إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس تجدد ثوابتها في العلاقة مع ليبيا.. حين يصبح التشاور عنوانًا للتكامل والاستقرار

تونس - الصباح

من تأكيد عمق الروابط بين الشعبين، إلى الدعوة إلى رفع نسق التشاور وتذليل الصعوبات أمام حركة الأشخاص والبضائع، وصولًا إلى تجديد الموقف التونسي من وحدة ليبيا وضرورة أن يكون الحل ليبيا-ليبيًا خالصًا، تجددت ملامح المقاربة التي تعتمدها تونس في علاقتها مع الجارة ليبيا، وهي مقاربة تقوم على تثبيت أواصر الأخوة والتكامل، بالتوازي مع تكثيف التشاور والتنسيق حول الملفات ذات الاهتمام المشترك، هذا بالتوازي مع التمسك باستقرار ليبيا ووحدتها باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من استقرار المنطقة ومصالح دول الجوار.

 

منال حرزي

 

وضمن هذه المقاربة، مثلت المكالمة الهاتفية التي جمعت مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيد برئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مناسبة لتجديد التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، كما حملت في طياتها رسائل سياسية تتصل بجملة من الملفات التي تفرضها طبيعة الجوار التونسي الليبي، وفي مقدمتها أمن الحدود وانسيابية حركة الأشخاص والبضائع، فضلًا عن تطورات الوضع الليبي والمسار المطلوب لتجاوز الأزمة الراهنة.

وتكتسب هذه المحادثة أهميتها من كونها جمعت بين البعد الثنائي المباشر والبعد الإقليمي الشامل، إذ إن العلاقات التونسية الليبية لا يمكن فصلها عن حقيقة أن البلدين يتقاسمان حدودًا ومصالح اقتصادية وحركية بشرية مكثفة، كما أن استقرار ليبيا يظل عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في أمن تونس ومحيطها الحدودي. ومن ثمة، فإن أي دفع باتجاه مزيد من التنسيق بين البلدين لا يندرج فقط ضمن مسار تطوير العلاقات الثنائية، وإنما يندرج أيضًا ضمن أهداف شاملة تتعلق بتعزيز الاستقرار في المنطقة برمتها.

 

الترفيع من نسق التشاور

 

وفي هذا الإطار، يبرز تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة الترفيع من نسق التشاور، فطبيعة العلاقات بين تونس وليبيا وما تفرضه من ملفات متشابكة ومتجددة تجعل من انتظام آلية الحوار ضرورة ملحّة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسائل تمس بصورة مباشرة حركة المواطنين والمبادلات التجارية.

فخصوصية الروابط الإنسانية والاجتماعية والتاريخية التي تجمع بين البلدين تفرض على البلدين تكثيف نسق التشاور والحوار بينهما، بما يستجيب للتحديات الراهنة. ولذلك جاء حديث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن ضرورة مواجهة التحديات انطلاقًا من الإيمان بالتآخي والتكامل.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة "الرفع من نسق التشاور" واحدة من أبرز مفاتيح المكالمة، باعتبار أن التشاور المنتظم يمثل الآلية التي يمكن من خلالها احتواء الإشكاليات قبل أن تتطور إلى أزمات، فالعلاقة بين تونس وليبيا - وبحكم كثافة الحركية البشرية والتجارية بينهما - تحتاج بطبيعتها إلى تنسيق مستمر، لأن أي قرار أو إجراء يتعلق بالمعابر أو التجارة أو التنقل يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على المواطنين والمهنيين والمؤسسات الاقتصادية في البلدين.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تعزيز قنوات الاتصال السياسي، وإنما بضرورة تحويل هذا التشاور إلى آلية عملية ودائمة لمعالجة الملفات المشتركة.

ولعل التطرق إلى مسألة تيسير حركية الأشخاص والبضائع صلب المكالمة يعكس بوضوح هذا البعد العملي. فالمعابر الحدودية بين تونس وليبيا ليست مجرد نقاط عبور جغرافية، وإنما تمثل شرايين أساسية للحركية الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين. وكلما كانت هذه الحركة أكثر انسيابية وتنظيمًا، كلما انعكس ذلك على سير المبادلات التجارية وعلى نشاط المؤسسات وعلى الحياة اليومية لآلاف المواطنين الذين ترتبط مصالحهم بصورة مباشرة بالحدود المشتركة. وفي هذا الإطار، يرى رئيس الدولة قيس سعيد أن تيسير حركة الأشخاص والبضائع بين البلدين يندرج ضمن جوهر التكامل التونسي- الليبي، ولا ينبغي أن تتحول الحدود إلى مصدر لتعطيل المصالح أو عرقلة التواصل بين الشعبين الشقيقين.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الترفيع من نسق التشاور والتنسيق بين الجانبين من أجل تجاوز الصعوبات القائمة وإيجاد حلول عملية تضمن انسيابية الحركة، بما يحافظ على مقتضيات الأمن والتنظيم من جهة، ويعزز المبادلات والتواصل بين البلدين من جهة أخرى. فكلما تحولت المعابر إلى فضاءات أكثر نجاعة وانفتاحًا، أصبحت الحدود نفسها رافعة للتعاون والتنمية، وترجمت على أرض الواقع الرؤية التي تقوم على أن أواصر الأخوة بين الشعبين لا تكتمل إلا بتيسير مصالحهما المشتركة.

من جانب آخر، وإذا كانت الحدود تمثل شريان العلاقة التونسية- الليبية، فإن الاقتصاد يمثل بدوره بعدًا لا يقل أهمية.

فحجم المصالح المشتركة والإمكانيات المتاحة أمام البلدين يسمحان بتحويل الجوار الجغرافي إلى شراكة اقتصادية أوسع. وكل تطوير في حركة الأشخاص والبضائع يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على التجارة والخدمات والاستثمار، كما يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من التعاون بين المؤسسات الاقتصادية التونسية والليبية.

وفي هذا السياق، يكتسب تمسك تونس بوحدة ليبيا أهمية خاصة. فكلما تمكنت ليبيا من تعزيز أمنها ووحدتها ومؤسساتها، كلما انعكس ذلك بصورة إيجابية على محيطها الإقليمي، وفي مقدمتها تونس.

وضمن هذا التمشي، مثل تجديد رئيس الجمهورية قيس سعيد للموقف التونسي من الأزمة الليبية تأكيدًا على واحدة من الثوابت الاستراتيجية في السياسة الخارجية التونسية، وهي أن ليبيا دولة قائمة بذاتها، والحل لأزمتها لن يكون إلا ليبيًا خالصًا، نابعًا من إرادة الليبيين أنفسهم، وهو ما عبر عنه رئيس الدولة في مناسبات عديدة.

ويكتسي هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل تعقّد المشهد الليبي وتعدد الأطراف والتجاذبات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، فبالنسبة إلى تونس، فإن أي مسار يفضي إلى تدعيم الانقسام ووضع غير مستقر لا يخدم مصلحة ليبيا ولا مصلحة جيرانها. أما المسار الذي يقود إلى التوافق الداخلي ويحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، فهو الذي يمكن أن يوفر أساسًا أكثر صلابة للاستقرار والتنمية.

وفي هذا الإطار، لم يكتف رئيس الدولة قيس سعيد بالتأكيد على ضرورة أن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، وإنما عبّر عن ثقته في قدرة الليبيين على التوصل إلى تسوية يقبلون بها.

وهذه النقطة تحمل دلالات سياسية هامة، على اعتبار أن التأكيد على القدرات الليبية يعني في جوهره أن دور الخارج ينبغي أن يكون مساعدًا على التوافق لا بديلًا عن الإرادة الوطنية الليبية. وتونس، بحكم الجوار والعلاقات التاريخية، تبدو معنية أكثر من غيرها بأن يكون الحل قائمًا على التوافق الداخلي وعلى احترام سيادة ليبيا ووحدتها، بما يتماشى وثوابت سياستها الخارجية.

فتونس لا تنظر إلى مسألة دعم ليبيا كتدخل في خياراتها السياسية، وإنما باعتباره مساندة لحق الليبيين في التوصل إلى تسوية تحفظ دولتهم وتحقق أمنهم وتفتح أمامهم آفاق التنمية.

 

أهمية التكامل

 

وإذا كان الأمن يمثل المدخل الضروري للاستقرار، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيد ربطه بصورة مباشرة بالرخاء والنمو والازدهار، على اعتبار أن نهاية الأزمة الليبية لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الترتيبات السياسية أو الأمنية، وإنما يجب أن تفضي إلى مرحلة جديدة تستعيد فيها ليبيا قدرتها على البناء والتنمية واستثمار مواردها وإمكانياتها.

فكلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، تدعمت فرص التعاون مع تونس، وتعززت حركة التجارة والخدمات والاستثمار.

وبالتالي، فإن التكامل الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد لا ينبغي أن يختزل في بعده السياسي أو الوجداني، بالنظر إلى أنه يمكن أن يتحول إلى رؤية اقتصادية وتنموية متكاملة.

فالموقع الجغرافي المشترك، والقرب الاجتماعي، وتداخل المصالح، جميعها عوامل تجعل من التعاون الاقتصادي خيارًا طبيعيًا ومن التكامل ضرورة.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن نجاح هذا المسار يتطلب تطوير آليات التنسيق بين البلدين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، مع إعطاء الملفات ذات التأثير المباشر على المواطنين الأولوية اللازمة، وهو ما تعكسه ضمنيًا المكالمة.

فالتواصل المباشر بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس المجلس الرئاسي الليبي يؤشر إلى أن الملف الليبي يحظى بأهمية بالغة في سلم الأولويات الوطنية، فالترفيع من نسق التشاور يسمح للطرفين بالتنسيق في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات التي تراعي مصلحة وخصوصية البلدين.

في هذا الخضم، ولئن يتلخّص فحوى المكالمة في تجديد تونس تمسّكها بوحدة ليبيا وبأن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، فإن هذا الموقف لا ينفصل عن دعوتها إلى تيسير حركة الأشخاص والبضائع، كما يتكامل مع رؤيتها القائمة على تعزيز أواصر التكامل بين الشعبين. فهذه الملفات، وإن بدت متباينة في ظاهرها، غير أنها تلتقي عند هدف واحد لطالما أكده رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، وهو بناء شراكة تونسية- ليبية أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات، بما يجعل التنسيق المستمر وانسيابية الحركة واستقرار ليبيا جميعها ركائز أساسية لعلاقات ثنائية متوازنة ومستدامة.

 

استقرار ليبيا من استقرار تونس

 

وضمن هذا التمشي، تؤكد مكالمة رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أن تونس تنظر إلى علاقتها مع ليبيا باعتبارها خيارًا استراتيجيًا، قوامه الأخوة والتكامل وحسن الجوار والمصالح المشتركة. ومن خلال تجديد تمسّك تونس بوحدة ليبيا والحل الليبي-الليبي، بالتوازي مع الدفع نحو رفع نسق التشاور وتذليل الصعوبات أمام حركية الأشخاص والبضائع، يكرّس رئيس الدولة مقاربة تقوم على أن استقرار ليبيا من استقرار تونس، وأن قوة الحدود تكمن في مدى قدرتها على أن تكون جسرًا للتبادل والتنمية.

وبالتالي، فإن تونس تروم في علاقتها مع ليبيا ترسيخ علاقة متكاملة المصالح، يكون فيها أمن البلدين رافعة للتنمية، وتكون فيها الحدود جسرًا للتعاون دون أن تصطدم بالتحديات الراهنة، كما يكون فيها الحوار آلية دائمة لتذليل الصعوبات. وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت من تونس وليبيا جارتين، فإن التاريخ والمصالح المشتركة يمنحان البلدين فرصة لأن تكونا شريكتين في الاستقرار والتكامل والتنمية.

 

تونس تجدد ثوابتها في العلاقة مع ليبيا.. حين يصبح التشاور عنوانًا للتكامل والاستقرار

تونس - الصباح

من تأكيد عمق الروابط بين الشعبين، إلى الدعوة إلى رفع نسق التشاور وتذليل الصعوبات أمام حركة الأشخاص والبضائع، وصولًا إلى تجديد الموقف التونسي من وحدة ليبيا وضرورة أن يكون الحل ليبيا-ليبيًا خالصًا، تجددت ملامح المقاربة التي تعتمدها تونس في علاقتها مع الجارة ليبيا، وهي مقاربة تقوم على تثبيت أواصر الأخوة والتكامل، بالتوازي مع تكثيف التشاور والتنسيق حول الملفات ذات الاهتمام المشترك، هذا بالتوازي مع التمسك باستقرار ليبيا ووحدتها باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من استقرار المنطقة ومصالح دول الجوار.

 

منال حرزي

 

وضمن هذه المقاربة، مثلت المكالمة الهاتفية التي جمعت مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيد برئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مناسبة لتجديد التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، كما حملت في طياتها رسائل سياسية تتصل بجملة من الملفات التي تفرضها طبيعة الجوار التونسي الليبي، وفي مقدمتها أمن الحدود وانسيابية حركة الأشخاص والبضائع، فضلًا عن تطورات الوضع الليبي والمسار المطلوب لتجاوز الأزمة الراهنة.

وتكتسب هذه المحادثة أهميتها من كونها جمعت بين البعد الثنائي المباشر والبعد الإقليمي الشامل، إذ إن العلاقات التونسية الليبية لا يمكن فصلها عن حقيقة أن البلدين يتقاسمان حدودًا ومصالح اقتصادية وحركية بشرية مكثفة، كما أن استقرار ليبيا يظل عاملًا مؤثرًا بصورة مباشرة في أمن تونس ومحيطها الحدودي. ومن ثمة، فإن أي دفع باتجاه مزيد من التنسيق بين البلدين لا يندرج فقط ضمن مسار تطوير العلاقات الثنائية، وإنما يندرج أيضًا ضمن أهداف شاملة تتعلق بتعزيز الاستقرار في المنطقة برمتها.

 

الترفيع من نسق التشاور

 

وفي هذا الإطار، يبرز تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة الترفيع من نسق التشاور، فطبيعة العلاقات بين تونس وليبيا وما تفرضه من ملفات متشابكة ومتجددة تجعل من انتظام آلية الحوار ضرورة ملحّة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسائل تمس بصورة مباشرة حركة المواطنين والمبادلات التجارية.

فخصوصية الروابط الإنسانية والاجتماعية والتاريخية التي تجمع بين البلدين تفرض على البلدين تكثيف نسق التشاور والحوار بينهما، بما يستجيب للتحديات الراهنة. ولذلك جاء حديث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن ضرورة مواجهة التحديات انطلاقًا من الإيمان بالتآخي والتكامل.

وفي هذا السياق، تبدو عبارة "الرفع من نسق التشاور" واحدة من أبرز مفاتيح المكالمة، باعتبار أن التشاور المنتظم يمثل الآلية التي يمكن من خلالها احتواء الإشكاليات قبل أن تتطور إلى أزمات، فالعلاقة بين تونس وليبيا - وبحكم كثافة الحركية البشرية والتجارية بينهما - تحتاج بطبيعتها إلى تنسيق مستمر، لأن أي قرار أو إجراء يتعلق بالمعابر أو التجارة أو التنقل يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على المواطنين والمهنيين والمؤسسات الاقتصادية في البلدين.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تعزيز قنوات الاتصال السياسي، وإنما بضرورة تحويل هذا التشاور إلى آلية عملية ودائمة لمعالجة الملفات المشتركة.

ولعل التطرق إلى مسألة تيسير حركية الأشخاص والبضائع صلب المكالمة يعكس بوضوح هذا البعد العملي. فالمعابر الحدودية بين تونس وليبيا ليست مجرد نقاط عبور جغرافية، وإنما تمثل شرايين أساسية للحركية الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين. وكلما كانت هذه الحركة أكثر انسيابية وتنظيمًا، كلما انعكس ذلك على سير المبادلات التجارية وعلى نشاط المؤسسات وعلى الحياة اليومية لآلاف المواطنين الذين ترتبط مصالحهم بصورة مباشرة بالحدود المشتركة. وفي هذا الإطار، يرى رئيس الدولة قيس سعيد أن تيسير حركة الأشخاص والبضائع بين البلدين يندرج ضمن جوهر التكامل التونسي- الليبي، ولا ينبغي أن تتحول الحدود إلى مصدر لتعطيل المصالح أو عرقلة التواصل بين الشعبين الشقيقين.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الترفيع من نسق التشاور والتنسيق بين الجانبين من أجل تجاوز الصعوبات القائمة وإيجاد حلول عملية تضمن انسيابية الحركة، بما يحافظ على مقتضيات الأمن والتنظيم من جهة، ويعزز المبادلات والتواصل بين البلدين من جهة أخرى. فكلما تحولت المعابر إلى فضاءات أكثر نجاعة وانفتاحًا، أصبحت الحدود نفسها رافعة للتعاون والتنمية، وترجمت على أرض الواقع الرؤية التي تقوم على أن أواصر الأخوة بين الشعبين لا تكتمل إلا بتيسير مصالحهما المشتركة.

من جانب آخر، وإذا كانت الحدود تمثل شريان العلاقة التونسية- الليبية، فإن الاقتصاد يمثل بدوره بعدًا لا يقل أهمية.

فحجم المصالح المشتركة والإمكانيات المتاحة أمام البلدين يسمحان بتحويل الجوار الجغرافي إلى شراكة اقتصادية أوسع. وكل تطوير في حركة الأشخاص والبضائع يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على التجارة والخدمات والاستثمار، كما يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من التعاون بين المؤسسات الاقتصادية التونسية والليبية.

وفي هذا السياق، يكتسب تمسك تونس بوحدة ليبيا أهمية خاصة. فكلما تمكنت ليبيا من تعزيز أمنها ووحدتها ومؤسساتها، كلما انعكس ذلك بصورة إيجابية على محيطها الإقليمي، وفي مقدمتها تونس.

وضمن هذا التمشي، مثل تجديد رئيس الجمهورية قيس سعيد للموقف التونسي من الأزمة الليبية تأكيدًا على واحدة من الثوابت الاستراتيجية في السياسة الخارجية التونسية، وهي أن ليبيا دولة قائمة بذاتها، والحل لأزمتها لن يكون إلا ليبيًا خالصًا، نابعًا من إرادة الليبيين أنفسهم، وهو ما عبر عنه رئيس الدولة في مناسبات عديدة.

ويكتسي هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل تعقّد المشهد الليبي وتعدد الأطراف والتجاذبات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية، فبالنسبة إلى تونس، فإن أي مسار يفضي إلى تدعيم الانقسام ووضع غير مستقر لا يخدم مصلحة ليبيا ولا مصلحة جيرانها. أما المسار الذي يقود إلى التوافق الداخلي ويحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، فهو الذي يمكن أن يوفر أساسًا أكثر صلابة للاستقرار والتنمية.

وفي هذا الإطار، لم يكتف رئيس الدولة قيس سعيد بالتأكيد على ضرورة أن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، وإنما عبّر عن ثقته في قدرة الليبيين على التوصل إلى تسوية يقبلون بها.

وهذه النقطة تحمل دلالات سياسية هامة، على اعتبار أن التأكيد على القدرات الليبية يعني في جوهره أن دور الخارج ينبغي أن يكون مساعدًا على التوافق لا بديلًا عن الإرادة الوطنية الليبية. وتونس، بحكم الجوار والعلاقات التاريخية، تبدو معنية أكثر من غيرها بأن يكون الحل قائمًا على التوافق الداخلي وعلى احترام سيادة ليبيا ووحدتها، بما يتماشى وثوابت سياستها الخارجية.

فتونس لا تنظر إلى مسألة دعم ليبيا كتدخل في خياراتها السياسية، وإنما باعتباره مساندة لحق الليبيين في التوصل إلى تسوية تحفظ دولتهم وتحقق أمنهم وتفتح أمامهم آفاق التنمية.

 

أهمية التكامل

 

وإذا كان الأمن يمثل المدخل الضروري للاستقرار، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيد ربطه بصورة مباشرة بالرخاء والنمو والازدهار، على اعتبار أن نهاية الأزمة الليبية لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الترتيبات السياسية أو الأمنية، وإنما يجب أن تفضي إلى مرحلة جديدة تستعيد فيها ليبيا قدرتها على البناء والتنمية واستثمار مواردها وإمكانياتها.

فكلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، تدعمت فرص التعاون مع تونس، وتعززت حركة التجارة والخدمات والاستثمار.

وبالتالي، فإن التكامل الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد لا ينبغي أن يختزل في بعده السياسي أو الوجداني، بالنظر إلى أنه يمكن أن يتحول إلى رؤية اقتصادية وتنموية متكاملة.

فالموقع الجغرافي المشترك، والقرب الاجتماعي، وتداخل المصالح، جميعها عوامل تجعل من التعاون الاقتصادي خيارًا طبيعيًا ومن التكامل ضرورة.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن نجاح هذا المسار يتطلب تطوير آليات التنسيق بين البلدين، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، مع إعطاء الملفات ذات التأثير المباشر على المواطنين الأولوية اللازمة، وهو ما تعكسه ضمنيًا المكالمة.

فالتواصل المباشر بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس المجلس الرئاسي الليبي يؤشر إلى أن الملف الليبي يحظى بأهمية بالغة في سلم الأولويات الوطنية، فالترفيع من نسق التشاور يسمح للطرفين بالتنسيق في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات التي تراعي مصلحة وخصوصية البلدين.

في هذا الخضم، ولئن يتلخّص فحوى المكالمة في تجديد تونس تمسّكها بوحدة ليبيا وبأن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، فإن هذا الموقف لا ينفصل عن دعوتها إلى تيسير حركة الأشخاص والبضائع، كما يتكامل مع رؤيتها القائمة على تعزيز أواصر التكامل بين الشعبين. فهذه الملفات، وإن بدت متباينة في ظاهرها، غير أنها تلتقي عند هدف واحد لطالما أكده رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، وهو بناء شراكة تونسية- ليبية أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات، بما يجعل التنسيق المستمر وانسيابية الحركة واستقرار ليبيا جميعها ركائز أساسية لعلاقات ثنائية متوازنة ومستدامة.

 

استقرار ليبيا من استقرار تونس

 

وضمن هذا التمشي، تؤكد مكالمة رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أن تونس تنظر إلى علاقتها مع ليبيا باعتبارها خيارًا استراتيجيًا، قوامه الأخوة والتكامل وحسن الجوار والمصالح المشتركة. ومن خلال تجديد تمسّك تونس بوحدة ليبيا والحل الليبي-الليبي، بالتوازي مع الدفع نحو رفع نسق التشاور وتذليل الصعوبات أمام حركية الأشخاص والبضائع، يكرّس رئيس الدولة مقاربة تقوم على أن استقرار ليبيا من استقرار تونس، وأن قوة الحدود تكمن في مدى قدرتها على أن تكون جسرًا للتبادل والتنمية.

وبالتالي، فإن تونس تروم في علاقتها مع ليبيا ترسيخ علاقة متكاملة المصالح، يكون فيها أمن البلدين رافعة للتنمية، وتكون فيها الحدود جسرًا للتعاون دون أن تصطدم بالتحديات الراهنة، كما يكون فيها الحوار آلية دائمة لتذليل الصعوبات. وإذا كانت الجغرافيا قد جعلت من تونس وليبيا جارتين، فإن التاريخ والمصالح المشتركة يمنحان البلدين فرصة لأن تكونا شريكتين في الاستقرار والتكامل والتنمية.