جددت البعثة الدائمة للجمهورية التونسية لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف التأكيد على مطلب تونس الثابت باسترداد أموالها المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، وذلك على هامش مشاركتها في الدورة 73 لمجلس التجارة والتنمية التابع لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، في خطوة أعادت من خلالها الملف إلى واجهة النقاش الدولي.
ويحمل هذا الموقف، الذي شددت خلاله البعثة التونسية على ضرورة تعاون الدول المعنية بجدية وإرادة سياسية حقيقية، دلالات هامة في ضوء المواقف المتكررة لرئيس الجمهورية قيس سعيد من ملف الأموال المنهوبة، حيث ظل هذا الملف الحارق حاضرا في العديد من تصريحاته الرسمية، باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بالسيادة الوطنية وبحق الدولة في استرجاع مواردها. ويعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن هذه الأموال تمثل موارد يفترض أن تعود إلى الدورة الاقتصادية الوطنية وأن تستخدم، لدى استرجاعها، في تمويل التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحراك التونسي في جنيف لا يبدو منفصلا عن هذا التوجه، وإنما يندرج ضمن رؤية تسعى إلى نقل قضية الأموال المنهوبة من مجرد ملف قضائي وإجرائي إلى مستوى رفيع، ليصبح جزءا من النقاشات الدولية حول اختلالات النظام المالي العالمي، وأعباء المديونية، والحق في التنمية، ومدى قدرة الدول النامية على استعادة مواردها وتحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال.
في هذا الخصوص، ظل ملف الأموال المنهوبة حاضرا في عديد المناسبات وفي مواقف الدولة في أعلى هرمها، باعتباره واحدا من الملفات التي يرى رئيس الجمهورية قيس سعيد أنها تمس بصورة مباشرة مصالح الدولة وحقوق الشعب.
ولهذا، لم يكن التعاطي مع الملف قائما فقط على المطالبة باستعادة أموال خرجت من خزينة الدولة، بل ارتبط أيضا بتحميل المسؤوليات وبضرورة وضع حد لمسارات أفضت، وفقا للخطاب الرسمي، إلى إهدار جزء من موارد الدولة، لا سيما وأن الأموال المنهوبة تعتبر موارد هامة كان بإمكان الاقتصاد الوطني الاستفادة منها، كما كان بالإمكان أن توجه إلى التنمية.
حق لا يسقط بالتقادم..
وضمن هذه المقاربة، يحضر ملف استرجاع الأموال المنهوبة في خطاب رئيس الدولة قيس سعيد باعتباره حقا للدولة وللشعب لا يسقط بمرور الزمن. وهو طرح عبّر عنه في أكثر من مناسبة، مؤكدا أن الأموال العمومية تظل حقا للتونسيين مهما طال أمد بقائها خارج البلاد، وأن الفرار إلى الخارج أو التعويل على شبكات النفوذ لن يغيّر من توجه الدولة نحو استرجاع هذه الأموال.
وفسر رئيس الدولة، في المقابل، أن هذه المقاربة المعتمدة لا تقوم على الانتقام أو التشفي، وإنما على استعادة الحقوق المشروعة، فالمسألة ترتبط أساسا بحق الدولة في مواردها وبضرورة توظيفها لفائدة التونسيين والتنمية الوطنية.
من الأموال المنهوبة إلى السيادة الاقتصادية
من جانب آخر، تكشف مختلف مواقف رئيس الدولة قيس سعيد من هذا الملف عن رؤية شاملة تتعلق بمفهوم السيادة. والسيادة، وفقا لهذا التوجه، لا تتوقف عند حدود حماية القرار السياسي أو تأمين الحدود، وإنما تمتد إلى مدى قدرة الدولة على التحكم في مواردها والدفاع عنها واستعمالها بما يخدم المصلحة الوطنية.
وفي هذا الاتجاه، يكتسب التحرك التونسي في جنيف بعدا سياسيا هاما. فعندما تطالب تونس الدول المستقبلة للأموال المنهوبة بالتعاون الجدي وعدم التذرع بالعراقيل الإجرائية والقضائية والقانونية، فإنها لا تطرح قضية مالية فحسب، وإنما تثير أيضا مسألة مدى قدرة الدولة على ممارسة حقها في استعادة مواردها عبر مختلف الأطر والقنوات الدولية.
وفي هذا السياق، لم تكتف البعثة التونسية بتجديد مطلب الاسترجاع، بل ربطته بإصلاح النظام المالي الدولي. وهو ما يوسع دائرة النقاش التي انتقلت من علاقة تونس بدولة أو مجموعة دول بحوزتها رؤوس أموال تونسية، إلى علاقة الدول النامية عموما بمنظومة مالية دولية تحتاج، وفقا لما طرحه الموقف التونسي، إلى قدر أكبر من العدالة والإنصاف.
الاسترجاع والتنمية
يربط رئيس الجمهورية قيس سعيد باستمرار بين الموارد الوطنية والتنمية، وبين استعادة الأموال المنهوبة وتوظيفها في خدمة المواطنين. وبالتالي، فإن أهمية الملف تتجاوز المبالغ التي يمكن استرجاعها لتطال الوجهة أو المسار الذي ستتخذه الموارد المسترجعة.
وهذا البعد يكتسي أهمية بالغة، على اعتبار أن تأمين مسار استرجاع الأموال لا ينبغي أن يبقى في مستوى تثمين عودة الأموال إلى الخزينة، وإنما يفترض أن يتحول إلى قيمة اقتصادية وتنموية ملموسة. وهو طرح يستمد مشروعيته من كون البلاد تحتاج إلى موارد لتمويل مشاريعها، ودعم القطاعات الحيوية، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وغيرها من التحديات المطروحة في أكثر من مجال.
وفي هذا السياق، يبقى لملف الأموال المنهوبة علاقة مباشرة بالمشاريع التنموية التي تضعها الدولة ضمن أوكد أولوياتها، لما يمكن أن يتيحه استرجاع هذه الأموال من موارد إضافية تدعم تمويل المشاريع العمومية، وتعزز قدرة الدولة على تنفيذ البرامج التنموية، وتوفير هامش أوسع للاستثمار في القطاعات الحيوية، بما ينعكس على تحسين الخدمات وتقليص الفوارق بين الجهات ودفع عجلة التنمية.
المديونية.. الوجه الآخر للمعادلة
يحمل الربط الذي أقامته البعثة التونسية في جنيف بين استعادة الأموال المنهوبة وإصلاح النظام المالي الدولي ومعالجة المديونية دلالات تتجاوز الملف التونسي.
فتونس تطرح، في هذا الإطار، مسألة تعاني منها دول نامية عديدة، تتمثل في ارتفاع أعباء المديونية وتراجع هامش الحركة المالية أمام الحكومات، مقابل وجود موارد يمكن، في حالات مختلفة، أن تكون خارج الدورة الاقتصادية للدول.
ومن هنا تأتي دعوة تونس إلى إصلاح النظام المالي الدولي وجعله أكثر عدالة، إلى جانب دعم الحق في التنمية وتعزيز التمويلات الموجهة إلى الدول النامية وتيسير نقل التكنولوجيا.
وهذه النقطة تجعل خطاب تونس في جنيف متماهيا في جوهره مع جانب أساسي من التوجه السياسي لرئيس الدولة، والذي يقوم على بناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على موارده، وتقليص الارتهان إلى مصادر التمويل التي تثقل كاهل الدولة، وتعزيز قدرة تونس على تحديد خياراتها التنموية.
الدبلوماسية في مواجهة التعقيدات القانونية
يظل بلوغ الأموال الموجودة في الخارج مسارا معقدا للغاية، بالنظر إلى تعدد الأنظمة القانونية والقضائية وتشعب المسارات المالية التي يمكن أن يمر بها مسار استرجاع الأموال المنهوبة.
وهنا يصبح الدور الدبلوماسي مكملا للدور القضائي، فالدولة تحتاج إلى التعاون مع الدول المعنية، وإلى الاتفاقيات القضائية، وإلى تبادل المعلومات، وإلى متابعة الملفات أمام الجهات المختصة، وإلى بناء قنوات اتصال دائمة تسمح بتجاوز العراقيل التي قد تعترض عمليات الاسترجاع.
وبالتالي، فإن حديث البعثة التونسية عن ضرورة وجود «إرادة سياسية حقيقية» يحمل أهمية خاصة. فالتعاون القانوني يحتاج في النهاية إلى قرار سياسي يدفع المؤسسات إلى العمل ويمنح التعاون الدولي بشأن هذه الملفات زخما متواصلا.
حق الدولة في مواردها
من جهة أخرى، وبعيدا عن موقف البعثة، فإن رئيس الدولة قيس سعيد لطالما أكد، فيما يهم ملف استرجاع الأموال المنهوبة، أن موارد الدولة يجب أن تعود إلى الدولة، وأن المال العام يجب أن يكون موجّها إلى المصلحة العامة.
ويرتبط هذا الطرح بجملة من الملفات الجوهرية التي تعتبر حجر الأساس في بناء الدولة بالنسبة لرئيس الجمهورية، على غرار مكافحة الفساد والمساءلة والعدالة الاجتماعية، حيث لا يمكن فصل الأموال المنهوبة عن المنظومة التي سمحت بخروجها، ولا عن ضرورة محاسبة من ثبتت مسؤوليته، ولا عن حق المجتمع في معرفة مصير موارده.
وفي هذا الاتجاه، يصبح استرجاع الأموال جزءا من معادلة شاملة تتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن. فالمواطن الذي يطالب بتحسين التعليم والصحة والنقل والسكن وتوفير فرص العمل، ينظر في نهاية المطاف إلى هذه الموارد باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تمول هذه القطاعات.
وضمن هذا التمشي، فإن ملف الأموال المنهوبة يحمل أيضا بعدا اجتماعيا، على اعتبار أن الأموال التي تعود إلى الدورة الاقتصادية الوطنية يمكن أن تتحول إلى مشاريع واستثمارات وخدمات، بما يجعل نتائجها تتجاوز الخزينة لتطال الحياة اليومية للمواطنين.
استعادة الأموال.. جزء من معركة شاملة
أعاد الموقف التونسي في جنيف ملف الأموال المنهوبة إلى موقع يتجاوز الحسابات المالية الضيقة. فالمسألة ترتبط بالسيادة، وبالحق في التنمية، وبالعدالة المالية الدولية، وبقدرة الدول النامية على استعادة مواردها وتوظيفها في خدمة شعوبها.
وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد جعل من استعادة الأموال المنهوبة أحد العناوين الثابتة في خطابه، فإن الدبلوماسية التونسية تبدو اليوم بصدد ترجمة هذا الموقف في المحافل الدولية، من خلال ربط الاسترجاع بإصلاح النظام المالي العالمي، وبالمديونية، وبالحق في التنمية.
وبالتالي، تتجلى أهمية الجهود في المرحلة القادمة في توسيع شبكة التعاون الدولي التي يمكن أن تجعل من الاسترجاع مسارا قابلا للإنجاز، وفي تحويل الملف من قضية عالقة منذ سنوات إلى مسار مؤسساتي متواصل.
فالأموال المنهوبة، في نهاية المطاف، ليست مجرد أموال موجودة خارج الحدود، وإنما هي، في التوجه الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد، تمثل جزءا من موارد الدولة وحقا للمجتمع، واستعادتها ترتبط بإعادة الاعتبار لسيادة القرار الاقتصادي وبقدرة تونس على توظيف مواردها في بناء مسار التنمية.
ومن جنيف، تؤكد تونس مرة أخرى أن هذا الملف لن يبقى شأنا داخليا أو قضية مرتبطة بالماضي، وإنما سيظل حاضرا في تحركها الدبلوماسي وفي صلب نقاشاتها حول شكل النظام المالي الدولي الذي تريده أكثر إنصافا للدول النامية وأكثر قدرة على حماية حقوقها الاقتصادية.
منال حرزي
تونس - الصباح
جددت البعثة الدائمة للجمهورية التونسية لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف التأكيد على مطلب تونس الثابت باسترداد أموالها المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، وذلك على هامش مشاركتها في الدورة 73 لمجلس التجارة والتنمية التابع لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، في خطوة أعادت من خلالها الملف إلى واجهة النقاش الدولي.
ويحمل هذا الموقف، الذي شددت خلاله البعثة التونسية على ضرورة تعاون الدول المعنية بجدية وإرادة سياسية حقيقية، دلالات هامة في ضوء المواقف المتكررة لرئيس الجمهورية قيس سعيد من ملف الأموال المنهوبة، حيث ظل هذا الملف الحارق حاضرا في العديد من تصريحاته الرسمية، باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بالسيادة الوطنية وبحق الدولة في استرجاع مواردها. ويعتبر رئيس الجمهورية قيس سعيد أن هذه الأموال تمثل موارد يفترض أن تعود إلى الدورة الاقتصادية الوطنية وأن تستخدم، لدى استرجاعها، في تمويل التنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحراك التونسي في جنيف لا يبدو منفصلا عن هذا التوجه، وإنما يندرج ضمن رؤية تسعى إلى نقل قضية الأموال المنهوبة من مجرد ملف قضائي وإجرائي إلى مستوى رفيع، ليصبح جزءا من النقاشات الدولية حول اختلالات النظام المالي العالمي، وأعباء المديونية، والحق في التنمية، ومدى قدرة الدول النامية على استعادة مواردها وتحقيق الإقلاع المنشود في أكثر من مجال.
في هذا الخصوص، ظل ملف الأموال المنهوبة حاضرا في عديد المناسبات وفي مواقف الدولة في أعلى هرمها، باعتباره واحدا من الملفات التي يرى رئيس الجمهورية قيس سعيد أنها تمس بصورة مباشرة مصالح الدولة وحقوق الشعب.
ولهذا، لم يكن التعاطي مع الملف قائما فقط على المطالبة باستعادة أموال خرجت من خزينة الدولة، بل ارتبط أيضا بتحميل المسؤوليات وبضرورة وضع حد لمسارات أفضت، وفقا للخطاب الرسمي، إلى إهدار جزء من موارد الدولة، لا سيما وأن الأموال المنهوبة تعتبر موارد هامة كان بإمكان الاقتصاد الوطني الاستفادة منها، كما كان بالإمكان أن توجه إلى التنمية.
حق لا يسقط بالتقادم..
وضمن هذه المقاربة، يحضر ملف استرجاع الأموال المنهوبة في خطاب رئيس الدولة قيس سعيد باعتباره حقا للدولة وللشعب لا يسقط بمرور الزمن. وهو طرح عبّر عنه في أكثر من مناسبة، مؤكدا أن الأموال العمومية تظل حقا للتونسيين مهما طال أمد بقائها خارج البلاد، وأن الفرار إلى الخارج أو التعويل على شبكات النفوذ لن يغيّر من توجه الدولة نحو استرجاع هذه الأموال.
وفسر رئيس الدولة، في المقابل، أن هذه المقاربة المعتمدة لا تقوم على الانتقام أو التشفي، وإنما على استعادة الحقوق المشروعة، فالمسألة ترتبط أساسا بحق الدولة في مواردها وبضرورة توظيفها لفائدة التونسيين والتنمية الوطنية.
من الأموال المنهوبة إلى السيادة الاقتصادية
من جانب آخر، تكشف مختلف مواقف رئيس الدولة قيس سعيد من هذا الملف عن رؤية شاملة تتعلق بمفهوم السيادة. والسيادة، وفقا لهذا التوجه، لا تتوقف عند حدود حماية القرار السياسي أو تأمين الحدود، وإنما تمتد إلى مدى قدرة الدولة على التحكم في مواردها والدفاع عنها واستعمالها بما يخدم المصلحة الوطنية.
وفي هذا الاتجاه، يكتسب التحرك التونسي في جنيف بعدا سياسيا هاما. فعندما تطالب تونس الدول المستقبلة للأموال المنهوبة بالتعاون الجدي وعدم التذرع بالعراقيل الإجرائية والقضائية والقانونية، فإنها لا تطرح قضية مالية فحسب، وإنما تثير أيضا مسألة مدى قدرة الدولة على ممارسة حقها في استعادة مواردها عبر مختلف الأطر والقنوات الدولية.
وفي هذا السياق، لم تكتف البعثة التونسية بتجديد مطلب الاسترجاع، بل ربطته بإصلاح النظام المالي الدولي. وهو ما يوسع دائرة النقاش التي انتقلت من علاقة تونس بدولة أو مجموعة دول بحوزتها رؤوس أموال تونسية، إلى علاقة الدول النامية عموما بمنظومة مالية دولية تحتاج، وفقا لما طرحه الموقف التونسي، إلى قدر أكبر من العدالة والإنصاف.
الاسترجاع والتنمية
يربط رئيس الجمهورية قيس سعيد باستمرار بين الموارد الوطنية والتنمية، وبين استعادة الأموال المنهوبة وتوظيفها في خدمة المواطنين. وبالتالي، فإن أهمية الملف تتجاوز المبالغ التي يمكن استرجاعها لتطال الوجهة أو المسار الذي ستتخذه الموارد المسترجعة.
وهذا البعد يكتسي أهمية بالغة، على اعتبار أن تأمين مسار استرجاع الأموال لا ينبغي أن يبقى في مستوى تثمين عودة الأموال إلى الخزينة، وإنما يفترض أن يتحول إلى قيمة اقتصادية وتنموية ملموسة. وهو طرح يستمد مشروعيته من كون البلاد تحتاج إلى موارد لتمويل مشاريعها، ودعم القطاعات الحيوية، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وغيرها من التحديات المطروحة في أكثر من مجال.
وفي هذا السياق، يبقى لملف الأموال المنهوبة علاقة مباشرة بالمشاريع التنموية التي تضعها الدولة ضمن أوكد أولوياتها، لما يمكن أن يتيحه استرجاع هذه الأموال من موارد إضافية تدعم تمويل المشاريع العمومية، وتعزز قدرة الدولة على تنفيذ البرامج التنموية، وتوفير هامش أوسع للاستثمار في القطاعات الحيوية، بما ينعكس على تحسين الخدمات وتقليص الفوارق بين الجهات ودفع عجلة التنمية.
المديونية.. الوجه الآخر للمعادلة
يحمل الربط الذي أقامته البعثة التونسية في جنيف بين استعادة الأموال المنهوبة وإصلاح النظام المالي الدولي ومعالجة المديونية دلالات تتجاوز الملف التونسي.
فتونس تطرح، في هذا الإطار، مسألة تعاني منها دول نامية عديدة، تتمثل في ارتفاع أعباء المديونية وتراجع هامش الحركة المالية أمام الحكومات، مقابل وجود موارد يمكن، في حالات مختلفة، أن تكون خارج الدورة الاقتصادية للدول.
ومن هنا تأتي دعوة تونس إلى إصلاح النظام المالي الدولي وجعله أكثر عدالة، إلى جانب دعم الحق في التنمية وتعزيز التمويلات الموجهة إلى الدول النامية وتيسير نقل التكنولوجيا.
وهذه النقطة تجعل خطاب تونس في جنيف متماهيا في جوهره مع جانب أساسي من التوجه السياسي لرئيس الدولة، والذي يقوم على بناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على موارده، وتقليص الارتهان إلى مصادر التمويل التي تثقل كاهل الدولة، وتعزيز قدرة تونس على تحديد خياراتها التنموية.
الدبلوماسية في مواجهة التعقيدات القانونية
يظل بلوغ الأموال الموجودة في الخارج مسارا معقدا للغاية، بالنظر إلى تعدد الأنظمة القانونية والقضائية وتشعب المسارات المالية التي يمكن أن يمر بها مسار استرجاع الأموال المنهوبة.
وهنا يصبح الدور الدبلوماسي مكملا للدور القضائي، فالدولة تحتاج إلى التعاون مع الدول المعنية، وإلى الاتفاقيات القضائية، وإلى تبادل المعلومات، وإلى متابعة الملفات أمام الجهات المختصة، وإلى بناء قنوات اتصال دائمة تسمح بتجاوز العراقيل التي قد تعترض عمليات الاسترجاع.
وبالتالي، فإن حديث البعثة التونسية عن ضرورة وجود «إرادة سياسية حقيقية» يحمل أهمية خاصة. فالتعاون القانوني يحتاج في النهاية إلى قرار سياسي يدفع المؤسسات إلى العمل ويمنح التعاون الدولي بشأن هذه الملفات زخما متواصلا.
حق الدولة في مواردها
من جهة أخرى، وبعيدا عن موقف البعثة، فإن رئيس الدولة قيس سعيد لطالما أكد، فيما يهم ملف استرجاع الأموال المنهوبة، أن موارد الدولة يجب أن تعود إلى الدولة، وأن المال العام يجب أن يكون موجّها إلى المصلحة العامة.
ويرتبط هذا الطرح بجملة من الملفات الجوهرية التي تعتبر حجر الأساس في بناء الدولة بالنسبة لرئيس الجمهورية، على غرار مكافحة الفساد والمساءلة والعدالة الاجتماعية، حيث لا يمكن فصل الأموال المنهوبة عن المنظومة التي سمحت بخروجها، ولا عن ضرورة محاسبة من ثبتت مسؤوليته، ولا عن حق المجتمع في معرفة مصير موارده.
وفي هذا الاتجاه، يصبح استرجاع الأموال جزءا من معادلة شاملة تتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن. فالمواطن الذي يطالب بتحسين التعليم والصحة والنقل والسكن وتوفير فرص العمل، ينظر في نهاية المطاف إلى هذه الموارد باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن أن تمول هذه القطاعات.
وضمن هذا التمشي، فإن ملف الأموال المنهوبة يحمل أيضا بعدا اجتماعيا، على اعتبار أن الأموال التي تعود إلى الدورة الاقتصادية الوطنية يمكن أن تتحول إلى مشاريع واستثمارات وخدمات، بما يجعل نتائجها تتجاوز الخزينة لتطال الحياة اليومية للمواطنين.
استعادة الأموال.. جزء من معركة شاملة
أعاد الموقف التونسي في جنيف ملف الأموال المنهوبة إلى موقع يتجاوز الحسابات المالية الضيقة. فالمسألة ترتبط بالسيادة، وبالحق في التنمية، وبالعدالة المالية الدولية، وبقدرة الدول النامية على استعادة مواردها وتوظيفها في خدمة شعوبها.
وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد جعل من استعادة الأموال المنهوبة أحد العناوين الثابتة في خطابه، فإن الدبلوماسية التونسية تبدو اليوم بصدد ترجمة هذا الموقف في المحافل الدولية، من خلال ربط الاسترجاع بإصلاح النظام المالي العالمي، وبالمديونية، وبالحق في التنمية.
وبالتالي، تتجلى أهمية الجهود في المرحلة القادمة في توسيع شبكة التعاون الدولي التي يمكن أن تجعل من الاسترجاع مسارا قابلا للإنجاز، وفي تحويل الملف من قضية عالقة منذ سنوات إلى مسار مؤسساتي متواصل.
فالأموال المنهوبة، في نهاية المطاف، ليست مجرد أموال موجودة خارج الحدود، وإنما هي، في التوجه الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد، تمثل جزءا من موارد الدولة وحقا للمجتمع، واستعادتها ترتبط بإعادة الاعتبار لسيادة القرار الاقتصادي وبقدرة تونس على توظيف مواردها في بناء مسار التنمية.
ومن جنيف، تؤكد تونس مرة أخرى أن هذا الملف لن يبقى شأنا داخليا أو قضية مرتبطة بالماضي، وإنما سيظل حاضرا في تحركها الدبلوماسي وفي صلب نقاشاتها حول شكل النظام المالي الدولي الذي تريده أكثر إنصافا للدول النامية وأكثر قدرة على حماية حقوقها الاقتصادية.