تساهم في تحويل هذه المقاربة إلى نتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن الرهان الذي يضعه رئيس الدولة قيس سعيد لا يقتصر على احتواء تداعيات الهجرة غير النظامية، وإنما يتجه نحو معالجة جذورها وبناء تعاون أكثر توازنا بين بلدان المنشأ والعبور والمقصد، بما يجعل من الهجرة المنظمة والآمنة جزءا من الحل، ومن التنمية ركيزة أساسية لمعالجة الظاهرة على المدى البعيد.
تونس-الصباح
جدّدت تونس مؤخرا، على هامش أشغال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، تمسّكها بموقفها الثابت والرافض لأن تكون أرض توطين أو عبور للمهاجرين، مؤكدة في المقابل ضرورة اعتماد مقاربة شاملة لملف الهجرة غير النظامية، تقوم على المسؤولية المشتركة واحترام سيادة الدول وكرامة الإنسان وحقوقه، إلى جانب التصدي لشبكات الاتجار بالبشر ومعالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة.
منال حرزي
ويأتي هذا الموقف منسجما مع الطرح الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في التعاطي مع ملف الهجرة، والذي يرتكز أساسا على حماية السيادة الوطنية ورفض تحويل تونس إلى فضاء لتوطين المهاجرين أو محطة دائمة للعبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، مع التشديد في المقابل على ضرورة إيجاد حلول عملية ومستدامة لهذه الظاهرة التي تتجاوز في أسبابها وتداعياتها حدود الدولة الواحدة.
فبالنسبة إلى تونس، لطالما كان الموقف الرسمي من معضلة الهجرة غير النظامية ثابتا وواضحا، حيث لا يمكن أن تختزل معالجة الظاهرة في جانبها الأمني فقط أو في تشديد الرقابة على الحدود، وإنما تقتضي مقاربة شاملة تعالج جذور الظاهرة وتتصدى لشبكات الاتجار بالبشر، وتدعم التنمية في بلدان المنشأ، هذا بالتوازي مع تعزيز أطر وقنوات الهجرة القانونية والآمنة.
وفي هذا السياق، جاء لقاء وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، مع المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، ليجدد التأكيد على هذا التوجه، وليتطرق في نفس الوقت إلى جانب آخر من المقاربة التونسية، يتعلق بالعودة الطوعية وإعادة الإدماج، باعتبارهما من المسارات العملية الناجعة التي يمكن أن تساهم في معالجة تداعيات الهجرة غير النظامية والانتقال من إدارة الظاهرة إلى البحث عن حلول أكثر استدامة لها.
وضمن هذه المقاربة، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد مسألة الهجرة غير النظامية ضمن إطار يقوم على حماية مصالح تونس، مع عدم تحملها بمفردها تبعات ظاهرة تتجاوز حدودها الوطنية والإقليمية.
وهذا الطرح لا يعني التنصل من المسؤولية الإنسانية والحقوقية، وإنما يؤشر في جوهره إلى رفض تونس القاطع أن تتحول إلى حلقة نهائية في مسار أزمة دولية وإقليمية معقدة، تبدأ غالبا من بلدان المنشأ، وتمر عبر شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنتهي بمحاولات عبور البحر الأبيض المتوسط.
ومن هنا، فإن رفض التوطين لا ينفصل عن رفض اختزال الهجرة في جانبها الأمني والزجري فقط، فحين تؤكد تونس ضرورة معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، فإنها تضع على طاولة النقاش قضايا التنمية والفقر والبطالة وعدم الاستقرار والصراعات وغياب الفرص، وهي عوامل تدفع آلاف الأشخاص إلى البحث عن مستقبل خارج بلدانهم الأصلية.
وفي هذا السياق، يتجلى الموقف الذي يؤكده رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، من ذلك أن تونس ليست أرض توطين وليست أيضا مجرد فضاء للعبور.
السيادة في قلب المعادلة
من جانب آخر، تحتل مسألة السيادة موقعا هاما في ملف الهجرة، بالنظر إلى تشابك المصالح الأوروبية والمتوسطية والإفريقية حول هذه المسألة.
فتونس، كما يتضح من مواقفها الرسمية، تسعى إلى تثبيت فكرة أن أي تعاون في مجال الهجرة يجب أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل، وأن تكون لكل دولة القدرة على تحديد سياساتها وترتيب أولوياتها، مع الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد الدولية وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة الدولة في أعلى هرمها إلى المسؤولية المشتركة، والتي تعني عمليا أن مواجهة الهجرة غير النظامية يجب أن تكون مسؤولية جماعية تشترك فيها بلدان المنشأ والعبور والمقصد، وأن تتحمل كل جهة نصيبها من المسؤولية في معالجة الظاهرة.
معالجة جذور الظاهرة
من بين أبرز عناصر المقاربة التي جددت تونس التأكيد عليها هو الانتقال من منطق إدارة الحدود إلى منطق معالجة جذور الهجرة.
فمكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب تظل ضرورية، باعتبار أن هذه الشبكات تستفيد من هشاشة المهاجرين وتحوّل حاجتهم إلى فرص للربح غير المشروع، غير أنه رغم أهمية تفكيك هذه الشبكات، إلا أن هذه الآلية لا تكفي وحدها للقضاء على الظاهرة.
ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية تتطلب، إلى جانب الإجراءات الأمنية، تعزيز التنمية في مناطق المنشأ وخلق فرص التشغيل ودعم الاستقرار، وتوسيع إمكانيات التنقل القانوني والآمن.
وفي هذا الإطار، تتجلى دعوة تونس إلى تعزيز قنوات الهجرة الشرعية كآلية هامة، بما أن فتح مسارات قانونية للهجرة يمكن أن يساهم في تقليص الاعتماد على شبكات التهريب، كما يسمح للدول الأوروبية بالاستفادة من حاجياتها إلى الكفاءات واليد العاملة، وللدول المصدرة للهجرة بالاستفادة من فرص قانونية ومنظمة لشبابها وكفاءاتها.
العودة الطوعية...
وفي هذا السياق، يبرز ملف العودة الطوعية وإعادة الإدماج باعتباره أحد المسارات التي تكتسب أهمية بالغة ضمن أطر تعاون تونس مع المنظمة الدولية للهجرة.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات التي تم استعراضها خلال لقاء وزير الخارجية مع المديرة العامة للمنظمة إلى استفادة 5077 مهاجرا غير نظامي من العودة الطوعية منذ غرة جانفي 2026، ليرتفع العدد الجملي للمستفيدين من هذه الآلية منذ إحداثها إلى 25351 مهاجرا غير نظامي، فضلا عن العائدين بصفة طوعية عبر الرحلات الجوية التجارية المنتظمة.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد لا يكتفي بالتأكيد على ضرورة العودة الطوعية، وإنما دعا في تصريحات سابقة إلى مضاعفة الجهود لتأمين هذا المسار وتسريع نسقه، معتبرا أن الأرقام المسجلة في عمليات الترحيل والعودة الطوعية لا تزال دون المستوى المطلوب لمعالجة الظاهرة بصورة نهائية.
ومن هذا المنطلق، تبرز دعوة رئيس الدولة إلى تكثيف التنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ومختلف الأطراف المعنية، حتى تصبح العودة الطوعية أكثر نجاعة وانتظاما، وتوفر للمهاجرين الراغبين في العودة إمكانية الرجوع إلى بلدانهم الأصلية في ظروف تحفظ كرامتهم، هذا بالتوازي مع العمل على إعادة إدماجهم بصورة مستدامة.
لا لإدارة الأزمة
يتضح أن موقف تونس من الهجرة غير النظامية لا يقف عند حدود رفض التوطين أو التشديد على السيادة، وإنما يتجه نحو إعادة ترتيب النقاش برمته.
فتونس لا تريد أن تكون مجرد نقطة في خريطة العبور المتوسطي، كما لا تريد أن تتحول إلى فضاء يستقبل تداعيات ظاهرة صنعتها عوامل إقليمية ودولية متشابكة. وفي المقابل، تؤكد تونس استعدادها للتعاون في مكافحة الاتجار بالبشر، وتنظيم العودة الطوعية، ودعم إعادة الإدماج، وفتح قنوات قانونية للهجرة، والمساهمة في معالجة الأسباب العميقة للظاهرة.
وهذه العناصر تجعل من المقاربة التونسية أكثر ارتباطا بالحلول العملية. فالدولة اليوم - واستنادا إلى مواقف وتصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد، وهي تؤكد رفض التوطين - لا تكتفي بإعلان موقف سياسي، وإنما تربطه بمسارات تعاون وبرامج وآليات قابلة للتنفيذ.
فعندما يجدد رئيس الجمهورية قيس سعيد موقف تونس من مسألة التوطين والهجرة غير النظامية، فإن ذلك يمثل أحد ثوابت السياسة التي تتعامل بها الدولة تجاه هذا الملف.
فالمقاربة التي تتبناها الدولة اليوم تقوم على محاولة تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانخراط في المسؤولية الدولية.
وفي هذا السياق، تصبح العودة الطوعية وإعادة الإدماج إحدى الآليات التي يمكن أن تساهم في تحويل هذا التوازن من خطاب إلى ممارسة، خصوصا عندما تكون العودة اختيارية ومصحوبة ببرامج تساعد المستفيدين على إعادة الاندماج في بلدانهم الأصلية، نحو سياسة هجرية أكثر توازنا.
ولئن تبقى التحديات كبيرة ومعقدة فيما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية، غير أن ما يتبلور من خلال موقف تونس هو محاولة تثبيت قاعدة جديدة في التعامل مع هذا الملف، مفادها أنه لا حلول مستدامة للهجرة غير النظامية من دون تنمية، ولا تعاون فعال من دون احترام السيادة، ولا معالجة حقيقية للظاهرة من دون التصدي لشبكات الاتجار بالبشر ومعالجة الأسباب العميقة التي تدفع إلى الهجرة.
وضمن هذا المسار، يواصل رئيس الجمهورية قيس سعيد الدفع نحو مقاربة تجعل من السيادة الوطنية والمسؤولية المشتركة والتنمية ركائز أساسية في التعامل مع ملف الهجرة، مع التأكيد على أن تونس، وهي ترفض أن تكون أرض توطين أو عبور، لا تغلق باب التعاون الدولي، وإنما تسعى إلى توجيهه نحو حلول عملية تحفظ كرامة الإنسان أولا وتحمي مصالح الدول ثانيا.
وتبقى العودة الطوعية وإعادة الإدماج، إلى جانب تعزيز قنوات الهجرة القانونية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، من أبرز المسارات التي يمكن أن تساهم في تحويل هذه المقاربة إلى نتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن الرهان الذي يضعه رئيس الدولة قيس سعيد لا يقتصر على احتواء تداعيات الهجرة غير النظامية، وإنما يتجه نحو معالجة جذورها وبناء تعاون أكثر توازنا بين بلدان المنشأ والعبور والمقصد، بما يجعل من الهجرة المنظمة والآمنة جزءا من الحل، ومن التنمية ركيزة أساسية لمعالجة الظاهرة على المدى البعيد.