إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أسعار خيالية وتكاليف باهظة..  قطاع التعليم الخاص يتوسع.. أسعار خيالية ومطالبة بالرقابة  

 

تونس - الصباح

تجد "آمال" نفسها مضطرة كل سنة إلى تجديد وجدولة طلب حصولها على قرض بنكي من أجل تغطية تكاليف دراسة ابنيها في مدرسة خاصة، لأنها مع كل عودة مدرسية تكون مطالبة بدفع كلفة الترسيم التي تبلغ للواحد منهما 560 دينارًا، زائد معلوم الدراسة المحدد هذا العام بـ1250 دينارا للواحد، وهو مبلغ يشهد زيادات سنوية، ومع احتساب تكلفة الإعاشة البالغة 600 دينار، وتكلفة الميداعة والأدوات المدرسية التي قُدّرت هذا العام بـ500 دينار، تكون تكلفة الواحد من أبنائها في حدود الـ5410 دينارات، أي إنها مع كل عودة مدرسية يجب أن تحضّر ما لا يقل عن 10 آلاف دينار من تكلفة الدراسة فقط، دون احتساب الملابس والمحفظة وغيرها من المستلزمات.

 

وتقول "آمال" في تصريحها لـ"الصباح": "إنها وزوجها يشكلان مثالًا لآلاف التونسيين والتونسيات الذين اختاروا الاستثمار في أبنائهم وتمكينهم تعليمًا بمستوى أفضل، في الوقت الذي لا يغطي مدخولهما التكاليف العالية لهذا الاختيار".

وتتباين تكاليف المدارس والمعاهد الخاصة في تونس من جهة إلى أخرى، إذ تسجل أسعارًا خيالية في مناطق من تونس الكبرى والمدن الساحلية، في حين تكون في مستوى مقبول في جهات داخلية.

وأفاد رئيس النقابة الوطنية لمؤسسات التعليم الخاص، محمد سامي، أن الأسعار تختلف بشكل حاد بين المناطق، إذ تبدأ من 50 دينارًا شهريًا في بعض الجهات على غرار القصرين وتوزر وقفصة وقبلي، بينما تصل رسوم المدارس الأجنبية المنتصبة في تونس الكبرى إلى مبالغ وصفها بالخيالية، قد تلامس 60 ألف دينار سنويًا.

وحسب نفس المتحدث، يستقطب قطاع التعليم الخاص نحو الـ10% من مجموع التلاميذ المرسمين في المعاهد والمدارس التونسية، ويبلغ عددهم 2 مليون و341 ألف تلميذ، ويدرسون في مؤسسات التعليم الخاص. وأشار في نفس السياق إلى أن "القطاع يتضمن نحو 1252 مؤسسة تعليمية (ابتدائي وإعدادي وثانوي) وفق آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية".

وفي خصوص المتابعة وجدول الأسعار المعتمد في هذا القطاع، بيّن رئيس النقابة الوطنية لمؤسسات التعليم الخاص أن "المدارس الأجنبية تخضع لرقابة الوزارة فقط من حيث صلاحية الفضاءات والمقرات السكنية وفق القوانين المنظمة، دون تدخل في برامجها التعليمية أو مناهجها التي تتبع الدول التابعة لها".

وللإشارة، كشف استبيان حول التعليم الابتدائي الخاص أنجزته منظمة الدفاع عن المستهلك، شمل ولايات تونس ومنوبة ونابل وبنزرت، أن تكلفة الترسيم بالمدارس الخاصة تتراوح بين 60 و980 دينارًا، وتكلفة الثلاثي تتراوح بين 100 و1850 دينارًا.

أما بالنسبة للتكلفة السنوية، فتتراوح بين 1100 دينار و9 آلاف دينار، وأكدت المنظمة أن تعريفة التعليم الخاص في تونس غير محددة مطلقًا بأي نص قانوني، ولا تخضع لرقابة أي جهة حكومية.

وبحسب الدراسة الصادرة عن جمعية "مرصد" التي تضم باحثين في السياسات العمومية، سجلت الفترة الممتدة من 2013 إلى 2018 ارتفاعًا هائلًا بنسبة 36% في عدد المدارس الابتدائية الخاصة، فيما بلغت نسبة النمو بين سنتي 2015/2016 وحدهما أكثر من 70%.

وأوضحت نفس الدراسة أنه رغم تباطؤ النمو منذ عام 2019 ليستقر عند 4% فقط، فقد تطور عدد التلاميذ المسجلين في المدارس الابتدائية الخاصة من 21.509 تلاميذ سنة 2009/2010 إلى 128.513 تلميذًا في السنة الدراسية 2023/2024، أي إنه تضاعف 6 مرات خلال 14 عامًا.

ومن أبرز الانتقادات التي توجه إلى قطاع التعليم الخاص في تونس تكاليفه الباهظة، إذ تجد العائلات التونسية نفسها أمام ضرورة توفير أقساط مدرسية مرتفعة شهريًا، مع إمكانية تسجيل زيادات غير مقنعة في الرسوم والتي تثقل كاهل الأولياء، مما يدفع العديد منهم إلى الاقتراض.

وينبه المختصون إلى التباين في جودة التعليم والإحاطة من مؤسسة إلى أخرى، فبينما تسعى بعض المدارس للربح المادي البحت، تغيب الرقابة الصارمة على مدى التزام بعضها بمعايير السلامة والجودة البيداغوجية، إذ نجد عديد المدارس والمعاهد الخاصة تعتمد على عقود إسداء خدمات مع معلمين وأساتذة لضمان حصص التدريس بأجور بخسة للغاية، في الوقت الذي كان يفترض أن تكون إطارًا لاستقطاب وضمان فرص عمل للعاطلين عن العمل من خرّيجي الجامعة.

ويساهم التوسع في المدارس الخاصة في تعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية، مما يضعف دور التعليم كـ"مصعد اجتماعي" يضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم تقديم مقترح مشروع قانون يتعلق بقطاع التعليم الخاص أمام مجلس نواب الشعب، تم عرضه على لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، حيث تولت مناقشته مع جهة المبادرة في مناسبتين. وفي انتظار عرضه على الجلسة العامة للنقاش والتصويت، حمل النقاش عددًا من التوصيات في علاقة بتنظيم القطاع وتجويد التعليم ووضع آليات مراقبة، إضافة إلى فتح آفاق جديدة للاستثمار مع ضمان حقوق العاملين به، خاصة من المعلمين والأساتذة، باعتباره قطاعًا ذا تشغيلية عالية.

ريم سوودي

 

أسعار خيالية وتكاليف باهظة..   قطاع التعليم الخاص يتوسع.. أسعار خيالية ومطالبة بالرقابة   

 

تونس - الصباح

تجد "آمال" نفسها مضطرة كل سنة إلى تجديد وجدولة طلب حصولها على قرض بنكي من أجل تغطية تكاليف دراسة ابنيها في مدرسة خاصة، لأنها مع كل عودة مدرسية تكون مطالبة بدفع كلفة الترسيم التي تبلغ للواحد منهما 560 دينارًا، زائد معلوم الدراسة المحدد هذا العام بـ1250 دينارا للواحد، وهو مبلغ يشهد زيادات سنوية، ومع احتساب تكلفة الإعاشة البالغة 600 دينار، وتكلفة الميداعة والأدوات المدرسية التي قُدّرت هذا العام بـ500 دينار، تكون تكلفة الواحد من أبنائها في حدود الـ5410 دينارات، أي إنها مع كل عودة مدرسية يجب أن تحضّر ما لا يقل عن 10 آلاف دينار من تكلفة الدراسة فقط، دون احتساب الملابس والمحفظة وغيرها من المستلزمات.

 

وتقول "آمال" في تصريحها لـ"الصباح": "إنها وزوجها يشكلان مثالًا لآلاف التونسيين والتونسيات الذين اختاروا الاستثمار في أبنائهم وتمكينهم تعليمًا بمستوى أفضل، في الوقت الذي لا يغطي مدخولهما التكاليف العالية لهذا الاختيار".

وتتباين تكاليف المدارس والمعاهد الخاصة في تونس من جهة إلى أخرى، إذ تسجل أسعارًا خيالية في مناطق من تونس الكبرى والمدن الساحلية، في حين تكون في مستوى مقبول في جهات داخلية.

وأفاد رئيس النقابة الوطنية لمؤسسات التعليم الخاص، محمد سامي، أن الأسعار تختلف بشكل حاد بين المناطق، إذ تبدأ من 50 دينارًا شهريًا في بعض الجهات على غرار القصرين وتوزر وقفصة وقبلي، بينما تصل رسوم المدارس الأجنبية المنتصبة في تونس الكبرى إلى مبالغ وصفها بالخيالية، قد تلامس 60 ألف دينار سنويًا.

وحسب نفس المتحدث، يستقطب قطاع التعليم الخاص نحو الـ10% من مجموع التلاميذ المرسمين في المعاهد والمدارس التونسية، ويبلغ عددهم 2 مليون و341 ألف تلميذ، ويدرسون في مؤسسات التعليم الخاص. وأشار في نفس السياق إلى أن "القطاع يتضمن نحو 1252 مؤسسة تعليمية (ابتدائي وإعدادي وثانوي) وفق آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية".

وفي خصوص المتابعة وجدول الأسعار المعتمد في هذا القطاع، بيّن رئيس النقابة الوطنية لمؤسسات التعليم الخاص أن "المدارس الأجنبية تخضع لرقابة الوزارة فقط من حيث صلاحية الفضاءات والمقرات السكنية وفق القوانين المنظمة، دون تدخل في برامجها التعليمية أو مناهجها التي تتبع الدول التابعة لها".

وللإشارة، كشف استبيان حول التعليم الابتدائي الخاص أنجزته منظمة الدفاع عن المستهلك، شمل ولايات تونس ومنوبة ونابل وبنزرت، أن تكلفة الترسيم بالمدارس الخاصة تتراوح بين 60 و980 دينارًا، وتكلفة الثلاثي تتراوح بين 100 و1850 دينارًا.

أما بالنسبة للتكلفة السنوية، فتتراوح بين 1100 دينار و9 آلاف دينار، وأكدت المنظمة أن تعريفة التعليم الخاص في تونس غير محددة مطلقًا بأي نص قانوني، ولا تخضع لرقابة أي جهة حكومية.

وبحسب الدراسة الصادرة عن جمعية "مرصد" التي تضم باحثين في السياسات العمومية، سجلت الفترة الممتدة من 2013 إلى 2018 ارتفاعًا هائلًا بنسبة 36% في عدد المدارس الابتدائية الخاصة، فيما بلغت نسبة النمو بين سنتي 2015/2016 وحدهما أكثر من 70%.

وأوضحت نفس الدراسة أنه رغم تباطؤ النمو منذ عام 2019 ليستقر عند 4% فقط، فقد تطور عدد التلاميذ المسجلين في المدارس الابتدائية الخاصة من 21.509 تلاميذ سنة 2009/2010 إلى 128.513 تلميذًا في السنة الدراسية 2023/2024، أي إنه تضاعف 6 مرات خلال 14 عامًا.

ومن أبرز الانتقادات التي توجه إلى قطاع التعليم الخاص في تونس تكاليفه الباهظة، إذ تجد العائلات التونسية نفسها أمام ضرورة توفير أقساط مدرسية مرتفعة شهريًا، مع إمكانية تسجيل زيادات غير مقنعة في الرسوم والتي تثقل كاهل الأولياء، مما يدفع العديد منهم إلى الاقتراض.

وينبه المختصون إلى التباين في جودة التعليم والإحاطة من مؤسسة إلى أخرى، فبينما تسعى بعض المدارس للربح المادي البحت، تغيب الرقابة الصارمة على مدى التزام بعضها بمعايير السلامة والجودة البيداغوجية، إذ نجد عديد المدارس والمعاهد الخاصة تعتمد على عقود إسداء خدمات مع معلمين وأساتذة لضمان حصص التدريس بأجور بخسة للغاية، في الوقت الذي كان يفترض أن تكون إطارًا لاستقطاب وضمان فرص عمل للعاطلين عن العمل من خرّيجي الجامعة.

ويساهم التوسع في المدارس الخاصة في تعميق الهوة بين الطبقات الاجتماعية، مما يضعف دور التعليم كـ"مصعد اجتماعي" يضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم تقديم مقترح مشروع قانون يتعلق بقطاع التعليم الخاص أمام مجلس نواب الشعب، تم عرضه على لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، حيث تولت مناقشته مع جهة المبادرة في مناسبتين. وفي انتظار عرضه على الجلسة العامة للنقاش والتصويت، حمل النقاش عددًا من التوصيات في علاقة بتنظيم القطاع وتجويد التعليم ووضع آليات مراقبة، إضافة إلى فتح آفاق جديدة للاستثمار مع ضمان حقوق العاملين به، خاصة من المعلمين والأساتذة، باعتباره قطاعًا ذا تشغيلية عالية.

ريم سوودي