إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس تترأس مجلس الجامعة العربية..  رهان على وحدة الصف ودفع نحو إعادة الاعتبار لقيمة العمل العربي المشترك  

 

تونس - الصباح

بترؤس تونس مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري للفترة الممتدة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027، تكون بلادنا قد جددت تمسّكها بخيار عربي يقوم على الحوار والتشاور والتنسيق، في مرحلة دقيقة تواجه فيها المنطقة تحديات متسارعة ومخاطر متزايدة، في إطار رؤية سياسية يكرسها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على اعتبار أن وحدة الصف العربي وتكثيف التشاور بين الدول العربية يمثلان السبيل الأمثل لمواجهة التحديات المشتركة، وأن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية، ولا يحول دون البحث عن القواسم المشتركة وبناء التوافقات حول أمّهات القضايا، بما يعزز قدرة الدول العربية على الدفاع عن مصالحها والتعامل مع مختلف الاستحقاقات بروح جماعية ومسؤولة.

 

من هذا المنطلق، تفتح رئاسة المجلس الوزاري للجامعة العربية المجال أمام تونس للمساهمة في الدفع نحو إعادة الاعتبار لقيمة العمل العربي المشترك، ودعم مسارات التوافق والتقريب بين وجهات النظر، انطلاقا من قناعة راسخة بأن وحدة الموقف العربي تظل أحد أهم الشروط لمواجهة التحديات الجماعية.

ويأتي ترؤس وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، بتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الوفد التونسي المشارك في الدورة العادية السادسة والستين بعد المائة لمجلس الجامعة العربية بالقاهرة، في سياق إقليمي ودولي بالغ الدقة والحساسية. وهي مشاركة تندرج ضمن رؤية تونسية شاملة للعمل العربي، تقوم على أن تعدد الأزمات واختلاف المواقف لا ينبغي أن يقود إلى القطيعة، بل يفترض أن يمثل مدخلا للحوار والبحث عن القواسم المشتركة.

رئاسة تونسية للحوار

حين تؤكد تونس أن رئاستها لمجلس الجامعة العربية ستكون رئاسة مبنية على الحوار والتشاور والتنسيق، فإن ذلك يعكس توجها سياسيا واضحا ينسجم مع الرؤية التي دافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مختلف المناسبات والمحطات. فرئيس الدولة، سواء في لقاءاته المباشرة مع عدد من وزراء الخارجية العرب أو في الاتصالات الهاتفية التي جمعته مؤخرا بقادة بعض الدول العربية، على غرار الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي، لطالما أكد باستمرار أن العالم العربي يواجه اليوم تحديات مصيرية لا يمكن التعامل معها بمنطق التجزئة أو عبر مواقف متفرقة، إذ يحتاج الأمر إلى إرادة جماعية تستند إلى التشاور والتنسيق واحترام إرادة كل دولة وسيادتها.

وهو طرح يستمد شرعيته اليوم في ظل ما تشهده المنطقة العربية من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة. فمن القضية الفلسطينية إلى الأوضاع في عدد من الدول العربية، ومن التحديات الاقتصادية والتنموية إلى التحولات الدولية الكبرى، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى إعادة تشكيل مساحات الحوار العربي وإيجاد صيغ أكثر قدرة على إنتاج مواقف مشتركة.

وفي هذا الصدد، تبدو رئاسة تونس مناسبة للتأكيد على أن الجامعة العربية، رغم كل ما واجهته من انتقادات وصعوبات، تظل هيكلا ضروريا للحوار والتشاور العربي، خاصة أن الاختلافات بين الدول العربية لا تلغي وجود مصالح وقضايا مصيرية مشتركة.

القواسم المشتركة

وضمن هذا التوجه، جدير بالذكر أن الرؤية التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في المجال العربي تقوم على جملة من المبادئ الواضحة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب الإيمان بقدرة الشعوب العربية على إدارة الخلافات وتجاوزها حين تتوفر الإرادة السياسية. وقد حرص رئيس الدولة قيس سعيّد، في عديد اللقاءات والاتصالات مع القادة العرب، على التأكيد على عمق الروابط التي تجمع الشعوب العربية، وعلى ضرورة الارتقاء بالتنسيق والتشاور لمواجهة التحديات المشتركة.

وهذا الطرح لا يعني البحث عن تطابق كامل في المواقف أو في وجهات النظر، باعتبار أن لكل دولة خصوصياتها وحساباتها، وإنما يعني ضرورة إيجاد الحد الأدنى من التفاهم حول القضايا المصيرية التي لا يمكن لأي دولة عربية أن تعالجها بمفردها.

فالتقريب بين وجهات النظر أصبح اليوم ضرورة أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها العالم، الذي يرزح على وقع صراعات كبرى وإعادة تشكيل لموازين القوى، وهو ما يفرض على الدول العربية أن تعزز قدرتها على التشاور، وأن تبحث عن موقع مشترك يحمي مصالحها ويجعل صوتها أكثر حضورا وفاعلية في القضايا الدولية.

فلسطين في الصدارة

ولا يمكن الحديث عن الدورة السادسة والستين بعد المائة لمجلس الجامعة العربية دون التوقف عند القضية الفلسطينية، التي ستتصدر، بطبيعة الحال، جدول أعمال الاجتماع، في ظل استمرار الاعتداءات على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

وتؤكد تونس، في هذا السياق، ثبات موقفها التاريخي من القضية الفلسطينية، وهو موقف يجد امتداده في رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي لم يتوقف عن التأكيد على أن فلسطين ليست مجرد ملف سياسي عابر، وإنما هي قضية حق وشعب وأرض، وأن الحق الفلسطيني لا يمكن أن يسقط بالتقادم.

وتكتسب الدعوة إلى وحدة الموقف العربي بشأن فلسطين أهمية استثنائية في هذه المرحلة. فالإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تتطلب تعزيز المواقف المشتركة والتحرك السياسي والدبلوماسي على مختلف المستويات.

ومن هنا، فإن الرئاسة التونسية لمجلس الجامعة العربية يمكن أن تشكل مناسبة جديدة للتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك، وعلى ضرورة أن تظل القضية حاضرة في كل المحافل الدولية، باعتبارها قضية تحرر وطني وحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

كما أن موقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد يقوم على رفض أي محاولة لتجاوز الشعب الفلسطيني أو التحدث باسمه أو فرض حلول لا تنسجم مع إرادته. وهي رؤية تتقاطع مع مبدأ أساسي طالما أكدت عليه تونس، وهو أن الحلول الحقيقية يجب أن تنطلق من احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

من التشاور إلى الفعل العربي المشترك

لكن الرهان التونسي لا يتوقف عند حدود القضية الفلسطينية، رغم مركزيتها، وإنما يشمل مختلف القضايا العربية المطروحة اليوم. فالدورة الوزارية ستنظر أيضا في آخر المستجدات في المنطقة، وفي ملفات التعاون التنموي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.

وهنا تبرز الرؤية التي يدفع بها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتي تعتبر أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يستمر في غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وأن مواجهة التحديات المشتركة تتطلب مقاربات مشتركة.

فالدول العربية تواجه اليوم تحديات متشابهة، وإن اختلفت درجاتها من بلد إلى آخر، على غرار تحديات الأمن الغذائي والمائي، والتغيرات المناخية، والبطالة، والهجرة غير النظامية، والإرهاب والجريمة المنظمة، فضلا عن التحديات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

وهذه الملفات تحتاج معالجتها إلى مستوى أعلى من التنسيق والتشاور، لاسيما أن المستجدات الراهنة قد أثبتت أنه مهما بلغت درجة تطور إمكانيات دولة ما، فإنها لن تستطيع أن تواجه بمفردها كل التحديات العابرة للحدود، وأن العمل الجماعي بات اليوم ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

رصيد دبلوماسي

تحمل تونس معها إلى رئاسة مجلس الجامعة العربية رصيدا دبلوماسيا يقوم على الحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين والسعي إلى بناء جسور التفاهم والتواصل. وهي مبادئ تجد مكانتها أيضا في الرؤية السياسية التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حيث شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي منطقة تتعدد فيها الأزمات، يصبح هذا المبدأ أساسيا لأي محاولة جادة للتقريب بين وجهات النظر. فلا يمكن بناء توافق فعلي يقوم على الإملاءات، ولا يمكن للحوار أن ينجح إذا شعر طرف ما بأنه مستبعد أو فُرض عليه موقف ما. ولهذا، فإن الرهان على الحوار الذي ترفعه تونس لا يعني البحث عن حلول جاهزة، وإنما يعني أولا توفير فضاء يسمح لكل الأطراف بالتعبير عن مواقفها والبحث عن مساحات للالتقاء.

وهذا البعد ينسجم مع المكانة التي تريد تونس أن تضطلع بها داخل محيطها العربي، باعتبارها قوة اقتراح ودفع نحو الحوار والتشاور.

مسؤولية سياسية ودبلوماسية

إن تولي تونس رئاسة مجلس الجامعة العربية للفترة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027 يضعها أمام مسؤولية سياسية ودبلوماسية مهمة. فالمطلوب ليس فقط إدارة الاجتماعات، بل الإسهام في خلق ديناميكية جديدة تقوم على تكثيف الحوار وإعادة الاعتبار إلى التشاور العربي.

وهذا التوجه ينسجم مع قناعة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن المرحلة تحتاج إلى مواقف مسؤولة وإلى إرادة جماعية تتجاوز منطق الحسابات الضيقة.

فالمنطقة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق، في ظل تحولات دولية عميقة وأزمات إقليمية متواصلة. وإزاء هذا الواقع، يطرح سؤال مهم: هل تكتفي الدول العربية بمتابعة الأحداث، كل منها من موقعه، أم تبحث عن آليات جديدة تجعلها شريكا فاعلا في صياغة مستقبل المنطقة؟

وتونس، من خلال رئاستها لمجلس الجامعة العربية، تقدم الجواب عبر رهانها المتواصل على الحوار والتشاور والتنسيق.

في هذا الخضم، لا يمكن فصل رئاسة تونس لمجلس جامعة الدول العربية عن التوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيّد تجاه العلاقات العربية. وهو طرح يرتكز على إيمان كبير بأن قوة الدول العربية تتجلى في قدرتها على توحيد الجهود عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية.

صحيح أن الطريق نحو موقف عربي أكثر تماسكا ما يزال طويلا، لكن الثابت أن الحوار والتنسيق يظلان الخطوة الأولى نحو أي فعل عربي مؤثر.

ومن هنا، تبدو رئاسة تونس لمجلس الجامعة العربية فرصة للدفع نحو مرحلة عنوانها الاستماع والتشاور المسؤول والبحث الجاد عن القواسم المشتركة. وهي أيضا فرصة لترجمة رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد بأن الأمة العربية، رغم اختلاف الظروف وتعدد التحديات، قادرة على استعادة قدرتها على الفعل متى توفرت الإرادة.

وتونس، التي تتسلم رئاسة المجلس في لحظة عربية دقيقة، لا تطرح نفسها بديلا عن أحد ولا طرفا في مواجهة أحد، وإنما تراهن على أن يكون الحوار جسرا للتواصل والتوافق. ووسط كل هذه الرهانات، يظل الرهان الأكبر الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد هو أن تستعيد الدول العربية قدرتها على التفاعل والعمل بإرادة مشتركة، ومواجهة تحدياتها بروح جماعية ومسؤولة.

منال الحرزي

 

تونس تترأس مجلس الجامعة العربية..   رهان على وحدة الصف ودفع نحو إعادة الاعتبار لقيمة العمل العربي المشترك   

 

تونس - الصباح

بترؤس تونس مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري للفترة الممتدة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027، تكون بلادنا قد جددت تمسّكها بخيار عربي يقوم على الحوار والتشاور والتنسيق، في مرحلة دقيقة تواجه فيها المنطقة تحديات متسارعة ومخاطر متزايدة، في إطار رؤية سياسية يكرسها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تقوم على اعتبار أن وحدة الصف العربي وتكثيف التشاور بين الدول العربية يمثلان السبيل الأمثل لمواجهة التحديات المشتركة، وأن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية، ولا يحول دون البحث عن القواسم المشتركة وبناء التوافقات حول أمّهات القضايا، بما يعزز قدرة الدول العربية على الدفاع عن مصالحها والتعامل مع مختلف الاستحقاقات بروح جماعية ومسؤولة.

 

من هذا المنطلق، تفتح رئاسة المجلس الوزاري للجامعة العربية المجال أمام تونس للمساهمة في الدفع نحو إعادة الاعتبار لقيمة العمل العربي المشترك، ودعم مسارات التوافق والتقريب بين وجهات النظر، انطلاقا من قناعة راسخة بأن وحدة الموقف العربي تظل أحد أهم الشروط لمواجهة التحديات الجماعية.

ويأتي ترؤس وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، بتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الوفد التونسي المشارك في الدورة العادية السادسة والستين بعد المائة لمجلس الجامعة العربية بالقاهرة، في سياق إقليمي ودولي بالغ الدقة والحساسية. وهي مشاركة تندرج ضمن رؤية تونسية شاملة للعمل العربي، تقوم على أن تعدد الأزمات واختلاف المواقف لا ينبغي أن يقود إلى القطيعة، بل يفترض أن يمثل مدخلا للحوار والبحث عن القواسم المشتركة.

رئاسة تونسية للحوار

حين تؤكد تونس أن رئاستها لمجلس الجامعة العربية ستكون رئاسة مبنية على الحوار والتشاور والتنسيق، فإن ذلك يعكس توجها سياسيا واضحا ينسجم مع الرؤية التي دافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مختلف المناسبات والمحطات. فرئيس الدولة، سواء في لقاءاته المباشرة مع عدد من وزراء الخارجية العرب أو في الاتصالات الهاتفية التي جمعته مؤخرا بقادة بعض الدول العربية، على غرار الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي، لطالما أكد باستمرار أن العالم العربي يواجه اليوم تحديات مصيرية لا يمكن التعامل معها بمنطق التجزئة أو عبر مواقف متفرقة، إذ يحتاج الأمر إلى إرادة جماعية تستند إلى التشاور والتنسيق واحترام إرادة كل دولة وسيادتها.

وهو طرح يستمد شرعيته اليوم في ظل ما تشهده المنطقة العربية من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة. فمن القضية الفلسطينية إلى الأوضاع في عدد من الدول العربية، ومن التحديات الاقتصادية والتنموية إلى التحولات الدولية الكبرى، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى إعادة تشكيل مساحات الحوار العربي وإيجاد صيغ أكثر قدرة على إنتاج مواقف مشتركة.

وفي هذا الصدد، تبدو رئاسة تونس مناسبة للتأكيد على أن الجامعة العربية، رغم كل ما واجهته من انتقادات وصعوبات، تظل هيكلا ضروريا للحوار والتشاور العربي، خاصة أن الاختلافات بين الدول العربية لا تلغي وجود مصالح وقضايا مصيرية مشتركة.

القواسم المشتركة

وضمن هذا التوجه، جدير بالذكر أن الرؤية التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في المجال العربي تقوم على جملة من المبادئ الواضحة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب الإيمان بقدرة الشعوب العربية على إدارة الخلافات وتجاوزها حين تتوفر الإرادة السياسية. وقد حرص رئيس الدولة قيس سعيّد، في عديد اللقاءات والاتصالات مع القادة العرب، على التأكيد على عمق الروابط التي تجمع الشعوب العربية، وعلى ضرورة الارتقاء بالتنسيق والتشاور لمواجهة التحديات المشتركة.

وهذا الطرح لا يعني البحث عن تطابق كامل في المواقف أو في وجهات النظر، باعتبار أن لكل دولة خصوصياتها وحساباتها، وإنما يعني ضرورة إيجاد الحد الأدنى من التفاهم حول القضايا المصيرية التي لا يمكن لأي دولة عربية أن تعالجها بمفردها.

فالتقريب بين وجهات النظر أصبح اليوم ضرورة أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها العالم، الذي يرزح على وقع صراعات كبرى وإعادة تشكيل لموازين القوى، وهو ما يفرض على الدول العربية أن تعزز قدرتها على التشاور، وأن تبحث عن موقع مشترك يحمي مصالحها ويجعل صوتها أكثر حضورا وفاعلية في القضايا الدولية.

فلسطين في الصدارة

ولا يمكن الحديث عن الدورة السادسة والستين بعد المائة لمجلس الجامعة العربية دون التوقف عند القضية الفلسطينية، التي ستتصدر، بطبيعة الحال، جدول أعمال الاجتماع، في ظل استمرار الاعتداءات على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

وتؤكد تونس، في هذا السياق، ثبات موقفها التاريخي من القضية الفلسطينية، وهو موقف يجد امتداده في رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي لم يتوقف عن التأكيد على أن فلسطين ليست مجرد ملف سياسي عابر، وإنما هي قضية حق وشعب وأرض، وأن الحق الفلسطيني لا يمكن أن يسقط بالتقادم.

وتكتسب الدعوة إلى وحدة الموقف العربي بشأن فلسطين أهمية استثنائية في هذه المرحلة. فالإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تتطلب تعزيز المواقف المشتركة والتحرك السياسي والدبلوماسي على مختلف المستويات.

ومن هنا، فإن الرئاسة التونسية لمجلس الجامعة العربية يمكن أن تشكل مناسبة جديدة للتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك، وعلى ضرورة أن تظل القضية حاضرة في كل المحافل الدولية، باعتبارها قضية تحرر وطني وحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

كما أن موقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد يقوم على رفض أي محاولة لتجاوز الشعب الفلسطيني أو التحدث باسمه أو فرض حلول لا تنسجم مع إرادته. وهي رؤية تتقاطع مع مبدأ أساسي طالما أكدت عليه تونس، وهو أن الحلول الحقيقية يجب أن تنطلق من احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

من التشاور إلى الفعل العربي المشترك

لكن الرهان التونسي لا يتوقف عند حدود القضية الفلسطينية، رغم مركزيتها، وإنما يشمل مختلف القضايا العربية المطروحة اليوم. فالدورة الوزارية ستنظر أيضا في آخر المستجدات في المنطقة، وفي ملفات التعاون التنموي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.

وهنا تبرز الرؤية التي يدفع بها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتي تعتبر أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يستمر في غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وأن مواجهة التحديات المشتركة تتطلب مقاربات مشتركة.

فالدول العربية تواجه اليوم تحديات متشابهة، وإن اختلفت درجاتها من بلد إلى آخر، على غرار تحديات الأمن الغذائي والمائي، والتغيرات المناخية، والبطالة، والهجرة غير النظامية، والإرهاب والجريمة المنظمة، فضلا عن التحديات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

وهذه الملفات تحتاج معالجتها إلى مستوى أعلى من التنسيق والتشاور، لاسيما أن المستجدات الراهنة قد أثبتت أنه مهما بلغت درجة تطور إمكانيات دولة ما، فإنها لن تستطيع أن تواجه بمفردها كل التحديات العابرة للحدود، وأن العمل الجماعي بات اليوم ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

رصيد دبلوماسي

تحمل تونس معها إلى رئاسة مجلس الجامعة العربية رصيدا دبلوماسيا يقوم على الحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين والسعي إلى بناء جسور التفاهم والتواصل. وهي مبادئ تجد مكانتها أيضا في الرؤية السياسية التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حيث شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي منطقة تتعدد فيها الأزمات، يصبح هذا المبدأ أساسيا لأي محاولة جادة للتقريب بين وجهات النظر. فلا يمكن بناء توافق فعلي يقوم على الإملاءات، ولا يمكن للحوار أن ينجح إذا شعر طرف ما بأنه مستبعد أو فُرض عليه موقف ما. ولهذا، فإن الرهان على الحوار الذي ترفعه تونس لا يعني البحث عن حلول جاهزة، وإنما يعني أولا توفير فضاء يسمح لكل الأطراف بالتعبير عن مواقفها والبحث عن مساحات للالتقاء.

وهذا البعد ينسجم مع المكانة التي تريد تونس أن تضطلع بها داخل محيطها العربي، باعتبارها قوة اقتراح ودفع نحو الحوار والتشاور.

مسؤولية سياسية ودبلوماسية

إن تولي تونس رئاسة مجلس الجامعة العربية للفترة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027 يضعها أمام مسؤولية سياسية ودبلوماسية مهمة. فالمطلوب ليس فقط إدارة الاجتماعات، بل الإسهام في خلق ديناميكية جديدة تقوم على تكثيف الحوار وإعادة الاعتبار إلى التشاور العربي.

وهذا التوجه ينسجم مع قناعة رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن المرحلة تحتاج إلى مواقف مسؤولة وإلى إرادة جماعية تتجاوز منطق الحسابات الضيقة.

فالمنطقة العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق، في ظل تحولات دولية عميقة وأزمات إقليمية متواصلة. وإزاء هذا الواقع، يطرح سؤال مهم: هل تكتفي الدول العربية بمتابعة الأحداث، كل منها من موقعه، أم تبحث عن آليات جديدة تجعلها شريكا فاعلا في صياغة مستقبل المنطقة؟

وتونس، من خلال رئاستها لمجلس الجامعة العربية، تقدم الجواب عبر رهانها المتواصل على الحوار والتشاور والتنسيق.

في هذا الخضم، لا يمكن فصل رئاسة تونس لمجلس جامعة الدول العربية عن التوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيّد تجاه العلاقات العربية. وهو طرح يرتكز على إيمان كبير بأن قوة الدول العربية تتجلى في قدرتها على توحيد الجهود عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية.

صحيح أن الطريق نحو موقف عربي أكثر تماسكا ما يزال طويلا، لكن الثابت أن الحوار والتنسيق يظلان الخطوة الأولى نحو أي فعل عربي مؤثر.

ومن هنا، تبدو رئاسة تونس لمجلس الجامعة العربية فرصة للدفع نحو مرحلة عنوانها الاستماع والتشاور المسؤول والبحث الجاد عن القواسم المشتركة. وهي أيضا فرصة لترجمة رؤية رئيس الدولة قيس سعيّد بأن الأمة العربية، رغم اختلاف الظروف وتعدد التحديات، قادرة على استعادة قدرتها على الفعل متى توفرت الإرادة.

وتونس، التي تتسلم رئاسة المجلس في لحظة عربية دقيقة، لا تطرح نفسها بديلا عن أحد ولا طرفا في مواجهة أحد، وإنما تراهن على أن يكون الحوار جسرا للتواصل والتوافق. ووسط كل هذه الرهانات، يظل الرهان الأكبر الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد هو أن تستعيد الدول العربية قدرتها على التفاعل والعمل بإرادة مشتركة، ومواجهة تحدياتها بروح جماعية ومسؤولة.

منال الحرزي