إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عززت مكانتها في دعم الأمن والاستقرار.. إشادة أممية بدور تونس كصوت للحكمة في المتوسط

تونس-الصباح

"صوت الحكمة في منطقة المتوسط"... هو توصيف اختار الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن يطلقه على تونس، مستحضرًا ما اعتبره ديمقراطيتها الحكيمة ودبلوماسيتها الرصينة وقدرتها على تجنب الأزمات في محيطها المباشر والإقليمي.

توصيف يتجاوز كونه مجرد إشادة دبلوماسية، ليسلط الضوء على موقع تونس في معادلات الأمن والسلم ودورها الريادي في دعم الاستقرار الإقليمي ومساهمتها المتواصلة في عمليات حفظ السلام الأممية، فضلًا عن تمسكها بآلية العمل متعدد الأطراف وبالشرعية الدولية.

وتكمن أهمية هذا التوصيف في أنه صدر من نيويورك من أعلى مسؤول في منظمة الأمم المتحدة، وذلك على هامش لقاء جمعه بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، إثر انعقاد أشغال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

على أن الأهم أنه وصف يلتقي في جوهره مع جملة من الثوابت التي تتبناها الدولة في أعلى هرمها، ومن الخيارات التي يكرسها رئيس الجمهورية قيس سعيد على مستوى السياسة الخارجية، على غرار احترام سيادة الدول والتمسك بالشرعية الدولية والانخراط في منظومة الأمن والسلم الدوليين، مع المساهمة في عمليات حفظ السلام، إلى جانب الدفاع عن القضايا التي تعتبرها تونس عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

 

الدبلوماسية الرصينة

من هذا المنطلق، ربط الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في توصيفه "الحكمة" بالديمقراطية وبالدبلوماسية الرصينة، وبقدرة تونس على تجنب الأزمات في جوارها المباشر أو الإقليمي.

وهذا ما يتماهى مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد فيما يهم السياسة الخارجية، والتي يؤكد في معرض تصريحاته الإعلامية على ضرورة أن تقوم على جملة من الثوابت، من بينها احترام سيادة الدول، والتمسك بالشرعية الدولية ورفض تحويل الأزمات الإقليمية إلى ساحات مفتوحة للتدخلات.

وبهذا الطرح، لا تقدم تونس نفسها باعتبارها طرفًا في صراعات المحاور، وإنما تبرز كدولة تتحرك داخل المؤسسات والفضاءات الدولية، مستخدمة علاقاتها الدبلوماسية للتعبير عن مواقفها والدفاع عن القضايا التي تعتبرها عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع باقي الأطراف.

ولا يمكن في نفس الاتجاه فصل توصيف تونس بأنها "صوت الحكمة" عن حضورها البارز وإشعاعها في منظومة الأمن والسلم الدوليين. وهنا تتجلى المساهمة التونسية المتواصلة ومنذ الاستقلال في عمليات وجهود حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تعني في جوهرها الانخراط العملي والفعلي في آليات دولية تهدف إلى دعم الاستقرار في بؤر التوتر وفي المناطق التي تشهد نزاعات.

وبالتالي، فإن تمسك تونس بالعمل متعدد الأطراف يضعها في موقع دبلوماسي مختلف عن منطق الاصطفاف المباشر، ويجعل علاقتها بالأمم المتحدة جزءًا من آليات تحركها الخارجي.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن جعل رئيس الدولة قيس سعيد لسنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف هي مقاربة هدفها تكريس حضور أكثر فاعلية في المؤسسات والهياكل الدولية، من خلال الدفع باتجاه منظومة متعددة الأطراف أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها الدول. وهذا التوجه يعكس قناعة بأن معالجة الأزمات، مهما اختلفت طبيعتها أو جغرافيتها، لا يمكن أن تستقيم خارج الأطر الدولية القائمة على الحوار والتشاور واحترام سيادة الدول، وهو ما يفسر تمسك تونس بالدور المحوري للأمم المتحدة في صون السلم والأمن الدوليين.

وضمن هذا التمشي، يلتقي توصيف غوتيريش لتونس بأنها "صوت الحكمة" مع مقاربة الدولة في أعلى هرمها، التي لا ترى في التعددية مجرد إطار دبلوماسي، وإنما أداة للتحرك والتأثير والدفاع عن المصالح والثوابت الوطنية داخل الفضاء الدولي.

 

تقدير لدعم الاستقرار في ليبيا

من جهة أخرى، لعل أكثر ما يمنح توصيف غوتيريش لتونس بعدًا عمليًا هو حديثه عن تقديره للدعم التونسي للجهود الأممية الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا.

فليبيا ليست ملفًا خارجيًا عاديًا بالنسبة إلى تونس، على اعتبار أن أمن تونس واستقرارها يرتبطان بصورة مباشرة بالوضع الليبي، وبتداعيات هذا الوضع في حال عدم استقراره على الحدود وحركية الأشخاص ونسق المبادلات التجارية.

وفي هذا الملف تحديدًا، تبرز أهمية التنسيق مع الأمم المتحدة، باعتبار أن المنظمة تضطلع بدور في المسار السياسي الليبي. وتونس، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف مكونات محيطها، من مصلحتها أن تكون التسوية السياسية هي المسار الذي يفضي إلى استقرار ليبيا بعيدًا عن تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة صراع إقليمي أو دولي.

وعندما يؤكد غوتيريش استعداد الأمم المتحدة لمواصلة العمل والتنسيق الوثيق مع تونس والتفاعل إيجابيًا مع أية صعوبات تواجهها البلاد، فإن ذلك يعكس أيضًا طبيعة العلاقة بين الطرفين: تونس لا تتحرك خارج أطر المنظومة الدولية، كما أن الأمم المتحدة تنظر إلى تونس باعتبارها طرفًا يمكن التنسيق معه في ملفات إقليمية، وفي مقدمتها ليبيا.

وهنا تتجلى أحد أبرز أبعاد السياسة الخارجية التي يدفع باتجاهها رئيس الجمهورية قيس سعيد، والتي تقوم على أن الأمن الوطني ليس بمعزل عن استقرار المحيط، كما أن هذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر التدخل في شؤون الدول، وإنما من خلال دعم المسارات السياسية والحلول التي تحفظ سيادة الدول ووحدتها.

 

ثبات في المواقف

إلى جانب ليبيا، تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أهم الملفات التي تمثل حجر الأساس في مواقف الدولة في أعلى هرمها. وفي هذا السياق، نقل وزير الخارجية إلى الأمين العام تحيات رئيس الجمهورية قيس سعيد وتقدير تونس للمواقف التي دأب على التعبير عنها دفاعًا عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وهذه الإشارة تؤكد أن الحراك التونسي في الأمم المتحدة لا يقتصر على الملفات التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي التونسي، وإنما يمتد إلى قضايا تعتبرها الدولة جزءًا من مسؤولية المجتمع الدولي ومن مقتضيات الشرعية الدولية.

كما أن إدراج القضية الفلسطينية صلب الرسالة التي حملها وزير الخارجية إلى غوتيريش ينسجم مع الموقف الرسمي للدولة الذي يجعل من هذا الملف قضية سياسية وحقوقية مرتبطة بالشرعية الدولية وبتطبيق القانون الدولي.

ومن جانب آخر، تكمن أهمية هذا الموقف في استمراريته صلب الخطاب الدبلوماسي التونسي. فالقضية الفلسطينية لطالما سجلت حضورها في مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيد وفي الرسائل التي توجهها الدبلوماسية التونسية في المحافل الدولية، بما يجعلها أحد الثوابت الراسخة.

وهو ما يفسر تجديد التأكيد عليها في مختلف الاستحقاقات الدولية، باعتبارها قضية ترتبط في المخيال التونسي بمبادئ الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاحتلال.

كما أن إصرار تونس على إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة مواقفها الخارجية يعكس حرص الدولة في أعلى هرمها على أن يكون حضورها في المحافل الدولية مقترنًا بمواقف واضحة من القضايا التي تعتبرها جوهرية، بما في ذلك الدعوة إلى تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته وعدم التعامل مع الانتهاكات بمعايير مزدوجة. وبذلك تتحول القضية الفلسطينية من مجرد بند حاضر في الأجندة الدبلوماسية إلى أحد المؤشرات التي تعكس ثوابت السياسة الخارجية التونسية واستمراريتها.

وفي هذا الخضم، يضع وصف الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لتونس بأنها "صوت الحكمة في منطقة المتوسط" السياسة الخارجية التونسية أمام معادلة وطرح يتجاوز في أبعاده مجرد المجاملة الدبلوماسية. فتصريحاته أو تشبيهه ربط بين الدبلوماسية والاستقرار، والمساهمة في عمليات حفظ السلام إلى جانب العلاقة القائمة مع الأمم المتحدة، والجهود الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا.

وتتقاطع هذه العناصر مع الخطوط الكبرى التي يثبتها رئيس الجمهورية قيس سعيد في السياسة الخارجية، والتي تقوم أولًا على السيادة الوطنية، وعلى احترام استقلال الدول والتمسك بالشرعية الدولية، إلى جانب دعم القضايا التي تعتبرها تونس عادلة، هذا دون التغافل عن ضرورة التمسك بالعمل متعدد الأطراف.

على أن الأهم أن هذه المقاربة لا تفصل بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي. فاستقرار ليبيا، ودعم آليات الأمم المتحدة، والمشاركة في جهود وعمليات حفظ السلام، جميعها ملفات تشترك في نقطة واحدة مفادها أن تونس تروم أن يكون لها موقع ووزن فاعل في: معادلات الأمن والسلم، ولكن دون أن تفرط في سيادتها واستقلالية قرارها أو أن تنخرط في سياسة المحاور.

وإذا كانت تونس، بحسب توصيف الأمين العام للأمم المتحدة، "صوت الحكمة في المتوسط"، فإن هذا الموقع يفتح أمام دبلوماسيتها مجالًا لمواصلة الحضور الفاعل في قضايا الأمن والسلم، وتعزيز دورها داخل منظومة العمل متعدد الأطراف، وترجمة مواقفها المبدئية إلى مبادرات وحراك يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي. كما أن هذا التوصيف يمنح تونس رصيدًا معنويًا مهمًا لمواصلة بناء جسور الحوار والتنسيق، خاصة في محيط إقليمي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات تدفع نحو التهدئة والتفاهم والحلول السلمية.

وهو ما يجعل المرحلة القادمة فرصة لتونس لتثبيت هذا الدور، من خلال دبلوماسية أكثر حضورًا واستباقًا تجمع بين وضوح الموقف والقدرة على المساهمة في صياغة مسارات السلام والاستقرار.

منال حرزي

 

عززت مكانتها في دعم الأمن والاستقرار.. إشادة أممية بدور تونس كصوت للحكمة في المتوسط

تونس-الصباح

"صوت الحكمة في منطقة المتوسط"... هو توصيف اختار الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن يطلقه على تونس، مستحضرًا ما اعتبره ديمقراطيتها الحكيمة ودبلوماسيتها الرصينة وقدرتها على تجنب الأزمات في محيطها المباشر والإقليمي.

توصيف يتجاوز كونه مجرد إشادة دبلوماسية، ليسلط الضوء على موقع تونس في معادلات الأمن والسلم ودورها الريادي في دعم الاستقرار الإقليمي ومساهمتها المتواصلة في عمليات حفظ السلام الأممية، فضلًا عن تمسكها بآلية العمل متعدد الأطراف وبالشرعية الدولية.

وتكمن أهمية هذا التوصيف في أنه صدر من نيويورك من أعلى مسؤول في منظمة الأمم المتحدة، وذلك على هامش لقاء جمعه بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، إثر انعقاد أشغال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

على أن الأهم أنه وصف يلتقي في جوهره مع جملة من الثوابت التي تتبناها الدولة في أعلى هرمها، ومن الخيارات التي يكرسها رئيس الجمهورية قيس سعيد على مستوى السياسة الخارجية، على غرار احترام سيادة الدول والتمسك بالشرعية الدولية والانخراط في منظومة الأمن والسلم الدوليين، مع المساهمة في عمليات حفظ السلام، إلى جانب الدفاع عن القضايا التي تعتبرها تونس عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

 

الدبلوماسية الرصينة

من هذا المنطلق، ربط الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في توصيفه "الحكمة" بالديمقراطية وبالدبلوماسية الرصينة، وبقدرة تونس على تجنب الأزمات في جوارها المباشر أو الإقليمي.

وهذا ما يتماهى مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد فيما يهم السياسة الخارجية، والتي يؤكد في معرض تصريحاته الإعلامية على ضرورة أن تقوم على جملة من الثوابت، من بينها احترام سيادة الدول، والتمسك بالشرعية الدولية ورفض تحويل الأزمات الإقليمية إلى ساحات مفتوحة للتدخلات.

وبهذا الطرح، لا تقدم تونس نفسها باعتبارها طرفًا في صراعات المحاور، وإنما تبرز كدولة تتحرك داخل المؤسسات والفضاءات الدولية، مستخدمة علاقاتها الدبلوماسية للتعبير عن مواقفها والدفاع عن القضايا التي تعتبرها عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع باقي الأطراف.

ولا يمكن في نفس الاتجاه فصل توصيف تونس بأنها "صوت الحكمة" عن حضورها البارز وإشعاعها في منظومة الأمن والسلم الدوليين. وهنا تتجلى المساهمة التونسية المتواصلة ومنذ الاستقلال في عمليات وجهود حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تعني في جوهرها الانخراط العملي والفعلي في آليات دولية تهدف إلى دعم الاستقرار في بؤر التوتر وفي المناطق التي تشهد نزاعات.

وبالتالي، فإن تمسك تونس بالعمل متعدد الأطراف يضعها في موقع دبلوماسي مختلف عن منطق الاصطفاف المباشر، ويجعل علاقتها بالأمم المتحدة جزءًا من آليات تحركها الخارجي.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن جعل رئيس الدولة قيس سعيد لسنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف هي مقاربة هدفها تكريس حضور أكثر فاعلية في المؤسسات والهياكل الدولية، من خلال الدفع باتجاه منظومة متعددة الأطراف أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها الدول. وهذا التوجه يعكس قناعة بأن معالجة الأزمات، مهما اختلفت طبيعتها أو جغرافيتها، لا يمكن أن تستقيم خارج الأطر الدولية القائمة على الحوار والتشاور واحترام سيادة الدول، وهو ما يفسر تمسك تونس بالدور المحوري للأمم المتحدة في صون السلم والأمن الدوليين.

وضمن هذا التمشي، يلتقي توصيف غوتيريش لتونس بأنها "صوت الحكمة" مع مقاربة الدولة في أعلى هرمها، التي لا ترى في التعددية مجرد إطار دبلوماسي، وإنما أداة للتحرك والتأثير والدفاع عن المصالح والثوابت الوطنية داخل الفضاء الدولي.

 

تقدير لدعم الاستقرار في ليبيا

من جهة أخرى، لعل أكثر ما يمنح توصيف غوتيريش لتونس بعدًا عمليًا هو حديثه عن تقديره للدعم التونسي للجهود الأممية الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا.

فليبيا ليست ملفًا خارجيًا عاديًا بالنسبة إلى تونس، على اعتبار أن أمن تونس واستقرارها يرتبطان بصورة مباشرة بالوضع الليبي، وبتداعيات هذا الوضع في حال عدم استقراره على الحدود وحركية الأشخاص ونسق المبادلات التجارية.

وفي هذا الملف تحديدًا، تبرز أهمية التنسيق مع الأمم المتحدة، باعتبار أن المنظمة تضطلع بدور في المسار السياسي الليبي. وتونس، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف مكونات محيطها، من مصلحتها أن تكون التسوية السياسية هي المسار الذي يفضي إلى استقرار ليبيا بعيدًا عن تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة صراع إقليمي أو دولي.

وعندما يؤكد غوتيريش استعداد الأمم المتحدة لمواصلة العمل والتنسيق الوثيق مع تونس والتفاعل إيجابيًا مع أية صعوبات تواجهها البلاد، فإن ذلك يعكس أيضًا طبيعة العلاقة بين الطرفين: تونس لا تتحرك خارج أطر المنظومة الدولية، كما أن الأمم المتحدة تنظر إلى تونس باعتبارها طرفًا يمكن التنسيق معه في ملفات إقليمية، وفي مقدمتها ليبيا.

وهنا تتجلى أحد أبرز أبعاد السياسة الخارجية التي يدفع باتجاهها رئيس الجمهورية قيس سعيد، والتي تقوم على أن الأمن الوطني ليس بمعزل عن استقرار المحيط، كما أن هذا الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر التدخل في شؤون الدول، وإنما من خلال دعم المسارات السياسية والحلول التي تحفظ سيادة الدول ووحدتها.

 

ثبات في المواقف

إلى جانب ليبيا، تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أهم الملفات التي تمثل حجر الأساس في مواقف الدولة في أعلى هرمها. وفي هذا السياق، نقل وزير الخارجية إلى الأمين العام تحيات رئيس الجمهورية قيس سعيد وتقدير تونس للمواقف التي دأب على التعبير عنها دفاعًا عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وهذه الإشارة تؤكد أن الحراك التونسي في الأمم المتحدة لا يقتصر على الملفات التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي التونسي، وإنما يمتد إلى قضايا تعتبرها الدولة جزءًا من مسؤولية المجتمع الدولي ومن مقتضيات الشرعية الدولية.

كما أن إدراج القضية الفلسطينية صلب الرسالة التي حملها وزير الخارجية إلى غوتيريش ينسجم مع الموقف الرسمي للدولة الذي يجعل من هذا الملف قضية سياسية وحقوقية مرتبطة بالشرعية الدولية وبتطبيق القانون الدولي.

ومن جانب آخر، تكمن أهمية هذا الموقف في استمراريته صلب الخطاب الدبلوماسي التونسي. فالقضية الفلسطينية لطالما سجلت حضورها في مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيد وفي الرسائل التي توجهها الدبلوماسية التونسية في المحافل الدولية، بما يجعلها أحد الثوابت الراسخة.

وهو ما يفسر تجديد التأكيد عليها في مختلف الاستحقاقات الدولية، باعتبارها قضية ترتبط في المخيال التونسي بمبادئ الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاحتلال.

كما أن إصرار تونس على إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة مواقفها الخارجية يعكس حرص الدولة في أعلى هرمها على أن يكون حضورها في المحافل الدولية مقترنًا بمواقف واضحة من القضايا التي تعتبرها جوهرية، بما في ذلك الدعوة إلى تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته وعدم التعامل مع الانتهاكات بمعايير مزدوجة. وبذلك تتحول القضية الفلسطينية من مجرد بند حاضر في الأجندة الدبلوماسية إلى أحد المؤشرات التي تعكس ثوابت السياسة الخارجية التونسية واستمراريتها.

وفي هذا الخضم، يضع وصف الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لتونس بأنها "صوت الحكمة في منطقة المتوسط" السياسة الخارجية التونسية أمام معادلة وطرح يتجاوز في أبعاده مجرد المجاملة الدبلوماسية. فتصريحاته أو تشبيهه ربط بين الدبلوماسية والاستقرار، والمساهمة في عمليات حفظ السلام إلى جانب العلاقة القائمة مع الأمم المتحدة، والجهود الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا.

وتتقاطع هذه العناصر مع الخطوط الكبرى التي يثبتها رئيس الجمهورية قيس سعيد في السياسة الخارجية، والتي تقوم أولًا على السيادة الوطنية، وعلى احترام استقلال الدول والتمسك بالشرعية الدولية، إلى جانب دعم القضايا التي تعتبرها تونس عادلة، هذا دون التغافل عن ضرورة التمسك بالعمل متعدد الأطراف.

على أن الأهم أن هذه المقاربة لا تفصل بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي. فاستقرار ليبيا، ودعم آليات الأمم المتحدة، والمشاركة في جهود وعمليات حفظ السلام، جميعها ملفات تشترك في نقطة واحدة مفادها أن تونس تروم أن يكون لها موقع ووزن فاعل في: معادلات الأمن والسلم، ولكن دون أن تفرط في سيادتها واستقلالية قرارها أو أن تنخرط في سياسة المحاور.

وإذا كانت تونس، بحسب توصيف الأمين العام للأمم المتحدة، "صوت الحكمة في المتوسط"، فإن هذا الموقع يفتح أمام دبلوماسيتها مجالًا لمواصلة الحضور الفاعل في قضايا الأمن والسلم، وتعزيز دورها داخل منظومة العمل متعدد الأطراف، وترجمة مواقفها المبدئية إلى مبادرات وحراك يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي. كما أن هذا التوصيف يمنح تونس رصيدًا معنويًا مهمًا لمواصلة بناء جسور الحوار والتنسيق، خاصة في محيط إقليمي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات تدفع نحو التهدئة والتفاهم والحلول السلمية.

وهو ما يجعل المرحلة القادمة فرصة لتونس لتثبيت هذا الدور، من خلال دبلوماسية أكثر حضورًا واستباقًا تجمع بين وضوح الموقف والقدرة على المساهمة في صياغة مسارات السلام والاستقرار.

منال حرزي