تتجه تونس نحو تعزيز منظومة السلامة المرورية من خلال جملة من الإجراءات القانونية والتنظيمية والتقنية، في محاولة للحد من نزيف حوادث الطرقات والرفع من مستوى حماية مستعملي الطريق، في وقت تكشف فيه الأرقام والمؤشرات المسجلة منذ بداية سنة 2026 عن استمرار ارتفاع عدد ضحايا حوادث المرور.
وتشير آخر معطيات المرصد الوطني لسلامة المرور، إلى غاية 27 سبتمبر 2026، إلى تسجيل 3541 حادث مرور، أسفرت عن 1014 قتيلًا و4595 جريحًا. ورغم تراجع عدد الحوادث بنسبة 13.99% وعدد الجرحى بنسبة 15.84% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ارتفع عدد القتلى بنسبة 11.67%.
وتؤكد الأرقام السابقة أن التحدي المطروح في التعاطي مع الطرقات في تونس لا يرتبط فقط بارتفاع أو انخفاض عدد حوادث المرور، وإنما أيضًا بالسلوكيات التي تقف وراءها. وتشير بيانات المرصد إلى أن السهو وعدم الانتباه والسرعة تمثل أبرز أسباب الحوادث والوفيات المسجلة خلال سنة 2026، إلى جانب عدم احترام الأولوية، وشق الطريق، وتغيير الاتجاه، والمجاوزة الممنوعة.
إجراءات جديدة
وفي إطار تعزيز آليات الرقابة والحماية على الطرقات التونسية، أقرت السلطات التونسية عددًا من الإجراءات الجديدة. وقد أعلنت رئيسة مصلحة الاتصال المروري بالمرصد الوطني لسلامة المرور في تونس، الرائد سامية مسعود، عن عدد منها، من بينها تأمين محيط المؤسسات التربوية وفرض إجراءات استباقية بالتزامن مع العودة المدرسية، تشمل تركيز علامات تحديد السرعة بـ30 كلم/س، وتركيب مخفضات السرعة، وتحسين ممرات المترجلين، ووضع حواجز لحماية التلاميذ والحد من الوقوف العشوائي.
كما تم الانطلاق في مسار تقنين استخدام "التروتينات"، من خلال إعداد كراس شروط جديد خاص بتصنيع وتوزيع وتركيب "التروتينات الكهربائية"، وتحديد مواصفات سلامة دقيقة لها، بعد رصد حوادث ناتجة عن سرعتها المرتفعة. كما تم إقرار تشديد التوصيات المرورية والمراقبة على مستعملي الدراجات النارية وأعوان التوصيل، نظرًا إلى ارتفاع نسب حوادث الطرقات الناتجة عنها.
وأضافت أنه، في إطار مزيد المتابعة الحينية للطرقات، تم التوجه نحو تعميم كاميرات المراقبة في المفترقات التي تشهد كثافة مرورية عالية، لتحسين السلامة المرورية.
ويستعد المرصد الوطني لسلامة المرور لاقتناء كاميرات ومعدات لرصد المخالفات المرورية، من بينها تجاوز الإشارة الحمراء، واستعمال الهاتف أثناء السياقة، وعدم ارتداء الخوذة بالنسبة إلى سائقي الدراجات، وعدم وضع حزام الأمان.
غير أن هذه المنظومة لم تدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة بعد، إذ أفاد المرصد في سبتمبر 2026 بأن اقتناء المعدات سيتم إثر استكمال تنقيح بعض النصوص القانونية ونشر الأمر الترتيبي بالرائد الرسمي. كما تم إعداد مشروع نص يحدد الأجهزة ووسائل إثبات بعض المخالفات المرورية.
ويمثل إدماج المراقبة الإلكترونية في منظومة السلامة المرورية تحولًا في أساليب الرقابة، باعتبار أنه يمكن أن يسمح بتوثيق المخالفات آليًا والحد من الاعتماد الحصري على المراقبة الميدانية.
إجراءات لحماية السائقين والركاب
وفي إطار حماية مستعملي السيارات، تم خلال أفريل 2026 إصدار قرار مشترك يمنع صناعة وتوريد وخزن وترويج المنتجات التي تعطل أجهزة السلامة في العربات، وخاصة ما يعرف بـ"القفل الوهمي" لحزام الأمان، الذي يستعمل لتعطيل المنبه الصوتي داخل السيارة.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان بقاء أنظمة السلامة المدمجة في السيارات فعالة، وتحميل المصنعين والموردين والمروجين المسؤولية القانونية عن المنتجات التي يمكن أن تعطل هذه الأنظمة.
ويأتي التشديد على حزام الأمان في سياق أوسع من الإجراءات الرامية إلى تغيير سلوك السائقين، إلى جانب الدعوة إلى احترام السرعة القانونية، وترك مسافة الأمان، وعدم استعمال الهاتف الجوال أثناء القيادة، والامتناع عن السياقة في حالات التعب والإرهاق.
وتولي السلطات اهتمامًا متزايدًا بالدراجات النارية، باعتبار أن مستعملي الدراجات ذات العجلتين يمثلون فئة شديدة الهشاشة في حوادث المرور. وفي هذا الإطار، أعلن المرصد الوطني لسلامة المرور عن استكمال كراسات الشروط المتعلقة بصناعة وتركيب وتوزيع الدراجات ذات العجلتين، إلى جانب إعداد مشروع قرار مشترك يحدد الخصائص الفنية لخوذات الحماية.
كما تشمل الإصلاحات المرتقبة مراجعة عدد من النصوص المنظمة لمجلة الطرقات، ونظام النقاط الخاص برخص السياقة، والنصوص المتعلقة بالسياقة في حالة سكر. وتظل هذه الإصلاحات مرتبطة باستكمال المسار القانوني ونشر النصوص الرسمية قبل دخولها حيز التطبيق.
استراتيجية وطنية إلى غاية 2034
وتندرج جملة الإجراءات المذكورة ضمن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية 2025-2034، التي تقوم على خمسة محاور رئيسية تشمل البنية التحتية، وسلامة مستعملي الطريق، والنقل الحضري، وسلامة المركبات، والتدخل بعد وقوع الحوادث.
وتتضمن الاستراتيجية 84 برنامجًا و168 مشروعًا عمليًا، بمشاركة عدد من الوزارات والهياكل العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع هدف معلن يتمثل في تقليص عدد حوادث المرور بنسبة 20% في أفق نهاية 2027 مقارنة بسنة 2023، ثم مواصلة التخفيض إلى 50% مع نهاية سنة 2034.
ولا تقتصر المقاربة الجديدة على الردع، إذ تشمل أيضًا تطوير البنية التحتية، وتحسين سلامة المركبات، والتوعية والتربية المرورية، فضلًا عن تحسين التدخل بعد وقوع الحوادث.
ومن بين الأهداف المعلنة كذلك تكوين مليون مسعف بالتعاون مع وزارة الصحة والهلال الأحمر التونسي.
وللإشارة، تكشف المعطيات الحالية أن تعزيز السلامة المرورية في تونس يحتاج إلى الجمع بين تطبيق القانون والرقابة وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا والتوعية. فالتراجع المسجل في عدد الحوادث والجرحى خلال سنة 2026 لم يرافقه، إلى حد نهاية سبتمبر، تراجع في عدد الوفيات، بل سجلت الأخيرة ارتفاعًا بأكثر من 11% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ولا يرتبط نجاح الإجراءات الجديدة فقط بتشديد العقوبات أو تكثيف المراقبة، وإنما بمدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تطبيق القواعد على أرض الواقع، خاصة في ما يتعلق بالسرعة، وحزام الأمان، والخوذة، واستعمال الهاتف، واحترام الأولوية والإشارات المرورية.
وفي هذا السياق، تؤكد التوجهات الرسمية للمرحلة المقبلة أن السلامة المرورية لم تعد مسألة مرتبطة بسلوك السائق وحده، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تشمل الدولة والهياكل المحلية والأمن والحماية المدنية وقطاع النقل ومصالح التجهيز والصحة والمجتمع المدني. وهو ما يجعل حماية الأرواح على الطرقات رهانًا جماعيًا يتطلب إجراءات مستمرة وقياسًا دوريًا لنتائجها.
ريم سوودي
تونس - الصباح
تتجه تونس نحو تعزيز منظومة السلامة المرورية من خلال جملة من الإجراءات القانونية والتنظيمية والتقنية، في محاولة للحد من نزيف حوادث الطرقات والرفع من مستوى حماية مستعملي الطريق، في وقت تكشف فيه الأرقام والمؤشرات المسجلة منذ بداية سنة 2026 عن استمرار ارتفاع عدد ضحايا حوادث المرور.
وتشير آخر معطيات المرصد الوطني لسلامة المرور، إلى غاية 27 سبتمبر 2026، إلى تسجيل 3541 حادث مرور، أسفرت عن 1014 قتيلًا و4595 جريحًا. ورغم تراجع عدد الحوادث بنسبة 13.99% وعدد الجرحى بنسبة 15.84% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ارتفع عدد القتلى بنسبة 11.67%.
وتؤكد الأرقام السابقة أن التحدي المطروح في التعاطي مع الطرقات في تونس لا يرتبط فقط بارتفاع أو انخفاض عدد حوادث المرور، وإنما أيضًا بالسلوكيات التي تقف وراءها. وتشير بيانات المرصد إلى أن السهو وعدم الانتباه والسرعة تمثل أبرز أسباب الحوادث والوفيات المسجلة خلال سنة 2026، إلى جانب عدم احترام الأولوية، وشق الطريق، وتغيير الاتجاه، والمجاوزة الممنوعة.
إجراءات جديدة
وفي إطار تعزيز آليات الرقابة والحماية على الطرقات التونسية، أقرت السلطات التونسية عددًا من الإجراءات الجديدة. وقد أعلنت رئيسة مصلحة الاتصال المروري بالمرصد الوطني لسلامة المرور في تونس، الرائد سامية مسعود، عن عدد منها، من بينها تأمين محيط المؤسسات التربوية وفرض إجراءات استباقية بالتزامن مع العودة المدرسية، تشمل تركيز علامات تحديد السرعة بـ30 كلم/س، وتركيب مخفضات السرعة، وتحسين ممرات المترجلين، ووضع حواجز لحماية التلاميذ والحد من الوقوف العشوائي.
كما تم الانطلاق في مسار تقنين استخدام "التروتينات"، من خلال إعداد كراس شروط جديد خاص بتصنيع وتوزيع وتركيب "التروتينات الكهربائية"، وتحديد مواصفات سلامة دقيقة لها، بعد رصد حوادث ناتجة عن سرعتها المرتفعة. كما تم إقرار تشديد التوصيات المرورية والمراقبة على مستعملي الدراجات النارية وأعوان التوصيل، نظرًا إلى ارتفاع نسب حوادث الطرقات الناتجة عنها.
وأضافت أنه، في إطار مزيد المتابعة الحينية للطرقات، تم التوجه نحو تعميم كاميرات المراقبة في المفترقات التي تشهد كثافة مرورية عالية، لتحسين السلامة المرورية.
ويستعد المرصد الوطني لسلامة المرور لاقتناء كاميرات ومعدات لرصد المخالفات المرورية، من بينها تجاوز الإشارة الحمراء، واستعمال الهاتف أثناء السياقة، وعدم ارتداء الخوذة بالنسبة إلى سائقي الدراجات، وعدم وضع حزام الأمان.
غير أن هذه المنظومة لم تدخل حيز التنفيذ بصورة كاملة بعد، إذ أفاد المرصد في سبتمبر 2026 بأن اقتناء المعدات سيتم إثر استكمال تنقيح بعض النصوص القانونية ونشر الأمر الترتيبي بالرائد الرسمي. كما تم إعداد مشروع نص يحدد الأجهزة ووسائل إثبات بعض المخالفات المرورية.
ويمثل إدماج المراقبة الإلكترونية في منظومة السلامة المرورية تحولًا في أساليب الرقابة، باعتبار أنه يمكن أن يسمح بتوثيق المخالفات آليًا والحد من الاعتماد الحصري على المراقبة الميدانية.
إجراءات لحماية السائقين والركاب
وفي إطار حماية مستعملي السيارات، تم خلال أفريل 2026 إصدار قرار مشترك يمنع صناعة وتوريد وخزن وترويج المنتجات التي تعطل أجهزة السلامة في العربات، وخاصة ما يعرف بـ"القفل الوهمي" لحزام الأمان، الذي يستعمل لتعطيل المنبه الصوتي داخل السيارة.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان بقاء أنظمة السلامة المدمجة في السيارات فعالة، وتحميل المصنعين والموردين والمروجين المسؤولية القانونية عن المنتجات التي يمكن أن تعطل هذه الأنظمة.
ويأتي التشديد على حزام الأمان في سياق أوسع من الإجراءات الرامية إلى تغيير سلوك السائقين، إلى جانب الدعوة إلى احترام السرعة القانونية، وترك مسافة الأمان، وعدم استعمال الهاتف الجوال أثناء القيادة، والامتناع عن السياقة في حالات التعب والإرهاق.
وتولي السلطات اهتمامًا متزايدًا بالدراجات النارية، باعتبار أن مستعملي الدراجات ذات العجلتين يمثلون فئة شديدة الهشاشة في حوادث المرور. وفي هذا الإطار، أعلن المرصد الوطني لسلامة المرور عن استكمال كراسات الشروط المتعلقة بصناعة وتركيب وتوزيع الدراجات ذات العجلتين، إلى جانب إعداد مشروع قرار مشترك يحدد الخصائص الفنية لخوذات الحماية.
كما تشمل الإصلاحات المرتقبة مراجعة عدد من النصوص المنظمة لمجلة الطرقات، ونظام النقاط الخاص برخص السياقة، والنصوص المتعلقة بالسياقة في حالة سكر. وتظل هذه الإصلاحات مرتبطة باستكمال المسار القانوني ونشر النصوص الرسمية قبل دخولها حيز التطبيق.
استراتيجية وطنية إلى غاية 2034
وتندرج جملة الإجراءات المذكورة ضمن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات للسلامة المرورية 2025-2034، التي تقوم على خمسة محاور رئيسية تشمل البنية التحتية، وسلامة مستعملي الطريق، والنقل الحضري، وسلامة المركبات، والتدخل بعد وقوع الحوادث.
وتتضمن الاستراتيجية 84 برنامجًا و168 مشروعًا عمليًا، بمشاركة عدد من الوزارات والهياكل العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع هدف معلن يتمثل في تقليص عدد حوادث المرور بنسبة 20% في أفق نهاية 2027 مقارنة بسنة 2023، ثم مواصلة التخفيض إلى 50% مع نهاية سنة 2034.
ولا تقتصر المقاربة الجديدة على الردع، إذ تشمل أيضًا تطوير البنية التحتية، وتحسين سلامة المركبات، والتوعية والتربية المرورية، فضلًا عن تحسين التدخل بعد وقوع الحوادث.
ومن بين الأهداف المعلنة كذلك تكوين مليون مسعف بالتعاون مع وزارة الصحة والهلال الأحمر التونسي.
وللإشارة، تكشف المعطيات الحالية أن تعزيز السلامة المرورية في تونس يحتاج إلى الجمع بين تطبيق القانون والرقابة وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا والتوعية. فالتراجع المسجل في عدد الحوادث والجرحى خلال سنة 2026 لم يرافقه، إلى حد نهاية سبتمبر، تراجع في عدد الوفيات، بل سجلت الأخيرة ارتفاعًا بأكثر من 11% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ولا يرتبط نجاح الإجراءات الجديدة فقط بتشديد العقوبات أو تكثيف المراقبة، وإنما بمدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تطبيق القواعد على أرض الواقع، خاصة في ما يتعلق بالسرعة، وحزام الأمان، والخوذة، واستعمال الهاتف، واحترام الأولوية والإشارات المرورية.
وفي هذا السياق، تؤكد التوجهات الرسمية للمرحلة المقبلة أن السلامة المرورية لم تعد مسألة مرتبطة بسلوك السائق وحده، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تشمل الدولة والهياكل المحلية والأمن والحماية المدنية وقطاع النقل ومصالح التجهيز والصحة والمجتمع المدني. وهو ما يجعل حماية الأرواح على الطرقات رهانًا جماعيًا يتطلب إجراءات مستمرة وقياسًا دوريًا لنتائجها.