إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إحداث أقسام جديدة.. تحسين الخدمات الصحية في  المستشفيات الجهوية والمحلية

تونس - الصباح

دخلت اليوم المستشفيات الجهوية مرحلة جديدة عنوانها تطوير دائرة الخدمات الصحية وتعزيز قدرتها على خوض غمار العمليات الجراحية، بما يعيد رسم دورها داخل المنظومة الصحية الوطنية ويجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين في جهاتهم. ولعل انطلاق النشاط الجراحي بالمستشفى الجهوي بسبيطلة غرة سبتمبر الجاري وإجراء أول عملية جراحية بالمؤسسة يمثل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول الذي يتجاوز في جوهره البعد الطبي ليحمل أبعادًا اجتماعية وتنموية تتصل مباشرة بمبدأ العدالة الصحية بين الجهات.

 

ويأتي هذا التطور في سياق توجيهات الدولة في أعلى هرمها بتعزيز المرفق العمومي والنهوض بالمؤسسات الصحية وتطوير قدرتها على تقديم خدمات أكثر تنوعًا ونجاعة، بما يضع المواطن في صدارة الأولويات ويجعل الحق في العلاج مبدأ جوهريًا لا حياد عنه، ولا يقف هذا التطور عند حدود المستشفى الجهوي بسبيطلة، إذ شهدت الفترة الأخيرة مؤسسات صحية جهوية أخرى نجاحات لافتة في مجال الجراحة، بما يؤكد أن خارطة الخدمات الاستشفائية في الجهات بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا في مستوى الاختصاصات والتدخلات المتاحة. ففي المستشفى الجهوي الحاج علي صوة بقصر هلال، تم مؤخرًا إنجاز أول عملية استئصال كامل للفص الأيمن للكبد لمريض يعاني من نقائل كبدية، في تدخل جراحي دقيق أنجزه فريق طبي متخصص، الأمر الذي يعتبر سابقة من نوعها على مستوى مستشفى جهوي. وقبل ذلك، كان المستشفى الجهوي بتطاوين قد شهد بدوره نجاح أول تدخل جراحي لاستئصال ورم سرطاني باستعمال تقنية المنظار الجراحي. وتكشف هذه النجاحات، بتفاوت طبيعتها واختصاصاتها، عن إشعاع متنامٍ للمستشفيات الجهوية، كما تعكس قدرتها على استقطاب الكفاءات وتوظيف التقنيات الحديثة وتقديم تدخلات طبية كانت ترتبط في السابق بالمراكز الاستشفائية الكبرى، بما يعزز موقع هذه المؤسسات داخل المنظومة الصحية ويمنحها هامشًا مهمًا في تقريب دائرة الخدمات الطبية المتقدمة من المواطنين تماشيًا مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي شدد في عدد من المناسبات على ضرورة أن تمثل المستشفيات الجهوية ركيزة أساسية في المنظومة الصحية الوطنية، وأن تطويرها والارتقاء بخدماتها شرط جوهري لتحقيق العدالة الصحية بين مختلف الجهات.

ومن هذا المنطلق، تتجه الدولة اليوم إلى تعزيز قدرات هذه المؤسسات وتوفير الإمكانيات والتجهيزات اللازمة لها، بما يسمح بتوسيع نطاق تدخلاتها الطبية والجراحية والحد من اضطرار المرضى إلى التنقل نحو المستشفيات الجامعية والمراكز الاستشفائية الكبرى.

فأن تصبح الجراحة متاحة داخل مستشفى جهوي يعني عمليًا اختصار مسافات كانت تثقل كاهل المرضى وعائلاتهم، وتقليص الحاجة إلى التنقل نحو المركز أو نحو مؤسسات صحية في جهات أخرى، فضلًا عن المساهمة في تخفيف الضغط عن المستشفيات الكبرى.

وضمن هذا التمشي، يتجلى النجاح الذي حققه المستشفى الجوي بسبيطلة ضمن رهان شامل تقوده الدولة للنهوض بالمستشفيات الجهوية وتحويلها إلى رافعة صحية متطورة تكون أكثر قدرة على تقديم الرعاية الصحية اللازمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد قد شدد في عديد اللقاءات الرسمية مع صناع القرار في الشأن الصحي على أن تطوير المرفق العمومي لا يقتصر فقط على تحسين البنية التحتية أو توفير التجهيزات، وإنما يرتبط أساسًا بمدى قدرته على أداء وظيفته كاملة والاستجابة الفعلية لحاجيات المواطنين في مختلف جهات الجمهورية.

نحو عدالة صحية

لطالما ارتبطت مسألة العدالة الصحية بمدى قدرة المواطن - أينما كان - على تلقي العلاج دون أن يضطر إلى قطع مئات الكيلومترات.

وكلما تعززت قدرة المؤسسات الصحية الجهوية على تقديم خدمات متقدمة، كلما اقتربت المنظومة الصحية من تحقيق أحد أهم أهدافها الأساسية، وهي تقديم الرعاية الصحية للمواطن في محيطه.

ومن هنا، فإن انطلاق النشاط الجراحي بالمستشفى الجهوي بسبيطلة يمثل خطوة عملية في اتجاه تكريس هذا المبدأ الذي تراهن عليه اليوم الدولة وتعمل على تعميمه في باقي مناطق الجمهورية. وهذا التوجه يأتي في سياق توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد.

ويأتي هذا المسار في سياق عناية متواصلة يوليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الصحي، انطلاقًا من اعتبار الصحة حقًا أساسيًا للمواطن ومن أن الدولة مطالبة بضمان النفاذ إلى الخدمات العمومية في مختلف مناطق الجمهورية، وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، وعلى تجاوز الإخلالات التي تراكمت على مدار سنوات وأثرت سلبًا في جودة الخدمات وفي ظروف عمل الإطارات والأعوان.

ولذلك، فإن تعزيز قدرات المستشفيات الجهوية، وتوفير التجهيزات الضرورية لها، ودعم مواردها البشرية، وتطوير أقسامها وخدماتها، جميعها خطوات تتقاطع مع الرؤية التي تؤكد أن إصلاح المرفق العمومي ينطلق من قدرته على استعادة وظيفته الأساسية التي تتمثل في تقديم خدمات للمواطن في ظروف ملائمة تحفظ كرامته وتصون حقه في العلاج.

رهان على المستشفى العمومي

هذا الحراك الذي تشهده المستشفيات الجهوية ليس بمعزل عن رهان واسع تقوده الدولة في أعلى هرمها لإعادة الاعتبار إلى المستشفى العمومي باعتباره أحد أهم أركان المرفق العام وأداة أساسية لتكريس الحق في الصحة. وفي هذا السياق، يولي رئيس الجمهورية قيس سعيّد القطاع الصحي أهمية خاصة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الدولة مطالبة بضمان خدمات صحية عمومية قريبة من المواطن، وأن تطوير هذه الخدمات لا يمكن أن يظل رهين المؤسسات الاستشفائية الكبرى في العاصمة والمدن المجاورة. لذلك يبرز التوجه اليوم نحو دعم المؤسسات الجهوية وتأهيل بنيتها التحتية وتوفير التجهيزات وتطوير الاختصاصات الطبية والجراحية، حتى تصبح قادرة على الاضطلاع بدور أكبر في التكفل بالمرضى داخل جهاتهم.

ولا يقتصر رهان رئيس الدولة قيس سعيّد على الإبقاء على المستشفى العمومي قائمًا، وإنما يتجه نحو استعادة قدرته على المبادرة والأداء والاضطلاع بوظيفته الاجتماعية كاملة، دون أن تفرض عليه جغرافيا الإقامة رحلة علاج طويلة نحو المؤسسات الاستشفائية الكبرى.

الحق في علاج قريب وناجع

لقد ارتبط مفهوم الحق في الصحة في تونس، على مدار عقود، بوجود منظومة عمومية ساهمت في توفير العلاج لفئات هامة من المجتمع. لكن التحديات الجديدة تفرض اليوم التحول من مجرد ضمان وجود الخدمة إلى ضمان جودة الخدمة وقربها ونجاعتها واستمراريتها.

وبالتالي، فإن نجاح أول عملية جراحية بالمستشفى الجهوي بسبيطلة تختصر في تفاصيلها الصغيرة معاني كبيرة، قوامها أنه حين تتوفر اختصاصات جراحية دقيقة بجهة ما، وحين تصبح المؤسسة الجهوية قادرة على تقديم خدمة متقدمة، فإن المرفق العمومي يستعيد جزءًا من وظيفته الاجتماعية الأساسية.

المستشفى الجهوي جزء من الحل

في هذا الخضم تتجلى التوجيهات التي يوليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الصحي ضمن رؤية تجعل النهوض بالمرافق العمومية مسؤولية دولة، وتضع تحسين الخدمات في علاقة مباشرة بالعدالة الاجتماعية وبالإنصاف بين الجهات.

وفي هذا السياق، يصبح دعم المستشفيات الجهوية استثمارًا يتجاوز القطاع الصحي نفسه، ليلامس التنمية المحلية، والاستقرار الاجتماعي، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة وهياكلها.

ولذلك، فإن الإشعاع الذي حققته سبيطلة وغيرها من جهات الجمهورية يمثل جزءًا من معادلة شاملة تقوم على إعادة بناء المرفق العمومي من الداخل، وتطوير قدراته، وتوزيع الخدمات بصورة أكثر إنصافًا وعدلًا تجسيمًا لمبدأ العدالة الصحية الذي يكرسه رئيس الدولة قيس سعيّد.

إعادة رسم الخارطة الصحية

صحيح أن الطريق أمام المستشفيات الجهوية ما يزال طويلًا، وأن تركة عقود من الإهمال والتقصير واللامبالاة تفرض تحديات تتصل بالبنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية وتوزيع الاختصاصات الطبية، غير أن وجود إرادة سياسية واضحة يمكن أن يحول هذه المؤسسات إلى أحد أهم مفاتيح إعادة رسم الخارطة الصحية في تونس. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتوفير خدمة إضافية هنا أو تجهيز قسم هناك، وإنما بإعادة بناء منظومة أكثر توازنًا وعدلًا وإنصافًا تتوزع فيها الإمكانيات والخبرات والخدمات وفقًا لحاجيات المواطنين، وهو ما يجعل من دعم المستشفى العمومي والارتقاء بالمستشفيات الجهوية، في ظل توجيهات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خيارًا قادرًا على إحداث نقلة نوعية في علاقة المواطن بالمرفق الصحي العمومي.

وفي هذا الخضم، فإن الإشعاع الذي طال سبيطلة وقصر هلال وتطاوين وغيرها من الجهات يبعث برسالة إيجابية مفادها أن المستشفى الجهوي قادر على أن يكون فضاءً للطب المتقدم والاختصاص والكفاءة، وليس مجرد محطة عبور نحو المستشفيات الكبرى تتحقق لجهة ما، فكل عملية جراحية ناجحة، وكل اختصاص جديد يتم توفيره، وكل خدمة يتم تقريبها من المواطن، هي خطوات إضافية في اتجاه خارطة صحية أكثر عدلًا وتوازنًا. ولعل الرهان الأكبر اليوم هو أن تتراكم هذه النجاحات ويصبح المرفق الصحي العمومي أكثر قدرة على حماية صحة المواطن وصون كرامته، وتصبح المسافة بين المريض والعلاج أقصر من أي وقت مضى.

منال الحرزي

 

إحداث أقسام جديدة.. تحسين الخدمات الصحية في  المستشفيات الجهوية والمحلية

تونس - الصباح

دخلت اليوم المستشفيات الجهوية مرحلة جديدة عنوانها تطوير دائرة الخدمات الصحية وتعزيز قدرتها على خوض غمار العمليات الجراحية، بما يعيد رسم دورها داخل المنظومة الصحية الوطنية ويجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين في جهاتهم. ولعل انطلاق النشاط الجراحي بالمستشفى الجهوي بسبيطلة غرة سبتمبر الجاري وإجراء أول عملية جراحية بالمؤسسة يمثل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول الذي يتجاوز في جوهره البعد الطبي ليحمل أبعادًا اجتماعية وتنموية تتصل مباشرة بمبدأ العدالة الصحية بين الجهات.

 

ويأتي هذا التطور في سياق توجيهات الدولة في أعلى هرمها بتعزيز المرفق العمومي والنهوض بالمؤسسات الصحية وتطوير قدرتها على تقديم خدمات أكثر تنوعًا ونجاعة، بما يضع المواطن في صدارة الأولويات ويجعل الحق في العلاج مبدأ جوهريًا لا حياد عنه، ولا يقف هذا التطور عند حدود المستشفى الجهوي بسبيطلة، إذ شهدت الفترة الأخيرة مؤسسات صحية جهوية أخرى نجاحات لافتة في مجال الجراحة، بما يؤكد أن خارطة الخدمات الاستشفائية في الجهات بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا في مستوى الاختصاصات والتدخلات المتاحة. ففي المستشفى الجهوي الحاج علي صوة بقصر هلال، تم مؤخرًا إنجاز أول عملية استئصال كامل للفص الأيمن للكبد لمريض يعاني من نقائل كبدية، في تدخل جراحي دقيق أنجزه فريق طبي متخصص، الأمر الذي يعتبر سابقة من نوعها على مستوى مستشفى جهوي. وقبل ذلك، كان المستشفى الجهوي بتطاوين قد شهد بدوره نجاح أول تدخل جراحي لاستئصال ورم سرطاني باستعمال تقنية المنظار الجراحي. وتكشف هذه النجاحات، بتفاوت طبيعتها واختصاصاتها، عن إشعاع متنامٍ للمستشفيات الجهوية، كما تعكس قدرتها على استقطاب الكفاءات وتوظيف التقنيات الحديثة وتقديم تدخلات طبية كانت ترتبط في السابق بالمراكز الاستشفائية الكبرى، بما يعزز موقع هذه المؤسسات داخل المنظومة الصحية ويمنحها هامشًا مهمًا في تقريب دائرة الخدمات الطبية المتقدمة من المواطنين تماشيًا مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي شدد في عدد من المناسبات على ضرورة أن تمثل المستشفيات الجهوية ركيزة أساسية في المنظومة الصحية الوطنية، وأن تطويرها والارتقاء بخدماتها شرط جوهري لتحقيق العدالة الصحية بين مختلف الجهات.

ومن هذا المنطلق، تتجه الدولة اليوم إلى تعزيز قدرات هذه المؤسسات وتوفير الإمكانيات والتجهيزات اللازمة لها، بما يسمح بتوسيع نطاق تدخلاتها الطبية والجراحية والحد من اضطرار المرضى إلى التنقل نحو المستشفيات الجامعية والمراكز الاستشفائية الكبرى.

فأن تصبح الجراحة متاحة داخل مستشفى جهوي يعني عمليًا اختصار مسافات كانت تثقل كاهل المرضى وعائلاتهم، وتقليص الحاجة إلى التنقل نحو المركز أو نحو مؤسسات صحية في جهات أخرى، فضلًا عن المساهمة في تخفيف الضغط عن المستشفيات الكبرى.

وضمن هذا التمشي، يتجلى النجاح الذي حققه المستشفى الجوي بسبيطلة ضمن رهان شامل تقوده الدولة للنهوض بالمستشفيات الجهوية وتحويلها إلى رافعة صحية متطورة تكون أكثر قدرة على تقديم الرعاية الصحية اللازمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد قد شدد في عديد اللقاءات الرسمية مع صناع القرار في الشأن الصحي على أن تطوير المرفق العمومي لا يقتصر فقط على تحسين البنية التحتية أو توفير التجهيزات، وإنما يرتبط أساسًا بمدى قدرته على أداء وظيفته كاملة والاستجابة الفعلية لحاجيات المواطنين في مختلف جهات الجمهورية.

نحو عدالة صحية

لطالما ارتبطت مسألة العدالة الصحية بمدى قدرة المواطن - أينما كان - على تلقي العلاج دون أن يضطر إلى قطع مئات الكيلومترات.

وكلما تعززت قدرة المؤسسات الصحية الجهوية على تقديم خدمات متقدمة، كلما اقتربت المنظومة الصحية من تحقيق أحد أهم أهدافها الأساسية، وهي تقديم الرعاية الصحية للمواطن في محيطه.

ومن هنا، فإن انطلاق النشاط الجراحي بالمستشفى الجهوي بسبيطلة يمثل خطوة عملية في اتجاه تكريس هذا المبدأ الذي تراهن عليه اليوم الدولة وتعمل على تعميمه في باقي مناطق الجمهورية. وهذا التوجه يأتي في سياق توجيهات رئيس الدولة قيس سعيّد.

ويأتي هذا المسار في سياق عناية متواصلة يوليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الصحي، انطلاقًا من اعتبار الصحة حقًا أساسيًا للمواطن ومن أن الدولة مطالبة بضمان النفاذ إلى الخدمات العمومية في مختلف مناطق الجمهورية، وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى إعادة الاعتبار لدور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، وعلى تجاوز الإخلالات التي تراكمت على مدار سنوات وأثرت سلبًا في جودة الخدمات وفي ظروف عمل الإطارات والأعوان.

ولذلك، فإن تعزيز قدرات المستشفيات الجهوية، وتوفير التجهيزات الضرورية لها، ودعم مواردها البشرية، وتطوير أقسامها وخدماتها، جميعها خطوات تتقاطع مع الرؤية التي تؤكد أن إصلاح المرفق العمومي ينطلق من قدرته على استعادة وظيفته الأساسية التي تتمثل في تقديم خدمات للمواطن في ظروف ملائمة تحفظ كرامته وتصون حقه في العلاج.

رهان على المستشفى العمومي

هذا الحراك الذي تشهده المستشفيات الجهوية ليس بمعزل عن رهان واسع تقوده الدولة في أعلى هرمها لإعادة الاعتبار إلى المستشفى العمومي باعتباره أحد أهم أركان المرفق العام وأداة أساسية لتكريس الحق في الصحة. وفي هذا السياق، يولي رئيس الجمهورية قيس سعيّد القطاع الصحي أهمية خاصة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الدولة مطالبة بضمان خدمات صحية عمومية قريبة من المواطن، وأن تطوير هذه الخدمات لا يمكن أن يظل رهين المؤسسات الاستشفائية الكبرى في العاصمة والمدن المجاورة. لذلك يبرز التوجه اليوم نحو دعم المؤسسات الجهوية وتأهيل بنيتها التحتية وتوفير التجهيزات وتطوير الاختصاصات الطبية والجراحية، حتى تصبح قادرة على الاضطلاع بدور أكبر في التكفل بالمرضى داخل جهاتهم.

ولا يقتصر رهان رئيس الدولة قيس سعيّد على الإبقاء على المستشفى العمومي قائمًا، وإنما يتجه نحو استعادة قدرته على المبادرة والأداء والاضطلاع بوظيفته الاجتماعية كاملة، دون أن تفرض عليه جغرافيا الإقامة رحلة علاج طويلة نحو المؤسسات الاستشفائية الكبرى.

الحق في علاج قريب وناجع

لقد ارتبط مفهوم الحق في الصحة في تونس، على مدار عقود، بوجود منظومة عمومية ساهمت في توفير العلاج لفئات هامة من المجتمع. لكن التحديات الجديدة تفرض اليوم التحول من مجرد ضمان وجود الخدمة إلى ضمان جودة الخدمة وقربها ونجاعتها واستمراريتها.

وبالتالي، فإن نجاح أول عملية جراحية بالمستشفى الجهوي بسبيطلة تختصر في تفاصيلها الصغيرة معاني كبيرة، قوامها أنه حين تتوفر اختصاصات جراحية دقيقة بجهة ما، وحين تصبح المؤسسة الجهوية قادرة على تقديم خدمة متقدمة، فإن المرفق العمومي يستعيد جزءًا من وظيفته الاجتماعية الأساسية.

المستشفى الجهوي جزء من الحل

في هذا الخضم تتجلى التوجيهات التي يوليها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الصحي ضمن رؤية تجعل النهوض بالمرافق العمومية مسؤولية دولة، وتضع تحسين الخدمات في علاقة مباشرة بالعدالة الاجتماعية وبالإنصاف بين الجهات.

وفي هذا السياق، يصبح دعم المستشفيات الجهوية استثمارًا يتجاوز القطاع الصحي نفسه، ليلامس التنمية المحلية، والاستقرار الاجتماعي، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة وهياكلها.

ولذلك، فإن الإشعاع الذي حققته سبيطلة وغيرها من جهات الجمهورية يمثل جزءًا من معادلة شاملة تقوم على إعادة بناء المرفق العمومي من الداخل، وتطوير قدراته، وتوزيع الخدمات بصورة أكثر إنصافًا وعدلًا تجسيمًا لمبدأ العدالة الصحية الذي يكرسه رئيس الدولة قيس سعيّد.

إعادة رسم الخارطة الصحية

صحيح أن الطريق أمام المستشفيات الجهوية ما يزال طويلًا، وأن تركة عقود من الإهمال والتقصير واللامبالاة تفرض تحديات تتصل بالبنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية وتوزيع الاختصاصات الطبية، غير أن وجود إرادة سياسية واضحة يمكن أن يحول هذه المؤسسات إلى أحد أهم مفاتيح إعادة رسم الخارطة الصحية في تونس. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتوفير خدمة إضافية هنا أو تجهيز قسم هناك، وإنما بإعادة بناء منظومة أكثر توازنًا وعدلًا وإنصافًا تتوزع فيها الإمكانيات والخبرات والخدمات وفقًا لحاجيات المواطنين، وهو ما يجعل من دعم المستشفى العمومي والارتقاء بالمستشفيات الجهوية، في ظل توجيهات رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خيارًا قادرًا على إحداث نقلة نوعية في علاقة المواطن بالمرفق الصحي العمومي.

وفي هذا الخضم، فإن الإشعاع الذي طال سبيطلة وقصر هلال وتطاوين وغيرها من الجهات يبعث برسالة إيجابية مفادها أن المستشفى الجهوي قادر على أن يكون فضاءً للطب المتقدم والاختصاص والكفاءة، وليس مجرد محطة عبور نحو المستشفيات الكبرى تتحقق لجهة ما، فكل عملية جراحية ناجحة، وكل اختصاص جديد يتم توفيره، وكل خدمة يتم تقريبها من المواطن، هي خطوات إضافية في اتجاه خارطة صحية أكثر عدلًا وتوازنًا. ولعل الرهان الأكبر اليوم هو أن تتراكم هذه النجاحات ويصبح المرفق الصحي العمومي أكثر قدرة على حماية صحة المواطن وصون كرامته، وتصبح المسافة بين المريض والعلاج أقصر من أي وقت مضى.

منال الحرزي