إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سياحة المشاهير بمواقع أثرية وسياحية.. بين نجاح التسويق الرقمي والرسائل البصرية وتحديات الأثر السياحي الفعلي

يمكن للزيارات التي يقوم بها المشاهير أن تنتج محتوى ذا قيمة فنية وترويجية في الوقت نفسه، إذا تم التخطيط للرسالة البصرية منذ البداية، بحيث لا يطغى حضور النجم على حضور الموقع، بل يصبح الفنان جسرا إلى المكان.

 ماذا بعد الزيارة؟ ماذا يحدث عندما تنتهي الصور من التداول ويتراجع المحتوى تدريجيا على المنصات؟ وهل يتحول هذا الانتشار الرقمي فعلا إلى اهتمام بالمتحف والموقع والوجهة التونسية؟

تونس – الصباح

لم تعد زيارة الفنانين والمشاهير إلى تونس مرتبطة فقط بالحفلات والمهرجانات، إذ بدأت المتاحف والمواقع الأثرية تدخل بدورها في مسار هذه الزيارات، باعتبارها فضاءات قادرة على تقديم صورة أخرى عن الوجهة التونسية، صورة تتجاوز البحر والفعاليات الفنية لتضع التاريخ والتراث والمعمار في قلب المشهد.

وربما في هذا السياق جاءت زيارة الفنانة اللبنانية يارا إلى المتحف الوطني بباردو، حيث فُتحت أبواب المتحف استثنائيا خارج أوقات العمل لاستقبالها وتكريمها، في خطوة جمعت بين الزيارة الفنية واكتشاف جانب من الموروث الثقافي التونسي.

 

إيمان عبد اللطيف

وخلال جولتها، أبدت يارا اهتماما خاصا بالمصحف الأزرق التاريخي المكتوب بالخط الكوفي، وهو من بين أبرز القطع التي يحتضنها المتحف، لتتحول الزيارة أيضا إلى مادة بصرية قابلة للتداول على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقوم الفكرة التي عبّر عنها القائمون على الزيارة على أن الفنان الذي يحلّ بتونس لإحياء حفل لا ينبغي أن تقتصر تجربته على الانتقال من المطار إلى قاعة العرض، بل يمكن أن تشمل التعرف إلى تاريخ البلاد ومعالمها ومتاحفها.

وهي فكرة تكتسب أهمية خاصة اليوم، لأن الفنان لم يعد مجرد ضيف يحضر مناسبة فنية، وإنما يمتلك منصة إعلامية خاصة به، قادرة على نقل تجربته مباشرة إلى جمهور واسع في تونس وخارجها. ومن هنا تصبح الصورة جزءا أساسيا من عملية التسويق، وليس مجرد توثيق للزيارة. فاختيار المكان، وزاوية التصوير، والخلفية التي تظهر في الصورة، وطريقة إبراز القطعة الأثرية، والإضاءة وتكوين المشهد، كلها عناصر تصنع الرسالة التي ستصل إلى المتلقي. ويمكن لصورة فنية جيدة أن تمنح المعلم حضورا أكبر من خبر مكتوب عن الزيارة، لأنها تتيح للمتابع أن يرى المكان ويتخيل نفسه داخله. لكن الفرق يظل قائما بين صورة يكون فيها الموقع مجرد خلفية للفنان، وصورة يصبح فيها المكان جزءا أساسيا من مضمونها.

وفي الحالة الثانية، تتحول شهرة الفنان إلى مدخل للتعريف بالمتحف أو الموقع، ويصبح المحتوى قابلا لأن يثير فضول المتابع حول تاريخ المكان وما يحتويه. وهذا البعد البصري مهم خصوصا في زمن أصبحت فيه السياحة مرتبطة بصورة الوجهة بقدر ارتباطها بالمعلومات التي تقدم عنها. فالمسافر المحتمل لا يبحث فقط عن قائمة بالمعالم، وإنما يتأثر بما يراه من تجارب وصور ومشاهد تمنحه تصورا عن المكان.

ومن هنا يمكن للزيارات التي يقوم بها المشاهير أن تنتج محتوى ذا قيمة فنية وترويجية في الوقت نفسه، إذا تم التخطيط للرسالة البصرية منذ البداية، بحيث لا يطغى حضور النجم على حضور الموقع، بل يصبح الفنان جسرا إلى المكان.

وتونس ليست أمام تجربة جديدة تماما في هذا المجال، فقد ارتبط تاريخ المهرجانات والحفلات الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي ومهرجان الجم، بحضور أسماء عربية وعالمية كبيرة. أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وغيرهما من رموز الفن العربي زاروا تونس، وبقيت صور وحكايات تلك الزيارات جزءا من الذاكرة المرتبطة بالبلاد. كما ارتبط عدد من الفنانين العرب في أجيال لاحقة بتونس، ولم تكن المسارح وحدها حاضرة في تجربتهم، بل حضرت أيضا قرطاج والمدينة العتيقة وسيدي بوسعيد وغيرها من المواقع.

وعلى المستوى العالمي، عرفت تونس بدورها زيارات لشخصيات فنية وثقافية، من بينها الفنان التشكيلي هنري ماتيس، الذي تأثر خلال إقامته في تونس بالضوء والألوان والعمارة المحلية، وهو مثال على قدرة المكان التونسي على إنتاج أثر يتجاوز لحظة الزيارة.

غير أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت صياغة هذه العلاقة بشكل مختلف. ففي السابق كانت صورة الفنان داخل موقع تونسي تحتاج إلى الصحافة أو التلفزيون حتى تصل إلى الجمهور، أما اليوم فيمكن لصورة أو مقطع قصير ينشره الفنان أن يصل إلى ملايين المتابعين خلال وقت وجيز. وهذه قوة تسويقية حقيقية، لكنها تطرح في المقابل السؤال الأهم: كيف يمكن إقناع المشاهير بهذه الرسائل؟ فالزيارات الترويجية السياحية من قبل الفنانين والمشاهير تكون في معظم المناسبات بمقابل مادي ومالي مهم، وتختلف قيمته من شخصية إلى أخرى، ولا يقوم ذلك على سياسة "الإحراج" أو "الاستعطاف" أو منطق استغلال "الفرص"، بل هي استراتيجية قائمة، في أدق تفاصيلها، على ذلك "الكاشي" الذي يتقاضاه الضيف.

وأسئلة أخرى تطرح نفسها أيضا: ماذا بعد الزيارة؟ ماذا يحدث عندما تنتهي الصور من التداول ويتراجع المحتوى تدريجيا على المنصات؟ وهل يتحول هذا الانتشار الرقمي فعلا إلى اهتمام بالمتحف والموقع والوجهة التونسية؟

فعدد المشاهدات والإعجابات وإعادة النشر يعطي مؤشرا على حجم الوصول، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال الأثر السياحي. هل ارتفع عدد الباحثين عن متحف باردو بعد الزيارة؟ وهل سجل المتحف زيادة في الإقبال؟ وهل يمكن معرفة ما إذا كان جمهور الفنان قد أبدى اهتماما أكبر بتونس ومواقعها الثقافية؟ وهل توجد مقارنة بين حركة الزيارات قبل هذه الحملات وبعدها؟

هنا تحديدا تنتقل المسألة من مجرد نجاح اتصالي إلى اختبار فعلي للاستراتيجية. فالتسويق السياحي لا يقاس فقط بمدى انتشار الصورة، وإنما بقدرتها على تغيير سلوك المتلقي، من المشاهدة إلى البحث، ومن البحث إلى الرغبة في الزيارة، ثم من الرغبة إلى السفر واكتشاف المكان.

ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى متابعة ما بعد الزيارة، من خلال مؤشرات تتجاوز الأرقام السريعة لمنصات التواصل الاجتماعي. ويمكن، على سبيل المثال، متابعة تطور عدد زوار المتحف أو الموقع، ومراقبة حركة البحث الرقمي عنه، ودراسة الأسواق التي جاء منها التفاعل، ثم مقارنة هذه المعطيات بالفترة السابقة للحملة. وإذا كانت مثل هذه التقارير موجودة، فإن نشر نتائجها أو الاستناد إليها في تطوير التجارب المقبلة يمكن أن يمنح سياسة استضافة المشاهير أساسا أكثر وضوحا. أما إذا بقي القياس محصورا في عدد المشاهدات، فإن نجاح الصورة يظل نجاحا رقميا بالأساس، مهما كان حجمه.

وفي السياق نفسه، يمكن قراءة الجدل الذي رافق ظهور يارا بلباس تقليدي مغربي داخل معلم أثري تونسي من زاوية الرسالة البصرية التي تصنعها المؤسسة المنظمة، وليس من زاوية تحميل الفنانة مسؤولية اختيار لباسها. فعندما يكون الهدف المعلن من الزيارة التعريف بالتراث التونسي، تصبح كل عناصر الصورة حاضرة في تشكيل الرسالة، من المعلم إلى الأزياء والخلفية وطريقة التصوير.

وكان يمكن، ضمن الإعداد لمثل هذه المناسبات، التفكير في حضور عناصر من اللباس التقليدي التونسي، مثل قفطان قرطاج أو الفوطة والبلوزة، بما يعزز خصوصية الصورة التي ستنتشر باسم المكان والبلاد. والمقصود هنا ليس فرض شكل معين على الفنان، وإنما حسن إدارة الصورة عندما تكون الزيارة جزءا من عملية ترويجية.

والأمر نفسه ينطبق على اختيار المواقع والقطع التي يتم تصويرها، وطريقة تقديمها، والمعلومات التي ترافقها، حتى لا يبقى المتلقي أمام صورة جميلة من دون معرفة بما يراه أو كيفية اكتشافه على أرض الواقع.

ولعل هذه النقطة تقود إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى وجود استراتيجية واضحة لاستثمار هذه الزيارات على المدى القريب والمتوسط والبعيد. فاستضافة المشاهير يمكن أن تكون أكثر فاعلية إذا لم تتوقف عند مناسبة واحدة، وإنما اندرجت ضمن مسارات معدة للضيوف، تشمل المتاحف والمواقع الأثرية والمدن التاريخية، وتنتج عنها مواد يمكن إعادة توظيفها لاحقا في الحملات الثقافية والسياحية.

كما يمكن اختيار الشخصيات وفق طبيعة جمهورها والأسواق التي يمكن أن تصل إليها، حتى تكون الزيارة مرتبطة بهدف واضح، لا بمجرد الحضور الإعلامي.

وتملك تونس في هذا المجال رصيدا كبيرا، ليس فقط في قرطاج وباردو وسيدي بوسعيد، وإنما في شبكة واسعة من المواقع والمتاحف المنتشرة في مختلف الجهات، والتي تحتاج بدورها إلى حضور أكبر في الصورة الرقمية. ويمكن أن تساهم سياحة المشاهير في إعادة توزيع الضوء على هذه المواقع إذا تم إدراجها ضمن رؤية متكاملة تجعل النجم وسيلة للتعريف بالمكان، لا بديلا عنه.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان من المفيد استقبال الفنانين والمشاهير داخل المتاحف والمواقع الأثرية، فالفرصة التسويقية موجودة، وإنما بكيفية تحويلها إلى أثر مستدام. الصورة قد تكون بداية الرحلة، وانتشارها قد يلفت الانتباه، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول ذلك الانتباه إلى بحث ثم إلى زيارة فعلية، وعندما يمكن للمؤسسات أن تقيس هذا التحول بأرقام ومعطيات واضحة.

عندها تصبح زيارة الفنان أكثر من مناسبة عابرة، وتتحول الصورة من لحظة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى جزء من استراتيجية أوسع لتسويق التراث والثقافة والوجهة التونسية.

سياحة المشاهير بمواقع أثرية وسياحية.. بين نجاح التسويق الرقمي والرسائل البصرية وتحديات الأثر السياحي الفعلي

يمكن للزيارات التي يقوم بها المشاهير أن تنتج محتوى ذا قيمة فنية وترويجية في الوقت نفسه، إذا تم التخطيط للرسالة البصرية منذ البداية، بحيث لا يطغى حضور النجم على حضور الموقع، بل يصبح الفنان جسرا إلى المكان.

 ماذا بعد الزيارة؟ ماذا يحدث عندما تنتهي الصور من التداول ويتراجع المحتوى تدريجيا على المنصات؟ وهل يتحول هذا الانتشار الرقمي فعلا إلى اهتمام بالمتحف والموقع والوجهة التونسية؟

تونس – الصباح

لم تعد زيارة الفنانين والمشاهير إلى تونس مرتبطة فقط بالحفلات والمهرجانات، إذ بدأت المتاحف والمواقع الأثرية تدخل بدورها في مسار هذه الزيارات، باعتبارها فضاءات قادرة على تقديم صورة أخرى عن الوجهة التونسية، صورة تتجاوز البحر والفعاليات الفنية لتضع التاريخ والتراث والمعمار في قلب المشهد.

وربما في هذا السياق جاءت زيارة الفنانة اللبنانية يارا إلى المتحف الوطني بباردو، حيث فُتحت أبواب المتحف استثنائيا خارج أوقات العمل لاستقبالها وتكريمها، في خطوة جمعت بين الزيارة الفنية واكتشاف جانب من الموروث الثقافي التونسي.

 

إيمان عبد اللطيف

وخلال جولتها، أبدت يارا اهتماما خاصا بالمصحف الأزرق التاريخي المكتوب بالخط الكوفي، وهو من بين أبرز القطع التي يحتضنها المتحف، لتتحول الزيارة أيضا إلى مادة بصرية قابلة للتداول على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقوم الفكرة التي عبّر عنها القائمون على الزيارة على أن الفنان الذي يحلّ بتونس لإحياء حفل لا ينبغي أن تقتصر تجربته على الانتقال من المطار إلى قاعة العرض، بل يمكن أن تشمل التعرف إلى تاريخ البلاد ومعالمها ومتاحفها.

وهي فكرة تكتسب أهمية خاصة اليوم، لأن الفنان لم يعد مجرد ضيف يحضر مناسبة فنية، وإنما يمتلك منصة إعلامية خاصة به، قادرة على نقل تجربته مباشرة إلى جمهور واسع في تونس وخارجها. ومن هنا تصبح الصورة جزءا أساسيا من عملية التسويق، وليس مجرد توثيق للزيارة. فاختيار المكان، وزاوية التصوير، والخلفية التي تظهر في الصورة، وطريقة إبراز القطعة الأثرية، والإضاءة وتكوين المشهد، كلها عناصر تصنع الرسالة التي ستصل إلى المتلقي. ويمكن لصورة فنية جيدة أن تمنح المعلم حضورا أكبر من خبر مكتوب عن الزيارة، لأنها تتيح للمتابع أن يرى المكان ويتخيل نفسه داخله. لكن الفرق يظل قائما بين صورة يكون فيها الموقع مجرد خلفية للفنان، وصورة يصبح فيها المكان جزءا أساسيا من مضمونها.

وفي الحالة الثانية، تتحول شهرة الفنان إلى مدخل للتعريف بالمتحف أو الموقع، ويصبح المحتوى قابلا لأن يثير فضول المتابع حول تاريخ المكان وما يحتويه. وهذا البعد البصري مهم خصوصا في زمن أصبحت فيه السياحة مرتبطة بصورة الوجهة بقدر ارتباطها بالمعلومات التي تقدم عنها. فالمسافر المحتمل لا يبحث فقط عن قائمة بالمعالم، وإنما يتأثر بما يراه من تجارب وصور ومشاهد تمنحه تصورا عن المكان.

ومن هنا يمكن للزيارات التي يقوم بها المشاهير أن تنتج محتوى ذا قيمة فنية وترويجية في الوقت نفسه، إذا تم التخطيط للرسالة البصرية منذ البداية، بحيث لا يطغى حضور النجم على حضور الموقع، بل يصبح الفنان جسرا إلى المكان.

وتونس ليست أمام تجربة جديدة تماما في هذا المجال، فقد ارتبط تاريخ المهرجانات والحفلات الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي ومهرجان الجم، بحضور أسماء عربية وعالمية كبيرة. أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وغيرهما من رموز الفن العربي زاروا تونس، وبقيت صور وحكايات تلك الزيارات جزءا من الذاكرة المرتبطة بالبلاد. كما ارتبط عدد من الفنانين العرب في أجيال لاحقة بتونس، ولم تكن المسارح وحدها حاضرة في تجربتهم، بل حضرت أيضا قرطاج والمدينة العتيقة وسيدي بوسعيد وغيرها من المواقع.

وعلى المستوى العالمي، عرفت تونس بدورها زيارات لشخصيات فنية وثقافية، من بينها الفنان التشكيلي هنري ماتيس، الذي تأثر خلال إقامته في تونس بالضوء والألوان والعمارة المحلية، وهو مثال على قدرة المكان التونسي على إنتاج أثر يتجاوز لحظة الزيارة.

غير أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت صياغة هذه العلاقة بشكل مختلف. ففي السابق كانت صورة الفنان داخل موقع تونسي تحتاج إلى الصحافة أو التلفزيون حتى تصل إلى الجمهور، أما اليوم فيمكن لصورة أو مقطع قصير ينشره الفنان أن يصل إلى ملايين المتابعين خلال وقت وجيز. وهذه قوة تسويقية حقيقية، لكنها تطرح في المقابل السؤال الأهم: كيف يمكن إقناع المشاهير بهذه الرسائل؟ فالزيارات الترويجية السياحية من قبل الفنانين والمشاهير تكون في معظم المناسبات بمقابل مادي ومالي مهم، وتختلف قيمته من شخصية إلى أخرى، ولا يقوم ذلك على سياسة "الإحراج" أو "الاستعطاف" أو منطق استغلال "الفرص"، بل هي استراتيجية قائمة، في أدق تفاصيلها، على ذلك "الكاشي" الذي يتقاضاه الضيف.

وأسئلة أخرى تطرح نفسها أيضا: ماذا بعد الزيارة؟ ماذا يحدث عندما تنتهي الصور من التداول ويتراجع المحتوى تدريجيا على المنصات؟ وهل يتحول هذا الانتشار الرقمي فعلا إلى اهتمام بالمتحف والموقع والوجهة التونسية؟

فعدد المشاهدات والإعجابات وإعادة النشر يعطي مؤشرا على حجم الوصول، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال الأثر السياحي. هل ارتفع عدد الباحثين عن متحف باردو بعد الزيارة؟ وهل سجل المتحف زيادة في الإقبال؟ وهل يمكن معرفة ما إذا كان جمهور الفنان قد أبدى اهتماما أكبر بتونس ومواقعها الثقافية؟ وهل توجد مقارنة بين حركة الزيارات قبل هذه الحملات وبعدها؟

هنا تحديدا تنتقل المسألة من مجرد نجاح اتصالي إلى اختبار فعلي للاستراتيجية. فالتسويق السياحي لا يقاس فقط بمدى انتشار الصورة، وإنما بقدرتها على تغيير سلوك المتلقي، من المشاهدة إلى البحث، ومن البحث إلى الرغبة في الزيارة، ثم من الرغبة إلى السفر واكتشاف المكان.

ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى متابعة ما بعد الزيارة، من خلال مؤشرات تتجاوز الأرقام السريعة لمنصات التواصل الاجتماعي. ويمكن، على سبيل المثال، متابعة تطور عدد زوار المتحف أو الموقع، ومراقبة حركة البحث الرقمي عنه، ودراسة الأسواق التي جاء منها التفاعل، ثم مقارنة هذه المعطيات بالفترة السابقة للحملة. وإذا كانت مثل هذه التقارير موجودة، فإن نشر نتائجها أو الاستناد إليها في تطوير التجارب المقبلة يمكن أن يمنح سياسة استضافة المشاهير أساسا أكثر وضوحا. أما إذا بقي القياس محصورا في عدد المشاهدات، فإن نجاح الصورة يظل نجاحا رقميا بالأساس، مهما كان حجمه.

وفي السياق نفسه، يمكن قراءة الجدل الذي رافق ظهور يارا بلباس تقليدي مغربي داخل معلم أثري تونسي من زاوية الرسالة البصرية التي تصنعها المؤسسة المنظمة، وليس من زاوية تحميل الفنانة مسؤولية اختيار لباسها. فعندما يكون الهدف المعلن من الزيارة التعريف بالتراث التونسي، تصبح كل عناصر الصورة حاضرة في تشكيل الرسالة، من المعلم إلى الأزياء والخلفية وطريقة التصوير.

وكان يمكن، ضمن الإعداد لمثل هذه المناسبات، التفكير في حضور عناصر من اللباس التقليدي التونسي، مثل قفطان قرطاج أو الفوطة والبلوزة، بما يعزز خصوصية الصورة التي ستنتشر باسم المكان والبلاد. والمقصود هنا ليس فرض شكل معين على الفنان، وإنما حسن إدارة الصورة عندما تكون الزيارة جزءا من عملية ترويجية.

والأمر نفسه ينطبق على اختيار المواقع والقطع التي يتم تصويرها، وطريقة تقديمها، والمعلومات التي ترافقها، حتى لا يبقى المتلقي أمام صورة جميلة من دون معرفة بما يراه أو كيفية اكتشافه على أرض الواقع.

ولعل هذه النقطة تقود إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى وجود استراتيجية واضحة لاستثمار هذه الزيارات على المدى القريب والمتوسط والبعيد. فاستضافة المشاهير يمكن أن تكون أكثر فاعلية إذا لم تتوقف عند مناسبة واحدة، وإنما اندرجت ضمن مسارات معدة للضيوف، تشمل المتاحف والمواقع الأثرية والمدن التاريخية، وتنتج عنها مواد يمكن إعادة توظيفها لاحقا في الحملات الثقافية والسياحية.

كما يمكن اختيار الشخصيات وفق طبيعة جمهورها والأسواق التي يمكن أن تصل إليها، حتى تكون الزيارة مرتبطة بهدف واضح، لا بمجرد الحضور الإعلامي.

وتملك تونس في هذا المجال رصيدا كبيرا، ليس فقط في قرطاج وباردو وسيدي بوسعيد، وإنما في شبكة واسعة من المواقع والمتاحف المنتشرة في مختلف الجهات، والتي تحتاج بدورها إلى حضور أكبر في الصورة الرقمية. ويمكن أن تساهم سياحة المشاهير في إعادة توزيع الضوء على هذه المواقع إذا تم إدراجها ضمن رؤية متكاملة تجعل النجم وسيلة للتعريف بالمكان، لا بديلا عنه.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان من المفيد استقبال الفنانين والمشاهير داخل المتاحف والمواقع الأثرية، فالفرصة التسويقية موجودة، وإنما بكيفية تحويلها إلى أثر مستدام. الصورة قد تكون بداية الرحلة، وانتشارها قد يلفت الانتباه، لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول ذلك الانتباه إلى بحث ثم إلى زيارة فعلية، وعندما يمكن للمؤسسات أن تقيس هذا التحول بأرقام ومعطيات واضحة.

عندها تصبح زيارة الفنان أكثر من مناسبة عابرة، وتتحول الصورة من لحظة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى جزء من استراتيجية أوسع لتسويق التراث والثقافة والوجهة التونسية.