في ليلة اختتام الدورة السابعة من تظاهرة "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة"، التي احتضنها مسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء الخميس غرة أكتوبر 2026، كان المبدع والممثل القدير عبد العزيز المحرزي في قلب المشهد، مكرما عن مسيرة تمتد لأكثر من ستة عقود، لكنه حضر أيضا بصفته فنانا لا يزال يمارس فعل المسرح ويواصل الوقوف أمام الجمهور. وجاء التكريم متزامنا مع عرض مسرحيته "إقامة شهيرة"، التي أخرجها ضمن إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية، فبدت المناسبة أقرب إلى احتفاء بفنان ما يزال في قلب المهنة، لا إلى استعادة اسم من الماضي.
وحين تسلم المحرزي التكريم، اختصر مشاعره في كلمات بسيطة: "أحسن وأغلى حاجة في الدنيا هي المحبة.. يطول الزمان وتدوم المحبة.. محبتكم لِيَّ تسوى الدنيا". كلمات قليلة حملت كثيرا من معنى الرحلة، فالمحرزي الذي أمضى عمره على الركح يعرف أن العلاقة بين الفنان والجمهور لا تصنعها الأضواء وحدها، وإنما سنوات الحضور والعمل والاستمرار.
إيمان عبد اللطيف
ولد عبد العزيز المحرزي يوم 21 سبتمبر 1948 في حي الحلفاوين بتونس العاصمة، ونشأ في محيط شعبي ظلت ملامحه حاضرة في تكوينه وفي نظرته إلى الناس والحياة. تابع تعليمه الابتدائي بالحلفاوين، ثم درس بالمعهد الفني والمعهد الصادقي، قبل أن تبدأ علاقته الفعلية بالمسرح في سن مبكرة. وكانت سنة 1962 محطة أولى في هذه الرحلة، عندما شارك مع الشبيبة المدرسية ودار الثقافة ابن رشيق، لتتدرج التجربة من الهواية والتعلم إلى الاحتراف. وفي سنة 1967 ظهر في مسرحية "الماريشال "، ثم جاءت بطولة "سعادة وسعادة" لتفتح أمامه مرحلة أكثر رسوخا في التمثيل، قبل أن يلتحق سنة 1969 بفرقة بلدية تونس، وهي المحطة التي ستمنح مسيرته أحد أهم أبعادها.
داخل فرقة بلدية تونس التقى المحرزي بالمسرحي علي بن عياد، الذي أصبح أحد أبرز المؤثرين فيه وأقربهم إلى تجربته الفنية. في تلك البيئة تعلم كثيرا من تفاصيل المهنة، وشارك في أعمال رسخت مكانته، من بينها "ثورة صاحب الحمار" و"أقفاص وسجون". ولم يكن تأثير بن عياد بالنسبة إليه مجرد علاقة أستاذ بتلميذ، بل امتد إلى تصور المسرح باعتباره مسؤولية وانضباطا وعملا جماعيا. ومن هنا أخذ المحرزي يوسع موقعه داخل الحركة المسرحية، منتقلا تدريجيا من التمثيل إلى الإخراج، ومراكما تجربة ستشمل عشرات الأعمال.
فمثّل في نحو خمسين عملا مسرحيا، إلى جانب إخراجه قرابة خمسة عشر عملا. ومن المحطات اللافتة في تجربته سنة 1975، عندما أخرج "الإسكافية العجيبة" وافتتح بها مهرجان قرطاج الدولي، في تجربة ارتبطت بكونه من أصغر المخرجين الذين تولوا افتتاح المهرجان. وقد شكل الإخراج بالنسبة إلى المحرزي مساحة أخرى للتعامل مع النص والشخصية والإيقاع، فاشتغل على أعمال متعددة، وظل المسرح عنده مجالا للبحث والتجربة أكثر من كونه مجرد وسيلة للحضور.
وفي رصيده المسرحي أعمال من أجيال مختلفة، بينها "مشكي وعاود"، و"ظلموني حبايبي"، و"الفوندو"، وصولا إلى "إقامة شهيرة". كما عاد في بعض تجاربه إلى نصوص وأعمال ارتبطت بذاكرة المسرح التونسي، من بينها "الماريشال"، في محاولة لإعادة تقديمها ضمن رؤية تتصل بالزمن الجديد. وهذا الوفاء إلى الذاكرة لم يمنعه من الاشتغال على نصوص مختلفة، بل جعله يتحرك بين الكوميديا والأعمال ذات البعد الاجتماعي، محافظا على علاقة مباشرة مع الجمهور.
وإذا ظل المسرح بيته الأول، فإن التلفزيون وسع دائرة حضوره، وجعل صورته مألوفة لدى جمهور العائلة التونسية. بدأت مشاركاته التلفزية منذ "أيام في حياتي" سنة 1979، ثم توالت أدواره في أعمال من بينها "أمينة" و"حبوني وإدللت" و"صيد الريم" و"نسيبتي العزيزة" و"تاج الحاضرة". وفي هذه الأعمال ظهر في أنماط مختلفة من الأداء، فجمع بين الأدوار الدرامية والكوميدية، وهو ما ساعد في ترسيخ حضوره لدى جمهور لم يكن بالضرورة من رواد المسرح.
كما امتدت تجربته إلى السينما، فشارك في أفلام من بينها "الملائكة"، و"حرب الخليج... وبعد؟"، و"البرتقال المر"، و"العيش في الجنة"، و"الكاتب العمومي"، و"كلمة رجال"، و"ما نموتش". ولم يكن هذا الحضور السينمائي منفصلا عن تكوينه المسرحي، إذ ظل الأداء عنده مرتبطا بالقدرة على بناء الشخصية وفهم إيقاع المشهد، وهي أدوات حملها معه من الركح إلى الشاشة.
وفي السنوات الأخيرة، ظل المحرزي حاضرا كلما وجد المشروع الذي ينسجم مع علاقته بالمسرح. وجاءت "إقامة شهيرة" لتؤكد هذا الاستمرار. المسرحية مقتبسة عن "La Locandiera" للكاتب الإيطالي كارلو غولدوني، وقدم عرضها الأول في 23 جانفي 2026 على ركح مسرح الجهات بمدينة الثقافة. وقد اختار للعمل صيغة كوميدية تسمح بقراءة العلاقات والشخصيات من زاوية قريبة من المتفرج التونسي، قبل أن تعود المسرحية إلى الركح نفسه ضمن اختتام تظاهرة "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة".
وبين هذا العمل ومحطات البداية مسافة زمنية طويلة، تغير خلالها المسرح التونسي وتبدلت الأجيال والأذواق وأشكال الإنتاج، لكن المحرزي حافظ على صلته بالخشبة. وربما لهذا اكتسب تكريمه في أكتوبر 2026 معنى إضافيا، فهو لم يكرم فقط على ما قدمه في الماضي، بل أيضا على استمرار حضوره في الحاضر. وفي لحظة التكريم، بدا الفنان الذي اقترب من الثامنة والسبعين أقل اهتماما باستعادة ما أنجزه من رغبته في التعبير عن علاقته بالناس الذين رافقوه طوال الطريق.
وبالتالي بدا تكريمه في "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة" مناسبة استعادت تاريخ رجل من رجال المسرح التونسي، لكنها في الوقت نفسه تضعه في الحاضر، وهو يواصل تقديم أعماله والوقوف أمام الجمهور. ولعل كلمته عن المحبة كانت أكثر ما يلخص هذه الرحلة: بعد عقود من العمل، يبقى ما بين الفنان وجمهوره هو الأثر الأهم، وتبقى الخشبة المكان الذي اختاره عبد العزيز المحرزي ليحفظ فيه هذا الأثر حيا.
ولم تكن قيمة هذه المسيرة في كثرة الأعمال وحدها، وإنما في قدرتها على مواكبة مراحل مختلفة من الحياة الثقافية التونسية. فقد عاصر المحرزي أجيالا من المسرحيين والممثلين، وعرف تحولات المؤسسات وأشكال الإنتاج، وانتقل من زمن كانت فيه الخشبة مجالا للتجريب إلى زمن أصبحت فيه الشاشة التلفزية والسينما والمنصات الجديدة منافسة لها. ومع ذلك ظل المسرح مركز تجربته، وهو ما يفسر عودته المستمرة إليه، ممثلا ومخرجا، وحرصه على تقديم أعمال تخاطب الجمهور مباشرة. وفي كل عودة، كان يضع خبرة السنوات في خدمة العمل من دون أن يتخلى عن روح الممثل الذي بدأ خطواته شابا في الفضاءات الثقافية المدرسية.
تونس - الصباح
في ليلة اختتام الدورة السابعة من تظاهرة "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة"، التي احتضنها مسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء الخميس غرة أكتوبر 2026، كان المبدع والممثل القدير عبد العزيز المحرزي في قلب المشهد، مكرما عن مسيرة تمتد لأكثر من ستة عقود، لكنه حضر أيضا بصفته فنانا لا يزال يمارس فعل المسرح ويواصل الوقوف أمام الجمهور. وجاء التكريم متزامنا مع عرض مسرحيته "إقامة شهيرة"، التي أخرجها ضمن إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية، فبدت المناسبة أقرب إلى احتفاء بفنان ما يزال في قلب المهنة، لا إلى استعادة اسم من الماضي.
وحين تسلم المحرزي التكريم، اختصر مشاعره في كلمات بسيطة: "أحسن وأغلى حاجة في الدنيا هي المحبة.. يطول الزمان وتدوم المحبة.. محبتكم لِيَّ تسوى الدنيا". كلمات قليلة حملت كثيرا من معنى الرحلة، فالمحرزي الذي أمضى عمره على الركح يعرف أن العلاقة بين الفنان والجمهور لا تصنعها الأضواء وحدها، وإنما سنوات الحضور والعمل والاستمرار.
إيمان عبد اللطيف
ولد عبد العزيز المحرزي يوم 21 سبتمبر 1948 في حي الحلفاوين بتونس العاصمة، ونشأ في محيط شعبي ظلت ملامحه حاضرة في تكوينه وفي نظرته إلى الناس والحياة. تابع تعليمه الابتدائي بالحلفاوين، ثم درس بالمعهد الفني والمعهد الصادقي، قبل أن تبدأ علاقته الفعلية بالمسرح في سن مبكرة. وكانت سنة 1962 محطة أولى في هذه الرحلة، عندما شارك مع الشبيبة المدرسية ودار الثقافة ابن رشيق، لتتدرج التجربة من الهواية والتعلم إلى الاحتراف. وفي سنة 1967 ظهر في مسرحية "الماريشال "، ثم جاءت بطولة "سعادة وسعادة" لتفتح أمامه مرحلة أكثر رسوخا في التمثيل، قبل أن يلتحق سنة 1969 بفرقة بلدية تونس، وهي المحطة التي ستمنح مسيرته أحد أهم أبعادها.
داخل فرقة بلدية تونس التقى المحرزي بالمسرحي علي بن عياد، الذي أصبح أحد أبرز المؤثرين فيه وأقربهم إلى تجربته الفنية. في تلك البيئة تعلم كثيرا من تفاصيل المهنة، وشارك في أعمال رسخت مكانته، من بينها "ثورة صاحب الحمار" و"أقفاص وسجون". ولم يكن تأثير بن عياد بالنسبة إليه مجرد علاقة أستاذ بتلميذ، بل امتد إلى تصور المسرح باعتباره مسؤولية وانضباطا وعملا جماعيا. ومن هنا أخذ المحرزي يوسع موقعه داخل الحركة المسرحية، منتقلا تدريجيا من التمثيل إلى الإخراج، ومراكما تجربة ستشمل عشرات الأعمال.
فمثّل في نحو خمسين عملا مسرحيا، إلى جانب إخراجه قرابة خمسة عشر عملا. ومن المحطات اللافتة في تجربته سنة 1975، عندما أخرج "الإسكافية العجيبة" وافتتح بها مهرجان قرطاج الدولي، في تجربة ارتبطت بكونه من أصغر المخرجين الذين تولوا افتتاح المهرجان. وقد شكل الإخراج بالنسبة إلى المحرزي مساحة أخرى للتعامل مع النص والشخصية والإيقاع، فاشتغل على أعمال متعددة، وظل المسرح عنده مجالا للبحث والتجربة أكثر من كونه مجرد وسيلة للحضور.
وفي رصيده المسرحي أعمال من أجيال مختلفة، بينها "مشكي وعاود"، و"ظلموني حبايبي"، و"الفوندو"، وصولا إلى "إقامة شهيرة". كما عاد في بعض تجاربه إلى نصوص وأعمال ارتبطت بذاكرة المسرح التونسي، من بينها "الماريشال"، في محاولة لإعادة تقديمها ضمن رؤية تتصل بالزمن الجديد. وهذا الوفاء إلى الذاكرة لم يمنعه من الاشتغال على نصوص مختلفة، بل جعله يتحرك بين الكوميديا والأعمال ذات البعد الاجتماعي، محافظا على علاقة مباشرة مع الجمهور.
وإذا ظل المسرح بيته الأول، فإن التلفزيون وسع دائرة حضوره، وجعل صورته مألوفة لدى جمهور العائلة التونسية. بدأت مشاركاته التلفزية منذ "أيام في حياتي" سنة 1979، ثم توالت أدواره في أعمال من بينها "أمينة" و"حبوني وإدللت" و"صيد الريم" و"نسيبتي العزيزة" و"تاج الحاضرة". وفي هذه الأعمال ظهر في أنماط مختلفة من الأداء، فجمع بين الأدوار الدرامية والكوميدية، وهو ما ساعد في ترسيخ حضوره لدى جمهور لم يكن بالضرورة من رواد المسرح.
كما امتدت تجربته إلى السينما، فشارك في أفلام من بينها "الملائكة"، و"حرب الخليج... وبعد؟"، و"البرتقال المر"، و"العيش في الجنة"، و"الكاتب العمومي"، و"كلمة رجال"، و"ما نموتش". ولم يكن هذا الحضور السينمائي منفصلا عن تكوينه المسرحي، إذ ظل الأداء عنده مرتبطا بالقدرة على بناء الشخصية وفهم إيقاع المشهد، وهي أدوات حملها معه من الركح إلى الشاشة.
وفي السنوات الأخيرة، ظل المحرزي حاضرا كلما وجد المشروع الذي ينسجم مع علاقته بالمسرح. وجاءت "إقامة شهيرة" لتؤكد هذا الاستمرار. المسرحية مقتبسة عن "La Locandiera" للكاتب الإيطالي كارلو غولدوني، وقدم عرضها الأول في 23 جانفي 2026 على ركح مسرح الجهات بمدينة الثقافة. وقد اختار للعمل صيغة كوميدية تسمح بقراءة العلاقات والشخصيات من زاوية قريبة من المتفرج التونسي، قبل أن تعود المسرحية إلى الركح نفسه ضمن اختتام تظاهرة "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة".
وبين هذا العمل ومحطات البداية مسافة زمنية طويلة، تغير خلالها المسرح التونسي وتبدلت الأجيال والأذواق وأشكال الإنتاج، لكن المحرزي حافظ على صلته بالخشبة. وربما لهذا اكتسب تكريمه في أكتوبر 2026 معنى إضافيا، فهو لم يكرم فقط على ما قدمه في الماضي، بل أيضا على استمرار حضوره في الحاضر. وفي لحظة التكريم، بدا الفنان الذي اقترب من الثامنة والسبعين أقل اهتماما باستعادة ما أنجزه من رغبته في التعبير عن علاقته بالناس الذين رافقوه طوال الطريق.
وبالتالي بدا تكريمه في "الخروج إلى المسرح... الخروج إلى الحياة" مناسبة استعادت تاريخ رجل من رجال المسرح التونسي، لكنها في الوقت نفسه تضعه في الحاضر، وهو يواصل تقديم أعماله والوقوف أمام الجمهور. ولعل كلمته عن المحبة كانت أكثر ما يلخص هذه الرحلة: بعد عقود من العمل، يبقى ما بين الفنان وجمهوره هو الأثر الأهم، وتبقى الخشبة المكان الذي اختاره عبد العزيز المحرزي ليحفظ فيه هذا الأثر حيا.
ولم تكن قيمة هذه المسيرة في كثرة الأعمال وحدها، وإنما في قدرتها على مواكبة مراحل مختلفة من الحياة الثقافية التونسية. فقد عاصر المحرزي أجيالا من المسرحيين والممثلين، وعرف تحولات المؤسسات وأشكال الإنتاج، وانتقل من زمن كانت فيه الخشبة مجالا للتجريب إلى زمن أصبحت فيه الشاشة التلفزية والسينما والمنصات الجديدة منافسة لها. ومع ذلك ظل المسرح مركز تجربته، وهو ما يفسر عودته المستمرة إليه، ممثلا ومخرجا، وحرصه على تقديم أعمال تخاطب الجمهور مباشرة. وفي كل عودة، كان يضع خبرة السنوات في خدمة العمل من دون أن يتخلى عن روح الممثل الذي بدأ خطواته شابا في الفضاءات الثقافية المدرسية.