-أي اختلاف بين التظاهرتين: هل الاختلاف في طبيعة التظاهرة أم في الجهة المنظمة، أم في المسؤوليات، أم في المعايير؟؟
-من المهم أن ننتبه إلى أن لا يتحول الموقع إلى مجرد منصة مفتوحة لكل ما هو جماهيري، بمعزل عن هويته التاريخية والثقافية.
تونس – الصباح
لم تكد أضواء الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي تنطفئ حتى عاد المسرح الأثري بقرطاج إلى استقبال الجمهور، ولكن هذه المرة تحت عنوان مختلف هو "قرطاج أوف". وبينما أسدل المهرجان الرسمي ستاره يوم 19 أوت بعد عشرين سهرة فنية، عاد الركح ذاته في بداية سبتمبر ليحتضن ست حفلات يشارك فيها عدد من بين أبرز نجوم الغناء العربي، من مي فاروق وهيفاء وهبي وآدم ويارا وبهاء سلطان ونانسي عجرم. وبذلك يبدو المسرح الأثري وكأنه يواصل موسمه الفني دون انقطاع، لكن تحت تسمية أخرى وإطار مختلف.
وهنا تحديدا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف: ما الفرق فعليا بين "قرطاج" و"قرطاج أوف"؟ فإذا كان المكان واحدا، والجمهور نفسه يبحث عن السهرة الفنية، والبرمجة في الحالتين تقوم بدرجة كبيرة على الأسماء الجماهيرية العربية والتونسية، فما الذي يجعل هذه السهرة جزءا من مهرجان قرطاج الدولي في حالة، وفي "قرطاج أوف" في حالة أخرى؟ هل الاختلاف في طبيعة التظاهرة؟ أم في الجهة المنظمة؟ أم في المسؤوليات؟ أم في المعايير التي تحكم اختيار الفنانين وتنظيم العروض؟ أم أن الفارق الأساسي هو فقط أن الأولى تقع داخل الفترة الرسمية للمهرجان والثانية خارجها؟
إيمان عبد اللطيف
السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما نستعيد ما أعلنته وزارة الشؤون الثقافية في بلاغ نشرته بتاريخ 12 جوان 2026، أي قبل انطلاق الدورة الستين بأسابيع قليلة. فقد أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم 11 جوان على جلسة عمل خصصت، وفق البلاغ، للنظر في تنظيم العروض الخاصة بالموقع الأثري بقرطاج خارج الفترة الرسمية للمهرجان، ضمن إطار "قرطاج أوف". ولم يكن البلاغ مجرد إعلان عن تنظيم سهرات إضافية، بل حمل جملة من العناوين الكبرى المتعلقة بالحوكمة والتنظيم وحماية التراث.
فالوزارة تحدثت يومها عن "مزيد إحكام تنظيم المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية"، وعن الارتقاء بآليات حوكمتها بما يضمن جودة البرمجة وحسن التصرف في المواقع الأثرية والتاريخية. كما أعلنت التوجه نحو وضع إطار تنظيمي واضح ودقيق للعروض الخاصة، واعتماد معايير صارمة عند إسناد تراخيص التنظيم، مع تحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين. وتحدث البلاغ أيضا عن إعداد كراسات شروط مرجعية تضبط الجوانب التنظيمية والفنية واللوجستية، وعن توحيد الإجراءات والحد من الممارسات التي قد تمس بحرمة المواقع الأثرية أو قيمتها الرمزية.
ولم يتوقف الأمر عند الجانب التنظيمي، إذ طرحت الوزارة آنذاك مقاربة تبدو متوازنة في ظاهرها بين تثمين المواقع الأثرية وتوظيفها في خدمة الفعل الثقافي والفني من جهة، والمحافظة على مكوناتها التراثية وصونها للأجيال القادمة من جهة أخرى، مع التأكيد على ضرورة انسجام طبيعة الأنشطة والعروض مع الخصائص التاريخية والثقافية للفضاءات التي تحتضنها.
لكن ماذا تقول الممارسة بعد فترة قليلة؟ هنا لا يتعلق الأمر بالاعتراض على مبدأ إقامة عروض خارج الفترة الرسمية لمهرجان قرطاج، ولا بالقول إن "قرطاج أوف" لا يحق له استضافة أسماء جماهيرية. فالمسرح الأثري فضاء ثقافي يمكن أن يكون حاضنا للحياة الفنية، وتثمين المواقع الأثرية عبر الثقافة والفن والسياحة يمكن أن يكون خيارا مشروعا ومطلوبا. وإنما الإشكال في السؤال عن الحدود الفاصلة بين التظاهرتين، وعن مدى وضوح هذه الحدود بالنسبة إلى الجمهور والمتلقي وحتى بالنسبة إلى صورة المسرح الأثري نفسه.
فالدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي قدمت عشرين سهرة، منها تسعة عشر عرضا موسيقيا وعرض مسرحي، وراوحت برمجتها بين الفنان التونسي والأسماء العربية والعروض الأجنبية. وقد ضمت صابر الرباعي والشاب خالد و"ذاجاكسونز" ونوردو وأنجيليك كيدجو وسامي يوسف وميادة الحناوي وإليسا وأمينة فاخت وماجدة الرومي وغيرهم، في برمجة قالت إدارة المهرجان إنها تراهن على تشجيع الفنان التونسي والتواصل بين الأجيال والانفتاح على ثقافات متنوعة.
وبعد أيام قليلة من نهاية هذه الدورة، عاد المسرح ليستقبل برمجة أخرى، لا تقل جماهيرية من حيث الأسماء. فالفنانة مي فاروق افتتحت "قرطاج أوف" في الأول من سبتمبر، ثم هيفاء وهبي في الثالث من الشهر الجاري، وآدم في الرابع من الشهر ضمن سهرة تحمل عنوان "ليلة السياحة التونسية"، ثم يارا في العاشر منه وبهاء سلطان في الحادي عشر، ونانسي عجرم في الثاني عشر من سبتمبر. وهي برمجة تجعل المسرح الأثري يظل في قلب المشهد الغنائي العربي حتى بعد نهاية المهرجان الرسمي.
هنا يصبح السؤال عن "قرطاج أوف" سؤالا عن "قرطاج" أيضا. فإذا كانت السهرات الخاصة قادرة على استقطاب أسماء جماهيرية بهذا الحجم، وإذا كان المسرح يواصل استقبال الجمهور في الفترة التي تلي المهرجان، فإن ذلك يكشف من جهة عن جاذبية المكان وقوة العلامة المرتبطة به، لكنه يفرض من جهة أخرى التفكير في القيمة التي تمنحها تسمية "مهرجان قرطاج الدولي" للعرض، وما الذي تضيفه المؤسسة الرسمية إلى السهرة مقارنة بعرض يقام في المسرح نفسه خارج إطار المهرجان.
إن المهرجان ليس مجرد مجموعة من الحفلات. هو، في الأصل، مشروع فني له هوية وخيارات وبرمجة ومسؤوليات، وهو أيضا مؤسسة تحمل اسم تونس وذاكرة ستين سنة من التراكم. أما السهرة الخاصة فهي في طبيعتها مختلفة، ويمكن أن تكون ناجحة جماهيريا وفنيا، لكنها تقوم على منطق آخر. وإذا كانت الحدود بين المنطقين غير واضحة، فإن السؤال لا يعود متعلقا بالاسم فقط، وإنما بمن يدير الفضاء وكيف تتم برمجة العروض ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
وهنا تستعيد عبارات البلاغ الوزاري أهميتها. ماذا يعني عمليا "إطار تنظيمي واضح ودقيق"؟ وما هي المعايير "الصارمة" التي يتم اعتمادها؟ وهل تختلف هذه المعايير بين السهرة التي تقام في إطار المهرجان الرسمي وتلك التي تقام خارجه؟ ومن يحدد مدى ملاءمة العرض لخصوصية الموقع الأثري؟ والأهم: هل توجد بالفعل كراسات شروط موحدة ومعلنة تضبط هذه المسائل أم أن الأمر ما يزال في مستوى التصورات التي وردت في البلاغ؟
هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في كل عرض يقام ضمن "قرطاج أوف"، كما لا تعني أن كل ما يبرمج داخل المهرجان الرسمي يستجيب بالضرورة إلى أعلى المعايير الفنية والتنظيمية. لكنها تعني أن المسرح الأثري، باعتباره موقعا تراثيا ذا رمزية استثنائية، يحتاج إلى رؤية واضحة لا تجعل اختلاف التسمية سببا في اختلاف مستوى الحوكمة أو المسؤولية أو حماية المكان.
بل إن استمرار النشاط في المسرح بعد نهاية الدورة الرسمية يمكن أن يكون فرصة حقيقية، لا مشكلة في حد ذاته. فبدلا من أن يظل الموقع الأثري مغلقا أو محدود الاستعمال، يمكن أن يتحول إلى فضاء ثقافي حي يجمع بين الفن والسياحة ويستقطب الجمهور التونسي والزائر الأجنبي. لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب أن يكون التثمين منظما، وأن تكون القواعد واضحة، وألا يتحول الموقع إلى مجرد منصة مفتوحة لكل ما هو جماهيري، بمعزل عن هويته التاريخية والثقافية والفنية.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر دقة:
هل نحن أمام مهرجان قرطاج وأمام "قرطاج أوف" بوصفهما تظاهرتين مختلفتين فعلا، أم أمام موسم واحد من العروض فوق المسرح نفسه، تتغير فيه الجهة المنظمة والتسمية والإطار الزمني فقط؟ أو بالأحرى، هل نحن أمام تظاهرة مختلفة فعلا أم أمام امتداد تجاري وفني لاسم قرطاج خارج المهرجان؟
قد يكون من السهل القول إن "قرطاج أوف" مجرد امتداد للسهرات بعد نهاية المهرجان، وقد يكون من السهل أيضا التعامل معه كظاهرة منفصلة لا علاقة لها بالدورة الرسمية. لكن الواقع أكثر تعقيدا: الجمهور الذي جلس في مدرجات المسرح خلال الدورة الستين هو نفسه الذي يعود إلى المكان في سبتمبر، والفنان الذي يعتلي الركح يظل بالنسبة إلى المتلقي "في قرطاج"، مهما تغيرت الصفة الرسمية للتظاهرة.
وهنا تكمن أهمية السؤال: فإذا كان الاختلاف جوهريا، فمن حق الجمهور أن يعرفه، وإذا كان شكليا، فإن تجربة صيف 2026 تفتح نقاشا أوسع حول من يدير المسرح الأثري، وبأي معايير، ولأي أهداف. أما إذا كانت الوزارة قد أعلنت في 12 جوان المنقضي عن منظومة جديدة للحوكمة والتأطير وحماية الموقع، فإن الاختبار الحقيقي لهذه المنظومة لا يكون في البلاغات، وإنما في الممارسة، وفي قدرة المؤسسة على تحويل تلك المبادئ إلى قواعد واضحة يشعر بها الجمهور ويرى أثرها على الأرض.
-أي اختلاف بين التظاهرتين: هل الاختلاف في طبيعة التظاهرة أم في الجهة المنظمة، أم في المسؤوليات، أم في المعايير؟؟
-من المهم أن ننتبه إلى أن لا يتحول الموقع إلى مجرد منصة مفتوحة لكل ما هو جماهيري، بمعزل عن هويته التاريخية والثقافية.
تونس – الصباح
لم تكد أضواء الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي تنطفئ حتى عاد المسرح الأثري بقرطاج إلى استقبال الجمهور، ولكن هذه المرة تحت عنوان مختلف هو "قرطاج أوف". وبينما أسدل المهرجان الرسمي ستاره يوم 19 أوت بعد عشرين سهرة فنية، عاد الركح ذاته في بداية سبتمبر ليحتضن ست حفلات يشارك فيها عدد من بين أبرز نجوم الغناء العربي، من مي فاروق وهيفاء وهبي وآدم ويارا وبهاء سلطان ونانسي عجرم. وبذلك يبدو المسرح الأثري وكأنه يواصل موسمه الفني دون انقطاع، لكن تحت تسمية أخرى وإطار مختلف.
وهنا تحديدا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف: ما الفرق فعليا بين "قرطاج" و"قرطاج أوف"؟ فإذا كان المكان واحدا، والجمهور نفسه يبحث عن السهرة الفنية، والبرمجة في الحالتين تقوم بدرجة كبيرة على الأسماء الجماهيرية العربية والتونسية، فما الذي يجعل هذه السهرة جزءا من مهرجان قرطاج الدولي في حالة، وفي "قرطاج أوف" في حالة أخرى؟ هل الاختلاف في طبيعة التظاهرة؟ أم في الجهة المنظمة؟ أم في المسؤوليات؟ أم في المعايير التي تحكم اختيار الفنانين وتنظيم العروض؟ أم أن الفارق الأساسي هو فقط أن الأولى تقع داخل الفترة الرسمية للمهرجان والثانية خارجها؟
إيمان عبد اللطيف
السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما نستعيد ما أعلنته وزارة الشؤون الثقافية في بلاغ نشرته بتاريخ 12 جوان 2026، أي قبل انطلاق الدورة الستين بأسابيع قليلة. فقد أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم 11 جوان على جلسة عمل خصصت، وفق البلاغ، للنظر في تنظيم العروض الخاصة بالموقع الأثري بقرطاج خارج الفترة الرسمية للمهرجان، ضمن إطار "قرطاج أوف". ولم يكن البلاغ مجرد إعلان عن تنظيم سهرات إضافية، بل حمل جملة من العناوين الكبرى المتعلقة بالحوكمة والتنظيم وحماية التراث.
فالوزارة تحدثت يومها عن "مزيد إحكام تنظيم المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية"، وعن الارتقاء بآليات حوكمتها بما يضمن جودة البرمجة وحسن التصرف في المواقع الأثرية والتاريخية. كما أعلنت التوجه نحو وضع إطار تنظيمي واضح ودقيق للعروض الخاصة، واعتماد معايير صارمة عند إسناد تراخيص التنظيم، مع تحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين. وتحدث البلاغ أيضا عن إعداد كراسات شروط مرجعية تضبط الجوانب التنظيمية والفنية واللوجستية، وعن توحيد الإجراءات والحد من الممارسات التي قد تمس بحرمة المواقع الأثرية أو قيمتها الرمزية.
ولم يتوقف الأمر عند الجانب التنظيمي، إذ طرحت الوزارة آنذاك مقاربة تبدو متوازنة في ظاهرها بين تثمين المواقع الأثرية وتوظيفها في خدمة الفعل الثقافي والفني من جهة، والمحافظة على مكوناتها التراثية وصونها للأجيال القادمة من جهة أخرى، مع التأكيد على ضرورة انسجام طبيعة الأنشطة والعروض مع الخصائص التاريخية والثقافية للفضاءات التي تحتضنها.
لكن ماذا تقول الممارسة بعد فترة قليلة؟ هنا لا يتعلق الأمر بالاعتراض على مبدأ إقامة عروض خارج الفترة الرسمية لمهرجان قرطاج، ولا بالقول إن "قرطاج أوف" لا يحق له استضافة أسماء جماهيرية. فالمسرح الأثري فضاء ثقافي يمكن أن يكون حاضنا للحياة الفنية، وتثمين المواقع الأثرية عبر الثقافة والفن والسياحة يمكن أن يكون خيارا مشروعا ومطلوبا. وإنما الإشكال في السؤال عن الحدود الفاصلة بين التظاهرتين، وعن مدى وضوح هذه الحدود بالنسبة إلى الجمهور والمتلقي وحتى بالنسبة إلى صورة المسرح الأثري نفسه.
فالدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي قدمت عشرين سهرة، منها تسعة عشر عرضا موسيقيا وعرض مسرحي، وراوحت برمجتها بين الفنان التونسي والأسماء العربية والعروض الأجنبية. وقد ضمت صابر الرباعي والشاب خالد و"ذاجاكسونز" ونوردو وأنجيليك كيدجو وسامي يوسف وميادة الحناوي وإليسا وأمينة فاخت وماجدة الرومي وغيرهم، في برمجة قالت إدارة المهرجان إنها تراهن على تشجيع الفنان التونسي والتواصل بين الأجيال والانفتاح على ثقافات متنوعة.
وبعد أيام قليلة من نهاية هذه الدورة، عاد المسرح ليستقبل برمجة أخرى، لا تقل جماهيرية من حيث الأسماء. فالفنانة مي فاروق افتتحت "قرطاج أوف" في الأول من سبتمبر، ثم هيفاء وهبي في الثالث من الشهر الجاري، وآدم في الرابع من الشهر ضمن سهرة تحمل عنوان "ليلة السياحة التونسية"، ثم يارا في العاشر منه وبهاء سلطان في الحادي عشر، ونانسي عجرم في الثاني عشر من سبتمبر. وهي برمجة تجعل المسرح الأثري يظل في قلب المشهد الغنائي العربي حتى بعد نهاية المهرجان الرسمي.
هنا يصبح السؤال عن "قرطاج أوف" سؤالا عن "قرطاج" أيضا. فإذا كانت السهرات الخاصة قادرة على استقطاب أسماء جماهيرية بهذا الحجم، وإذا كان المسرح يواصل استقبال الجمهور في الفترة التي تلي المهرجان، فإن ذلك يكشف من جهة عن جاذبية المكان وقوة العلامة المرتبطة به، لكنه يفرض من جهة أخرى التفكير في القيمة التي تمنحها تسمية "مهرجان قرطاج الدولي" للعرض، وما الذي تضيفه المؤسسة الرسمية إلى السهرة مقارنة بعرض يقام في المسرح نفسه خارج إطار المهرجان.
إن المهرجان ليس مجرد مجموعة من الحفلات. هو، في الأصل، مشروع فني له هوية وخيارات وبرمجة ومسؤوليات، وهو أيضا مؤسسة تحمل اسم تونس وذاكرة ستين سنة من التراكم. أما السهرة الخاصة فهي في طبيعتها مختلفة، ويمكن أن تكون ناجحة جماهيريا وفنيا، لكنها تقوم على منطق آخر. وإذا كانت الحدود بين المنطقين غير واضحة، فإن السؤال لا يعود متعلقا بالاسم فقط، وإنما بمن يدير الفضاء وكيف تتم برمجة العروض ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
وهنا تستعيد عبارات البلاغ الوزاري أهميتها. ماذا يعني عمليا "إطار تنظيمي واضح ودقيق"؟ وما هي المعايير "الصارمة" التي يتم اعتمادها؟ وهل تختلف هذه المعايير بين السهرة التي تقام في إطار المهرجان الرسمي وتلك التي تقام خارجه؟ ومن يحدد مدى ملاءمة العرض لخصوصية الموقع الأثري؟ والأهم: هل توجد بالفعل كراسات شروط موحدة ومعلنة تضبط هذه المسائل أم أن الأمر ما يزال في مستوى التصورات التي وردت في البلاغ؟
هذه الأسئلة لا تعني التشكيك في كل عرض يقام ضمن "قرطاج أوف"، كما لا تعني أن كل ما يبرمج داخل المهرجان الرسمي يستجيب بالضرورة إلى أعلى المعايير الفنية والتنظيمية. لكنها تعني أن المسرح الأثري، باعتباره موقعا تراثيا ذا رمزية استثنائية، يحتاج إلى رؤية واضحة لا تجعل اختلاف التسمية سببا في اختلاف مستوى الحوكمة أو المسؤولية أو حماية المكان.
بل إن استمرار النشاط في المسرح بعد نهاية الدورة الرسمية يمكن أن يكون فرصة حقيقية، لا مشكلة في حد ذاته. فبدلا من أن يظل الموقع الأثري مغلقا أو محدود الاستعمال، يمكن أن يتحول إلى فضاء ثقافي حي يجمع بين الفن والسياحة ويستقطب الجمهور التونسي والزائر الأجنبي. لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب أن يكون التثمين منظما، وأن تكون القواعد واضحة، وألا يتحول الموقع إلى مجرد منصة مفتوحة لكل ما هو جماهيري، بمعزل عن هويته التاريخية والثقافية والفنية.
ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر دقة:
هل نحن أمام مهرجان قرطاج وأمام "قرطاج أوف" بوصفهما تظاهرتين مختلفتين فعلا، أم أمام موسم واحد من العروض فوق المسرح نفسه، تتغير فيه الجهة المنظمة والتسمية والإطار الزمني فقط؟ أو بالأحرى، هل نحن أمام تظاهرة مختلفة فعلا أم أمام امتداد تجاري وفني لاسم قرطاج خارج المهرجان؟
قد يكون من السهل القول إن "قرطاج أوف" مجرد امتداد للسهرات بعد نهاية المهرجان، وقد يكون من السهل أيضا التعامل معه كظاهرة منفصلة لا علاقة لها بالدورة الرسمية. لكن الواقع أكثر تعقيدا: الجمهور الذي جلس في مدرجات المسرح خلال الدورة الستين هو نفسه الذي يعود إلى المكان في سبتمبر، والفنان الذي يعتلي الركح يظل بالنسبة إلى المتلقي "في قرطاج"، مهما تغيرت الصفة الرسمية للتظاهرة.
وهنا تكمن أهمية السؤال: فإذا كان الاختلاف جوهريا، فمن حق الجمهور أن يعرفه، وإذا كان شكليا، فإن تجربة صيف 2026 تفتح نقاشا أوسع حول من يدير المسرح الأثري، وبأي معايير، ولأي أهداف. أما إذا كانت الوزارة قد أعلنت في 12 جوان المنقضي عن منظومة جديدة للحوكمة والتأطير وحماية الموقع، فإن الاختبار الحقيقي لهذه المنظومة لا يكون في البلاغات، وإنما في الممارسة، وفي قدرة المؤسسة على تحويل تلك المبادئ إلى قواعد واضحة يشعر بها الجمهور ويرى أثرها على الأرض.