أعادت الأزمات الأخيرة، من الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي إلى النقص المسجل في مختلف أصناف المياه المعدنية، إلى الواجهة مسألة أساسية تتجاوز طبيعة هذه الاضطرابات وأسبابها المباشرة، لتتصل بمدى قدرة مختلف هياكل الدولة على استباق الإخلالات والإشكاليات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات حادة.
فبين ضرورة التدخل العاجل وأهمية البحث عن الأسباب التي أفضت إلى الإشكاليات سالفة الذكر، يطرح تساؤل ملحّ: هل كان بالإمكان رصد مواطن الخلل واتخاذ التدابير اللازمة قبل تعقّد الأوضاع؟ خاصة وأن الدولة في أعلى هرمها شددت في أكثر من مناسبة على ضرورة استباق الأزمات ورصد مكامن الخلل، باعتبار أن حسن إدارة الشأن العام يقتضي الاستعداد المسبق واليقظة الدائمة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتفادي الأزمات أو الحد من تداعياتها.
وفي هذا الخصوص، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ضرورة استباق الأزمات وعدم انتظار تفاقمها حتى يتم اتخاذ مختلف الإجراءات أو التدابير اللازمة.
وهذه المقاربة تقتضي المتابعة المستمرة واليقظة والقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، حتى يتسنى لمختلف هياكل الدولة أن تكون أكثر استعدادا لمواجهة مختلف التحديات وحماية استمرارية الخدمات والمرافق العمومية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد في عديد اللقاءات الرسمية مع عدد من أعضاء الحكومة أن المسؤولية لا تبدأ عند اندلاع الأزمة، وأن المطلوب من المسؤولين هو قراءة الواقع والتحسب لما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات، لا سيما في ظل تحولات مناخية واقتصادية واجتماعية متسارعة، تجعل من الاستباق ضرورة ملحة في إدارة الشأن العام.
أهمية الجاهزية
كشفت الانقطاعات المتتالية للكهرباء عن مقاربة هامة تتعلق بضرورة الاطلاع الجيد على مدى قدرة المنظومة على تحمل فترات الذروة، ومدى جاهزية من هم في مواقع القرار الأولى لوضع خطط واضحة للتدخل السريع والناجع.
أما النقص الذي سجل في مختلف أصناف المياه المعدنية، فقد أعاد بدوره طرح مسألة جوهرية تتعلق بأهمية محاربة الاحتكار، لا سيما أن فرق الشرطة العدلية حجزت آلاف قوارير المياه المعدنية المخزنة بطريقة غير قانونية في عدة ولايات من الجمهورية. وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة التصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة، وأنه لا مجال مطلقا للتلاعب بأبسط حاجيات المواطن اليومية.
وهذا الطرح يفرض المزيد من اليقظة والرقابة الاستباقية على مسالك الإنتاج والتوزيع والتخزين، حتى لا يجد المحتكرون في أي اضطراب ظرفي فرصة لتحقيق مكاسب على حساب المواطنين.
وضمن هذه المقاربة، فإن مسؤولية الهياكل المعنية لا تتوقف عند حدود التدخل عندما يصبح النقص واضحا، وإنما تشمل متابعة السوق بشكل مستمر، وضمان انتظام التوزيع والتصدي لأي ممارسات يمكن أن تؤدي إلى اضطراب التزود.
ضرورة الاستباق
لعل القاسم المشترك في أزمتي الماء والكهرباء هو غياب التخطيط المسبق وعدم التعاطي مع الأزمات المتوقعة أو "المفاجآت" بمنطق الاستباق، رغم أن الدولة في أعلى هرمها دعت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة أن تكون مؤسسات الدولة في حالة يقظة دائمة، وأن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته في متابعة الملفات الموكولة إليه، بما يتيح رصد الإشكاليات في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات الضرورية.
لا سيما أن المراد اليوم ليس فقط التدخل عند وقوع الأزمة، وإنما البحث عن حلول لتجاوزها عبر تدعيم جاهزية التوقع والاستعداد. فاليقظة الدائمة والمتابعة الدقيقة هما أساس إدارة عمومية قادرة على حماية مصالح المواطنين وضمان استمرارية المرافق والخدمات الحيوية.
فئة جديدة من المسؤولين
وضمن هذه المقاربة، يرى كثيرون أن أزمتي الماء والكهرباء قد بينتا أن البلاد تحتاج إلى نوعية أخرى من المسؤولين، ممن يمتلكون القدرة على الاستباق والجرأة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، لطالما اعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أن على المسؤولين اليوم أن يعوا جيدا تحديات المرحلة الراهنة، وأن يكونوا على درجة عالية من اليقظة والجاهزية وسرعة التعاطي مع مختلف المستجدات.
فالمسؤول، في مثل هذه الظروف، مطالب بقراءة الواقع عن قرب، والإنصات إلى مشاغل المواطنين، ورصد مواطن الخلل في وقت مبكر، ثم المبادرة باتخاذ القرارات الكفيلة بمعالجتها في إطار القانون. ذلك أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل إدارة تقوم على الانتظار والتردد، وإنما تقتضي مسؤولين قادرين على المبادرة وتحويل المتابعة اليومية إلى إجراءات عملية، بما يضمن نجاعة العمل العمومي ويجنب البلاد كلفة الأزمات التي كان من الممكن الحد من تداعياتها أو تفاديها.
إدارة الأزمات
يتفق كثيرون على أن التحديات والضغوطات الراهنة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو مناخية، تفرض على جميع أجهزة وهياكل الدولة تفعيل ما يعرف بإدارة الأزمات، ولكن وفق مقاربة تقوم أساسا على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لمختلف السيناريوهات الممكنة.
فالتحديات والأزمات المفاجئة تقتضي بناء منظومة إدارية أكثر يقظة وقدرة على رصد المؤشرات المبكرة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، تبدو تونس في حاجة إلى تعزيز منظومات الإنذار المبكر في مختلف القطاعات الحيوية، ليس فقط في مجال الكوارث الطبيعية، بل أيضا في الطاقة والماء والمواد الأساسية والنقل والصحة وغيرها.
المتابعة الميدانية.. آلية تكمل الاستباق
وضمن هذا التمشي، لا يمكن أن تنجح سياسة الاستباق دون متابعة فعلية ومستمرة. فالتخطيط، مهما كانت دقته، يحتاج إلى مراجعة دائمة على ضوء المستجدات الراهنة، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين القرار المركزي والميدان، وبين الأرقام التي تقدمها التقارير وما يعيشه المواطن فعليا.
وفي هذا الصدد، أولى رئيس الجمهورية قيس سعيد أهمية خاصة للمتابعة المباشرة للملفات وللمعاينة الميدانية، انطلاقا من قناعة بأن الميدان يظل الفيصل في تقييم مدى نجاعة السياسات والقرارات ومدى ملاءمتها للواقع.
وفي هذا الخضم، فإن التحدي الجوهري في المرحلة الراهنة، وتحسبا لأي طوارئ أو مستجدات، يكمن في تعزيز المسؤولية داخل أجهزة الدولة. فالاستباق لا يمكن أن يتحول إلى واقع إذا بقيت المبادرة مرتبطة بانتظار توجيهات أو تعليمات من أعلى هرم السلطة.
فكل مسؤول يفترض أن يعي جيدا مجال اختصاصه، وكل مؤسسة مخول لها اتخاذ القرارات والتدابير المناسبة في إطار ما يسمح به القانون.
فما تحتاجه تونس اليوم هو أن تتحول ثقافة الاستباق من شعار إلى آليات عمل ملموسة، من خلال اجتماعات دورية لتقييم المخاطر، ومؤشرات للإنذار المبكر، وخطط للتدخل، وتنسيق بين مختلف الهياكل، ومساءلة عند التقصير.
استباق الأزمات.. رهان الدولة
قد تكون انقطاعات الكهرباء أو اضطرابات التزود ظرفية ومحدودة زمنيا، ودون الخوض في الأسباب التي أفضت إليها، فقد تجد الجهات المعنية الحلول التقنية والعملية الكفيلة بتجاوزها، لكن الدرس الذي وجب استخلاصه هو أن هذه الأزمات قد تكون منطلقا للقيام بمراجعات هيكلية في آليات التسيير والبحث عن مكامن الخلل.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد المتواصلة إلى الاستباق تطرح رؤية شاملة لإدارة الدولة، تقوم على اليقظة والمتابعة وتحمل المسؤولية.
وبين انقطاعات الكهرباء والنقص في بعض المنتجات، تبرز حقيقة واحدة، وهي أن الأزمة لا تبدأ حين يشعر بها المواطن، وإنما تبدأ مؤشراتها بالظهور قبل بأسابيع أو أشهر، وهذه المؤشرات الصغيرة كان بالإمكان التقاطها والتعامل معها في الوقت المناسب.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض مزيدا من اليقظة والمتابعة، وتجسيد التوجيهات المتعلقة بالاستباق في إجراءات عملية داخل كل مؤسسة ومرفق عمومي. فالتحدي لا يكمن في احتواء الأزمة وتجاوزها بأخف الأضرار، وإنما في بناء دولة تمتلك آليات متابعة تجعلها أكثر قدرة على منعها أو الحد من آثارها.
وبالتالي، فإن المراد اليوم، وفقا لتوجه الدولة في أعلى هرمها، ترسيخ دولة الاستباق والمتابعة؛ دولة تجعل من اليقظة والتخطيط والمسؤولية آليات دائمة لحماية مصالح المواطنين وضمان استمرارية المرافق والخدمات. فحين يصبح الاستباق جزءا من ثقافة الإدارة، تصبح قدرة الدولة على حماية مواطنيها أكثر فاعلية ونجاعة.
منال حرزي
تونس-الصباح
أعادت الأزمات الأخيرة، من الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي إلى النقص المسجل في مختلف أصناف المياه المعدنية، إلى الواجهة مسألة أساسية تتجاوز طبيعة هذه الاضطرابات وأسبابها المباشرة، لتتصل بمدى قدرة مختلف هياكل الدولة على استباق الإخلالات والإشكاليات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات حادة.
فبين ضرورة التدخل العاجل وأهمية البحث عن الأسباب التي أفضت إلى الإشكاليات سالفة الذكر، يطرح تساؤل ملحّ: هل كان بالإمكان رصد مواطن الخلل واتخاذ التدابير اللازمة قبل تعقّد الأوضاع؟ خاصة وأن الدولة في أعلى هرمها شددت في أكثر من مناسبة على ضرورة استباق الأزمات ورصد مكامن الخلل، باعتبار أن حسن إدارة الشأن العام يقتضي الاستعداد المسبق واليقظة الدائمة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتفادي الأزمات أو الحد من تداعياتها.
وفي هذا الخصوص، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ضرورة استباق الأزمات وعدم انتظار تفاقمها حتى يتم اتخاذ مختلف الإجراءات أو التدابير اللازمة.
وهذه المقاربة تقتضي المتابعة المستمرة واليقظة والقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، حتى يتسنى لمختلف هياكل الدولة أن تكون أكثر استعدادا لمواجهة مختلف التحديات وحماية استمرارية الخدمات والمرافق العمومية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة قيس سعيد في عديد اللقاءات الرسمية مع عدد من أعضاء الحكومة أن المسؤولية لا تبدأ عند اندلاع الأزمة، وأن المطلوب من المسؤولين هو قراءة الواقع والتحسب لما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات، لا سيما في ظل تحولات مناخية واقتصادية واجتماعية متسارعة، تجعل من الاستباق ضرورة ملحة في إدارة الشأن العام.
أهمية الجاهزية
كشفت الانقطاعات المتتالية للكهرباء عن مقاربة هامة تتعلق بضرورة الاطلاع الجيد على مدى قدرة المنظومة على تحمل فترات الذروة، ومدى جاهزية من هم في مواقع القرار الأولى لوضع خطط واضحة للتدخل السريع والناجع.
أما النقص الذي سجل في مختلف أصناف المياه المعدنية، فقد أعاد بدوره طرح مسألة جوهرية تتعلق بأهمية محاربة الاحتكار، لا سيما أن فرق الشرطة العدلية حجزت آلاف قوارير المياه المعدنية المخزنة بطريقة غير قانونية في عدة ولايات من الجمهورية. وفي هذا الإطار، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة التصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة، وأنه لا مجال مطلقا للتلاعب بأبسط حاجيات المواطن اليومية.
وهذا الطرح يفرض المزيد من اليقظة والرقابة الاستباقية على مسالك الإنتاج والتوزيع والتخزين، حتى لا يجد المحتكرون في أي اضطراب ظرفي فرصة لتحقيق مكاسب على حساب المواطنين.
وضمن هذه المقاربة، فإن مسؤولية الهياكل المعنية لا تتوقف عند حدود التدخل عندما يصبح النقص واضحا، وإنما تشمل متابعة السوق بشكل مستمر، وضمان انتظام التوزيع والتصدي لأي ممارسات يمكن أن تؤدي إلى اضطراب التزود.
ضرورة الاستباق
لعل القاسم المشترك في أزمتي الماء والكهرباء هو غياب التخطيط المسبق وعدم التعاطي مع الأزمات المتوقعة أو "المفاجآت" بمنطق الاستباق، رغم أن الدولة في أعلى هرمها دعت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة أن تكون مؤسسات الدولة في حالة يقظة دائمة، وأن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته في متابعة الملفات الموكولة إليه، بما يتيح رصد الإشكاليات في الوقت المناسب واتخاذ الإجراءات الضرورية.
لا سيما أن المراد اليوم ليس فقط التدخل عند وقوع الأزمة، وإنما البحث عن حلول لتجاوزها عبر تدعيم جاهزية التوقع والاستعداد. فاليقظة الدائمة والمتابعة الدقيقة هما أساس إدارة عمومية قادرة على حماية مصالح المواطنين وضمان استمرارية المرافق والخدمات الحيوية.
فئة جديدة من المسؤولين
وضمن هذه المقاربة، يرى كثيرون أن أزمتي الماء والكهرباء قد بينتا أن البلاد تحتاج إلى نوعية أخرى من المسؤولين، ممن يمتلكون القدرة على الاستباق والجرأة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، لطالما اعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أن على المسؤولين اليوم أن يعوا جيدا تحديات المرحلة الراهنة، وأن يكونوا على درجة عالية من اليقظة والجاهزية وسرعة التعاطي مع مختلف المستجدات.
فالمسؤول، في مثل هذه الظروف، مطالب بقراءة الواقع عن قرب، والإنصات إلى مشاغل المواطنين، ورصد مواطن الخلل في وقت مبكر، ثم المبادرة باتخاذ القرارات الكفيلة بمعالجتها في إطار القانون. ذلك أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل إدارة تقوم على الانتظار والتردد، وإنما تقتضي مسؤولين قادرين على المبادرة وتحويل المتابعة اليومية إلى إجراءات عملية، بما يضمن نجاعة العمل العمومي ويجنب البلاد كلفة الأزمات التي كان من الممكن الحد من تداعياتها أو تفاديها.
إدارة الأزمات
يتفق كثيرون على أن التحديات والضغوطات الراهنة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو مناخية، تفرض على جميع أجهزة وهياكل الدولة تفعيل ما يعرف بإدارة الأزمات، ولكن وفق مقاربة تقوم أساسا على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لمختلف السيناريوهات الممكنة.
فالتحديات والأزمات المفاجئة تقتضي بناء منظومة إدارية أكثر يقظة وقدرة على رصد المؤشرات المبكرة، والتنسيق بين مختلف المتدخلين، واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، تبدو تونس في حاجة إلى تعزيز منظومات الإنذار المبكر في مختلف القطاعات الحيوية، ليس فقط في مجال الكوارث الطبيعية، بل أيضا في الطاقة والماء والمواد الأساسية والنقل والصحة وغيرها.
المتابعة الميدانية.. آلية تكمل الاستباق
وضمن هذا التمشي، لا يمكن أن تنجح سياسة الاستباق دون متابعة فعلية ومستمرة. فالتخطيط، مهما كانت دقته، يحتاج إلى مراجعة دائمة على ضوء المستجدات الراهنة، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين القرار المركزي والميدان، وبين الأرقام التي تقدمها التقارير وما يعيشه المواطن فعليا.
وفي هذا الصدد، أولى رئيس الجمهورية قيس سعيد أهمية خاصة للمتابعة المباشرة للملفات وللمعاينة الميدانية، انطلاقا من قناعة بأن الميدان يظل الفيصل في تقييم مدى نجاعة السياسات والقرارات ومدى ملاءمتها للواقع.
وفي هذا الخضم، فإن التحدي الجوهري في المرحلة الراهنة، وتحسبا لأي طوارئ أو مستجدات، يكمن في تعزيز المسؤولية داخل أجهزة الدولة. فالاستباق لا يمكن أن يتحول إلى واقع إذا بقيت المبادرة مرتبطة بانتظار توجيهات أو تعليمات من أعلى هرم السلطة.
فكل مسؤول يفترض أن يعي جيدا مجال اختصاصه، وكل مؤسسة مخول لها اتخاذ القرارات والتدابير المناسبة في إطار ما يسمح به القانون.
فما تحتاجه تونس اليوم هو أن تتحول ثقافة الاستباق من شعار إلى آليات عمل ملموسة، من خلال اجتماعات دورية لتقييم المخاطر، ومؤشرات للإنذار المبكر، وخطط للتدخل، وتنسيق بين مختلف الهياكل، ومساءلة عند التقصير.
استباق الأزمات.. رهان الدولة
قد تكون انقطاعات الكهرباء أو اضطرابات التزود ظرفية ومحدودة زمنيا، ودون الخوض في الأسباب التي أفضت إليها، فقد تجد الجهات المعنية الحلول التقنية والعملية الكفيلة بتجاوزها، لكن الدرس الذي وجب استخلاصه هو أن هذه الأزمات قد تكون منطلقا للقيام بمراجعات هيكلية في آليات التسيير والبحث عن مكامن الخلل.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد المتواصلة إلى الاستباق تطرح رؤية شاملة لإدارة الدولة، تقوم على اليقظة والمتابعة وتحمل المسؤولية.
وبين انقطاعات الكهرباء والنقص في بعض المنتجات، تبرز حقيقة واحدة، وهي أن الأزمة لا تبدأ حين يشعر بها المواطن، وإنما تبدأ مؤشراتها بالظهور قبل بأسابيع أو أشهر، وهذه المؤشرات الصغيرة كان بالإمكان التقاطها والتعامل معها في الوقت المناسب.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض مزيدا من اليقظة والمتابعة، وتجسيد التوجيهات المتعلقة بالاستباق في إجراءات عملية داخل كل مؤسسة ومرفق عمومي. فالتحدي لا يكمن في احتواء الأزمة وتجاوزها بأخف الأضرار، وإنما في بناء دولة تمتلك آليات متابعة تجعلها أكثر قدرة على منعها أو الحد من آثارها.
وبالتالي، فإن المراد اليوم، وفقا لتوجه الدولة في أعلى هرمها، ترسيخ دولة الاستباق والمتابعة؛ دولة تجعل من اليقظة والتخطيط والمسؤولية آليات دائمة لحماية مصالح المواطنين وضمان استمرارية المرافق والخدمات. فحين يصبح الاستباق جزءا من ثقافة الإدارة، تصبح قدرة الدولة على حماية مواطنيها أكثر فاعلية ونجاعة.