إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس والاتحاد الأوروبي..  نحو مراجعة وشراكة أكثر توازنًا وندية  

 

تونس-الصباح

تصدرت مجددًا مسألة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واجهة النقاش العام، بعد أن جدد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي -على هامش مشاركته في أشغال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة- التأكيد على ضرورة مراجعة هذه الاتفاقية بما يضفي عليها مزيدًا من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة تستجيب في جوهرها للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، لاسيما في مجالات المبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة.

ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة واحدًا من أبرز الملفات التي ظل رئيس الجمهورية قيس سعيد يطرحها في سياق رؤيته للعلاقات الخارجية ولطبيعة الشراكات التي يفترض أن تجمع تونس بمختلف شركائها في إطار آلية العمل المتعدد الأطراف والاحترام المتبادل للمصالح.

فدعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى مراجعة عدد من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تندرج في إطار توجه يقوم على إعادة النظر في الاتفاقيات التي لم تعد، وفقًا للموقف الرسمي للدولة في أعلى هرمها، تستجيب لمختلف التحولات التي تشهدها تونس ودول العالم، وعلى إعادة بناء العلاقات الدولية على قاعدة الندية والاحترام المتبادل وحماية المصالح الوطنية.

من هذا المنطلق، يأتي تأكيد وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي، خلال لقائه المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا بنيويورك، على ضرورة مراجعة الاتفاقية بما يضفي عليها مزيدًا من الواقعية والإنصاف، ليعيد هذا الملف إلى واجهة النقاش الدبلوماسي والاقتصادي، ولكن هذه المرة في سياق يبدو أكثر ارتباطًا بالتحولات الطارئة على العلاقات الدولية وبالخيارات التي تسعى تونس إلى تكريسها في شراكاتها الخارجية.

فالموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجية يترجم توجه رئيس الدولة قيس سعيد الذي يقوم على عدم القطيعة مع الاتحاد الأوروبي، وإنما يؤشر لإعادة صياغة علاقات التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي بما يجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للواقع الاقتصادي والسياسي الراهن، وبما يراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما.

وهي نقطة جوهرية في مقاربة رئيس الدولة قيس سعيد لهذا الملف، على اعتبار أن مراجعة الاتفاقيات لا تعني بالضرورة التخلي عن الشراكات القائمة، وإنما إعادة النظر في شروطها عندما تصبح بعض بنودها غير منسجمة مع المتغيرات أو غير قادرة على تحقيق التوازن المطلوب.

الشراكة المتوازنة

منذ توليه زمام المسؤولية، وفي عديد المحطات والمناسبات، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة مراجعة الاتفاقيات والعقود التي يرى أنها لم تعد تستجيب للمصلحة الوطنية أو لم تحقق لتونس الجدوى المنتظرة. وفي هذا السياق، اكتسبت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي موقعًا هامًا بالنظر إلى وزن الاتحاد الأوروبي في المبادلات التجارية والاستثمارات والتعاون مع تونس.

وتقوم اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1995 على إطار واسع للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي، غير أن التحولات التي شهدها الاقتصاد التونسي والأوروبي، وكذلك المتغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي، أعادت طرح السؤال حول مدى قدرة الإطار المؤسساتي القائم على مواكبة المرحلة الجديدة.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى المراجعة تستند في جوهرها إلى أن الشراكة لا يتعين أن تختزل في حركة المبادلات التجارية أو في آليات التمويل، وإنما يفترض أن تمتد إلى الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، والتعاون العلمي، ودعم القطاعات ذات القيمة المضافة، وخلق فرص جديدة للاقتصاد التونسي.

وهنا تتجلى إحدى النقاط المركزية في الدعوة إلى مراجعة الاتفاقيات المبرمة، من خلال العمل على الانتقال من علاقات تعاون تونسية أوروبية تقوم على ترتيبات ثابتة إلى علاقة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لأولويات التنمية والمرحلة..

في هذا الخصوص، يربط رئيس الجمهورية قيس سعيد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بسياق شامل يتعلق بمراجعة عدد من الاتفاقيات والعقود التي يرى أن بعضها أُبرم في ظروف تاريخية واقتصادية مختلفة، ولم تعد نتائجه بالضرورة متطابقة مع المرحلة الراهنة.

وقد تكررت في مواقف رئيس الدولة الإشارة إلى ضرورة إعادة النظر في عدد من الاتفاقيات، بما في ذلك الاتفاقيات الاقتصادية وعقود استغلال الموارد والثروات الوطنية.

وضمن هذه المقاربة، فإن العلاقات الاقتصادية الخارجية ينبغي أن تحقق منفعة متبادلة، وألا تتحول الاتفاقيات إلى أطر جامدة يصعب تعديلها.

الندية أساس التعاون

تتكرر في خطابات رئيس الجمهورية قيس سعيد عبارة "الندية"، بما يعكس تصورًا لطبيعة العلاقة التي تروم تونس تكريسها في التعامل مع مختلف شركائها، بما يفضي إلى أن تكون تونس طرفًا فاعلًا في صياغة الاتفاقيات، وأن تكون مصالحها وأولوياتها حاضرة في تحديد مضمون التعاون، بعيدًا عن منطق الطرف الأقوى والطرف الأضعف. كما تعني ألا تكون الشراكة قائمة فقط على ما يمكن أن تحصل عليه تونس من تمويل أو مساعدات، وإنما على ما يمكن أن تنتجه من فرص مشتركة واستثمارات ونقل للخبرات والتكنولوجيا.

وفي هذا الاتجاه، يأتي تأكيد وزير الخارجية محمد علي النفطي على ضرورة أن تراعي المراجعات المرتقبة ملفات المبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة.

إعادة ترتيب للأولويات

يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والدبلوماسي الأول لتونس، بما أنه يستحوذ على نحو 70% من إجمالي الصادرات التونسية.

كما أن الروابط بين الجانبين تتجاوز التجارة إلى الاستثمار والسياحة والتعليم والبحث العلمي والتعاون الأمني والطاقي وغيرها من المجالات الاستراتيجية.

وبالتالي، فإن طرح مسألة مراجعة الاتفاقية لا يعكس مطلقًا توجهًا نحو فك الارتباط الأوروبي، وإنما يمثل دعوة إلى إعادة ترتيب العلاقة على أسس جديدة. وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة على أهمية مواصلة تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندية، وتقوم أيضًا على التكيف مع مختلف التحولات الاقتصادية والسياسية، بما يجعل المراجعة آلية هامة لتحديث أطر العلاقة ولجعلها أكثر تناغمًا مع المستجدات الراهنة..

الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية

في هذا الخضم، وبالعودة إلى لقاء وزير الخارجية بالمفوضة الأوروبية للمتوسط، جدير بالذكر أن التأكيد على مراجعة الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي جاء هذه المرة في لقاء مباشر مع مسؤول أوروبي رفيع المستوى وعلى هامش مشاركة تونس في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعكس استمرار طرح المسألة ضمن القنوات الدبلوماسية.

كما أن الجمع بين التأكيد على المراجعة والتشديد على مواصلة تطوير العلاقات يؤشر إلى أن المقاربة التي تعتمدها تونس تقوم على مسارين متوازيين: أولًا الدفاع عن المصالح الوطنية، وثانيًا ضرورة الحفاظ على قنوات وأطر للتعاون والحوار.

وهو مسار ينسجم مع الرؤية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، ومفادها أن تونس منفتحة على التعاون مع مختلف الشركاء، لكنها تريد أن يكون هذا التعاون قائمًا على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعلى مراعاة سيادتها ومصالحها.

وبالتالي، يطرح النقاش حول اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي جملة من الأسئلة تتعلق بمستقبل العلاقات التونسية الأوروبية نفسها، من ذلك: هل يمكن الانتقال من شراكة صيغت في تسعينيات القرن الماضي إلى شراكة جديدة تستجيب لتحديات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟

ووفقًا للطرح الذي تتبناه الدولة في أعلى هرمها، فإن الأمر لا يتعلق بتعديل بعض البنود، وإنما بإعادة تعريف مضمون العلاقة نفسها وأولوياتها.

وفي هذا الصدد، تريد تونس شراكة أكثر اتزانًا، تقوم على المصالح المشتركة، وتدعم الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، وتمنح التعاون المالي بعدًا تنمويًا، وتتيح للبحث العلمي والتبادل المعرفي أن يصبحا جزءًا محوريًا في مجالات التعاون الثنائي.

وفي هذا الإطار، تبدو دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مراجعة الاتفاقيات امتدادًا لمقاربة تعتبر أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تبقى حبيسة لترتيبات الماضي، وأن الاتفاقيات نفسها تحتاج إلى أن تتطور كلما تغيرت الظروف الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

فتونس لا تطرح، وفقًا لمواقف رئيس الدولة قيس سعيد، مسألة مراجعة الشراكة الأوروبية باعتبارها تنصلًا من دائرة التعاون، وإنما كمحاولة لإعادة ضبط هذه العلاقة على أسس جديدة، من خلال تبني شراكة لا تلغي المصالح المشتركة، ولكنها تجعل التوازن والندية والاحترام المتبادل شروطًا جوهرية لاستمرارها وتطويرها.

وبذلك، فإن مراجعة الاتفاقية يمكن أن تتحول من مجرد ملف تفاوضي إلى فرصة لإعادة بناء الشراكة التونسية الأوروبية على أسس أكثر ملاءمة للواقع، بحيث لا يكون الهدف فقط تعديل اتفاق قائم، وإنما صياغة علاقة أكثر قدرة على بلوغ التنمية وتوسيع دائرة المصالح المشتركة، مع ضرورة حماية القرار الوطني في نفس الوقت.

منال حرزي

 

تونس والاتحاد الأوروبي..   نحو مراجعة وشراكة أكثر توازنًا وندية   

 

تونس-الصباح

تصدرت مجددًا مسألة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واجهة النقاش العام، بعد أن جدد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي -على هامش مشاركته في أشغال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة- التأكيد على ضرورة مراجعة هذه الاتفاقية بما يضفي عليها مزيدًا من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسّمة لشراكة حقيقية ومتضامنة تستجيب في جوهرها للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، لاسيما في مجالات المبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة.

ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة واحدًا من أبرز الملفات التي ظل رئيس الجمهورية قيس سعيد يطرحها في سياق رؤيته للعلاقات الخارجية ولطبيعة الشراكات التي يفترض أن تجمع تونس بمختلف شركائها في إطار آلية العمل المتعدد الأطراف والاحترام المتبادل للمصالح.

فدعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى مراجعة عدد من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، تندرج في إطار توجه يقوم على إعادة النظر في الاتفاقيات التي لم تعد، وفقًا للموقف الرسمي للدولة في أعلى هرمها، تستجيب لمختلف التحولات التي تشهدها تونس ودول العالم، وعلى إعادة بناء العلاقات الدولية على قاعدة الندية والاحترام المتبادل وحماية المصالح الوطنية.

من هذا المنطلق، يأتي تأكيد وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي، خلال لقائه المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا بنيويورك، على ضرورة مراجعة الاتفاقية بما يضفي عليها مزيدًا من الواقعية والإنصاف، ليعيد هذا الملف إلى واجهة النقاش الدبلوماسي والاقتصادي، ولكن هذه المرة في سياق يبدو أكثر ارتباطًا بالتحولات الطارئة على العلاقات الدولية وبالخيارات التي تسعى تونس إلى تكريسها في شراكاتها الخارجية.

فالموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجية يترجم توجه رئيس الدولة قيس سعيد الذي يقوم على عدم القطيعة مع الاتحاد الأوروبي، وإنما يؤشر لإعادة صياغة علاقات التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي بما يجعلها أكثر قدرة على الاستجابة للواقع الاقتصادي والسياسي الراهن، وبما يراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما.

وهي نقطة جوهرية في مقاربة رئيس الدولة قيس سعيد لهذا الملف، على اعتبار أن مراجعة الاتفاقيات لا تعني بالضرورة التخلي عن الشراكات القائمة، وإنما إعادة النظر في شروطها عندما تصبح بعض بنودها غير منسجمة مع المتغيرات أو غير قادرة على تحقيق التوازن المطلوب.

الشراكة المتوازنة

منذ توليه زمام المسؤولية، وفي عديد المحطات والمناسبات، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة مراجعة الاتفاقيات والعقود التي يرى أنها لم تعد تستجيب للمصلحة الوطنية أو لم تحقق لتونس الجدوى المنتظرة. وفي هذا السياق، اكتسبت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي موقعًا هامًا بالنظر إلى وزن الاتحاد الأوروبي في المبادلات التجارية والاستثمارات والتعاون مع تونس.

وتقوم اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1995 على إطار واسع للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي، غير أن التحولات التي شهدها الاقتصاد التونسي والأوروبي، وكذلك المتغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي، أعادت طرح السؤال حول مدى قدرة الإطار المؤسساتي القائم على مواكبة المرحلة الجديدة.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى المراجعة تستند في جوهرها إلى أن الشراكة لا يتعين أن تختزل في حركة المبادلات التجارية أو في آليات التمويل، وإنما يفترض أن تمتد إلى الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، والتعاون العلمي، ودعم القطاعات ذات القيمة المضافة، وخلق فرص جديدة للاقتصاد التونسي.

وهنا تتجلى إحدى النقاط المركزية في الدعوة إلى مراجعة الاتفاقيات المبرمة، من خلال العمل على الانتقال من علاقات تعاون تونسية أوروبية تقوم على ترتيبات ثابتة إلى علاقة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لأولويات التنمية والمرحلة..

في هذا الخصوص، يربط رئيس الجمهورية قيس سعيد اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بسياق شامل يتعلق بمراجعة عدد من الاتفاقيات والعقود التي يرى أن بعضها أُبرم في ظروف تاريخية واقتصادية مختلفة، ولم تعد نتائجه بالضرورة متطابقة مع المرحلة الراهنة.

وقد تكررت في مواقف رئيس الدولة الإشارة إلى ضرورة إعادة النظر في عدد من الاتفاقيات، بما في ذلك الاتفاقيات الاقتصادية وعقود استغلال الموارد والثروات الوطنية.

وضمن هذه المقاربة، فإن العلاقات الاقتصادية الخارجية ينبغي أن تحقق منفعة متبادلة، وألا تتحول الاتفاقيات إلى أطر جامدة يصعب تعديلها.

الندية أساس التعاون

تتكرر في خطابات رئيس الجمهورية قيس سعيد عبارة "الندية"، بما يعكس تصورًا لطبيعة العلاقة التي تروم تونس تكريسها في التعامل مع مختلف شركائها، بما يفضي إلى أن تكون تونس طرفًا فاعلًا في صياغة الاتفاقيات، وأن تكون مصالحها وأولوياتها حاضرة في تحديد مضمون التعاون، بعيدًا عن منطق الطرف الأقوى والطرف الأضعف. كما تعني ألا تكون الشراكة قائمة فقط على ما يمكن أن تحصل عليه تونس من تمويل أو مساعدات، وإنما على ما يمكن أن تنتجه من فرص مشتركة واستثمارات ونقل للخبرات والتكنولوجيا.

وفي هذا الاتجاه، يأتي تأكيد وزير الخارجية محمد علي النفطي على ضرورة أن تراعي المراجعات المرتقبة ملفات المبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة.

إعادة ترتيب للأولويات

يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والدبلوماسي الأول لتونس، بما أنه يستحوذ على نحو 70% من إجمالي الصادرات التونسية.

كما أن الروابط بين الجانبين تتجاوز التجارة إلى الاستثمار والسياحة والتعليم والبحث العلمي والتعاون الأمني والطاقي وغيرها من المجالات الاستراتيجية.

وبالتالي، فإن طرح مسألة مراجعة الاتفاقية لا يعكس مطلقًا توجهًا نحو فك الارتباط الأوروبي، وإنما يمثل دعوة إلى إعادة ترتيب العلاقة على أسس جديدة. وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة على أهمية مواصلة تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في إطار شراكة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والندية، وتقوم أيضًا على التكيف مع مختلف التحولات الاقتصادية والسياسية، بما يجعل المراجعة آلية هامة لتحديث أطر العلاقة ولجعلها أكثر تناغمًا مع المستجدات الراهنة..

الاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية

في هذا الخضم، وبالعودة إلى لقاء وزير الخارجية بالمفوضة الأوروبية للمتوسط، جدير بالذكر أن التأكيد على مراجعة الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي جاء هذه المرة في لقاء مباشر مع مسؤول أوروبي رفيع المستوى وعلى هامش مشاركة تونس في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعكس استمرار طرح المسألة ضمن القنوات الدبلوماسية.

كما أن الجمع بين التأكيد على المراجعة والتشديد على مواصلة تطوير العلاقات يؤشر إلى أن المقاربة التي تعتمدها تونس تقوم على مسارين متوازيين: أولًا الدفاع عن المصالح الوطنية، وثانيًا ضرورة الحفاظ على قنوات وأطر للتعاون والحوار.

وهو مسار ينسجم مع الرؤية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، ومفادها أن تونس منفتحة على التعاون مع مختلف الشركاء، لكنها تريد أن يكون هذا التعاون قائمًا على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعلى مراعاة سيادتها ومصالحها.

وبالتالي، يطرح النقاش حول اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي جملة من الأسئلة تتعلق بمستقبل العلاقات التونسية الأوروبية نفسها، من ذلك: هل يمكن الانتقال من شراكة صيغت في تسعينيات القرن الماضي إلى شراكة جديدة تستجيب لتحديات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟

ووفقًا للطرح الذي تتبناه الدولة في أعلى هرمها، فإن الأمر لا يتعلق بتعديل بعض البنود، وإنما بإعادة تعريف مضمون العلاقة نفسها وأولوياتها.

وفي هذا الصدد، تريد تونس شراكة أكثر اتزانًا، تقوم على المصالح المشتركة، وتدعم الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، وتمنح التعاون المالي بعدًا تنمويًا، وتتيح للبحث العلمي والتبادل المعرفي أن يصبحا جزءًا محوريًا في مجالات التعاون الثنائي.

وفي هذا الإطار، تبدو دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مراجعة الاتفاقيات امتدادًا لمقاربة تعتبر أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تبقى حبيسة لترتيبات الماضي، وأن الاتفاقيات نفسها تحتاج إلى أن تتطور كلما تغيرت الظروف الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

فتونس لا تطرح، وفقًا لمواقف رئيس الدولة قيس سعيد، مسألة مراجعة الشراكة الأوروبية باعتبارها تنصلًا من دائرة التعاون، وإنما كمحاولة لإعادة ضبط هذه العلاقة على أسس جديدة، من خلال تبني شراكة لا تلغي المصالح المشتركة، ولكنها تجعل التوازن والندية والاحترام المتبادل شروطًا جوهرية لاستمرارها وتطويرها.

وبذلك، فإن مراجعة الاتفاقية يمكن أن تتحول من مجرد ملف تفاوضي إلى فرصة لإعادة بناء الشراكة التونسية الأوروبية على أسس أكثر ملاءمة للواقع، بحيث لا يكون الهدف فقط تعديل اتفاق قائم، وإنما صياغة علاقة أكثر قدرة على بلوغ التنمية وتوسيع دائرة المصالح المشتركة، مع ضرورة حماية القرار الوطني في نفس الوقت.

منال حرزي