إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إعلانات الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي..  المنصات الرقمية تتحول إلى «سوق» للبحث عن شريك الحياة  

 

 تونس الصباح

 أمام الحضور الكبير الذي اكتسبته مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل تدريجيًا من فضاء ثانوي إلى إطار أساسي لـ«الحياة» لفئة واسعة من التونسيين، يتواصلون داخله ويقتنون منه مستلزماتهم ويلجؤون إليه في عمليات البيع والشراء.. ويشمل هذا السوق الكبير البحث أيضًا عن شريك أو شريكة حياة، أين تتوزع داخله «دكاكين» خدمات الزواج التي يتم خلالها تقديم عروض أو تحديد شروط ومواصفات بعينها للشريك، تضبط معها السن والمهنة والطول والجهة وحتى لون البشرة أحيانًا.

 ومع انتشار هذا النوع من الفيديوهات وأمام عدد المتابعين والمتفاعلين معها، تعود ظاهرة «الزواج المنظم» أو الزواج عبر الوساطة إلى فرض نفسها من جديد، وبدل العائلة أو الأقارب أو الجيران الذين كانوا يتولون هذه المهمة، يظهر وسيط جديد هو المنصة الرقمية ليتخذ مهمة «الخاطبة».

وتقول الباحثة في علم الاجتماع نجاة عرعاري إنه لطالما كان الزواج في المجتمع التونسي مرتبطًا، في جزء منه، بشبكة واسعة من العلاقات العائلية والاجتماعية وعلاقات التصاهر. وكانت الوساطة في التعارف بين رجل وامرأة تتم غالبًا عبر أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الجيران، وتُبنى على «السترة» لدى المرأة قبل أن تتطور العلاقة مع ما شهده المجتمع من تطور ثقافي واقتصادي واجتماعي.

وما يمكن الوقوف عنده اليوم، مع ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي من انتشار لصفحات ترويجية للزواج اليوم، أن هذه الآلية قد انتقلت جزئيًا إلى الفضاء الرقمي. فأصبح بإمكان شخص يبحث عن الزواج أن ينشر إعلانًا يقدم فيه نفسه ويحدد ما يبحث عنه، أو أن تلجأ عائلة إلى نشر إعلان نيابة عن أحد أفرادها.

وتفسر عرعاري هذا السلوك بأكثر من جانب، فهو يعكس حالة العزلة الاجتماعية التي أصبح يعيشها جزء من التونسيين، فهو قادر على تشبيك علاقات والتعبير والتواصل في الفضاء الرقمي، في حين يجد صعوبة في ربط علاقات حقيقية يمكن أن تصل به إلى الزواج.

كما يرتبط انتشار إعلانات الزواج على مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا بمجموع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نعيشها، وحالة الردة في العقول بشكل يعيد تشكيل فرص التعارف التقليدي في الفضاء الرقمي. فالشباب اليوم يعيشون في محيط اجتماعي مختلف عن الأجيال السابقة. كما اعتبرت أيضًا أن ظروف الدراسة والعمل والهجرة والتنقل جعلت العلاقات الاجتماعية أقل استقرارًا، وأصبح العثور على شريك مناسب أكثر صعوبة بالنسبة إلى البعض، وخاصة عمالنا التونسيين بالخارج.

ويعيد هذا الشكل في التعارف، حسب نجاة عرعاري، من جديد، تقييم مؤسسة الزواج التي يفترض أن تُبنى على المحبة والتعارف المسبق والتجربة والعشرة بين فردين متعلمين قررا الارتباط، إلى علاقة جديدة مبنية على سلعنة مؤسسة الزواج وجعلها إطارًا يخضع للعرض والطلب، وسلعنة النساء أساسًا ـ غالبية الذين يتقدمون بعروض زواج هم من الرجال ومن المهاجرين في الخارج ـ وهو ما من شأنه أن يفقد، حسب الباحثة في علم الاجتماع، مؤسسة الزواج التي تُبنى على روابط عاطفية وعلاقة صلبة قادرة على مواجهة صعوبات الحياة، المخاطر لقيمتها ودورها الاجتماعي.

وأمام غياب كل شكل من أشكال الرقابة أو المتابعة أو التأمين، لهذا النوع من الصفحات والمواقع من قبل مؤسسات الدولة، حذرت نجاة العرعاري من المخاطر التي يمكن أن تشكلها هذه الإعلانات، فيمكن أن تكون منطلقًا لشبكات إجرامية وسلسلة اتجار بالبشر تتورط من خلالها الفتيات والنساء في شركات دعارة أو مخدرات.. كما يمكن أن تكون إطارًا لانتحال الهوية، وتقديم معلومات غير صحيحة حول الوضع الاجتماعي أو المهني، والابتزاز، والاستغلال العاطفي أو المالي، فضلًا عن إمكانية نشر صور أو معطيات شخصية دون موافقة أصحابها.

وذكرت في نفس السياق بجرائم الاغتصاب والقتل والتحيل التي سُجلت خلال السنوات الماضية وفي أكثر من ولاية، ويكون وراءها إعلانات كاذبة ومغرية بالتشغيل أو الزواج أو التسفير إلى الخارج…

ومن المفارقات التي تستحق أيضًا التوقف عندها أن الفضاء الرقمي الذي ارتبط طويلًا بفكرة العلاقات المفتوحة والتعارف السريع يمكن أن يتحول، بالنسبة إلى بعض المستخدمين، إلى وسيلة للبحث عن علاقة أكثر جدية واستقرارًا. فالشخص الذي يعلن صراحة أنه يبحث عن الزواج يختصر منذ البداية جزءًا من المسافة، ويحدد طبيعة العلاقة التي يريدها. وهذا ما يفسر ربما الإقبال على مجموعات وصفحات تقدم نفسها باعتبارها فضاءً للراغبين في الزواج، وليس للتعارف العابر.

ومع ما تسجله هذه الصفحات من حجم تفاعل، تقول عرعاري، إن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن المجتمع التونسي عاد ببساطة إلى النموذج التقليدي. بل يمكن اعتباره إعادة إنتاج لبعض آليات الزواج التقليدي داخل أدوات حديثة. كما لا يمكن أيضًا فصل هذه الظاهرة عن الضغط الاجتماعي المرتبط بالزواج، وخاصة بالنسبة إلى النساء والرجال الذين تجاوزوا سنًا معينة دون زواج. ففي بعض الأوساط، حتى مع تعلّم المرأة وخروجها لسوق العمل، لا يزال الزواج يمثل معيارًا مهمًا للاستقرار الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يجعل البحث عن شريك يتحول من خيار شخصي إلى مصدر ضغط اجتماعي. وتستغل هذه المواقع والصفحات ذلك لتمنح الفرد قدرًا من المبادرة لم يكن متاحًا بالسهولة نفسها في السابق. فالمرأة أو الرجل يستطيعان الإعلان عن رغبتهما في الزواج دون المرور بأي ضغط كان.

 ريم سوودي

 

 

إعلانات الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي..   المنصات الرقمية تتحول إلى «سوق» للبحث عن شريك الحياة   

 

 تونس الصباح

 أمام الحضور الكبير الذي اكتسبته مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل تدريجيًا من فضاء ثانوي إلى إطار أساسي لـ«الحياة» لفئة واسعة من التونسيين، يتواصلون داخله ويقتنون منه مستلزماتهم ويلجؤون إليه في عمليات البيع والشراء.. ويشمل هذا السوق الكبير البحث أيضًا عن شريك أو شريكة حياة، أين تتوزع داخله «دكاكين» خدمات الزواج التي يتم خلالها تقديم عروض أو تحديد شروط ومواصفات بعينها للشريك، تضبط معها السن والمهنة والطول والجهة وحتى لون البشرة أحيانًا.

 ومع انتشار هذا النوع من الفيديوهات وأمام عدد المتابعين والمتفاعلين معها، تعود ظاهرة «الزواج المنظم» أو الزواج عبر الوساطة إلى فرض نفسها من جديد، وبدل العائلة أو الأقارب أو الجيران الذين كانوا يتولون هذه المهمة، يظهر وسيط جديد هو المنصة الرقمية ليتخذ مهمة «الخاطبة».

وتقول الباحثة في علم الاجتماع نجاة عرعاري إنه لطالما كان الزواج في المجتمع التونسي مرتبطًا، في جزء منه، بشبكة واسعة من العلاقات العائلية والاجتماعية وعلاقات التصاهر. وكانت الوساطة في التعارف بين رجل وامرأة تتم غالبًا عبر أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الجيران، وتُبنى على «السترة» لدى المرأة قبل أن تتطور العلاقة مع ما شهده المجتمع من تطور ثقافي واقتصادي واجتماعي.

وما يمكن الوقوف عنده اليوم، مع ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي من انتشار لصفحات ترويجية للزواج اليوم، أن هذه الآلية قد انتقلت جزئيًا إلى الفضاء الرقمي. فأصبح بإمكان شخص يبحث عن الزواج أن ينشر إعلانًا يقدم فيه نفسه ويحدد ما يبحث عنه، أو أن تلجأ عائلة إلى نشر إعلان نيابة عن أحد أفرادها.

وتفسر عرعاري هذا السلوك بأكثر من جانب، فهو يعكس حالة العزلة الاجتماعية التي أصبح يعيشها جزء من التونسيين، فهو قادر على تشبيك علاقات والتعبير والتواصل في الفضاء الرقمي، في حين يجد صعوبة في ربط علاقات حقيقية يمكن أن تصل به إلى الزواج.

كما يرتبط انتشار إعلانات الزواج على مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا بمجموع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نعيشها، وحالة الردة في العقول بشكل يعيد تشكيل فرص التعارف التقليدي في الفضاء الرقمي. فالشباب اليوم يعيشون في محيط اجتماعي مختلف عن الأجيال السابقة. كما اعتبرت أيضًا أن ظروف الدراسة والعمل والهجرة والتنقل جعلت العلاقات الاجتماعية أقل استقرارًا، وأصبح العثور على شريك مناسب أكثر صعوبة بالنسبة إلى البعض، وخاصة عمالنا التونسيين بالخارج.

ويعيد هذا الشكل في التعارف، حسب نجاة عرعاري، من جديد، تقييم مؤسسة الزواج التي يفترض أن تُبنى على المحبة والتعارف المسبق والتجربة والعشرة بين فردين متعلمين قررا الارتباط، إلى علاقة جديدة مبنية على سلعنة مؤسسة الزواج وجعلها إطارًا يخضع للعرض والطلب، وسلعنة النساء أساسًا ـ غالبية الذين يتقدمون بعروض زواج هم من الرجال ومن المهاجرين في الخارج ـ وهو ما من شأنه أن يفقد، حسب الباحثة في علم الاجتماع، مؤسسة الزواج التي تُبنى على روابط عاطفية وعلاقة صلبة قادرة على مواجهة صعوبات الحياة، المخاطر لقيمتها ودورها الاجتماعي.

وأمام غياب كل شكل من أشكال الرقابة أو المتابعة أو التأمين، لهذا النوع من الصفحات والمواقع من قبل مؤسسات الدولة، حذرت نجاة العرعاري من المخاطر التي يمكن أن تشكلها هذه الإعلانات، فيمكن أن تكون منطلقًا لشبكات إجرامية وسلسلة اتجار بالبشر تتورط من خلالها الفتيات والنساء في شركات دعارة أو مخدرات.. كما يمكن أن تكون إطارًا لانتحال الهوية، وتقديم معلومات غير صحيحة حول الوضع الاجتماعي أو المهني، والابتزاز، والاستغلال العاطفي أو المالي، فضلًا عن إمكانية نشر صور أو معطيات شخصية دون موافقة أصحابها.

وذكرت في نفس السياق بجرائم الاغتصاب والقتل والتحيل التي سُجلت خلال السنوات الماضية وفي أكثر من ولاية، ويكون وراءها إعلانات كاذبة ومغرية بالتشغيل أو الزواج أو التسفير إلى الخارج…

ومن المفارقات التي تستحق أيضًا التوقف عندها أن الفضاء الرقمي الذي ارتبط طويلًا بفكرة العلاقات المفتوحة والتعارف السريع يمكن أن يتحول، بالنسبة إلى بعض المستخدمين، إلى وسيلة للبحث عن علاقة أكثر جدية واستقرارًا. فالشخص الذي يعلن صراحة أنه يبحث عن الزواج يختصر منذ البداية جزءًا من المسافة، ويحدد طبيعة العلاقة التي يريدها. وهذا ما يفسر ربما الإقبال على مجموعات وصفحات تقدم نفسها باعتبارها فضاءً للراغبين في الزواج، وليس للتعارف العابر.

ومع ما تسجله هذه الصفحات من حجم تفاعل، تقول عرعاري، إن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن المجتمع التونسي عاد ببساطة إلى النموذج التقليدي. بل يمكن اعتباره إعادة إنتاج لبعض آليات الزواج التقليدي داخل أدوات حديثة. كما لا يمكن أيضًا فصل هذه الظاهرة عن الضغط الاجتماعي المرتبط بالزواج، وخاصة بالنسبة إلى النساء والرجال الذين تجاوزوا سنًا معينة دون زواج. ففي بعض الأوساط، حتى مع تعلّم المرأة وخروجها لسوق العمل، لا يزال الزواج يمثل معيارًا مهمًا للاستقرار الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يجعل البحث عن شريك يتحول من خيار شخصي إلى مصدر ضغط اجتماعي. وتستغل هذه المواقع والصفحات ذلك لتمنح الفرد قدرًا من المبادرة لم يكن متاحًا بالسهولة نفسها في السابق. فالمرأة أو الرجل يستطيعان الإعلان عن رغبتهما في الزواج دون المرور بأي ضغط كان.

 ريم سوودي