البنية التحتية والاكتظاظ والرقمنة أبرزه التحديات.. ليظل التعليم العمومي المصعد الاجتماعي التاريخي الموثوق به لدى التونسيين
تونس – الصباح
عرفت السنوات الأخيرة تغيرا ملحوظا في المشهد التعليمي التونسي، حسب الإحصائيات الرسمية التي تؤكد ارتفاع عدد التلاميذ القادمين من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي، وباتت فضاءات المندوبيات الجهوية للتربية تكتظ بطوابير الأولياء بغرض الظفر بمقاعد لأبنائهم في المؤسسات التربوية العمومية والبحث عن شغورات استثنائية بعد انطلاق العودة المدرسية منتصف الشهر الجاري.
هذه الهجرة العكسية، التي تحولت من استثناء إلى تغير ملحوظ في سلوك التونسيين، تعكس تغيرات عميقة وجذرية في المعادلة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة التونسية، وتطرح تساؤلات جادة حول التحديات الجديدة التي ستواجه المنظومة التربوية العمومية برمتها، مع عودة ما يعرف بالثقة في التعليم العمومي بعد فقدانها لسنوات.
من التعليم الانتشالي إلى الجودة
حيث عرفت الأعوام الأخيرة هجرة غير مسبوقة من قبل العائلات التونسية نحو المدارس الخصوصية، هربا من عدم الاستقرار وكثرة الإضرابات وتدني التحصيل العلمي في نظيرتها العمومية، خاصة سنوات ما بعد الثورة، وتتالي الحكومات المتعاقبة دون برامج أو إصلاحات، التي ساهمت في تردي وضعية التعليم، وهو ما أدى إلى توسع رقعة المؤسسات التعليمية الخاصة في البلاد لتصل إلى نحو 1252 مؤسسة، تستقطب ما بين 250 و300 ألف تلميذ.
وتخلّص بالتالي التعليم الخاص من الوصم الاجتماعي الذي كان يلاحقه لسنوات بأنه التعليم الانتشالي، الذي يهدف إلى انتشال التلاميذ من الانقطاع عن الدراسة في حال رسوبهم أكثر من مرة في التعليم العمومي، ليصبح التعليم الخاص في شكله الجديد المنافس الأول للتعليم العمومي، لجديته وقوة الاستثمار فيه من ناحية جودة المادة التي يقدمها والتكوين، ومن خلال تطور البنية التحتية.
وأصبح التعليم الخاص رافعة تعليمية واجتماعية في غاية الأهمية داخل مكونات المجتمع التونسي، استطاع أن يصنع نمطا تربويا جديدا بفضل التحديثات البيداغوجية التي أنشأها، وباستعمالات الرقمنة والتكنولوجيا والتركيز على اللغات، فضلا عن تدعيمه للجزء التنشيطي والتثقيفي في البرامج التعليمية، ليستقطب الآلاف من الأسر التونسية في السنوات الأخيرة، ولم يعد حكرا على العائلات ميسورة الحال، بل استقطب أيضا المتوسطة والضعيفة منها، وأصبحت هذه الفئات تخصص سنويا ميزانية خاصة بهذا التوجه.
التعليم العمومي يسترجع مكانته تدريجيا
لكن عرفت المؤسسات التربوية الخاصة مؤخرا ظاهرة هجرة عكسية نحو القطاع التعليمي العمومي، وهذا ما أكدته الإحصائيات الرسمية، وكانت آخرها التي كشفت عنها وزارة التربية من خلال عمليات الإدماج التي شملت عددا من المندوبيات الجهوية في أنحاء الجمهورية، على غرار عملية إدماج 1340 تلميذا وتلميذة، موزعين بين المرحلتين الإعدادية والثانوية بمختلف المؤسسات التربوية العمومية بولاية سوسة، في إطار الاستجابة لطلبات الانتقال المقدمة من الأولياء من القطاع الخاص إلى العمومي.
كذلك نجد عملية إدماج لحوالي 1050 تلميذا وتلميذة للالتحاق بمؤسسات التعليم العمومي في ولاية بن عروس، ونفس العملية شملت ولايات أخرى من الجمهورية سيتم الإفصاح عنها تباعا لدى المندوبيات الجهوية للتربية...
وبحسب أحدث المعطيات الرسمية والبيانات الصادرة عن وزارة التربية المتعلقة بالسنوات الدراسية الأخيرة بين 2024 و2026، فإن أعداد التلاميذ الذين يلتحقون بالتعليم العمومي قادمين من القطاع الخاص سنويا تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف تلميذ، مع تركز واضح في السنوات الأولى من التعليم الأساسي ومرحلة الانتقال إلى التعليم الإعدادي، وتسجل أعلى نسب التحول والتسجيل بالمؤسسات العمومية في المرحلة الابتدائية، خاصة من السنين الأولى للتعليم الأساسي، وفي مرحلة الانتقال إلى المرحلة الإعدادية.
الأعباء المالية والمناظرات الوطنية أبرز الأسباب
ومن أبرز الأسباب التي تقف خلف هذا التوجه، الضغوط الاقتصادية والأعباء المالية على الأسر التونسية بسبب ارتفاع تكاليف الدراسة في المدارس الخاصة، من معاليم التسجيل والاشتراك الشهري والأنشطة والكتب الخاصة، مقارنة بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة.
كذلك يعد الاستقرار الذي أصبح عليه مؤخرا التعليم العمومي، بفضل تراجع التحركات الاحتجاجية التي كانت تؤثر سابقا على انتظام الدروس، من أهم الأسباب، فضلا عن المؤشر الأكثر استقطابا، وهو المناظرات الوطنية مثل "السيزيام" و"النوفيام" و"الباكالوريا" في القطاع العمومي، والتي أثبتت أهميتها في نسبة النجاح للتلاميذ في القطاع العمومي...
إلى جانب العامل الاقتصادي، ظهرت عوامل مشجعة أخرى جعلت خيار العودة إلى العمومي أكثر تقبلا لدى الأولياء، مثل انتظام المرفق التربوي، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة نسب استقرار عالية في الزمن المدرسي العمومي مقارنة بفترات سابقة شهدت اضطرابات ونزاعات نقابية متكررة، مما أعاد للمدرسة العمومية هيبتها وجاذبيتها النسبية.
كذلك مناظرات الدخول إلى المدارس النموذجية، حيث يفضل عدد غير قليل من الأولياء نقل أبنائهم إلى المؤسسات العمومية في السنوات المتقدمة من المرحلة الابتدائية أو الإعدادية (السادسة والسابعة أساسي)، وذلك بهدف التأقلم مع معايير ومناهج الامتحانات الوطنية، تمهيدا لمناظرتي "السيزيام" و"النوفيام" والالتحاق بالمعاهد النموذجية.
وتضع هذه الموجة العكسية وزارة التربية والمندوبيات الجهوية أمام تحديات لوجستية وهيكلية معقدة، فالمؤسسات العمومية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية والمناطق الحضرية الكبرى (تونس الكبرى، الساحل، صفاقس)، تعاني أصلا من اكتظاظ في الفصول المدرسية ونقص في الإطار التربوي واللوجستي.
كما يضع هذا التوجه الدولة أمام تحدي مراجعة شاملة للمشهد التربوي، خاصة أن هذه الحركة المتزايدة من الخاص إلى العمومي تؤكد أن المدرسة العمومية التونسية، رغم جميع الصعوبات والبنية التحتية التي تحتاج إلى تطوير، تظل المصعد الاجتماعي التاريخي الموثوق المتاح أمام مختلف الفئات.
ليبقى بالتالي السؤال المطروح اليوم أمام القائمين على الشأن التربوي حول كيفية استغلال الدولة لهذه العودة المكثفة لأبنائها نحو القطاع العمومي، لتسريع خطوات الإصلاح التربوي الشامل وضمان جودة التعليم للجميع..
وفاء بن محمد
البنية التحتية والاكتظاظ والرقمنة أبرزه التحديات.. ليظل التعليم العمومي المصعد الاجتماعي التاريخي الموثوق به لدى التونسيين
تونس – الصباح
عرفت السنوات الأخيرة تغيرا ملحوظا في المشهد التعليمي التونسي، حسب الإحصائيات الرسمية التي تؤكد ارتفاع عدد التلاميذ القادمين من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي، وباتت فضاءات المندوبيات الجهوية للتربية تكتظ بطوابير الأولياء بغرض الظفر بمقاعد لأبنائهم في المؤسسات التربوية العمومية والبحث عن شغورات استثنائية بعد انطلاق العودة المدرسية منتصف الشهر الجاري.
هذه الهجرة العكسية، التي تحولت من استثناء إلى تغير ملحوظ في سلوك التونسيين، تعكس تغيرات عميقة وجذرية في المعادلة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة التونسية، وتطرح تساؤلات جادة حول التحديات الجديدة التي ستواجه المنظومة التربوية العمومية برمتها، مع عودة ما يعرف بالثقة في التعليم العمومي بعد فقدانها لسنوات.
من التعليم الانتشالي إلى الجودة
حيث عرفت الأعوام الأخيرة هجرة غير مسبوقة من قبل العائلات التونسية نحو المدارس الخصوصية، هربا من عدم الاستقرار وكثرة الإضرابات وتدني التحصيل العلمي في نظيرتها العمومية، خاصة سنوات ما بعد الثورة، وتتالي الحكومات المتعاقبة دون برامج أو إصلاحات، التي ساهمت في تردي وضعية التعليم، وهو ما أدى إلى توسع رقعة المؤسسات التعليمية الخاصة في البلاد لتصل إلى نحو 1252 مؤسسة، تستقطب ما بين 250 و300 ألف تلميذ.
وتخلّص بالتالي التعليم الخاص من الوصم الاجتماعي الذي كان يلاحقه لسنوات بأنه التعليم الانتشالي، الذي يهدف إلى انتشال التلاميذ من الانقطاع عن الدراسة في حال رسوبهم أكثر من مرة في التعليم العمومي، ليصبح التعليم الخاص في شكله الجديد المنافس الأول للتعليم العمومي، لجديته وقوة الاستثمار فيه من ناحية جودة المادة التي يقدمها والتكوين، ومن خلال تطور البنية التحتية.
وأصبح التعليم الخاص رافعة تعليمية واجتماعية في غاية الأهمية داخل مكونات المجتمع التونسي، استطاع أن يصنع نمطا تربويا جديدا بفضل التحديثات البيداغوجية التي أنشأها، وباستعمالات الرقمنة والتكنولوجيا والتركيز على اللغات، فضلا عن تدعيمه للجزء التنشيطي والتثقيفي في البرامج التعليمية، ليستقطب الآلاف من الأسر التونسية في السنوات الأخيرة، ولم يعد حكرا على العائلات ميسورة الحال، بل استقطب أيضا المتوسطة والضعيفة منها، وأصبحت هذه الفئات تخصص سنويا ميزانية خاصة بهذا التوجه.
التعليم العمومي يسترجع مكانته تدريجيا
لكن عرفت المؤسسات التربوية الخاصة مؤخرا ظاهرة هجرة عكسية نحو القطاع التعليمي العمومي، وهذا ما أكدته الإحصائيات الرسمية، وكانت آخرها التي كشفت عنها وزارة التربية من خلال عمليات الإدماج التي شملت عددا من المندوبيات الجهوية في أنحاء الجمهورية، على غرار عملية إدماج 1340 تلميذا وتلميذة، موزعين بين المرحلتين الإعدادية والثانوية بمختلف المؤسسات التربوية العمومية بولاية سوسة، في إطار الاستجابة لطلبات الانتقال المقدمة من الأولياء من القطاع الخاص إلى العمومي.
كذلك نجد عملية إدماج لحوالي 1050 تلميذا وتلميذة للالتحاق بمؤسسات التعليم العمومي في ولاية بن عروس، ونفس العملية شملت ولايات أخرى من الجمهورية سيتم الإفصاح عنها تباعا لدى المندوبيات الجهوية للتربية...
وبحسب أحدث المعطيات الرسمية والبيانات الصادرة عن وزارة التربية المتعلقة بالسنوات الدراسية الأخيرة بين 2024 و2026، فإن أعداد التلاميذ الذين يلتحقون بالتعليم العمومي قادمين من القطاع الخاص سنويا تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف تلميذ، مع تركز واضح في السنوات الأولى من التعليم الأساسي ومرحلة الانتقال إلى التعليم الإعدادي، وتسجل أعلى نسب التحول والتسجيل بالمؤسسات العمومية في المرحلة الابتدائية، خاصة من السنين الأولى للتعليم الأساسي، وفي مرحلة الانتقال إلى المرحلة الإعدادية.
الأعباء المالية والمناظرات الوطنية أبرز الأسباب
ومن أبرز الأسباب التي تقف خلف هذا التوجه، الضغوط الاقتصادية والأعباء المالية على الأسر التونسية بسبب ارتفاع تكاليف الدراسة في المدارس الخاصة، من معاليم التسجيل والاشتراك الشهري والأنشطة والكتب الخاصة، مقارنة بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة.
كذلك يعد الاستقرار الذي أصبح عليه مؤخرا التعليم العمومي، بفضل تراجع التحركات الاحتجاجية التي كانت تؤثر سابقا على انتظام الدروس، من أهم الأسباب، فضلا عن المؤشر الأكثر استقطابا، وهو المناظرات الوطنية مثل "السيزيام" و"النوفيام" و"الباكالوريا" في القطاع العمومي، والتي أثبتت أهميتها في نسبة النجاح للتلاميذ في القطاع العمومي...
إلى جانب العامل الاقتصادي، ظهرت عوامل مشجعة أخرى جعلت خيار العودة إلى العمومي أكثر تقبلا لدى الأولياء، مثل انتظام المرفق التربوي، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة نسب استقرار عالية في الزمن المدرسي العمومي مقارنة بفترات سابقة شهدت اضطرابات ونزاعات نقابية متكررة، مما أعاد للمدرسة العمومية هيبتها وجاذبيتها النسبية.
كذلك مناظرات الدخول إلى المدارس النموذجية، حيث يفضل عدد غير قليل من الأولياء نقل أبنائهم إلى المؤسسات العمومية في السنوات المتقدمة من المرحلة الابتدائية أو الإعدادية (السادسة والسابعة أساسي)، وذلك بهدف التأقلم مع معايير ومناهج الامتحانات الوطنية، تمهيدا لمناظرتي "السيزيام" و"النوفيام" والالتحاق بالمعاهد النموذجية.
وتضع هذه الموجة العكسية وزارة التربية والمندوبيات الجهوية أمام تحديات لوجستية وهيكلية معقدة، فالمؤسسات العمومية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية والمناطق الحضرية الكبرى (تونس الكبرى، الساحل، صفاقس)، تعاني أصلا من اكتظاظ في الفصول المدرسية ونقص في الإطار التربوي واللوجستي.
كما يضع هذا التوجه الدولة أمام تحدي مراجعة شاملة للمشهد التربوي، خاصة أن هذه الحركة المتزايدة من الخاص إلى العمومي تؤكد أن المدرسة العمومية التونسية، رغم جميع الصعوبات والبنية التحتية التي تحتاج إلى تطوير، تظل المصعد الاجتماعي التاريخي الموثوق المتاح أمام مختلف الفئات.
ليبقى بالتالي السؤال المطروح اليوم أمام القائمين على الشأن التربوي حول كيفية استغلال الدولة لهذه العودة المكثفة لأبنائها نحو القطاع العمومي، لتسريع خطوات الإصلاح التربوي الشامل وضمان جودة التعليم للجميع..