في اللقاء الأخير الذي جمع وزير الصحة مصطفى الفرجاني بممثّل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» بتونس نبيل عسّاف، تم التطرّق إلى سلامة الغذاء ومقاومة مضادات الميكروبات والوقاية من مخاطر المبيدات، حيث أكّد وزير الصحة أهمية تفعيل مقاربة «الصحة الواحدة» التي تجمع بين الصحة والفلاحة والبيئة، من خلال تبادل المعطيات ووضع خطة موحّدة للاستباق والإنذار المبكر وتعزيز التعاون بين المخابر بهدف حماية المواطن وضمان غذاء أكثر أمانًا.
واليوم تُطرح مسألة تأثير المبيدات على جودة الغذاء وسلامته للنقاش في كل الدول، حيث اتضح أن للمبيدات تأثيرها السلبي والمميت أحيانًا على صحة الإنسان، ولذلك باتت أغلب دول العالم تتوجه إلى الفلاحة البيولوجية، الأكثر أمنًا على صحة الإنسان.
خطر المبيدات
رغم الرقابة الدولية والوطنية الصارمة التي تخضع لها صناعة وتجارة توزيع الأسمدة الكيميائية المعدّة للاستعمال الفلاحي، لكن ذلك لا ينفي مضارّها، ولذلك تتوجّه اليوم أغلب دول العالم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.
وتؤكّد منظمة الصحة العالمية وجود أكثر من 1000 نوع من مبيدات الآفات يتم استخدامها في جميع أنحاء العالم لضمان عدم تضرّر المحاصيل الغذائية أو تلفها بسبب الآفات، حيث تقوم تلك المبيدات بحماية المحاصيل الزراعية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على تحقيق الأمن الغذائي للدول. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المبيدات المسموح باستخدامها حاليًا في الأغذية ضمن التجارة الدولية لا تُصنّف كمواد خطرة، إلا أن التعرّض لكميات مرتفعة منها قد يؤدّي إلى التسمّم الحاد أو إلى مضاعفات صحية طويلة الأمد، قد تشمل الإصابة بالسرطان أو التأثير على الصحة الإنجابية. وتختلف خطورة المبيدات حسب نوعها وطريقة استعمالها، فالمبيدات الحشرية غالبًا ما تكون أكثر سُمية للإنسان من مبيدات الأعشاب، كما أن تأثير المادة الكيميائية يتغير وفق كمية ومدة التعرّض لها، إضافة إلى طريقة دخولها إلى الجسم، سواء عبر الاستنشاق أو البلع أو الملامسة المباشرة للجلد.
ومنذ أشهر أعدّت جمعية «المساءلة الاجتماعية» دراسة بعنوان «التلوّث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيّرات الواقع الميداني»، خلصت إلى أن التلوّث الفلاحي في تونس لم يعد مجرّد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعّبة تهدّد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي، وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية. حيث اعتبرت الدراسة أن القطاع الفلاحي، رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من أبرز مصادر الضغط البيئي في البلاد نتيجة الاستعمال المكثّف للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتراجع الممارسات الزراعية التقليدية المستدامة مقابل توسّع نماذج إنتاج تقوم على الربحية السريعة والإنتاج الكمي دون اعتبار كافٍ للانعكاسات البيئية طويلة المدى. ويندّد مختصون في الفلاحة باللجوء إلى الاستعمال المكثّف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلّي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجّه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور مورّدة يتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج، وهو ما يؤثر بالتالي على نوعية الماء والغلال والخضر التي تصل المستهلك. واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارًا عفويًا، بل جاء نتيجة تحوّلات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلّي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدّى إلى تلوّث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.
ويرى أغلب المختصين أن الحلّ يكمن اليوم في التوجه نحو الأسمدة الطبيعية وتثمين النفايات العضوية لما لها من جدوى بيئية واقتصادية دون الإضرار بالتربة والمياه، بالإضافة إلى ضرورة العودة إلى البذور المحلية نظرًا لقدرتها على التكيف مع المناخ والتربة، مما يقلل الحاجة إلى الإضافات الكيميائية.
التوجّه إلى الفلاحة البيولوجية
خلال اجتماع للجنة الوطنية للفلاحة البيولوجية التي انعقدت غرة جويلية الجاري تحت إشراف وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، تم تقديم الاستراتيجية الوطنية لتنمية الفلاحة البيولوجية للفترة 2026-2030، والتي تهدف إلى تعزيز تنافسية القطاع واستدامته ومصداقيته، من خلال تدعيم القاعدة الإنتاجية وهيكلة سلاسل القيمة وتطوير التحويل والتثمين وتحسين منظومة التصديق والتتبع، فضلًا عن تنمية الأسواق وتأمين النفاذ إلى الأسواق الدولية، بما يجعل من الفلاحة البيولوجية رافعة للتنمية المستدامة والانتقال نحو أنماط إنتاج أكثر احترامًا للبيئة.
وقد أكّدت وزارة الفلاحة في بلاغ لها أن هذه الاستراتيجية ترتكز على خمسة محاور رئيسية تتمثل في تعزيز الحوكمة والإطار القانوني والتنسيق المؤسساتي والترابي للقطاع، ومرافقة المنتجين وتدعيم أسس إنتاج بيولوجي مستدام وذي قدرة على الصمود، وهيكلة سلاسل الإنتاج وتطوير التحويل والتثمين والرفع من القيمة المضافة، وتعزيز منظومة التصديق والمراقبة والتتبع وضمان المطابقة للمواصفات، إلى جانب تنمية السوق الوطنية ودعم الصادرات وتأمين النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وقد أكّد وزير الفلاحة على أهمية تثمين المنتوجات البيولوجية وتطوير سلاسل القيمة المضافة المرتبطة بها من خلال دعم التحويل والتعليب والتسويق، بما من شأنه الرفع من مردودية القطاع وتحسين مداخيل المنتجين وتعزيز قدرة المنتجات التونسية على النفاذ إلى الأسواق ذات القيمة العالية. كما تم التطرق، خلال اجتماع اللجنة، إلى السبل الكفيلة بتطوير منظومة الإنتاج البيولوجي والإشهاد والمراقبة والترويج للمنتجات البيولوجية ودعم الاستثمار في القطاع ومرافقة الفلاحين والمهنيين، بما يسهم في إرساء منظومة إنتاج متكاملة قادرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق وتعزيز مكانة المنتوج البيولوجي التونسي.
والاستراتيجية الوطنية للفلاحة البيولوجية تراهن في أفق 2030 على تحويل القطاع إلى نموذج مرجعي على الصعيد الدولي من خلال الحوكمة ودعم تنافسية المنتجات المعترف بها عالميًا، على غرار زيت الزيتون والتمور، بالإضافة إلى العمل على تنويع العرض ليشمل زيوت النباتات العطرية والخضروات ومنتجات التين الشوكي.
وتفرض الفلاحة البيولوجية، التي تحظى بدعم منظمة الزراعة العالمية «الفاو»، نفسها اليوم كحلّ بديل للحماية من المبيدات الفلاحية وضمان غذاء آمن وعلى درجة عالية من الجودة.
منية العرفاوي
تونس - الصباح
في اللقاء الأخير الذي جمع وزير الصحة مصطفى الفرجاني بممثّل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» بتونس نبيل عسّاف، تم التطرّق إلى سلامة الغذاء ومقاومة مضادات الميكروبات والوقاية من مخاطر المبيدات، حيث أكّد وزير الصحة أهمية تفعيل مقاربة «الصحة الواحدة» التي تجمع بين الصحة والفلاحة والبيئة، من خلال تبادل المعطيات ووضع خطة موحّدة للاستباق والإنذار المبكر وتعزيز التعاون بين المخابر بهدف حماية المواطن وضمان غذاء أكثر أمانًا.
واليوم تُطرح مسألة تأثير المبيدات على جودة الغذاء وسلامته للنقاش في كل الدول، حيث اتضح أن للمبيدات تأثيرها السلبي والمميت أحيانًا على صحة الإنسان، ولذلك باتت أغلب دول العالم تتوجه إلى الفلاحة البيولوجية، الأكثر أمنًا على صحة الإنسان.
خطر المبيدات
رغم الرقابة الدولية والوطنية الصارمة التي تخضع لها صناعة وتجارة توزيع الأسمدة الكيميائية المعدّة للاستعمال الفلاحي، لكن ذلك لا ينفي مضارّها، ولذلك تتوجّه اليوم أغلب دول العالم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.
وتؤكّد منظمة الصحة العالمية وجود أكثر من 1000 نوع من مبيدات الآفات يتم استخدامها في جميع أنحاء العالم لضمان عدم تضرّر المحاصيل الغذائية أو تلفها بسبب الآفات، حيث تقوم تلك المبيدات بحماية المحاصيل الزراعية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على تحقيق الأمن الغذائي للدول. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المبيدات المسموح باستخدامها حاليًا في الأغذية ضمن التجارة الدولية لا تُصنّف كمواد خطرة، إلا أن التعرّض لكميات مرتفعة منها قد يؤدّي إلى التسمّم الحاد أو إلى مضاعفات صحية طويلة الأمد، قد تشمل الإصابة بالسرطان أو التأثير على الصحة الإنجابية. وتختلف خطورة المبيدات حسب نوعها وطريقة استعمالها، فالمبيدات الحشرية غالبًا ما تكون أكثر سُمية للإنسان من مبيدات الأعشاب، كما أن تأثير المادة الكيميائية يتغير وفق كمية ومدة التعرّض لها، إضافة إلى طريقة دخولها إلى الجسم، سواء عبر الاستنشاق أو البلع أو الملامسة المباشرة للجلد.
ومنذ أشهر أعدّت جمعية «المساءلة الاجتماعية» دراسة بعنوان «التلوّث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيّرات الواقع الميداني»، خلصت إلى أن التلوّث الفلاحي في تونس لم يعد مجرّد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعّبة تهدّد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي، وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية. حيث اعتبرت الدراسة أن القطاع الفلاحي، رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من أبرز مصادر الضغط البيئي في البلاد نتيجة الاستعمال المكثّف للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتراجع الممارسات الزراعية التقليدية المستدامة مقابل توسّع نماذج إنتاج تقوم على الربحية السريعة والإنتاج الكمي دون اعتبار كافٍ للانعكاسات البيئية طويلة المدى. ويندّد مختصون في الفلاحة باللجوء إلى الاستعمال المكثّف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلّي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجّه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور مورّدة يتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج، وهو ما يؤثر بالتالي على نوعية الماء والغلال والخضر التي تصل المستهلك. واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارًا عفويًا، بل جاء نتيجة تحوّلات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلّي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدّى إلى تلوّث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.
ويرى أغلب المختصين أن الحلّ يكمن اليوم في التوجه نحو الأسمدة الطبيعية وتثمين النفايات العضوية لما لها من جدوى بيئية واقتصادية دون الإضرار بالتربة والمياه، بالإضافة إلى ضرورة العودة إلى البذور المحلية نظرًا لقدرتها على التكيف مع المناخ والتربة، مما يقلل الحاجة إلى الإضافات الكيميائية.
التوجّه إلى الفلاحة البيولوجية
خلال اجتماع للجنة الوطنية للفلاحة البيولوجية التي انعقدت غرة جويلية الجاري تحت إشراف وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، تم تقديم الاستراتيجية الوطنية لتنمية الفلاحة البيولوجية للفترة 2026-2030، والتي تهدف إلى تعزيز تنافسية القطاع واستدامته ومصداقيته، من خلال تدعيم القاعدة الإنتاجية وهيكلة سلاسل القيمة وتطوير التحويل والتثمين وتحسين منظومة التصديق والتتبع، فضلًا عن تنمية الأسواق وتأمين النفاذ إلى الأسواق الدولية، بما يجعل من الفلاحة البيولوجية رافعة للتنمية المستدامة والانتقال نحو أنماط إنتاج أكثر احترامًا للبيئة.
وقد أكّدت وزارة الفلاحة في بلاغ لها أن هذه الاستراتيجية ترتكز على خمسة محاور رئيسية تتمثل في تعزيز الحوكمة والإطار القانوني والتنسيق المؤسساتي والترابي للقطاع، ومرافقة المنتجين وتدعيم أسس إنتاج بيولوجي مستدام وذي قدرة على الصمود، وهيكلة سلاسل الإنتاج وتطوير التحويل والتثمين والرفع من القيمة المضافة، وتعزيز منظومة التصديق والمراقبة والتتبع وضمان المطابقة للمواصفات، إلى جانب تنمية السوق الوطنية ودعم الصادرات وتأمين النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وقد أكّد وزير الفلاحة على أهمية تثمين المنتوجات البيولوجية وتطوير سلاسل القيمة المضافة المرتبطة بها من خلال دعم التحويل والتعليب والتسويق، بما من شأنه الرفع من مردودية القطاع وتحسين مداخيل المنتجين وتعزيز قدرة المنتجات التونسية على النفاذ إلى الأسواق ذات القيمة العالية. كما تم التطرق، خلال اجتماع اللجنة، إلى السبل الكفيلة بتطوير منظومة الإنتاج البيولوجي والإشهاد والمراقبة والترويج للمنتجات البيولوجية ودعم الاستثمار في القطاع ومرافقة الفلاحين والمهنيين، بما يسهم في إرساء منظومة إنتاج متكاملة قادرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق وتعزيز مكانة المنتوج البيولوجي التونسي.
والاستراتيجية الوطنية للفلاحة البيولوجية تراهن في أفق 2030 على تحويل القطاع إلى نموذج مرجعي على الصعيد الدولي من خلال الحوكمة ودعم تنافسية المنتجات المعترف بها عالميًا، على غرار زيت الزيتون والتمور، بالإضافة إلى العمل على تنويع العرض ليشمل زيوت النباتات العطرية والخضروات ومنتجات التين الشوكي.
وتفرض الفلاحة البيولوجية، التي تحظى بدعم منظمة الزراعة العالمية «الفاو»، نفسها اليوم كحلّ بديل للحماية من المبيدات الفلاحية وضمان غذاء آمن وعلى درجة عالية من الجودة.