إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

  النائب بلجنة المالية والميزانية مسعود قريرة لـ"الصباح": التوجه الأسلم في ظل المستجدات العالمية.. التقليص من الضغط الجبائي والتعويل على الذات

 

 

* جلسة مرتقبة للاستماع إلى وزيرة المالية حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026

 

تونس - الصباح

قال عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، مسعود قريرة، إن الضغط الجبائي في تونس تفاقم كثيرا ليصل إلى حدود 25 بالمائة، مشيرا إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يتواصل، لأنه أثّر سلبا على الاستثمار، ومن ثمّ على التشغيل، والمطلوب من الحكومة، حسب رأيه، إيجاد حلول عاجلة وأخرى على المدى المتوسط والبعيد، في إطار رؤية استراتيجية واضحة.

وأضاف، في تصريح لـ«الصباح»، أن اللجنة توجهت بطلب لعقد جلسة استماع إلى وزيرة المالية حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026، وفي حال تنظيم هذه الجلسة في قادم الأيام، سيتم طرح هذا الموضوع على طاولة النقاش، لأنه قبل أن تقع إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027، على وزيرة المالية أن توضّح للنواب إن كان هناك اتجاه في مشروع ميزانية 2027 للتخفيف من الضغط الجبائي والتقليص من اللجوء إلى الاقتراض، وهل توجد إرادة حقيقية لدى الحكومة للرفع من المداخيل غير الجبائية والتعويل على الذات.

وذكر أنه في إطار قانون المالية لسنة 2026، تم توزيع مداخيل الميزانية على 47 ألف مليون دينار مداخيل جبائية، وهناك قرابة 5 آلاف مليون دينار مداخيل غير جبائية، و28 ألف مليون دينار بين هبات وقروض، وبالتالي فإن ميزانية الدولة تقوم بالأساس على المداخيل الجبائية، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة الضغط الجبائي في تونس مقارنة بغيرها من البلدان.

كما أشار النائب عن كتلة الخط الوطني السيادي إلى أن الحكومة، عندما تؤكد خيار التعويل على الذات، فهذا جيد، لكن يجب عليها بلورة هذا التوجه في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027. وفسر أنه طالما لا يتم البحث عن أفضل السبل للترفيع في المداخيل غير الجبائية، فلا يمكن التقليص من الضغط الجبائي أو الحد من اللجوء إلى الاقتراض.

وبيّن أن التوجه الأسلم في ظل الأوضاع التي تشهدها البلاد على الصعيد الداخلي، وكذلك في ظل الأوضاع المستجدة على الصعيد العالمي، هو التقليص من الضغط الجبائي والتعويل على الذات، وذلك ليس فقط بالحد من سياسة التداين، وإنما بالخصوص عبر تنمية المداخيل غير الجبائية، من خلال مضاعفة الجهود الرامية إلى تحسين عائدات الفسفاط وعائدات استغلال المحروقات، إضافة إلى العائدات المتأتية من العمال التونسيين بالخارج ومن السياحة. وبهذه الكيفية يمكن التخفيض في الضغط الجبائي، ومن ثمّ عدم خنق المؤسسات بإخضاعها للمراجعات الجبائية المعمقة.

 

الأراضي الدولية

وبيّن النائب بلجنة المالية والميزانية، مسعود قريرة، أن ما يمكن ملاحظته في تونس اليوم هو تواصل إهمال الأراضي الدولية، وهذا غير مبرر في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار التعويل على الذات وتريد تحقيق الأمن الغذائي.

وليس هذا فقط، فحتى الأراضي الفلاحية المستغلة، حسب قوله، تراجعت مردوديتها بصفة ملحوظة، ففي باجة والكاف، على سبيل الذكر، تم تسجيل انخفاض كبير في مردودية الهكتار الواحد المخصص لزراعة الشعير، ولكن إلى حد الآن لم يقع القيام بدراسة توضّح الأسباب وتقترح الحلول لتحسين هذه المردودية.

وذكر أن تونس خلال العام الجاري أنتجت 30 بالمائة فقط من حاجياتها من الشعير، وهي بالتالي تلجأ إلى توريد 70 بالمائة من هذه الحاجيات، رغم تسجيل تساقط كميات هامة من الأمطار في الموسم الفلاحي الماضي.

ويظل السؤال المطروح، حسب رأيه، هو: هل يعود سبب تراجع المردودية إلى عوامل طبيعية كالرياح، مثلما يعتقد الكثير من الفلاحين، أم إلى عدم استعداد وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بالكيفية المطلوبة للموسم الزراعي؟ فقد كانت هناك شكاوى كثيرة من التأخير في تمكين الفلاحين من الأسمدة.

ونفس الشيء بالنسبة إلى صابة الزيتون، فإن الإجراءات التي تم اتخاذها جاءت متأخرة، وهي غير كافية، والدليل على ذلك أنه ما زالت هناك كميات هامة من الزيوت مخزنة إلى اليوم، والحال أن البلاد تستعد لجني صابة جديدة.

 

سعر البترول

وأشار مسعود قريرة إلى أنه كان من المفروض على الحكومة أن ترسل إلى مجلس نواب الشعب منذ شهر جويلية الماضي، أي قبل العطلة البرلمانية، تقريرا مفصلا حول مدى التقدم في تنفيذ ميزانية الدولة خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2026، لكنها لم تلتزم بهذا الموعد المنصوص عليه بوضوح صلب القانون الأساسي للميزانية، وليست هذه المرة الأولى التي لا يتم فيها الالتزام بالآجال القانونية.

وبيّن أنه لا يمكن التعلل بالعطلة البرلمانية، لأنه حتى خلال العطلة البرلمانية فإن لجان مجلس نواب الشعب تواصل العمل، وهذا منصوص عليه بالدستور.

وذكر أنه أمام كل هذا التأخير في إحالة التقرير المذكور، إضافة إلى التقرير المتعلق بتوجهات وفرضيات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، ارتأت لجنة المالية والميزانية توجيه دعوة رسمية إلى وزيرة المالية لحضور جلسة استماع إليها حول التقريرين.

وعبّر عن أمله في عقد هذه الجلسة في غضون الأيام القادمة، أي قبل إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على أنظار الغرفتين النيابيتين، لأنه من المهم جدا، حسب رأيه، الاطلاع على توجهات مشروع ميزانية سنة 2027 في ظل استمرار حالة اللايقين التي يشهدها العالم، وتداعيات الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية والدولية، والتغيرات المناخية، وارتفاع السعر العالمي لبرميل النفط.

وبيّن أن هناك حاجة ملحة إلى حوار رصين وصريح وجريء حول عديد المسائل، منها تأثير ارتفاع السعر العالمي لبرميل النفط على صندوق دعم المحروقات، وهل سيتم اللجوء إلى تعديل سعر البنزين أم هناك بدائل.

وأضاف أن السعر العالمي لبرميل النفط تجاوز حاليا المائة دولار، والحال أن السعر المرجعي الذي تم اعتماده من قبل الحكومة عند وضع الفرضيات التي قامت عليها ميزانية الدولة للعام الجاري كان في حدود 63 فاصل 3 دولارا فقط للبرميل.

وأشار إلى أن هذا الارتفاع المهول له تداعيات كبيرة على توازنات الميزانية، وفسر أنه رغم أن الزيادة مرتبطة بعوامل خارجية، فإنها تؤثر على تونس لأنها دولة موردة للمحروقات.

ولاحظ أن الدول الأوروبية تلجأ إلى تعديل سعر المحروقات بصفة آلية كلما ارتفع السعر العالمي لبرميل النفط، لكن لو يقع تطبيق نفس الآلية المعتمدة في تلك الدول في تونس، فإن سعر لتر البنزين في هذه الصورة يمكن أن يصل إلى أربعة دنانير، بالنظر إلى الفرق الكبير بين السعر المرجعي الذي تم توقعه عند إعداد مشروع الميزانية والسعر العالمي الحقيقي لبرميل النفط.

وشدد قريرة على أنه لا يمكن للمواطن التونسي، ولا يمكن للاقتصاد الوطني، أن يتحمل زيادة في سعر المحروقات، وبالتالي لا بد من حلول أخرى، وهو ما سيتم التباحث حوله مع وزيرة المالية.

 

حالة اللايقين

ولاحظ مسعود قريرة، النائب عن كتلة الخط الوطني السيادي، أن ما يدعو إلى الانشغال هو استمرار حالة اللايقين، فالعالم كله يتغير ولا شيء فيه ثابت أو واضح، فهناك تغيرات طبيعية غير متوقعة، وهي تحدث بسرعة رهيبة جدا، ولا أحد يمكنه أن يتوقع ماذا سيحدث في الأشهر أو السنوات المقبلة.

وذكر أن أقدر الخبراء في العالم لا يستطيعون توقع حجم التغيرات المناخية أو كيف ستكون درجات الحرارة في الصائفة القادمة، وهل سيتكرر نفس السيناريو الذي حصل خلال الصائفة الأخيرة؟

وبيّن أنه، إضافة إلى التغيرات الطبيعية، هناك تحولات جيوسياسية كبيرة متوقع حدوثها في العالم، وذكر أنه مهما كان الأمر، فيتعين على الحكومة أن تأخذها بعين الاعتبار عند إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وكذلك في صورة اللجوء إلى إعداد مشروع مالية تعديلي.

ويرى قريرة أن كل شيء وارد، إذ يمكن أن تندلع حرب في أي وقت، ويمكن لأسعار البترول أن تواصل في نسق تصاعدي وتصل إلى مستويات قياسية، وفي هذه الصورة فإن التغيرات الجيوسياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي ستنعكس بالضرورة على تونس، وبالتالي يجب على الحكومة أن تكون جاهزة لجميع الاحتمالات، وتضع السيناريوهات الممكنة، وأن تكون ردة فعلها سريعة ومواكبة للأحداث.

ولاحظ أنه كان من المفروض، منطقيا، تقديم مشروع قانون مالية تعديلي قبل العطلة البرلمانية، لكن هذا لم يحدث إلى اليوم، والحال أن الحرب بين إيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية كانت لها انعكاسات واضحة، وكان جديرا بالحكومة، منذ اندلاع الحرب، التفكير في تقديم مشروع قانون مالية تعديلي، وكان عليها أن تأخذ جميع الاحتياطات الضرورية، خاصة ما تعلق منها بالكهرباء.

وأشار عضو المجلس النيابي إلى أنه بعد المشاكل الناجمة عن انقطاعات الكهرباء التي حدثت في فصل الصيف، فإنه في صورة عدم إقرار إجراءات واضحة صلب مشروع قانون المالية لسنة 2027 لتلافي تكرار حدوث نفس الأزمة في الصيف القادم، فإن المستثمر لن يغامر في المستقبل وسيخاف من الخسائر التي قد يتكبدها في صورة انقطاع الكهرباء بشكل متكرر.

ونبّه من مخاطر تراجع الاستثمار على الاقتصاد الوطني، وبيّن أن ضعف الاستثمار له انعكاسات سلبية على التشغيل، كما يؤثر تراجع الاستثمار على التضخم وعلى مداخيل الدولة من الأداءات.

وخلص النائب مسعود قريرة إلى أنه سيتم طرح عديد الأسئلة الأخرى على وزيرة المالية، وذكر أنه سبق للجنة المالية والميزانية أن طلبت، منذ الدورة النيابية الماضية، عقد جلسة مع الوزيرة ومحافظ البنك المركزي لمناقشة عديد القضايا بجرأة وشجاعة، لكن للأسف الشديد لم تقع الاستجابة إلى هذا الطلب.

ودعا الحكومة إلى مصارحة نواب الشعب بحقيقة الوضع الاقتصادي ووضعية المالية العمومية والتحديات المطروحة، خاصة في علاقة بملف الطاقة، لأن التحول من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة الشمسية لن يحدث بين عشية وضحاها، بل هو مسار طويل.

وقال إنه في انتظار التحول الطاقي، ستكون تونس في حاجة إلى توفير نحو 2000 ميغاواط إضافية لتغطية العجز وتلبية الحاجيات المحتملة من الكهرباء في موسم ذروة الاستهلاك في الصائفة القادمة، وهو ما يتعين على الحكومة أخذه بعين الاعتبار في مشروع قانون المالية.

وذكر أن النواب لا يعرفون بعد ما هي خطة الحكومة لتلافي تكرار ما حدث خلال الأشهر الماضية من انقطاعات كهربائية، فهل إنها ستقوم ببرامج للاقتصاد في الطاقة، أو ستحرص على التخفيف من الاستهلاك بالمؤسسات العمومية، أم ستعمل على الترفيع في الإنتاج؟

وبيّن أنه يفضل اتخاذ إجراءات مدروسة يتم إعدادها في متسع من الوقت، وتكون في إطار رؤية استراتيجية واضحة، على تلك التدخلات التي يتم القيام بها لمعالجة حالات الطوارئ القصوى، لأنها عادة ما تكون متسرعة ولا تؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة.

سعيدة بوهلال

   النائب بلجنة المالية والميزانية مسعود قريرة لـ"الصباح":  التوجه الأسلم في ظل المستجدات العالمية.. التقليص من الضغط الجبائي والتعويل على الذات

 

 

* جلسة مرتقبة للاستماع إلى وزيرة المالية حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026

 

تونس - الصباح

قال عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، مسعود قريرة، إن الضغط الجبائي في تونس تفاقم كثيرا ليصل إلى حدود 25 بالمائة، مشيرا إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يتواصل، لأنه أثّر سلبا على الاستثمار، ومن ثمّ على التشغيل، والمطلوب من الحكومة، حسب رأيه، إيجاد حلول عاجلة وأخرى على المدى المتوسط والبعيد، في إطار رؤية استراتيجية واضحة.

وأضاف، في تصريح لـ«الصباح»، أن اللجنة توجهت بطلب لعقد جلسة استماع إلى وزيرة المالية حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026، وفي حال تنظيم هذه الجلسة في قادم الأيام، سيتم طرح هذا الموضوع على طاولة النقاش، لأنه قبل أن تقع إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027، على وزيرة المالية أن توضّح للنواب إن كان هناك اتجاه في مشروع ميزانية 2027 للتخفيف من الضغط الجبائي والتقليص من اللجوء إلى الاقتراض، وهل توجد إرادة حقيقية لدى الحكومة للرفع من المداخيل غير الجبائية والتعويل على الذات.

وذكر أنه في إطار قانون المالية لسنة 2026، تم توزيع مداخيل الميزانية على 47 ألف مليون دينار مداخيل جبائية، وهناك قرابة 5 آلاف مليون دينار مداخيل غير جبائية، و28 ألف مليون دينار بين هبات وقروض، وبالتالي فإن ميزانية الدولة تقوم بالأساس على المداخيل الجبائية، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة الضغط الجبائي في تونس مقارنة بغيرها من البلدان.

كما أشار النائب عن كتلة الخط الوطني السيادي إلى أن الحكومة، عندما تؤكد خيار التعويل على الذات، فهذا جيد، لكن يجب عليها بلورة هذا التوجه في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027. وفسر أنه طالما لا يتم البحث عن أفضل السبل للترفيع في المداخيل غير الجبائية، فلا يمكن التقليص من الضغط الجبائي أو الحد من اللجوء إلى الاقتراض.

وبيّن أن التوجه الأسلم في ظل الأوضاع التي تشهدها البلاد على الصعيد الداخلي، وكذلك في ظل الأوضاع المستجدة على الصعيد العالمي، هو التقليص من الضغط الجبائي والتعويل على الذات، وذلك ليس فقط بالحد من سياسة التداين، وإنما بالخصوص عبر تنمية المداخيل غير الجبائية، من خلال مضاعفة الجهود الرامية إلى تحسين عائدات الفسفاط وعائدات استغلال المحروقات، إضافة إلى العائدات المتأتية من العمال التونسيين بالخارج ومن السياحة. وبهذه الكيفية يمكن التخفيض في الضغط الجبائي، ومن ثمّ عدم خنق المؤسسات بإخضاعها للمراجعات الجبائية المعمقة.

 

الأراضي الدولية

وبيّن النائب بلجنة المالية والميزانية، مسعود قريرة، أن ما يمكن ملاحظته في تونس اليوم هو تواصل إهمال الأراضي الدولية، وهذا غير مبرر في الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعار التعويل على الذات وتريد تحقيق الأمن الغذائي.

وليس هذا فقط، فحتى الأراضي الفلاحية المستغلة، حسب قوله، تراجعت مردوديتها بصفة ملحوظة، ففي باجة والكاف، على سبيل الذكر، تم تسجيل انخفاض كبير في مردودية الهكتار الواحد المخصص لزراعة الشعير، ولكن إلى حد الآن لم يقع القيام بدراسة توضّح الأسباب وتقترح الحلول لتحسين هذه المردودية.

وذكر أن تونس خلال العام الجاري أنتجت 30 بالمائة فقط من حاجياتها من الشعير، وهي بالتالي تلجأ إلى توريد 70 بالمائة من هذه الحاجيات، رغم تسجيل تساقط كميات هامة من الأمطار في الموسم الفلاحي الماضي.

ويظل السؤال المطروح، حسب رأيه، هو: هل يعود سبب تراجع المردودية إلى عوامل طبيعية كالرياح، مثلما يعتقد الكثير من الفلاحين، أم إلى عدم استعداد وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بالكيفية المطلوبة للموسم الزراعي؟ فقد كانت هناك شكاوى كثيرة من التأخير في تمكين الفلاحين من الأسمدة.

ونفس الشيء بالنسبة إلى صابة الزيتون، فإن الإجراءات التي تم اتخاذها جاءت متأخرة، وهي غير كافية، والدليل على ذلك أنه ما زالت هناك كميات هامة من الزيوت مخزنة إلى اليوم، والحال أن البلاد تستعد لجني صابة جديدة.

 

سعر البترول

وأشار مسعود قريرة إلى أنه كان من المفروض على الحكومة أن ترسل إلى مجلس نواب الشعب منذ شهر جويلية الماضي، أي قبل العطلة البرلمانية، تقريرا مفصلا حول مدى التقدم في تنفيذ ميزانية الدولة خلال الستة أشهر الأولى من سنة 2026، لكنها لم تلتزم بهذا الموعد المنصوص عليه بوضوح صلب القانون الأساسي للميزانية، وليست هذه المرة الأولى التي لا يتم فيها الالتزام بالآجال القانونية.

وبيّن أنه لا يمكن التعلل بالعطلة البرلمانية، لأنه حتى خلال العطلة البرلمانية فإن لجان مجلس نواب الشعب تواصل العمل، وهذا منصوص عليه بالدستور.

وذكر أنه أمام كل هذا التأخير في إحالة التقرير المذكور، إضافة إلى التقرير المتعلق بتوجهات وفرضيات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، ارتأت لجنة المالية والميزانية توجيه دعوة رسمية إلى وزيرة المالية لحضور جلسة استماع إليها حول التقريرين.

وعبّر عن أمله في عقد هذه الجلسة في غضون الأيام القادمة، أي قبل إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على أنظار الغرفتين النيابيتين، لأنه من المهم جدا، حسب رأيه، الاطلاع على توجهات مشروع ميزانية سنة 2027 في ظل استمرار حالة اللايقين التي يشهدها العالم، وتداعيات الأوضاع الجيوسياسية الإقليمية والدولية، والتغيرات المناخية، وارتفاع السعر العالمي لبرميل النفط.

وبيّن أن هناك حاجة ملحة إلى حوار رصين وصريح وجريء حول عديد المسائل، منها تأثير ارتفاع السعر العالمي لبرميل النفط على صندوق دعم المحروقات، وهل سيتم اللجوء إلى تعديل سعر البنزين أم هناك بدائل.

وأضاف أن السعر العالمي لبرميل النفط تجاوز حاليا المائة دولار، والحال أن السعر المرجعي الذي تم اعتماده من قبل الحكومة عند وضع الفرضيات التي قامت عليها ميزانية الدولة للعام الجاري كان في حدود 63 فاصل 3 دولارا فقط للبرميل.

وأشار إلى أن هذا الارتفاع المهول له تداعيات كبيرة على توازنات الميزانية، وفسر أنه رغم أن الزيادة مرتبطة بعوامل خارجية، فإنها تؤثر على تونس لأنها دولة موردة للمحروقات.

ولاحظ أن الدول الأوروبية تلجأ إلى تعديل سعر المحروقات بصفة آلية كلما ارتفع السعر العالمي لبرميل النفط، لكن لو يقع تطبيق نفس الآلية المعتمدة في تلك الدول في تونس، فإن سعر لتر البنزين في هذه الصورة يمكن أن يصل إلى أربعة دنانير، بالنظر إلى الفرق الكبير بين السعر المرجعي الذي تم توقعه عند إعداد مشروع الميزانية والسعر العالمي الحقيقي لبرميل النفط.

وشدد قريرة على أنه لا يمكن للمواطن التونسي، ولا يمكن للاقتصاد الوطني، أن يتحمل زيادة في سعر المحروقات، وبالتالي لا بد من حلول أخرى، وهو ما سيتم التباحث حوله مع وزيرة المالية.

 

حالة اللايقين

ولاحظ مسعود قريرة، النائب عن كتلة الخط الوطني السيادي، أن ما يدعو إلى الانشغال هو استمرار حالة اللايقين، فالعالم كله يتغير ولا شيء فيه ثابت أو واضح، فهناك تغيرات طبيعية غير متوقعة، وهي تحدث بسرعة رهيبة جدا، ولا أحد يمكنه أن يتوقع ماذا سيحدث في الأشهر أو السنوات المقبلة.

وذكر أن أقدر الخبراء في العالم لا يستطيعون توقع حجم التغيرات المناخية أو كيف ستكون درجات الحرارة في الصائفة القادمة، وهل سيتكرر نفس السيناريو الذي حصل خلال الصائفة الأخيرة؟

وبيّن أنه، إضافة إلى التغيرات الطبيعية، هناك تحولات جيوسياسية كبيرة متوقع حدوثها في العالم، وذكر أنه مهما كان الأمر، فيتعين على الحكومة أن تأخذها بعين الاعتبار عند إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وكذلك في صورة اللجوء إلى إعداد مشروع مالية تعديلي.

ويرى قريرة أن كل شيء وارد، إذ يمكن أن تندلع حرب في أي وقت، ويمكن لأسعار البترول أن تواصل في نسق تصاعدي وتصل إلى مستويات قياسية، وفي هذه الصورة فإن التغيرات الجيوسياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي ستنعكس بالضرورة على تونس، وبالتالي يجب على الحكومة أن تكون جاهزة لجميع الاحتمالات، وتضع السيناريوهات الممكنة، وأن تكون ردة فعلها سريعة ومواكبة للأحداث.

ولاحظ أنه كان من المفروض، منطقيا، تقديم مشروع قانون مالية تعديلي قبل العطلة البرلمانية، لكن هذا لم يحدث إلى اليوم، والحال أن الحرب بين إيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية كانت لها انعكاسات واضحة، وكان جديرا بالحكومة، منذ اندلاع الحرب، التفكير في تقديم مشروع قانون مالية تعديلي، وكان عليها أن تأخذ جميع الاحتياطات الضرورية، خاصة ما تعلق منها بالكهرباء.

وأشار عضو المجلس النيابي إلى أنه بعد المشاكل الناجمة عن انقطاعات الكهرباء التي حدثت في فصل الصيف، فإنه في صورة عدم إقرار إجراءات واضحة صلب مشروع قانون المالية لسنة 2027 لتلافي تكرار حدوث نفس الأزمة في الصيف القادم، فإن المستثمر لن يغامر في المستقبل وسيخاف من الخسائر التي قد يتكبدها في صورة انقطاع الكهرباء بشكل متكرر.

ونبّه من مخاطر تراجع الاستثمار على الاقتصاد الوطني، وبيّن أن ضعف الاستثمار له انعكاسات سلبية على التشغيل، كما يؤثر تراجع الاستثمار على التضخم وعلى مداخيل الدولة من الأداءات.

وخلص النائب مسعود قريرة إلى أنه سيتم طرح عديد الأسئلة الأخرى على وزيرة المالية، وذكر أنه سبق للجنة المالية والميزانية أن طلبت، منذ الدورة النيابية الماضية، عقد جلسة مع الوزيرة ومحافظ البنك المركزي لمناقشة عديد القضايا بجرأة وشجاعة، لكن للأسف الشديد لم تقع الاستجابة إلى هذا الطلب.

ودعا الحكومة إلى مصارحة نواب الشعب بحقيقة الوضع الاقتصادي ووضعية المالية العمومية والتحديات المطروحة، خاصة في علاقة بملف الطاقة، لأن التحول من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة الشمسية لن يحدث بين عشية وضحاها، بل هو مسار طويل.

وقال إنه في انتظار التحول الطاقي، ستكون تونس في حاجة إلى توفير نحو 2000 ميغاواط إضافية لتغطية العجز وتلبية الحاجيات المحتملة من الكهرباء في موسم ذروة الاستهلاك في الصائفة القادمة، وهو ما يتعين على الحكومة أخذه بعين الاعتبار في مشروع قانون المالية.

وذكر أن النواب لا يعرفون بعد ما هي خطة الحكومة لتلافي تكرار ما حدث خلال الأشهر الماضية من انقطاعات كهربائية، فهل إنها ستقوم ببرامج للاقتصاد في الطاقة، أو ستحرص على التخفيف من الاستهلاك بالمؤسسات العمومية، أم ستعمل على الترفيع في الإنتاج؟

وبيّن أنه يفضل اتخاذ إجراءات مدروسة يتم إعدادها في متسع من الوقت، وتكون في إطار رؤية استراتيجية واضحة، على تلك التدخلات التي يتم القيام بها لمعالجة حالات الطوارئ القصوى، لأنها عادة ما تكون متسرعة ولا تؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة.

سعيدة بوهلال