حصدت مسرحية "جرس" من إنتاج المسرح الوطني التونسي أربع جوائز في اختتام الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي بالأردن، تمثلت في جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل، وجائزة أفضل إخراج للمخرج عاصم بالتوهامي، وجائزة أفضل ديكور لإيهاب مندرة، وجائزة أفضل موسيقى لهاني بالحمادي، لتسجل بذلك أول تتويج رسمي للعمل وأول مشاركة دولية له منذ انطلاق عروضه في تونس. وانتظمت الدورة من 12 إلى 18 سبتمبر 2026 بمركز الملك عبد الله الثاني الثقافي بالزرقاء، بمشاركة عدد من العروض العربية، وترأس لجنة التحكيم الفنان والمخرج السوري زيناتي قدسية، وضمت في عضويتها الدكتورة نجوى قندقجي من الأردن والمخرج عادل حسان من مصر.
إيمان عبد اللطيف
ويأتي هذا التتويج بعد نحو عام من تقديم "جرس": عرضها "ما قبل الأول" في أكتوبر 2025 بقاعة الفن الرابع بتونس، قبل أن تواصل عروضها محليا وتنتقل إلى الأردن في أول خروج لها إلى مهرجان خارج تونس، وهو ما يجعل المحطة الأردنية جزءا مبكرا من مسار العمل، سواء من حيث التفاعل مع الجمهور أو من حيث النقاش النقدي الذي رافق العرض.
وتقوم "جرس" على نص مشترك بين محمد شوقي خوجة وعاصم بالتوهامي، الذي تولى أيضا الإخراج والدراماتورجيا والسينوغرافيا، فيما أسندت مهمة مساعد المخرج إلى خليل بن حريز، ووضع مروان الروين الكوريغرافيا وشارك في الأداء إلى جانب سنية زرق عيونه وعبد الكريم البناني ورضا جاب الله. وصمم إيهاب مندرة الديكور الذي نفذه منير بن يوسف، بينما وضع هاني بالحمادي الموسيقى الخاصة بالعرض. وتدور أحداث المسرحية، التي تمتد لنحو سبعين دقيقة، في ليلة استثنائية وعشاء يجمع عددا من الضيوف، قبل أن يتحول هذا اللقاء إلى فضاء لاستحضار الماضي ومواجهة أسئلة تتصل بالحياة والموت والوعي واللاوعي وهشاشة الوجود الإنساني. ولا تعتمد المسرحية في تقديم هذه الأسئلة على حكاية واقعية متسلسلة، وإنما تبني عالمها من خلال تداخل الحوار مع الصورة والحركة والصوت والسينوغرافيا، بما يترك للمتفرج مساحة للتأويل ولا يفرض عليه قراءة واحدة للعمل.
وقد شكل هذا الجانب إحدى النقاط الأساسية في النقاشات النقدية التي رافقت مشاركة "جرس" في مهرجان صيف الزرقاء، حيث تناول نقاد ومسرحيون عرب طبيعة اللغة التي اختارها العرض وعلاقتها بموضوعه. وفي هذا السياق، توقف الإعلامي والناقد المسرحي الأردني رسمي محاسنة عند الأسئلة التي يطرحها العمل، وربطها بمناطق الفقد والنسيان والخوف والاقتلاع وما تتركه التجارب السابقة في داخل الإنسان. وبرز في قراءته الجانب الوجودي للمسرحية، باعتبار أن الشخصيات لا تواجه أحداثا خارجية فقط، وإنما تجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالذاكرة والمصير والهشاشة الإنسانية. وهذه القراءة تلتقي مع طبيعة البناء الدرامي لـ"جرس"، الذي لا يسعى إلى تفسير كل ما يحدث على الركح، وإنما يترك بعض المساحات مفتوحة أمام المتلقي.
أما الباحث والمخرج المسرحي الأردني مخلد الزيودي، فقد ركز في قراءته على الجانب البصري في التجربة وعلى دور الجسد والفضاء في إنتاج المعنى، وهي نقطة تحضر بوضوح في العرض من خلال الكوريغرافيا التي وضعها مروان الروين. فالحركة في "جرس" لا تأتي باعتبارها عنصرا جماليا مضافا إلى الأداء، وإنما تدخل في التعبير عن الحالات الداخلية للشخصيات، خصوصا في اللحظات التي يصبح فيها الجسد أكثر قدرة من الكلام على نقل التوتر أو الخوف أو الارتباك. ومن جانبه، تناول الفنان والناقد الفلسطيني أسامة المصري العلاقة بين الممثل والفضاء المسرحي، وهي علاقة أساسية في العرض بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الديكور والسينوغرافيا في تشكيل عالم الشخصيات. فالفضاء لا يبقى مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في بناء الصورة المسرحية وفي تحديد علاقة الشخصيات بما يحيط بها. كما شارك الدكتور عز الدين هربوك في إدارة بعض الجلسات النقدية والتعقيبية التي ناقشت العروض المشاركة، ضمن برنامج رافق العروض المسرحية وفتح المجال أمام قراءات مختلفة للتجارب المقدمة.
وبالنسبة إلى "جرس"، تركز النقاش حول طبيعة بنائها البصري، وكيفية توظيف النص والجسد والموسيقى والفضاء في صياغة المعنى، وهي عناصر تبدو مترابطة داخل العرض ولا تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. ويظهر ذلك أيضا في طبيعة الجوائز التي حصلت عليها المسرحية، إذ لم تقتصر النتيجة على جائزة أفضل عمل متكامل، وإنما شملت الإخراج والديكور والموسيقى، أي عناصر تدخل مباشرة في تشكيل العرض وصورته النهائية. ويعكس ذلك جانبا من طبيعة الاشتغال الجماعي الذي قام عليه العمل، حيث تتقاطع رؤية المخرج والدراماتورج مع أداء الممثلين والكوريغرافيا والسينوغرافيا والموسيقى، دون أن يفقد كل عنصر خصوصيته داخل البناء العام.
ويأتي الديكور الذي صممه إيهاب مندرة في مقدمة العناصر التي حظيت بالتقدير، إلى جانب الموسيقى التي وضعها هاني بالحمادي، فيما يساهم الأداء الحركي في توسيع مساحة التعبير خارج الحوار. ويبدو هذا الخيار منسجما مع طبيعة "جرس" التي تعتمد على التكثيف أكثر من اعتمادها على تعدد الأحداث، إذ لا تتجاوز مدة العرض سبعين دقيقة، وهي فترة يتم خلالها الانتقال بين حالات متتابعة من الحوار والصمت والحركة والموسيقى، بما يحافظ على إيقاع متواصل ويجنب العمل الاستطراد في الحكاية. ولا تقوم المسرحية على مسار حكائي طويل يحتاج إلى وقت كبير لتقديم تفاصيله، وإنما تركز على مجموعة من اللحظات التي تكشف تدريجيا عن توتر الشخصيات وعلاقتها بالماضي وبالأسئلة التي يطرحها العمل.
وإلى جانب "جرس"، شهدت الدورة الرابعة والعشرون من مهرجان صيف الزرقاء تتويج عدد من الأعمال العربية المشاركة، حيث منحت جائزة لجنة التحكيم الخاصة للأداء الجماعي لمسرحية "أبناء الأرض" من العراق، فيما حصلت مسرحية "سراب" من الأردن على جائزة لجنة التحكيم الخاصة للتميز في العمل الجماعي، ونال الفنان العماني سامي البوسعيدي شهادة تقدير وتميز عن أدائه وإخراجه لمسرحية "على قارعة النسيان". وجاء توزيع الجوائز ضمن دورة جمعت بين المنافسة المسرحية والبرنامج الفكري والنقدي، وهو ما أتاح للأعمال المشاركة أن تكون موضوعا للنقاش بعد عروضها، وليس فقط موضوعا للتقييم ضمن المسابقة.
وفي حالة المسرحية التونسية، شكلت هذه الجلسات مناسبة لوضع تجربة حديثة نسبيا أمام نقاد ومسرحيين من خارج السياق التونسي، خاصة أن العمل كان يخوض أول مشاركة دولية له. ويأتي هذا التتويج في بداية الموسم الثقافي الجديد للمسرح الوطني التونسي، الذي يواصل تقديم إنتاجاته داخل تونس والانفتاح على المشاركات العربية والدولية.
وقد بدأت "جرس" مسارها من قاعة الفن الرابع بالعاصمة، قبل أن تنتقل إلى الزرقاء، حيث قدمت تجربتها أمام جمهور ونقاد ينتمون إلى تجارب مسرحية مختلفة، فكانت النتيجة أربع جوائز، بالتوازي مع نقاش نقدي ركز على اختياراتها الفنية وموقعها ضمن المسرح البصري المعاصر. ولا تقتصر أهمية المشاركة الخارجية الأولى بالنسبة إلى العمل على النتيجة التي أفرزتها المسابقة، وإنما تشمل أيضا اختبار اللغة المسرحية التي اعتمدها أمام جمهور جديد، ومدى قدرة الصورة والجسد والصوت على نقل الأسئلة التي يحملها العرض دون الاعتماد على السرد المباشر. وفي هذا المستوى، تكتسب القراءات التي قدمها رسمي محاسنة ومخلد الزيودي وأسامة المصري، إلى جانب النقاشات التي أديرت بمشاركة عز الدين هربوك، أهمية بالنسبة إلى تجربة لا يزال مسارها في بدايته، لأنها أضافت إليها قراءة من خارج البيئة التي نشأت فيها. وبعد هذه المحطة، يواصل "جرس" مساره ضمن إنتاجات المسرح الوطني التونسي الجديدة، وقد أضاف إلى رصيده أول مشاركة دولية وأربع جوائز دفعة واحدة، بينما يظل الرهان اللاحق مرتبطا باستمرار عروضه وتوسيع دائرة الجمهور الذي يمكن أن يتفاعل مع لغته البصرية وأسئلته المفتوحة.
وبالتالي يختتم "جرس" أول خروج له إلى المهرجانات العربية بحصيلة تجمع بين التتويج والنقاش، من خلال عمل اختار منذ بدايته الابتعاد عن السرد المباشر والاشتغال على علاقة الإنسان بذاكرته ومخاوفه ووجوده، مستندا إلى النص والحركة والفضاء والموسيقى لصياغة تجربة مسرحية تواصل الآن البحث عن محطات جديدة داخل تونس وخارجها.
تونس - الصباح
حصدت مسرحية "جرس" من إنتاج المسرح الوطني التونسي أربع جوائز في اختتام الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي بالأردن، تمثلت في جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل، وجائزة أفضل إخراج للمخرج عاصم بالتوهامي، وجائزة أفضل ديكور لإيهاب مندرة، وجائزة أفضل موسيقى لهاني بالحمادي، لتسجل بذلك أول تتويج رسمي للعمل وأول مشاركة دولية له منذ انطلاق عروضه في تونس. وانتظمت الدورة من 12 إلى 18 سبتمبر 2026 بمركز الملك عبد الله الثاني الثقافي بالزرقاء، بمشاركة عدد من العروض العربية، وترأس لجنة التحكيم الفنان والمخرج السوري زيناتي قدسية، وضمت في عضويتها الدكتورة نجوى قندقجي من الأردن والمخرج عادل حسان من مصر.
إيمان عبد اللطيف
ويأتي هذا التتويج بعد نحو عام من تقديم "جرس": عرضها "ما قبل الأول" في أكتوبر 2025 بقاعة الفن الرابع بتونس، قبل أن تواصل عروضها محليا وتنتقل إلى الأردن في أول خروج لها إلى مهرجان خارج تونس، وهو ما يجعل المحطة الأردنية جزءا مبكرا من مسار العمل، سواء من حيث التفاعل مع الجمهور أو من حيث النقاش النقدي الذي رافق العرض.
وتقوم "جرس" على نص مشترك بين محمد شوقي خوجة وعاصم بالتوهامي، الذي تولى أيضا الإخراج والدراماتورجيا والسينوغرافيا، فيما أسندت مهمة مساعد المخرج إلى خليل بن حريز، ووضع مروان الروين الكوريغرافيا وشارك في الأداء إلى جانب سنية زرق عيونه وعبد الكريم البناني ورضا جاب الله. وصمم إيهاب مندرة الديكور الذي نفذه منير بن يوسف، بينما وضع هاني بالحمادي الموسيقى الخاصة بالعرض. وتدور أحداث المسرحية، التي تمتد لنحو سبعين دقيقة، في ليلة استثنائية وعشاء يجمع عددا من الضيوف، قبل أن يتحول هذا اللقاء إلى فضاء لاستحضار الماضي ومواجهة أسئلة تتصل بالحياة والموت والوعي واللاوعي وهشاشة الوجود الإنساني. ولا تعتمد المسرحية في تقديم هذه الأسئلة على حكاية واقعية متسلسلة، وإنما تبني عالمها من خلال تداخل الحوار مع الصورة والحركة والصوت والسينوغرافيا، بما يترك للمتفرج مساحة للتأويل ولا يفرض عليه قراءة واحدة للعمل.
وقد شكل هذا الجانب إحدى النقاط الأساسية في النقاشات النقدية التي رافقت مشاركة "جرس" في مهرجان صيف الزرقاء، حيث تناول نقاد ومسرحيون عرب طبيعة اللغة التي اختارها العرض وعلاقتها بموضوعه. وفي هذا السياق، توقف الإعلامي والناقد المسرحي الأردني رسمي محاسنة عند الأسئلة التي يطرحها العمل، وربطها بمناطق الفقد والنسيان والخوف والاقتلاع وما تتركه التجارب السابقة في داخل الإنسان. وبرز في قراءته الجانب الوجودي للمسرحية، باعتبار أن الشخصيات لا تواجه أحداثا خارجية فقط، وإنما تجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالذاكرة والمصير والهشاشة الإنسانية. وهذه القراءة تلتقي مع طبيعة البناء الدرامي لـ"جرس"، الذي لا يسعى إلى تفسير كل ما يحدث على الركح، وإنما يترك بعض المساحات مفتوحة أمام المتلقي.
أما الباحث والمخرج المسرحي الأردني مخلد الزيودي، فقد ركز في قراءته على الجانب البصري في التجربة وعلى دور الجسد والفضاء في إنتاج المعنى، وهي نقطة تحضر بوضوح في العرض من خلال الكوريغرافيا التي وضعها مروان الروين. فالحركة في "جرس" لا تأتي باعتبارها عنصرا جماليا مضافا إلى الأداء، وإنما تدخل في التعبير عن الحالات الداخلية للشخصيات، خصوصا في اللحظات التي يصبح فيها الجسد أكثر قدرة من الكلام على نقل التوتر أو الخوف أو الارتباك. ومن جانبه، تناول الفنان والناقد الفلسطيني أسامة المصري العلاقة بين الممثل والفضاء المسرحي، وهي علاقة أساسية في العرض بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الديكور والسينوغرافيا في تشكيل عالم الشخصيات. فالفضاء لا يبقى مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في بناء الصورة المسرحية وفي تحديد علاقة الشخصيات بما يحيط بها. كما شارك الدكتور عز الدين هربوك في إدارة بعض الجلسات النقدية والتعقيبية التي ناقشت العروض المشاركة، ضمن برنامج رافق العروض المسرحية وفتح المجال أمام قراءات مختلفة للتجارب المقدمة.
وبالنسبة إلى "جرس"، تركز النقاش حول طبيعة بنائها البصري، وكيفية توظيف النص والجسد والموسيقى والفضاء في صياغة المعنى، وهي عناصر تبدو مترابطة داخل العرض ولا تعمل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. ويظهر ذلك أيضا في طبيعة الجوائز التي حصلت عليها المسرحية، إذ لم تقتصر النتيجة على جائزة أفضل عمل متكامل، وإنما شملت الإخراج والديكور والموسيقى، أي عناصر تدخل مباشرة في تشكيل العرض وصورته النهائية. ويعكس ذلك جانبا من طبيعة الاشتغال الجماعي الذي قام عليه العمل، حيث تتقاطع رؤية المخرج والدراماتورج مع أداء الممثلين والكوريغرافيا والسينوغرافيا والموسيقى، دون أن يفقد كل عنصر خصوصيته داخل البناء العام.
ويأتي الديكور الذي صممه إيهاب مندرة في مقدمة العناصر التي حظيت بالتقدير، إلى جانب الموسيقى التي وضعها هاني بالحمادي، فيما يساهم الأداء الحركي في توسيع مساحة التعبير خارج الحوار. ويبدو هذا الخيار منسجما مع طبيعة "جرس" التي تعتمد على التكثيف أكثر من اعتمادها على تعدد الأحداث، إذ لا تتجاوز مدة العرض سبعين دقيقة، وهي فترة يتم خلالها الانتقال بين حالات متتابعة من الحوار والصمت والحركة والموسيقى، بما يحافظ على إيقاع متواصل ويجنب العمل الاستطراد في الحكاية. ولا تقوم المسرحية على مسار حكائي طويل يحتاج إلى وقت كبير لتقديم تفاصيله، وإنما تركز على مجموعة من اللحظات التي تكشف تدريجيا عن توتر الشخصيات وعلاقتها بالماضي وبالأسئلة التي يطرحها العمل.
وإلى جانب "جرس"، شهدت الدورة الرابعة والعشرون من مهرجان صيف الزرقاء تتويج عدد من الأعمال العربية المشاركة، حيث منحت جائزة لجنة التحكيم الخاصة للأداء الجماعي لمسرحية "أبناء الأرض" من العراق، فيما حصلت مسرحية "سراب" من الأردن على جائزة لجنة التحكيم الخاصة للتميز في العمل الجماعي، ونال الفنان العماني سامي البوسعيدي شهادة تقدير وتميز عن أدائه وإخراجه لمسرحية "على قارعة النسيان". وجاء توزيع الجوائز ضمن دورة جمعت بين المنافسة المسرحية والبرنامج الفكري والنقدي، وهو ما أتاح للأعمال المشاركة أن تكون موضوعا للنقاش بعد عروضها، وليس فقط موضوعا للتقييم ضمن المسابقة.
وفي حالة المسرحية التونسية، شكلت هذه الجلسات مناسبة لوضع تجربة حديثة نسبيا أمام نقاد ومسرحيين من خارج السياق التونسي، خاصة أن العمل كان يخوض أول مشاركة دولية له. ويأتي هذا التتويج في بداية الموسم الثقافي الجديد للمسرح الوطني التونسي، الذي يواصل تقديم إنتاجاته داخل تونس والانفتاح على المشاركات العربية والدولية.
وقد بدأت "جرس" مسارها من قاعة الفن الرابع بالعاصمة، قبل أن تنتقل إلى الزرقاء، حيث قدمت تجربتها أمام جمهور ونقاد ينتمون إلى تجارب مسرحية مختلفة، فكانت النتيجة أربع جوائز، بالتوازي مع نقاش نقدي ركز على اختياراتها الفنية وموقعها ضمن المسرح البصري المعاصر. ولا تقتصر أهمية المشاركة الخارجية الأولى بالنسبة إلى العمل على النتيجة التي أفرزتها المسابقة، وإنما تشمل أيضا اختبار اللغة المسرحية التي اعتمدها أمام جمهور جديد، ومدى قدرة الصورة والجسد والصوت على نقل الأسئلة التي يحملها العرض دون الاعتماد على السرد المباشر. وفي هذا المستوى، تكتسب القراءات التي قدمها رسمي محاسنة ومخلد الزيودي وأسامة المصري، إلى جانب النقاشات التي أديرت بمشاركة عز الدين هربوك، أهمية بالنسبة إلى تجربة لا يزال مسارها في بدايته، لأنها أضافت إليها قراءة من خارج البيئة التي نشأت فيها. وبعد هذه المحطة، يواصل "جرس" مساره ضمن إنتاجات المسرح الوطني التونسي الجديدة، وقد أضاف إلى رصيده أول مشاركة دولية وأربع جوائز دفعة واحدة، بينما يظل الرهان اللاحق مرتبطا باستمرار عروضه وتوسيع دائرة الجمهور الذي يمكن أن يتفاعل مع لغته البصرية وأسئلته المفتوحة.
وبالتالي يختتم "جرس" أول خروج له إلى المهرجانات العربية بحصيلة تجمع بين التتويج والنقاش، من خلال عمل اختار منذ بدايته الابتعاد عن السرد المباشر والاشتغال على علاقة الإنسان بذاكرته ومخاوفه ووجوده، مستندا إلى النص والحركة والفضاء والموسيقى لصياغة تجربة مسرحية تواصل الآن البحث عن محطات جديدة داخل تونس وخارجها.