إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

وزارة الصحة تخصّص اعتمادًا ماليًا سنويًا بـ15 مليون دينار لدعم المخزون .. ديون الصيدلية المركزية وعدم تغطية التصنيع المحلي واحتياجات السوق من أسباب فقدان الأدوية

 

تونس – الصباح

تعود أزمة نقص الأدوية من وقت إلى آخر لتطفو على السطح، وتؤثّر على وضعية بعض المرضى، وعلى أمراض يشكّل فيها انقطاع الدواء خطرًا كبيرًا.. ورغم أن المخزون لم يسجّل في السنوات الأخيرة إلا بالنسبة لعدد محدود جدًا من أنواع الأدوية، إلا أن ذلك فرض ضرورة إيجاد حلول جذرية تستبق أي أزمة محتملة في التزوّد بالأدوية.

 

منية العرفاوي

 

وقد أعلنت وزارة الصحة مؤخرًا في تفاعلها مع السؤال الكتابي الذي تقدّمت به عضو مجلس نواب الشعب مريم الشريف، عن جملة من الإجراءات العاجلة لدعم مخزون الأدوية وتحسين جاهزية المؤسسات الصحية للاستجابة للحاجيات العلاجية للمواطنين ومواجهة نقص الأدوية..

ومن بين هذه القرارات اعتماد مالي إضافي سنوي بقيمة 15 مليون دينار لفائدة الجهات الصحية، كما أكدت الوزارة في إجابتها أن ضمان استمرارية التزويد بالأدوية، وخاصة الأساسية منها، يُمثل أولوية قصوى لها من أجل ضمان الحق في الصحة واستمرارية علاج المرضى، كما أشارت الوزارة إلى أنها تعمل على منظومات معلوماتية حديثة تتيح متابعة حركة الأدوية ومستويات استهلاكها بصفة آنية، من أجل العمل على مزيد إحكام التصرف في الأدوية وترشيد استهلاكها، فضلًا عن العمل على تعميم استعمال منظومة (e-pharmacie) التي ستوفّر آليات دقيقة لمراقبة المخزون وتوقّع الحاجيات.

 

دعم مخزونات الأدوية.. الرهان

 

وتتولى الصيدلية المركزية بشكل حصري تأمين استمرارية وانتظام تزويد البلاد بالأدوية والمستلزمات الطبية وحماية الأمن الدوائي الوطني. ومن مهامها الأساسية دعم مخزون الأدوية من خلال احتكار كل عمليات التوريد، حيث تملك الصيدلية المركزية حق توريد واستيراد الأدوية الأساسية والمواد الحيوية من الخارج، وتتولى كذلك مهمة التوزيع العمومي، حيث تقوم بتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية على هياكل الصحة العمومية وشبه العمومية والخاصة بانتظام، كما تعمل بالتعاون مع وزارة الصحة والجهات المعنية على رصد المخزون وتوفير الاعتمادات المالية لتسريع خلاص المزوّدين ودعم المخزون الاستراتيجي.

والأدوية في كل العالم تعتبر من الأسواق الضخمة، حيث تصل عائداتها إلى تريليونات الدولارات، تشتدّ فيها المنافسة وتتحكّم فيها دول ومخابر وشركات تسعى دائمًا لفرض منتوجاتها وتوزيعها عبر العالم.. سوق فريدة من نوعها وحسّاسة جدًا ولا يمكن الاستغناء عنها، ومن سنة إلى أخرى تتطوّر استثماراتها وعائداتها بشكل مذهل. سوق مجبرة على تحدّي الأزمات ولا تعرف ركودًا أبدًا بالنظر لدورها الحيوي والتنافسي في إنقاذ ملايين المرضى عبر العالم.

ولعل الأرقام الأخيرة والصادرة عن منصّات موثوقة تبرز بوضوح حجم وأهمية هذا السوق في اقتصاديات الدول، حيث وصل حجم سوق التصنيع الدوائي العالمي إلى 184.9 مليار دولار مع موفى سنة 2024، مع توقعات بزيادة تصل إلى 345.6 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي في حدود 7.2%، وفقًا لما ذكرته منصة مختصة، أما الإيرادات العالمية لهذه السوق فمن المتوقع أن تصل إلى 1.45 تريليون دولار بحلول عام 2029 وفق آخر المؤشرات الاقتصادية المتعلّقة بهذه السوق..

وتعتبر تونس من الأسواق المهمة لصناعة الأدوية باعتبارها وجهة علاجية مهمة في المنطقة المغاربية، إلا أن مديونية الصيدلية المركزية كانت دائمًا من أبرز التحديات التي تواجه مخزونات الدواء، حيث إن المديونية المتراكمة لها انعكاسات مباشرة على التزامات الصيدلية المركزية تجاه المزوّدين الأجانب، حيث تقدر ديون الصيدلية تجاه المخابر الدولية والمزودين الأجانب بـ1300 مليون دينار وفق بعض التقديرات، وتواجه الصيدلية المركزية صعوبة في تسديد مستحقات هذه المخابر، حيث تتراوح مدة التأخير في صرف وتسديد مستحقات تلك المخابر بين 12 و13 شهرًا.

كما تعاني الصيدلية المركزية من قلة السيولة المالية نتيجة ارتفاع ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض والمستشفيات العمومية، بما فرض عليها تخفيض طلبياتها على الأدوية من المزودين الأجانب حتى لا يتعمّق اختلال التوازنات المالية للصيدلية المركزية، مع التوجّه لتوريد الأدوية الحياتية أكثر من غيرها، بما يفسّر الانقطاع في بعض أنواع الأدوية التي لا تعتبر حياتية مقارنة ببقية الأدوية. كما تضطر الصيدلية المركزية بسبب النقص في السيولة إلى التمديد في آجال خلاص المخابر الدولية، وهذا ما يجعلها تقوم بخفض الكميات التي تطلبها من الأدوية أو إدراج أدوية أخرى باهظة الثمن يطلبها الصندوق الوطني للتأمين على المرض حتى لو كانت مشمولة بالتأمين، لأن كلفة بعض الأدوية تتجاوز الميزانيات المتاحة للصيدلية المركزية.

 

صناعة الأدوية في تونس

 

وتعتبر تونس من البلدان العربية الرائدة في مجال صناعة الأدوية والصناعات الصيدلانية بشكل عام إلى جانب الأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب ومصر، وتتميز الصناعة الدوائية التونسية بتقنياتها المتقدّمة وجودة منتوجاتها الدوائية وسلامتها، ووفق تقارير دولية مختصة فإن بلادنا تغطّي نصف احتياجاتها الدوائية محليًا مع سوق بقيمة 2.15 مليار دولار في 2023. ومن المتوقع أن تنمو الإيرادات بنسبة 12.9% سنويًا حتى تصل إلى 5.03 مليارات دولار بحلول 2030 وفقًا لما نشرته بعض المجلات المختصة في تصنيع الدواء.

وكان وزير الصحة مصطفى الفرجاني، أكّد خلال زيارة ميدانية له، في وقت سابق، إلى ولاية صفاقس، أن تونس تسعى إلى إعادة هيكلة الصناعات الدوائية في تونس بصفة جذرية مع السعي للتعويل على الذات، حيث أشار الفرجاني إلى أن الأدوية المصنّعة في تونس توفّر ما يناهز 75% من حاجيات التونسيين، وأن الوصول إلى الاكتفاء الدوائي ممكن بفضل الكفاءات التونسية من أطباء وصيادلة.

وأن تصل منظومة الأدوية إلى تغطية نصف حاجيات التونسيين، فإن ذلك لم يأت صدفة، بل كان نتيجة عقود من العمل والاجتهاد والحرص على الجودة والالتزام بالمعايير الدولية وشراكة متميزة بين القطاع العام والخاص في قطاع حيوي لا يسمح بهامش الخطأ.. وكانت أول شركة لصناعة الأدوية في تونس قد تم بعثها منذ سنة 1989، ولا يكتفي هذا القطاع بتغطية جزء هام من حاجياتنا الداخلية، بل له حضور في الأسواق الخارجية، حيث صرّحت المديرة العامة لوحدة النهوض بالاستثمار والصادرات في قطاع الصحة بوزارة الصحة، نادية فنينة، منذ أشهر، أن عائدات تونس من خدمة تصدير الأدوية الجنيسة تقدّر بـ300 مليون دينار..

وخلال الأيام التي نظّمتها في ماي الماضي الجمعية التونسية للأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، أكّد المدير العام للوكالة الوطنية للدواء والمواد الصحية عبد الرزاق الهذيلي، التي تم إحداثها منذ سنتين، أن تونس تقوم بتصنيع 3168 دواء جنيسًا و46 دواء من البدائل الحيوية، والأدوية الجنيسة هي تلك الأدوية التي أصبحت مادتها الفعّالة ضمن المجال العام ولا تخضع إلى ملكية براءة الاختراع، وبالتالي لم يعد تصنيعها محتكرًا على مالك براءة الاختراع، وتصل نسبة استعمال هذه الأدوية في دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا إلى نسبة 70 بالمائة، وفي تونس تؤكد الجمعية التونسية للأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية أن كلفة الدواء الجنيس أقل بـ40 بالمائة..

وتعتبر المخابر التي تحت إشراف الصيدلية المركزية من أهم مخابر تصنيع الأدوية رغم بعض الصعوبات التي تواجهها الصيدلية المركزية في السنوات الأخيرة، خاصة في علاقة بديونها المتخلّدة في ذمة المستشفيات و"الكنام".

 

الوكالة الوطنية للدواء.. خطوة إلى الأمام

 

في جويلية 2023 صدر القانون المُحدث للوكالة الوطنية للدواء والمواد الصحية، التي تخضع لإشراف وزارة الصحة وتعتبر خطوة مهمة إلى الأمام في حماية الحق في الصحة وتنظيم قطاع المنظومة الدوائية ورقمنتها والحرص على جودتها واستجابتها للمعايير الدولية. وحسب نص القانون المنظّم لها، فإن الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة تسهر على "ضمان شفافية التصرف في الدواء ومواد الصحة"، ومن أبرز المهام الموكولة للوكالة المساهمة في اقتراح السياسات الوطنية في مجال الدواء ومواد الصحة وإسناد أو اقتراح إسناد التراخيص في ميدان صنع وتسجيل وتوريد وتصدير وتوزيع وتسويق الدواء ومواد الصحة ومكوناتها، كذلك تتولى الوكالة إسناد التراخيص في إجراء التجارب السريرية ومراقبتها، فضلًا عن ضمان حماية وفاعلية وجودة الدواء ومواد الصحة ومكوناتها، وخاصة منها الأدوية ذات الاستعمال البشري والاستعمال البيطري والمستلزمات الطبية والمكملات الغذائية ومواد التجميل وغيرها من المواد الصحية.

كما تشرف الوكالة على مراقبة المواد السامة والمواد المخدرة والمواد المؤثرة عقليًا، وتقدم المعلومات الملائمة لمهنيي الصحة والمرضى حول الاستعمال الرشيد للدواء ومواد الصحة مع مكافحة تقليد الدواء ومواد الصحة ومسالك الاتجار غير المشروع، وتهتم الوكالة أيضًا بتطوير الاختبارات العلمية والفنية اللازمة للدواء، ومراقبة المواد المرخص فيها من قبل الوكالة بعد تسويقها، فضلًا عن السهر على ترشيد استعمال الدواء ومواد الصحة والمستلزمات الطبية بالقطاعين العمومي والخاص، ومن مهام الوكالة أيضًا هو تشجيع الاستثمار في قطاع صناعة الأدوية وتحفيز المستثمرين التونسيين عبر جملة من التسهيلات ومنها الرخص، وهذا التشجيع والتحفيز عندما يكون مؤطرًا بشكل واضح ستكون له نتائج إيجابية على قطاع واعد مثل قطاع تصنيع الأدوية.

 

أزمة الصيادلة و"الكنام"

 

عانت سوق الأدوية الوطنية ولفترات مختلفة من فقدان بعض الأدوية الحيوية والمهمة بسبب أزمة التوريد العالمية في سوق الأدوية وبسبب أزمة ديون الصيدلية المركزية، بالإضافة اليوم إلى أزمة العلاقة التعاقدية بين الصيادلة و"الكنام". وقد عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة، بمجلس نواب الشعب، في الأشهر الأخيرة، جلسة استماع إلى ممثّلين عن كلّ من المجلس الوطني لهيئة الصيادلة والنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة والنقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص بخصوص الأزمة التي تمر بها العلاقات التعاقدية بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" ومسديي الخدمات الصحية.

واعتبر مختلف المتدخلين من ممثلي أطباء القطاع الخاص والصيادلة أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض لا يشكو من صعوبات مالية وأن السبب الأساسي للأزمة التي تمر بها العلاقات التعاقدية بينه وبين مسديي الخدمات الصحية يكمن في ضعف الحوكمة وسوء التصرف.

وكل هذه المشاكل استوجبت وضع خطة استباقية تعزّز مخزونات الأدوية وتتجاوز مديونية الصيدلية المركزية ونقص السيولة المالية وتعثّر سداد المزودين الدوليين، وذلك بتخصيص اعتمادات مالية إضافية لدعم مخزون الأدوية.

 

وزارة الصحة تخصّص اعتمادًا ماليًا سنويًا بـ15 مليون دينار لدعم المخزون .. ديون الصيدلية المركزية وعدم تغطية التصنيع المحلي واحتياجات السوق من أسباب فقدان الأدوية

 

تونس – الصباح

تعود أزمة نقص الأدوية من وقت إلى آخر لتطفو على السطح، وتؤثّر على وضعية بعض المرضى، وعلى أمراض يشكّل فيها انقطاع الدواء خطرًا كبيرًا.. ورغم أن المخزون لم يسجّل في السنوات الأخيرة إلا بالنسبة لعدد محدود جدًا من أنواع الأدوية، إلا أن ذلك فرض ضرورة إيجاد حلول جذرية تستبق أي أزمة محتملة في التزوّد بالأدوية.

 

منية العرفاوي

 

وقد أعلنت وزارة الصحة مؤخرًا في تفاعلها مع السؤال الكتابي الذي تقدّمت به عضو مجلس نواب الشعب مريم الشريف، عن جملة من الإجراءات العاجلة لدعم مخزون الأدوية وتحسين جاهزية المؤسسات الصحية للاستجابة للحاجيات العلاجية للمواطنين ومواجهة نقص الأدوية..

ومن بين هذه القرارات اعتماد مالي إضافي سنوي بقيمة 15 مليون دينار لفائدة الجهات الصحية، كما أكدت الوزارة في إجابتها أن ضمان استمرارية التزويد بالأدوية، وخاصة الأساسية منها، يُمثل أولوية قصوى لها من أجل ضمان الحق في الصحة واستمرارية علاج المرضى، كما أشارت الوزارة إلى أنها تعمل على منظومات معلوماتية حديثة تتيح متابعة حركة الأدوية ومستويات استهلاكها بصفة آنية، من أجل العمل على مزيد إحكام التصرف في الأدوية وترشيد استهلاكها، فضلًا عن العمل على تعميم استعمال منظومة (e-pharmacie) التي ستوفّر آليات دقيقة لمراقبة المخزون وتوقّع الحاجيات.

 

دعم مخزونات الأدوية.. الرهان

 

وتتولى الصيدلية المركزية بشكل حصري تأمين استمرارية وانتظام تزويد البلاد بالأدوية والمستلزمات الطبية وحماية الأمن الدوائي الوطني. ومن مهامها الأساسية دعم مخزون الأدوية من خلال احتكار كل عمليات التوريد، حيث تملك الصيدلية المركزية حق توريد واستيراد الأدوية الأساسية والمواد الحيوية من الخارج، وتتولى كذلك مهمة التوزيع العمومي، حيث تقوم بتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية على هياكل الصحة العمومية وشبه العمومية والخاصة بانتظام، كما تعمل بالتعاون مع وزارة الصحة والجهات المعنية على رصد المخزون وتوفير الاعتمادات المالية لتسريع خلاص المزوّدين ودعم المخزون الاستراتيجي.

والأدوية في كل العالم تعتبر من الأسواق الضخمة، حيث تصل عائداتها إلى تريليونات الدولارات، تشتدّ فيها المنافسة وتتحكّم فيها دول ومخابر وشركات تسعى دائمًا لفرض منتوجاتها وتوزيعها عبر العالم.. سوق فريدة من نوعها وحسّاسة جدًا ولا يمكن الاستغناء عنها، ومن سنة إلى أخرى تتطوّر استثماراتها وعائداتها بشكل مذهل. سوق مجبرة على تحدّي الأزمات ولا تعرف ركودًا أبدًا بالنظر لدورها الحيوي والتنافسي في إنقاذ ملايين المرضى عبر العالم.

ولعل الأرقام الأخيرة والصادرة عن منصّات موثوقة تبرز بوضوح حجم وأهمية هذا السوق في اقتصاديات الدول، حيث وصل حجم سوق التصنيع الدوائي العالمي إلى 184.9 مليار دولار مع موفى سنة 2024، مع توقعات بزيادة تصل إلى 345.6 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي في حدود 7.2%، وفقًا لما ذكرته منصة مختصة، أما الإيرادات العالمية لهذه السوق فمن المتوقع أن تصل إلى 1.45 تريليون دولار بحلول عام 2029 وفق آخر المؤشرات الاقتصادية المتعلّقة بهذه السوق..

وتعتبر تونس من الأسواق المهمة لصناعة الأدوية باعتبارها وجهة علاجية مهمة في المنطقة المغاربية، إلا أن مديونية الصيدلية المركزية كانت دائمًا من أبرز التحديات التي تواجه مخزونات الدواء، حيث إن المديونية المتراكمة لها انعكاسات مباشرة على التزامات الصيدلية المركزية تجاه المزوّدين الأجانب، حيث تقدر ديون الصيدلية تجاه المخابر الدولية والمزودين الأجانب بـ1300 مليون دينار وفق بعض التقديرات، وتواجه الصيدلية المركزية صعوبة في تسديد مستحقات هذه المخابر، حيث تتراوح مدة التأخير في صرف وتسديد مستحقات تلك المخابر بين 12 و13 شهرًا.

كما تعاني الصيدلية المركزية من قلة السيولة المالية نتيجة ارتفاع ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض والمستشفيات العمومية، بما فرض عليها تخفيض طلبياتها على الأدوية من المزودين الأجانب حتى لا يتعمّق اختلال التوازنات المالية للصيدلية المركزية، مع التوجّه لتوريد الأدوية الحياتية أكثر من غيرها، بما يفسّر الانقطاع في بعض أنواع الأدوية التي لا تعتبر حياتية مقارنة ببقية الأدوية. كما تضطر الصيدلية المركزية بسبب النقص في السيولة إلى التمديد في آجال خلاص المخابر الدولية، وهذا ما يجعلها تقوم بخفض الكميات التي تطلبها من الأدوية أو إدراج أدوية أخرى باهظة الثمن يطلبها الصندوق الوطني للتأمين على المرض حتى لو كانت مشمولة بالتأمين، لأن كلفة بعض الأدوية تتجاوز الميزانيات المتاحة للصيدلية المركزية.

 

صناعة الأدوية في تونس

 

وتعتبر تونس من البلدان العربية الرائدة في مجال صناعة الأدوية والصناعات الصيدلانية بشكل عام إلى جانب الأردن والمملكة العربية السعودية والمغرب ومصر، وتتميز الصناعة الدوائية التونسية بتقنياتها المتقدّمة وجودة منتوجاتها الدوائية وسلامتها، ووفق تقارير دولية مختصة فإن بلادنا تغطّي نصف احتياجاتها الدوائية محليًا مع سوق بقيمة 2.15 مليار دولار في 2023. ومن المتوقع أن تنمو الإيرادات بنسبة 12.9% سنويًا حتى تصل إلى 5.03 مليارات دولار بحلول 2030 وفقًا لما نشرته بعض المجلات المختصة في تصنيع الدواء.

وكان وزير الصحة مصطفى الفرجاني، أكّد خلال زيارة ميدانية له، في وقت سابق، إلى ولاية صفاقس، أن تونس تسعى إلى إعادة هيكلة الصناعات الدوائية في تونس بصفة جذرية مع السعي للتعويل على الذات، حيث أشار الفرجاني إلى أن الأدوية المصنّعة في تونس توفّر ما يناهز 75% من حاجيات التونسيين، وأن الوصول إلى الاكتفاء الدوائي ممكن بفضل الكفاءات التونسية من أطباء وصيادلة.

وأن تصل منظومة الأدوية إلى تغطية نصف حاجيات التونسيين، فإن ذلك لم يأت صدفة، بل كان نتيجة عقود من العمل والاجتهاد والحرص على الجودة والالتزام بالمعايير الدولية وشراكة متميزة بين القطاع العام والخاص في قطاع حيوي لا يسمح بهامش الخطأ.. وكانت أول شركة لصناعة الأدوية في تونس قد تم بعثها منذ سنة 1989، ولا يكتفي هذا القطاع بتغطية جزء هام من حاجياتنا الداخلية، بل له حضور في الأسواق الخارجية، حيث صرّحت المديرة العامة لوحدة النهوض بالاستثمار والصادرات في قطاع الصحة بوزارة الصحة، نادية فنينة، منذ أشهر، أن عائدات تونس من خدمة تصدير الأدوية الجنيسة تقدّر بـ300 مليون دينار..

وخلال الأيام التي نظّمتها في ماي الماضي الجمعية التونسية للأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية، أكّد المدير العام للوكالة الوطنية للدواء والمواد الصحية عبد الرزاق الهذيلي، التي تم إحداثها منذ سنتين، أن تونس تقوم بتصنيع 3168 دواء جنيسًا و46 دواء من البدائل الحيوية، والأدوية الجنيسة هي تلك الأدوية التي أصبحت مادتها الفعّالة ضمن المجال العام ولا تخضع إلى ملكية براءة الاختراع، وبالتالي لم يعد تصنيعها محتكرًا على مالك براءة الاختراع، وتصل نسبة استعمال هذه الأدوية في دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا إلى نسبة 70 بالمائة، وفي تونس تؤكد الجمعية التونسية للأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية أن كلفة الدواء الجنيس أقل بـ40 بالمائة..

وتعتبر المخابر التي تحت إشراف الصيدلية المركزية من أهم مخابر تصنيع الأدوية رغم بعض الصعوبات التي تواجهها الصيدلية المركزية في السنوات الأخيرة، خاصة في علاقة بديونها المتخلّدة في ذمة المستشفيات و"الكنام".

 

الوكالة الوطنية للدواء.. خطوة إلى الأمام

 

في جويلية 2023 صدر القانون المُحدث للوكالة الوطنية للدواء والمواد الصحية، التي تخضع لإشراف وزارة الصحة وتعتبر خطوة مهمة إلى الأمام في حماية الحق في الصحة وتنظيم قطاع المنظومة الدوائية ورقمنتها والحرص على جودتها واستجابتها للمعايير الدولية. وحسب نص القانون المنظّم لها، فإن الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة تسهر على "ضمان شفافية التصرف في الدواء ومواد الصحة"، ومن أبرز المهام الموكولة للوكالة المساهمة في اقتراح السياسات الوطنية في مجال الدواء ومواد الصحة وإسناد أو اقتراح إسناد التراخيص في ميدان صنع وتسجيل وتوريد وتصدير وتوزيع وتسويق الدواء ومواد الصحة ومكوناتها، كذلك تتولى الوكالة إسناد التراخيص في إجراء التجارب السريرية ومراقبتها، فضلًا عن ضمان حماية وفاعلية وجودة الدواء ومواد الصحة ومكوناتها، وخاصة منها الأدوية ذات الاستعمال البشري والاستعمال البيطري والمستلزمات الطبية والمكملات الغذائية ومواد التجميل وغيرها من المواد الصحية.

كما تشرف الوكالة على مراقبة المواد السامة والمواد المخدرة والمواد المؤثرة عقليًا، وتقدم المعلومات الملائمة لمهنيي الصحة والمرضى حول الاستعمال الرشيد للدواء ومواد الصحة مع مكافحة تقليد الدواء ومواد الصحة ومسالك الاتجار غير المشروع، وتهتم الوكالة أيضًا بتطوير الاختبارات العلمية والفنية اللازمة للدواء، ومراقبة المواد المرخص فيها من قبل الوكالة بعد تسويقها، فضلًا عن السهر على ترشيد استعمال الدواء ومواد الصحة والمستلزمات الطبية بالقطاعين العمومي والخاص، ومن مهام الوكالة أيضًا هو تشجيع الاستثمار في قطاع صناعة الأدوية وتحفيز المستثمرين التونسيين عبر جملة من التسهيلات ومنها الرخص، وهذا التشجيع والتحفيز عندما يكون مؤطرًا بشكل واضح ستكون له نتائج إيجابية على قطاع واعد مثل قطاع تصنيع الأدوية.

 

أزمة الصيادلة و"الكنام"

 

عانت سوق الأدوية الوطنية ولفترات مختلفة من فقدان بعض الأدوية الحيوية والمهمة بسبب أزمة التوريد العالمية في سوق الأدوية وبسبب أزمة ديون الصيدلية المركزية، بالإضافة اليوم إلى أزمة العلاقة التعاقدية بين الصيادلة و"الكنام". وقد عقدت لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة، بمجلس نواب الشعب، في الأشهر الأخيرة، جلسة استماع إلى ممثّلين عن كلّ من المجلس الوطني لهيئة الصيادلة والنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة والنقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص بخصوص الأزمة التي تمر بها العلاقات التعاقدية بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" ومسديي الخدمات الصحية.

واعتبر مختلف المتدخلين من ممثلي أطباء القطاع الخاص والصيادلة أن الصندوق الوطني للتأمين على المرض لا يشكو من صعوبات مالية وأن السبب الأساسي للأزمة التي تمر بها العلاقات التعاقدية بينه وبين مسديي الخدمات الصحية يكمن في ضعف الحوكمة وسوء التصرف.

وكل هذه المشاكل استوجبت وضع خطة استباقية تعزّز مخزونات الأدوية وتتجاوز مديونية الصيدلية المركزية ونقص السيولة المالية وتعثّر سداد المزودين الدوليين، وذلك بتخصيص اعتمادات مالية إضافية لدعم مخزون الأدوية.