إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

للحد من إلقاء الفضلات في المناطق العمرانية.. دعوات لتطبيق القانون على المخالفين

تونس- الصباح

لئن ألقى جل المتضررين من الفيضانات الأخيرة باللائمة على السلطات الجهوية والمحلية وخاصة البلديات والديوان الوطني للتطهير لعدم استعدادها بالشكل المطلوب لأمطار الخريف، فإن هناك من يحمل جانب كبير من مسؤولية الأضرار الناجمة عن سيلان مياه الأمطار للأجوار أنفسهم وأصحاب المحلات الذين يتسللون ليلا في جنح الظلام لسكب الأوساخ وفضلات البناء والأتربة والحشايا المستعملة والأثاث القديم الذي زال الانتفاع به وغيرها من النفايات سواء على قارعة الطريق أو في المناطق البيضاء أو على مقربة من مجاري المياه والأودية متسببين بذلك في تلويث المحيط وغلق قنوات الصرف الصحي. وفي وقت سابق كشفت دراسة قامت بها إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط بوزارة الصحة حول التصرف في المخاطر الصحية المرتبطة بحفظ صحة السكن والمحيط اعتمادا على نتائج معالجة الشكايات ذات العلاقة بالصحة البيئية خلال سنة 2014 أن تراكم الفضلات يأتي في صدارة الأضرار المسجلة من طرف فرق المراقبة الصحية، تليها تباعا وبنسب متفاوتة مشاكل الصرف العشوائي للمياه المستعملة فالروائح الكريهة ثم الضجيج فالتلوث الهوائي ومصادر توالد البعوض والقوارض والقطط والكلاب السائبة فتربية الحيوانات بالمناطق السكنية ثم محطات الهاتف الجوال تليها غياب مياه الشرب وعدم توفر شروط حفظ الصحة فالتصدعات وأخيرا المياه غير المطابقة للمواصفات. 

وقد أسفرت الدراسة آنذاك عن عديد التوصيات لعل أهمها دعوة المصالح الجهوية والمحلية إلى متابعة شكايات المواطنين والتأكد من معالجتها ومن تحقق الهدف الرئيسي منها وهو التخلص من المخاطر والأضرار التي تمت معاينتها والحد منها بالتنسيق مع الشاكي نفسه، لكن تلك التوصيات لم تفعل بالشكل المطلوب مثلها مثل العديد من المقترحات التي تم تقديمها من قبل المجتمع المدني خاصة الجمعيات الناشطة في مجال النظافة والعناية بالبيئة، كما ساهم الإفلات من العقاب خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في مزيد تدهور الوضع البيئي بأغلب الأحياء خاصة الأحياء الشعبية الكبرى وذات الكثافة السكانية المرتفعة في الوقت الذي توجد فيه ترسانة من النصوص القانونية التي تتضمن عقوبات صارمة.

 

عقوبات زجرية

 وأمام تدهور وضعية نظافة المحيط تعالت أصوات العديد من المواطنين والنواب مؤخرا من جديد للمطالبة بتفعيل هذه النصوص بالشكل المطلوب ومعاقبة كل من تسول له نفسه مخالفة تراتيب حفظ الصحة وسلامة المحيط وهناك منهم من اقترح تشديد العقوبات.  

ويذكر في هذا السياق أن القانون عدد 59 لسنة 2006 المؤرخ في 14 أوت 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية نص على عديد العقوبات وتم تنقيح هذا القانون في أكثر من مناسبة رغبة في تجاوز الثغرات التي من شأنها أن تحول دون تحقيق أهدافه الأساسية. إذ تكفي الإشارة إلى أن الفصل 10 ثالثا من القانون عدد 30 لسنة 2016 المؤرخ في 5 أفريل 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 59 لسنة 2006 المؤرخ في 14 أوت 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية قد نص على أن يعاقب بخطية تتراوح بين ثلاثمائة دينار إلى ألف دينار كل مرتكب لإحدى الجنح التالية ما لم تكن مشمولة بعقوبات واردة بنصوص قانونية خاصة :

ـ الإلقاء العشوائي للفضلات المشابهة للفضلات المنزلية والمتأتية من المؤسسات والمنشآت والمحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية أو السياحية أو وضعها في أوعية لا تستجيب للمواصفات المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية أو في الأماكن غير المخصصة لها.

ـ تلويث الأرصفة أو الطرقات أو الساحات العمومية من جراء تصريف المياه المستعملة من المحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية أو المعدة للسكنى أو الإدارية.

ـ ترك أثاث أو معدات زال الانتفاع بها أو هياكل مختلف وسائل النقل بالأرصفة أو بالطرقات أو بالساحات أو الحدائق العمومية أو بالأراضي غير المبنية أو بمجاري المياه والأودية والشواطئ.

ـ إلقاء الأتربة وفضلات البناء والحدائق مهما كان حجمها بالأماكن غير المخصصة لها من قبل الجماعة المحلية المعنية.

ـ إتلاف الحاويات أو السلات الحائطية للفضلات الموضوعة في الأماكن العمومية.

ـ عدم تنظيف أرض غير مبنية من قبل مالكها أو المتصرف فيها حسب الحال.

ـ عدم تسييج أرض غير مبنية من قبل مالكها في الأجل المحدد بقرار رخصة البناء أو بالقرار الإلزامي بالتسييج إذا تبين أنها أصبحت مصبا للفضلات. ويصدر قرار التسييج الإلزامي مع تحمل المخالف معاليم الترخيص في البناء الموجبة لتنفيذ قرار التسييج الإلزامي.

ـ تربية الحيوانات لغاية تجارية داخل المحلات السكنية مما يتسبب في تكاثر الحشرات وإزعاج راحة الأجوار أو العموم أو الإضرار بهم. ويراعى في ذلك عدد الحيوانات وأهمية المساحة المستغلة وتأثيرهما على الوضع البيئي.

ـ عدم توفير وصيانة وتنظيف المركبات الصحية داخل المحلات لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية طبقا للشروط الصحية المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية أو استغلالها في أغراض أخرى أو تعمد غلقها في وجه مرتادي المحلات المذكورة.

ـ عدم احترام الشروط الصحية بالمحلات المفتوحة للعموم والمتعلقة بالخدمات المسداة بالنزل والحمامات وقاعات الحلاقة والتجميل والتمسيد وقاعات الأفراح وغيرها.

ـ عدم تخصيص حاويات مهيأة للغرض داخل المحلات المفتوحة للعموم كالمقاهي والمطاعم والنزل وغيرها.

ـ نقل أو عرض أو بيع أو خزن المواد الغذائية بوسائل أو في ظروف لا تستجيب للشروط الصحية المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية. ويقع الإذن بالحجز الفوري لتلك المواد بقرار من رئيس الجماعة المحلية.

ـ الإضرار بالمساحات المزروعة داخل الحدائق أو المنتزهات العمومية أو المناطق الخضراء.

ـ استعمال المساحات المزروعة داخل الحدائق أو المنتزهات العمومية أو المناطق الخضراء لنشاط تجاري أو صناعي أو غيره دون ترخيص أو التسبب في حرق وإتلاف المزروعات.

ـ إحداث أي نوع من الضجيج أو الضوضاء المتأتي من المحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية المنتصبة بالتجمعات السكنية أو من المحلات المعدة للسكنى أو من قاعات الأفراح في غير الأوقات المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية.

ـ حرق الفضلات بمختلف أنواعها.

ـ عدم توفر الشروط الصحية للمداخن بالمحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية كالمطاعم والحمامات وغيرها أو فقدانها أو وجود خلل بها.

ـ التسبب في انبعاث روائح كريهة من أنشطة صناعية أو غيرها.

ـ إزالة أغطية البالوعات.

ـ الإضرار بقنوات تصريف مياه الشرب أو المياه المستعملة أو مياه الأمطار.

ـ رمي الفضلات بمجاري المياه والأودية.

ـ عدم احترام التدابير اللازمة للمحافظة على الجمالية الحضرية والعمرانية والبيئية وتراتيب البناء بالشوارع والساحات والفضاءات العمومية والخاصة.

وعلاوة على العقوبات المشار إليها يمكن للمحكمة إلزام مرتكب إحدى الجنح المذكورة بإزالة المضرة على نفقته والإذن بالحجز أو غلق المحل مكان ارتكاب المخالفة وفي صورة العود يتم الحكم بضعف العقوبة المستوجبة. 

 

مبادرة تشريعية 

وفي إطار اهتمامها بالبيئة، ناقشت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة التي يرأسها محمد أمين المباركي عضو مجلس نواب الشعب قبل العطلة البرلمانية مقترح قانون يتعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، وهو مقترح تم تقديمه منذ شهر جويلية 2025 من قبل مجموعة من النواب في مقدمتهم سيرين المرابط وتضمن بالخصوص آلية جديدة تتيح للمواطنين التبليغ عن المخالفات مع تقديم منح رمزية للمبلغين . وجاء في محضر اجتماع اللجنة المنعقد يوم الاثنين 13 أفريل 2026 للاستماع إلى ممثلي جهة المبادرة، أن أصحاب مقترح القانون المتعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، بينوا أن مقترحهم يأتي في ظل غياب مجلة البيئة وأمام ما تشهده عديد الجهات في البلاد من تدهور متسارع في نظافة الفضاءات العامة نتيجة الانتشار العشوائي للفضلات المنزلية والبلاستيكية والعضوية والصناعية، وهو ما أفرز وضعا بيئيا وصحيا مقلقا يهدّد جودة الحياة ويضعف جاذبية المجال الحضري ويثقل كاهل البلديات والمجتمع. وأكّدوا أهمية مقترح القانون المكرّس للفصل 45 من الدستور الذي ينص على أن الدولة تضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمشاركة في المحافظة عليها، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة، والممارسات المقارنة التي أظهرت فعالية واضحة في تطبيق قوانين حماية نظافة الفضاء العام. وأشاروا إلى ضرورة تحيين المجلة الجزائية بقانون خاص أكثر صرامة إلى حين إصدار مجلة بيئية شاملة. وتطرّقوا إلى مضامين مقترح القانون المتمثلة من ناحية في إلزام الدولة بتوفير الحاويات والإمكانيات الضرورية، وبإلزام المواطن عبر التوعية وعبر تسليط العقوبات المالية على المخالفين، وإطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة، وتطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص من الفضلات في إطار احترام القانون وتشريك الشباب والمجتمع المدني في الرقابة والتوعية. وأشار أصحاب مقترح القانون إلى أهمية حث المواطنين على التبليغ عن المخالفات عبر تطبيق إلكتروني كآلية جديدة تضمّنها نص المقترح بخصوص طريقة التبليغ إلى جانب معاينة المخالفات وتحرير المحاضر الفورية من قبل أعوان السلط المخوّلين لذلك. وأبرزوا تكامل الجانب الردعي مع الجانب التوعوي في هذه المبادرة التشريعية. كما أكّدوا أن مسؤولية النظافة هي مسؤولية مشتركة تبدأ بضرورة توفير الحاويات في الأماكن المخصّصة لذلك في مختلف الفضاءات العامة، وأشاروا إلى أنه قد يصعب إيجاد حل لإشكال النظافة رغم توفير الإمكانيات وتسخير الموارد المالية اللازمة في حالة عدم التجاوب مع أحكام مقترح القانون من خلال بعض السلوكيات غير الحضارية من إلقاء الفضلات في الأماكن العامة. وبينوا أن تكثيف حملات التوعية لا يحول دون البحث عن حلول لتثمين الفضلات في ظل نقص توفير المصبات المخصصة.

كما جاء في محضر جلسة لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة أنه خلال نقاش المبادرة التشريعية المتعلقة بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، أكد النواب على أهمية هذه المبادرة كخطوة أساسية نحو حماية البيئة والصحة العامة خاصة في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تعيشها تونس. ولاحظوا أن مقترح القانون يحمل توجها إيجابيا من خلال اعتماده على مقاربة تجمع بين الردع عبر العقوبات والتوعية من خلال ترسيخ الثقافة البيئية المسؤولة وهو ما من شأنه أن يساهم في تغيير السلوكيات السلبية بشكل تدريجي ومستدام. وأشاروا إلى إمكانية تخصيص حاويات للنفايات الخاصة في الفضاءات العامة كطريقة للفرز الانتقائي من المصدر. ولاحظ بعض النواب أن القانون عدد 30 لسنة 2016 المنقح والمتمم للقانون عدد 59 لسنة 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية، تضمّن خطايا مالية وإجراءات ردعية لضمان النظافة. وتساءلوا عن عدم السعي إلى تنقيح هذا القانون في اتجاه الرفع من عدد أعوان الضابطة العدلية بالبلديات وتوفير الإمكانيات اللازمة على غرار تركيز كاميرات مراقبة لتفادي إشكاليات عدم تطبيق هذا القانون. وأكّدوا ضرورة سنّ قوانين تتناول طرق التصرف في مخرجات عمليات تثمين الفضلات. وأشاروا إلى أهمية تحديد وضبط بعض المفاهيم المضمّنة بمقترح القانون كإلزام المخالف بالمشاركة في تنظيف الفضاء العمومي. وتساءلوا عن آليات الإلزام الممكنة. وتحفّظ النواب عن ضعف الغرامات المالية المقترحة كعقوبات بخصوص المخالفات الخطيرة كرمي النفايات الطبية والصناعية والالكترونية وتلويث مصادر المياه أو الحدائق العامة.

وفي تفاعلهم مع تدخلات النواب عبّر ممثلو جهة المبادرة عن انفتاحهم على كل المقترحات لتحسين وتجويد صياغة مقترح القانون. وأكّدوا أن من أهداف مقترح القانون تتمثل في ترسيخ مبدأ حماية الفضاء العام كحق جماعي للمواطنين، وإرساء عقوبات مالية وتربوية بصفة تدريجية تتناسب مع نوع الجرم وقابلة للتنفيذ إلى جانب تشجيع العمل التطوعي والبدائل الإيجابية مثل خدمة المصلحة العامة عوضا عن السجن أو الخطايا الباهظة. وتمّ في نهاية الجلسة الاتفاق على النظر في التوصيات المقترحة من قبل النواب ومنها أن يقع إدماج مقترح هذا القانون مع مقترح قانون آخر يتعلق بمكافحة جرائم الاعتداء على البيئة والمقارنة مع أحكام القانون عدد 30 لسنة 2016 المنقح والمتمم للقانون عدد 59 لسنة 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية، والتوجه نحو تنقيح القانون في إطار عمل تشاركي يخدم المصلحة العليا للوطن ويحقق جودة العمل التشريعي.

سعيدة بوهلال

 

 

للحد من إلقاء الفضلات في المناطق العمرانية.. دعوات لتطبيق القانون على المخالفين

تونس- الصباح

لئن ألقى جل المتضررين من الفيضانات الأخيرة باللائمة على السلطات الجهوية والمحلية وخاصة البلديات والديوان الوطني للتطهير لعدم استعدادها بالشكل المطلوب لأمطار الخريف، فإن هناك من يحمل جانب كبير من مسؤولية الأضرار الناجمة عن سيلان مياه الأمطار للأجوار أنفسهم وأصحاب المحلات الذين يتسللون ليلا في جنح الظلام لسكب الأوساخ وفضلات البناء والأتربة والحشايا المستعملة والأثاث القديم الذي زال الانتفاع به وغيرها من النفايات سواء على قارعة الطريق أو في المناطق البيضاء أو على مقربة من مجاري المياه والأودية متسببين بذلك في تلويث المحيط وغلق قنوات الصرف الصحي. وفي وقت سابق كشفت دراسة قامت بها إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط بوزارة الصحة حول التصرف في المخاطر الصحية المرتبطة بحفظ صحة السكن والمحيط اعتمادا على نتائج معالجة الشكايات ذات العلاقة بالصحة البيئية خلال سنة 2014 أن تراكم الفضلات يأتي في صدارة الأضرار المسجلة من طرف فرق المراقبة الصحية، تليها تباعا وبنسب متفاوتة مشاكل الصرف العشوائي للمياه المستعملة فالروائح الكريهة ثم الضجيج فالتلوث الهوائي ومصادر توالد البعوض والقوارض والقطط والكلاب السائبة فتربية الحيوانات بالمناطق السكنية ثم محطات الهاتف الجوال تليها غياب مياه الشرب وعدم توفر شروط حفظ الصحة فالتصدعات وأخيرا المياه غير المطابقة للمواصفات. 

وقد أسفرت الدراسة آنذاك عن عديد التوصيات لعل أهمها دعوة المصالح الجهوية والمحلية إلى متابعة شكايات المواطنين والتأكد من معالجتها ومن تحقق الهدف الرئيسي منها وهو التخلص من المخاطر والأضرار التي تمت معاينتها والحد منها بالتنسيق مع الشاكي نفسه، لكن تلك التوصيات لم تفعل بالشكل المطلوب مثلها مثل العديد من المقترحات التي تم تقديمها من قبل المجتمع المدني خاصة الجمعيات الناشطة في مجال النظافة والعناية بالبيئة، كما ساهم الإفلات من العقاب خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير في مزيد تدهور الوضع البيئي بأغلب الأحياء خاصة الأحياء الشعبية الكبرى وذات الكثافة السكانية المرتفعة في الوقت الذي توجد فيه ترسانة من النصوص القانونية التي تتضمن عقوبات صارمة.

 

عقوبات زجرية

 وأمام تدهور وضعية نظافة المحيط تعالت أصوات العديد من المواطنين والنواب مؤخرا من جديد للمطالبة بتفعيل هذه النصوص بالشكل المطلوب ومعاقبة كل من تسول له نفسه مخالفة تراتيب حفظ الصحة وسلامة المحيط وهناك منهم من اقترح تشديد العقوبات.  

ويذكر في هذا السياق أن القانون عدد 59 لسنة 2006 المؤرخ في 14 أوت 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية نص على عديد العقوبات وتم تنقيح هذا القانون في أكثر من مناسبة رغبة في تجاوز الثغرات التي من شأنها أن تحول دون تحقيق أهدافه الأساسية. إذ تكفي الإشارة إلى أن الفصل 10 ثالثا من القانون عدد 30 لسنة 2016 المؤرخ في 5 أفريل 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 59 لسنة 2006 المؤرخ في 14 أوت 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية قد نص على أن يعاقب بخطية تتراوح بين ثلاثمائة دينار إلى ألف دينار كل مرتكب لإحدى الجنح التالية ما لم تكن مشمولة بعقوبات واردة بنصوص قانونية خاصة :

ـ الإلقاء العشوائي للفضلات المشابهة للفضلات المنزلية والمتأتية من المؤسسات والمنشآت والمحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية أو السياحية أو وضعها في أوعية لا تستجيب للمواصفات المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية أو في الأماكن غير المخصصة لها.

ـ تلويث الأرصفة أو الطرقات أو الساحات العمومية من جراء تصريف المياه المستعملة من المحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية أو المعدة للسكنى أو الإدارية.

ـ ترك أثاث أو معدات زال الانتفاع بها أو هياكل مختلف وسائل النقل بالأرصفة أو بالطرقات أو بالساحات أو الحدائق العمومية أو بالأراضي غير المبنية أو بمجاري المياه والأودية والشواطئ.

ـ إلقاء الأتربة وفضلات البناء والحدائق مهما كان حجمها بالأماكن غير المخصصة لها من قبل الجماعة المحلية المعنية.

ـ إتلاف الحاويات أو السلات الحائطية للفضلات الموضوعة في الأماكن العمومية.

ـ عدم تنظيف أرض غير مبنية من قبل مالكها أو المتصرف فيها حسب الحال.

ـ عدم تسييج أرض غير مبنية من قبل مالكها في الأجل المحدد بقرار رخصة البناء أو بالقرار الإلزامي بالتسييج إذا تبين أنها أصبحت مصبا للفضلات. ويصدر قرار التسييج الإلزامي مع تحمل المخالف معاليم الترخيص في البناء الموجبة لتنفيذ قرار التسييج الإلزامي.

ـ تربية الحيوانات لغاية تجارية داخل المحلات السكنية مما يتسبب في تكاثر الحشرات وإزعاج راحة الأجوار أو العموم أو الإضرار بهم. ويراعى في ذلك عدد الحيوانات وأهمية المساحة المستغلة وتأثيرهما على الوضع البيئي.

ـ عدم توفير وصيانة وتنظيف المركبات الصحية داخل المحلات لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية طبقا للشروط الصحية المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية أو استغلالها في أغراض أخرى أو تعمد غلقها في وجه مرتادي المحلات المذكورة.

ـ عدم احترام الشروط الصحية بالمحلات المفتوحة للعموم والمتعلقة بالخدمات المسداة بالنزل والحمامات وقاعات الحلاقة والتجميل والتمسيد وقاعات الأفراح وغيرها.

ـ عدم تخصيص حاويات مهيأة للغرض داخل المحلات المفتوحة للعموم كالمقاهي والمطاعم والنزل وغيرها.

ـ نقل أو عرض أو بيع أو خزن المواد الغذائية بوسائل أو في ظروف لا تستجيب للشروط الصحية المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية. ويقع الإذن بالحجز الفوري لتلك المواد بقرار من رئيس الجماعة المحلية.

ـ الإضرار بالمساحات المزروعة داخل الحدائق أو المنتزهات العمومية أو المناطق الخضراء.

ـ استعمال المساحات المزروعة داخل الحدائق أو المنتزهات العمومية أو المناطق الخضراء لنشاط تجاري أو صناعي أو غيره دون ترخيص أو التسبب في حرق وإتلاف المزروعات.

ـ إحداث أي نوع من الضجيج أو الضوضاء المتأتي من المحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية المنتصبة بالتجمعات السكنية أو من المحلات المعدة للسكنى أو من قاعات الأفراح في غير الأوقات المحددة من قبل الجماعة المحلية المعنية.

ـ حرق الفضلات بمختلف أنواعها.

ـ عدم توفر الشروط الصحية للمداخن بالمحلات المعدة لممارسة الأنشطة التجارية أو الحرفية كالمطاعم والحمامات وغيرها أو فقدانها أو وجود خلل بها.

ـ التسبب في انبعاث روائح كريهة من أنشطة صناعية أو غيرها.

ـ إزالة أغطية البالوعات.

ـ الإضرار بقنوات تصريف مياه الشرب أو المياه المستعملة أو مياه الأمطار.

ـ رمي الفضلات بمجاري المياه والأودية.

ـ عدم احترام التدابير اللازمة للمحافظة على الجمالية الحضرية والعمرانية والبيئية وتراتيب البناء بالشوارع والساحات والفضاءات العمومية والخاصة.

وعلاوة على العقوبات المشار إليها يمكن للمحكمة إلزام مرتكب إحدى الجنح المذكورة بإزالة المضرة على نفقته والإذن بالحجز أو غلق المحل مكان ارتكاب المخالفة وفي صورة العود يتم الحكم بضعف العقوبة المستوجبة. 

 

مبادرة تشريعية 

وفي إطار اهتمامها بالبيئة، ناقشت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة التي يرأسها محمد أمين المباركي عضو مجلس نواب الشعب قبل العطلة البرلمانية مقترح قانون يتعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، وهو مقترح تم تقديمه منذ شهر جويلية 2025 من قبل مجموعة من النواب في مقدمتهم سيرين المرابط وتضمن بالخصوص آلية جديدة تتيح للمواطنين التبليغ عن المخالفات مع تقديم منح رمزية للمبلغين . وجاء في محضر اجتماع اللجنة المنعقد يوم الاثنين 13 أفريل 2026 للاستماع إلى ممثلي جهة المبادرة، أن أصحاب مقترح القانون المتعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، بينوا أن مقترحهم يأتي في ظل غياب مجلة البيئة وأمام ما تشهده عديد الجهات في البلاد من تدهور متسارع في نظافة الفضاءات العامة نتيجة الانتشار العشوائي للفضلات المنزلية والبلاستيكية والعضوية والصناعية، وهو ما أفرز وضعا بيئيا وصحيا مقلقا يهدّد جودة الحياة ويضعف جاذبية المجال الحضري ويثقل كاهل البلديات والمجتمع. وأكّدوا أهمية مقترح القانون المكرّس للفصل 45 من الدستور الذي ينص على أن الدولة تضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمشاركة في المحافظة عليها، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة، والممارسات المقارنة التي أظهرت فعالية واضحة في تطبيق قوانين حماية نظافة الفضاء العام. وأشاروا إلى ضرورة تحيين المجلة الجزائية بقانون خاص أكثر صرامة إلى حين إصدار مجلة بيئية شاملة. وتطرّقوا إلى مضامين مقترح القانون المتمثلة من ناحية في إلزام الدولة بتوفير الحاويات والإمكانيات الضرورية، وبإلزام المواطن عبر التوعية وعبر تسليط العقوبات المالية على المخالفين، وإطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة، وتطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص من الفضلات في إطار احترام القانون وتشريك الشباب والمجتمع المدني في الرقابة والتوعية. وأشار أصحاب مقترح القانون إلى أهمية حث المواطنين على التبليغ عن المخالفات عبر تطبيق إلكتروني كآلية جديدة تضمّنها نص المقترح بخصوص طريقة التبليغ إلى جانب معاينة المخالفات وتحرير المحاضر الفورية من قبل أعوان السلط المخوّلين لذلك. وأبرزوا تكامل الجانب الردعي مع الجانب التوعوي في هذه المبادرة التشريعية. كما أكّدوا أن مسؤولية النظافة هي مسؤولية مشتركة تبدأ بضرورة توفير الحاويات في الأماكن المخصّصة لذلك في مختلف الفضاءات العامة، وأشاروا إلى أنه قد يصعب إيجاد حل لإشكال النظافة رغم توفير الإمكانيات وتسخير الموارد المالية اللازمة في حالة عدم التجاوب مع أحكام مقترح القانون من خلال بعض السلوكيات غير الحضارية من إلقاء الفضلات في الأماكن العامة. وبينوا أن تكثيف حملات التوعية لا يحول دون البحث عن حلول لتثمين الفضلات في ظل نقص توفير المصبات المخصصة.

كما جاء في محضر جلسة لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة أنه خلال نقاش المبادرة التشريعية المتعلقة بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، أكد النواب على أهمية هذه المبادرة كخطوة أساسية نحو حماية البيئة والصحة العامة خاصة في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تعيشها تونس. ولاحظوا أن مقترح القانون يحمل توجها إيجابيا من خلال اعتماده على مقاربة تجمع بين الردع عبر العقوبات والتوعية من خلال ترسيخ الثقافة البيئية المسؤولة وهو ما من شأنه أن يساهم في تغيير السلوكيات السلبية بشكل تدريجي ومستدام. وأشاروا إلى إمكانية تخصيص حاويات للنفايات الخاصة في الفضاءات العامة كطريقة للفرز الانتقائي من المصدر. ولاحظ بعض النواب أن القانون عدد 30 لسنة 2016 المنقح والمتمم للقانون عدد 59 لسنة 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية، تضمّن خطايا مالية وإجراءات ردعية لضمان النظافة. وتساءلوا عن عدم السعي إلى تنقيح هذا القانون في اتجاه الرفع من عدد أعوان الضابطة العدلية بالبلديات وتوفير الإمكانيات اللازمة على غرار تركيز كاميرات مراقبة لتفادي إشكاليات عدم تطبيق هذا القانون. وأكّدوا ضرورة سنّ قوانين تتناول طرق التصرف في مخرجات عمليات تثمين الفضلات. وأشاروا إلى أهمية تحديد وضبط بعض المفاهيم المضمّنة بمقترح القانون كإلزام المخالف بالمشاركة في تنظيف الفضاء العمومي. وتساءلوا عن آليات الإلزام الممكنة. وتحفّظ النواب عن ضعف الغرامات المالية المقترحة كعقوبات بخصوص المخالفات الخطيرة كرمي النفايات الطبية والصناعية والالكترونية وتلويث مصادر المياه أو الحدائق العامة.

وفي تفاعلهم مع تدخلات النواب عبّر ممثلو جهة المبادرة عن انفتاحهم على كل المقترحات لتحسين وتجويد صياغة مقترح القانون. وأكّدوا أن من أهداف مقترح القانون تتمثل في ترسيخ مبدأ حماية الفضاء العام كحق جماعي للمواطنين، وإرساء عقوبات مالية وتربوية بصفة تدريجية تتناسب مع نوع الجرم وقابلة للتنفيذ إلى جانب تشجيع العمل التطوعي والبدائل الإيجابية مثل خدمة المصلحة العامة عوضا عن السجن أو الخطايا الباهظة. وتمّ في نهاية الجلسة الاتفاق على النظر في التوصيات المقترحة من قبل النواب ومنها أن يقع إدماج مقترح هذا القانون مع مقترح قانون آخر يتعلق بمكافحة جرائم الاعتداء على البيئة والمقارنة مع أحكام القانون عدد 30 لسنة 2016 المنقح والمتمم للقانون عدد 59 لسنة 2006 المتعلق بمخالفة تراتيب حفظ الصحة والنظافة العامة بالمناطق الراجعة للجماعات المحلية، والتوجه نحو تنقيح القانون في إطار عمل تشاركي يخدم المصلحة العليا للوطن ويحقق جودة العمل التشريعي.

سعيدة بوهلال